Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
ولا يجار عليه كما صرح بذلك في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾. والعرب تقول: أنا جار لك وصاحب من فلان؛ أي مجير لك منه. ومنه قول الشاعر:
ينادي بأعلى صوته متعوذًا ... ليُصحَب منَّا والرماح دواني
يعتي ليجار ويغاث منا. وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا؛ كقول بعضهم: ﴿يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ يمنعون. وقول بعضهم: ينصرون. وقول بعضهم: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل الرحمة صاحبًا لهم. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَال عَلَيهِمُ الْعُمُرُ﴾ .
الظاهر أن الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ في هذه الآية الكريمة انتقالي، والإشارة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الآية، وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. والمعنى: أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة، وأن ذلك يزيدهم كفرًا وضلالًا؛ جاء موضحًا في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ
стр. 2592
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعمر يطلق على مدة العيش.
• قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ .
في معنى إتيان الله الأرض ينقصها من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة للعلماء؛ وبعضها تدل له قرينة قرآنية.
قال بعض العلماء: نقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن أبي هريرة. وبُعْد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ظاهر كما ترى.
وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها خرابها عند موت أهلها.
وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات، إلى غير ذلك من الأقوال، وأما القول الذي دلت عليه القرينة القرآنية: فهو أن معنى ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها، وردها دار إسلام. والقرينة الدالة على
стр. 2593
هذا المعنى هي قوله بعده: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤﴾، والاستفهام لإنكار غلبتهم. وقيل: لتقريرهم بأنهم مغلوبون لا غالبون فقوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ دليل على أن نقص الأرض من أطرافها سبب لغلبة المسلمين للكفار، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور. ومما يدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ على قول من قال: إن المراد بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ﷺ تفتح أطراف بلادهم , أو تحل أنت يا نبي الله قريبًا من دارهم. وممن يُروى عنه هذا القول: ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم. وهذا المعنى الذي ذكر الله هنا ذكره في آخر سورة "الرعد" أيضًا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(٤١)﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير آية "الأنبياء" هذه: إن أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ما ذكره ابن كثير ﵀ صواب، واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يري كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به. وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كقوم صالح وقوم
стр. 2594
لوط وقوم هود وسبإ، فاحذروا من تكذيب نبينا محمد ﷺ ، لئلا تنزل بكم مثل ما أنزلنا بهم. وهذا الوجه لا ينافي قوله بعده: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ والمعنى: أن الغلبة لحزب الله القادر على كل شيء، الذي أهلك ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم رسلهم، وأنتم لستم بأقوى منهم، ولا أكثر أموالًا ولا أولادًا؛ كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وإنذار الذين كذبوه ﷺ بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جدًا في القرآن. وبه تعلم اتجاه ما استحسنه ابن كثير ﵀ من تفسير آية "الأنبياء" هذه بآية "الأحقاف" المذكورة كما بينا.
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: أي فائدة في قوله: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؟ قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها. اهـ منه. والله جل وعلا أعلم.
• قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ .
стр. 2595
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة؛ فتوزن أعمالهم وزنا في غاية العدالة والإنصاف؛ فلا يظلم الله أحدًا شيئًا، وأن عمله من الخير أو الشر وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإن الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء وكفى به جل وعلا حاسبًا؛ لإحاطة علمه بكل شيء.
وبين في غير هذا الموضع: أن الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخف، ومنها ما يثقل، وأن من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن موازين يوم القيامة موازين قسط؛ ذكره في "الأعراف" في قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ لأن الحق عدل وقسط. وما ذكره فيها: من أنه لا تظلم نفس شيئًا؛ بينه في مواضع أخر كثيرة؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ وقد قدمنا الآيات الدالة على
стр. 2596
هذا في سورة "الكهف".
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من خير أو شر أتى به جل وعلا؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله عن لقمان مقررًا له: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص، لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة لها ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول: أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقد قدمنا في آخر سورة "الكهف" كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية: ﴿الْقِسْطِ﴾ أي العدل، وهو مصدر
стр. 2597
وصف به، ولذا لزم إفراده، كما قال في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
كما قدمناه مرارًا. ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء: إنه للمبالغة. وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة الموازين حتى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات القسط.
واللام في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيها أوجه معروفة عند العلماء:
(منها) أنها للتوقيت، أي الدلالة على الوقت، كقول العرب: جئت لخمس ليال بقين من الشهر، ومنه قول نابغة ذبيان:
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
(ومنها) أنها لام كي، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة، أي لحساب الناس فيه حسابًا في غاية العدالة والإنصاف.
(ومنها) أنها بمعنى في، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة.
والكوفيون يقولون: إن اللام تأتي بمعنى في، ويقولون: إن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي في يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبة من المتقدمين، وابن مالك من المتأخرين، وأنشد مستشهدًا لذلك قول مسكين الدارمي:
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم ... كما قد مضى من قبل عاد وتبع
стр. 2598
يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر:
وكل أب وابن وإن عمرا معًا ... مقيمين مفقود لوقت وفاقد
أي في وقت.
وقوله تعالى فيم هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا﴾ يجوز أن يكون ﴿شَيئًا﴾ المفعول الثاني لـ ﴿تُظْلَمُ﴾ ويجوز أن يكون ما ناب عن المطلق؛ أي شيئًا من الظلم لا قليلًا ولا كثيرًا. ومثقال الشيء. وزنه. والخردل: حب في غاية الصغر والدقة. وبعض أهل العلم يقول: هو زريعة الجرجير. وأنث الضمير في قوله: ﴿بِهَا﴾ وهو راجع إلى المضاف الذي هو ﴿مِثْقَال﴾ وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ على حد قوله في الخلاصة:
وربما أكسبَ ثانٍ أولًا ... تأنيثًا ان كان لحذفٍ مُوْهَلا
ونظير ذلك من كلام العرب قول عنترة في معلقته:
جادت عليه كلُّ عينٍ ثرَّة ... فتركنَ كلَّ قرارة كالدِّرْهَمِ
وقول الراجز:
طول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضنَ كلِّي ونقض بعضي
وقول الأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
وقول الآخر:
стр. 2599
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
فقد أنث في البيت الأول لفظة "كل" لإضافتها إلى "عين". وأنث في البيت الثاني لفظة "طول" لإضافتها إلى "الليالي". وأنث في البيت الثالث الصدر لإضافته إلى "القناة". وأنث في البيت الرابع "مر" لإضافته إلى "الرياح". والمضافات المذكورة لو حذفت لبقي الكلام مستقيمًا؛ كما قال في الخلاصة:
• ... ان كان لحذفٍ مُوْهَلا*
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ماعدا نافعًا ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ﴾ بنصب ﴿مِثْقَال﴾ على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ أي: وإن كان العمل الذي يراد وزنه مثقال حبة من خردل. وقرأ نافع وحده (وإن كان مثقالُ) بالرفع فاعل ﴿كَانَ﴾ على أنها تامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ أي كثير البركات والخيرات؛ لأن فيه خير الدنيا والآخرة. ثم وبَّخ من ينكرونه منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن هذا القرآن مبارك؛ بينه في مواضع متعددة من كتابه؛ كقوله تعالى في "الأنعام": ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾، وقوله فيها أيضًا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية؛ وقوله تعالى في "ص": ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا
стр. 2600
آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فنرجو الله تعالى القريب المجيب: أن تغمرنا بركات هذا الكتاب العظيم المبارك بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، والعمل بما فيها من الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمكارم والآداب، امتثالًا واجتنابا، إنه قريب مجيب.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .
قد قدمنا ما يوضح هذه الآيات إلى آخر القصة من القرآن في سورة "مريم" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أفحم قومه الكفرة بالبراهين والحجج القاطعة، لجئوا إلى استعمال القوة فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ أي بقتلكم عدوها إبراهيم شر قتلة، وهي الإحراق بالنار.
ولم يذكر هنا أنهم أرادوا قتله بغير التحريق؛ ولكنه تعالى ذكر في سورة "العنكبوت" أنهم ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ الآية.
وقد جرت العادة بأن المبطل إذا أفحم بالدليل لجأ إلى ما عنده من القوة ليستعملها ضد الحق.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا. فاختاروا له أفظع قتلة،
стр. 2601
وهي الإحراق بالنار. وإلا فقد فرطتم في نصرها.
• قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ .
في الكلام حذف دل المقام عليه، وتقديره: قالوا حرقوه فرموه في النار، فلما فعلوا ذلك قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا. وقد بين في "الصافات" أنهم لما أرادوا أن يلقوه في النار بنوا له بنيانًا ليلقوه فيه.
وفي القصة: أنهم ألقوه من ذلك البنيان العالي بالمنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس (يعنون الأكراد)، وأن الله خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، والمفسرون يذكرون من شدة هذه النار وارتفاع لهبها، وكثرة حطبها شيئًا عظيمًا هائلًا. وذكروا عن نبي الله إبراهيم أنهم لما كتفوه مجردًا ورموه إلى النار، قال له جبريل: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما الله فنعم! قال: لم لا تسأله؟ قال: علمه بحالي كاف عن سؤالي.
وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه أمر النار بأمره الكوني القدري أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم؛ يدل على أنه أنجاه من تلك النار؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ يدل على سلامته من حرها. وقوله: ﴿وَسَلَامًا﴾. يدل على سلامته من شر بردها الذي انقلبت الحرارة إليه. وإنجاؤه إياه منها الذي دل عليه أمره الكوني القدري هنا جاء مصرحًا به في "العنكبوت" في قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله:
стр. 2602
﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ يوضحه ما قبله. فالكيد الذي أرادوه به إحراقه بالنار نصرًا منهم لآلهتهم في زعمهم، وجعله تعالى إياهم الأخسرين؛ أي الذين هم أكثر خسرانًا لبطلان كيدهم وسلامته من نارهم.
وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضًا في سورة "الصافات" في قوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من شرهم. وكونهم الأخسرين لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وفي القصة: أن الله سلط عليهم خلقًا من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض. وفيها أيضًا: أن كل الدواب تطفيء عن إبراهيم النار، إلا الوزغ فإنه ينفخ النار عليه.
وقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في سورة "الأنعام"، وعن أبي العالية: لو لم يقل الله: ﴿وَسَلَامًا﴾ لكان بردها أشد عليه من حرها. ولو لم يقل ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: لكان بردها باقيًا إلى الأبد. وعن علي وابن عباس ﵃ لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لمات إبراهيم من بردها. وعن السدي: لم تبق في ذلك اليوم نار إلا طفئت. وعن كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. وعن المنهال بن عمرو: قال إبراهيم: ما كنت أيامًا قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار. وعن شعيب الحماني: أنه ألقِي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وعن ابن جريج: ألقي فيها وهو ابن ست وعشرين. وعن الكلبي: بردت نيران الأرض
стр. 2603
جميعًا، فما أنضجت ذلك اليوم كراعًا. وذكروا في القصة: أن نمروذ أشرف على النار من الصرح فرأى إبراهيم جالسًا على السرير يؤنسه ملك الظل، فقال: نعم الرب ربك، لأقربنَّ له أربعة آلاف بقرة وكف عنه. وكل هذا من الإسرائيليات. والمفسرون يذكرون كثيرًا منها في هذه القصة وغيرها من قصص الأنبياء.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس, أُرَاه قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حَصِين عن أبي الضحى عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾. حدثنا مالك ابن إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي حَصِين عن أبي الضحى عن ابن عباس قال. كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: "حسبي الله ونعم الوكيل". انتهى.
• قوله تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١)﴾ .
الضمير في قوله: ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ عائد إلي إبراهيم. قال أبو حيان في البحر المحيط. وضمن قوله: ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض؛ ولذلك تعدى ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ بـ"إلى" ويحتمل أن يكون ﴿إِلَى﴾ متعلقًا بمحذوف؛ أي منتهيًا إلى الأرض، فيكون في موضع الحال. ولا تضمين في ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ على هذا. والأرض التي خرجا منها: هي كُوْثَى من أرض العراق، والأرض التي خرجا إليها: هي أرض الشام اهـ منه. وهذه الآية الكريمة
стр. 2604
تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فرارًا بدينهما.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع؛ كقوله في "العنكبوت": ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، وقوله في "الصافات": ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ على أظهر القولين؛ لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار. وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾: هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة، وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇ ، وذلك حين خلصه الله من النار قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب. وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك للعالمين في الأرض المذكورة، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١)﴾ = بينه في غير الموضع؛ كقوله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ الآية. ومعنى كونه بارك فيها؛ هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار؛ كما قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها.
وقال بعض أهل العلم: ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس. وجاء في ذلك حديث مرفوع، والظاهر أنه لا يصح. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ
стр. 2605
الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَ﴾ أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامة دينه؛ واجب. وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك.
• قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأنه جعل الجميع صالحين. وقد أوضح البشارة بهما في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾، وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾. وقد أشار تعالى في سورة "مريم" إلى أنه لما هجر الوطن والأقارب عوضه الله من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿نَافِلَةً﴾ قال فيه ابن كثير: قال عطاء ومجاهد: نافلة عطية، وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة: النافلة: ولد الولد، يعني أن يعقوب ولد إسحاق.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أصل النافلة في اللغة: الزيادة على الأصل، ومنه النوافل في العبادات؛ لأنها زيادات على الأصل الذي هو الفرض. وولد الولد زيادة على الأصل، الذي هو
стр. 2606
ولد الصلب، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
فإن تك أنثى من معدٍّ كريمة ... علينا فقد أعطيت نافلة الفضل
أي أعطيت الفضل عليها والزيادة في الكرامة علينا، كما هو التحقيق في معنى بيت أبي ذؤيب هذا، وكما شرحه به أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرحه لأشعار الهذليين. وبه تعلم أن إيراد صاحب اللسان بيت أبي ذؤيب المذكور مستشهدًا به لأن النافلة الغنيمة غير صواب، بل هو غلط. مع أن الأنفال التي هي الغنائم راجعة في المعنى إلى معنى الزيادة؛ لأنها زيادة تكريم أكرم الله بها هذا النبي الكريم فأحلها له ولأمته. أو لأن الأموال المغنومة أموال أخذوها زيادة علي أموالهم الأصلية بلا تمن.
وقوله: ﴿نَافِلَةً﴾ فيه وجهان من الإعراب، فعلى قول من قال: النافلة العطية؛ فهو ما ناب عن المطلق من ﴿وَوَهَبْنَا﴾ أي وهبنا له إسحاق ويعقوب هبة. وعليه فالنافلة مصدر جاء بصيغة اسم الفاعل، كالعاقبة والعافية. وعلى أن النافلة بمعنى الزيادة فهو حال من ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ أي وهبنا له يعقوب في حال كونه زيادة على إسحاق.
• قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ .
الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ يشمل كل المذكورين: إبراهيم، ولوطًا، وإسحاق، ويعقوب، كما جزم به أبو حيان في البحر المحيط، وهو الظاهر.
стр. 2607
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الله جعل إسحاق ويعقوب من الأئمة، أي جعلهم رؤساء في الدين يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات وقوله: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي، أو يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم، بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد.
وهذه الآية الكريمة تبين أن طلب إبراهيم الإمامة لذريته المذكور في سورة "البقرة" أجابه الله فيه بالنسبة إلى بعض ذريته دون بعضها، وضابط ذلك: أن الظالمين من ذريته لا ينالون الإمامة بخلاف غيرهم؛ كإسحاق ويعقوب فإنهم ينالونها كما صرح به تعالى في قوله هنا: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾. وطلب إبراهيم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. فقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي وإجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم في الخير؛ فأجابه الله بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي لا ينال الظالمين عهدي بالإمامة؛ على الأصوب. ومفهوم قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ أن غيرهم يناله عهده بالإمامة، كما صرح به هنا. وهذا التفصيل المذكور في ذرية إبراهيم أشار له تعالى في "الصافات" بقهوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ﴾ أي أن يفعلوا الطاعات، ويأمروا الناس بفعلها. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من جملة الخيرات، فهو من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مرارًا النكتة البلاغية المسوغة للإطناب في عطف الخاص على العام. وعكسه في القرآن. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 2608
وقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ أي مطيعين باجتناب النواهي وامتثال الأوامر بإخلاص؛ فهم يفعلون ما يأمرون الناس به، ويجتنبون ما ينهونهم عنه؛ كما قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَئِمَّةً﴾ معلوم أنه جمع إمام. والإمام: هو المقتدى به، ويطلق في الخير كما هنا، وفي الشر كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية. وما ظنه الزمخشري من الإشكال في هذه الآية ليس بواقع؛ كما نبه عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ لم تعوض هنا تاء عن العين الساقطة بالاعتلال على القاعدة التصريفية المشهورة؛ لأن عدم تعويضها عنه جائز كما هنا، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:
.......................... ... وألِفَ الإفعالِ واسْتِفْعال
أزِل لِذا الإعلالِ والتا الْزَمْ عِوَض ... وحذفُها بالنقلِ رُبَّما عَرَض
وقد أشار في أبنية المصادر إلى أن تعويض التاء المذكورة من العين هو الغالب بقوله:
واستعِذِ استعاذةً ثمَّ أَقِمْ ... إقامةً وغالبًا ذا التَّا لَزِمْ
وما ذكرناه من أن التاء المذكورة عوض عن العين أجود من قول من قال: إن العين باقية وهي الألف الباقية، وأن التاء عوض عن ألف الإفعال.
• قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ
стр. 2609
الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.
قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مضمر وجوبًا يفسره آتيناه؛ كما قال في الخلاصة:
فالسابق انصبه بفعلٍ أُضْمرا ... حتمًا موافق لما قد أُظْهِرا
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: الحكم: النبوة، والعلم: المعرفة بأمر الدين، وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل: علمًا فهمًا، وقال الزمخشري: حكمًا: حكمة، وهو ما يجب فعله، أو فصلًا بين الخصوم، وقيل: هو النبوة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أصل الحكم في اللغة: المنع كما هو معروف. فمعنى الآيات: أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل. والقرية التي كانت تعمل الخبائث: هي سدوم وأعمالها، والخبائث التي كانت تعملها جاءت موضحة في آيات من كتاب الله: (منها) اللواط، وأنهم هم أول من فعله من الناس، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٨٠)﴾، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. ومن الخبائث المذكورة إتيانهم المنكر في ناديهم، وقطعهم الطريق، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ الآية. ومن أعظم خبائثهم: تكذيب نبي الله لوط وتهديدهم له بالإخراج من الوطن؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا
стр. 2610
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله في مواضع متعددة من كتابه: أنه أهلكهم فقلب بهم بلدهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ والآيات بنحو ذلك كثيرة. والخبائث: حمع خبيثة، وهي الفعلة السيئة، كالكفر واللواط وما جرى مجرى ذلك.
وقوله: ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي أصحاب عمل سيء، ولهم عند الله جزاء يسوءهم؛ وقوله: ﴿فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ أي خارجين عن طاعة الله، وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾ يعني لوطًا: ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾ شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في رحمته التي هي الجنة كما في الحديث الصحيح: "تحاجت النار والجنة .. " الحديث. وفيه: "فقال للجنة أنت رحمتي أرحم بها من أشاء من عبادي".
• قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ .
قوله: ﴿وَنُوحًا﴾ منصوب بـ"اذكر" مقدرًا، أي واذكر نوحًا حين نادى من قبل، أي من قبل إبراهيم ومن ذُكِر معه. ونداء نوح هذا المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وقد أوضح الله هذا النداء بقوله: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)
стр. 2611
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ الآية. والمراد بالكرب العظيم في الآية: الغرق بالطوفان الذي تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام. كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والكرب: هو أقصى الغم، والأخذ بالنفس.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ﴾ الآية. ومن سبق عليه القول منهم: ابنه المذكور في قوله: ﴿وَحَال بَينَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وامرأته المذكورة في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ -إلى قوله- وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ﴾ منصوب بـ"اذكر" مقدرًا. وقيل: معطوف قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحًا إذ نادى من قبل ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة "مريم" وذكرنا بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف
стр. 2612
ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي. إلا أن ما أوحي إلى سليمان كان ناسخًا لما أوحي إلى داود.
وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لومًا ولا ذمًا بعدم إصابته؛ كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾، وأثنى عليهما في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فدل قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ على أنهما حكما فيها معًا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف. ثم قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود, ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهمًا إياها كما ترى. فقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ مع قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أليق بالأول من الثاني، كما ترى.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:
المسألة الأولى
اعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية
стр. 2613
من أنهما حكما فيها باجتهاد، وأن سليمان أصاب في اجتهاده؛ جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة؛ فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة، وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه، قال البخاري في صحيحه: (باب إذا ادعت المرأة ابنًا) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود ﵇ ، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها؛ فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية". انتهى من صحيح البخاري.
وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثني شبابة، حدثني ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما. فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود ﵉؛ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا يرحمك الله". انتهى منه. فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معًا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان
стр. 2614
أصاب في ذلك، إذ لو كان قضاء داود بوحي لما جاز نقضه بحال. وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي؛ لأنه أوهم المرأتين أنه يشقه بالسكين، ليعرف أمه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة فعرف الحق بذلك. وهذا شبيه جدًا بما دلت عليه الآية حسبما ذكرنا، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه. ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة "سليمان" ﵇ من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم, وعن سعيد بن بشر، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها؛ فشهدوا عند داود ﵇ أنها مكنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر يرجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله؛ فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم. فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود، فعزله. واستدعى الآخر فسأله عن لونه؟ فقال: أحمر. وقال الآخر: أغبش. وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود ﵇ ، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم. انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة. وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الآية، لدلالة القرينة القرآنية عليه. وممن فسرها بذلك الحسن
стр. 2615
البصري ﵀ كما ذكره البخاري وغيره عنه. قال البخاري ﵀ في صحيحه (باب متى يستوجب الرجل القضاء): وقال الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا -إلى أن قال- وقرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فحمد سليمان ولم يلم داود. ولولا ما ذكره الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم أن الحسن ﵀ يرى أنا معنى الآية الكريمة كما ذكرنا، ويزيد هذا إيضاحًا ما قدمناه في سورة "بني إسرائيل" من الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ ، من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة ﵄ "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" كما قدمنا إيضاحه.
المسألة الثانية
اعلم أن الاجتهاد في الأحكام في الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة؛ منها هذا الذي ذكرنا هنا. وقد قدمنا في سورة بني "إسرائيل" طرفًا من ذلك، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه السورة الكريمة، وسورة "الحشر"، وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه السورة الكريمة. وقد علمت مما مر في سورة "بني إسرائيل" أنا ذكرنا طرفًا من الأدلة على الاجتهاد، فبيَّنا إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه
стр. 2616
الشافعي: القياس في معنى الأصل، وهو تنقيح المناط. وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر، وبينا الإجماع أيضًا على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط، وأنه لا ينكره إلا مكابر، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة، وذكرنا أحاديث دالة على الاجتهاد، منها الحديث المتفق عليه المتقدم، ومنها حديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وقد وعدنا بأن نذكر طرقه هنا إلى آخر ما ذكرنا هناك.
اعلم أن جميع روايات هذا الحديث المذكورة في المسند والسنن، كلها من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ، عن رسول الله ﷺ .
أما الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقًا عن ابن قدامة في روضة الناظر أن عبادة بن نُسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، فهذا الإسناد وإن كان متصلًا ورجاله معرفون بالثقة، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه الطريق، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن أبي بكر الخطيب بلفظ: وقد قيل، إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ اهـ منه. ولفظة "قيل" صيغة تمريض كما هو معروف. وإلا ما ذكره ابن كثير في تاريخه، فإنه لما ذكر فيه حديث معاذ المذكور باللفظ الذي ذكرنا بالإسناد الذي أخرجه به الإمام أحمد قال: وأخرجه أبو داود، والترمذي من حديث شعبة به. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل،
стр. 2617
ثم قال ابن كثير: وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين، عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن عن معاذ به نحوه.
واعلم أن النسخة الموجودة بأيدينا من تاريخ ابن كثير التي هي من الطبعة الأولى سنة ١٣٥١ فيها تحريف مطبعي في الكلام الذي ذكرنا. ففيها محمد بن سعد بن حسان، والصواب محمد بن سعيد لا سعد. وفيها: عن عياذ بن بشر، والصواب. عن عبادة بن نسي.
وما ذكره ابن كثير ﵀ من إخراج ابن ماجه لحديث معاذ المذكور من طريق محمد بن سعيد المصلوب، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن وهو ابن غنم، عن معاذ، لم أره في سنن ابن ماجه، والذي في سنن ابن ماجه بالإسناد المذكور من حديث معاذ غير المتن المذكور، وهذا لفظه: حدثنا الحسن بن حماد سجادة، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، حدثنا معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: "لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إليَّ فيه" اهـ منه. وما أدري أوهم الحافظ ابن كثير فيما ذكر؟ أو هو يعتقد أن معنى "تبينه" في الحديث أي تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص، فيرجع إلى معنى الحديث المذكور؟ وعلى كل حال فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله
стр. 2618
أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه، وقال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث؛ فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذًا قال للنبي ﷺ : إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ اجتهد فيها رأيه. وأقره النبي ﷺ على ذلك في الطريقتين المذكورتين؛ علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه، وأنه يقول: طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه. والطريق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث ابن أخي المغيرة وهو مجهول، والرواة فيها أيضًا عن معاذ مجاهيل؛ فمن أين قلتم بصحتها؟ وقد قدمنا أن ابن كثير ﵀ قال في مقدمة تفسيره: إن الطريقة المذكورة في المسند والسنن بإسناد جيد. وقلنا: لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة، وقد وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد المذكور ما قاله العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، قال فيه: وقد أقر النبي ﷺ معاذًا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسوله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ "؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو. فضرب رسول الله ﷺ صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ -
стр. 2619
لما يرضي رسول الله". فهذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث. وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سُمِّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب، ولا مجروح؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه، واحتجوا به؛ فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول الله ﷺ : "لا وصية لوارث". وقوله في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" وقوله: "إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع"، وقوله: "الدية على العاقلة". وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها؛ فكذلك حديث معاذًا لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له. انتهى منه. وحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا، وله شواهد غير ذلك ستراها إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة
اعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة:
стр. 2620
(منها) الاجتهاد في تحقيق المناط، وقد قدمنا كثيرا من أمثلته في "الإسراء".
(ومنها) الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه: السبر، والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق.
واعلم: أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان:
الأول: الإلحاق بنفي الفارق، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفًا. ويسمى عند الشافعي: القياس في معنى الأصل، وهو بعينه مفهوم الموافقة، ويسمى أيضًا القياس الجلي.
والثاني من نوعي الإلحاق: هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول.
أما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق، فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة؛ بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم البتة فهو مثله في الحكم. وأقسامه أربعة: لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويًا للمنطق به في الحكم، أو أولى به منه، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعًا به أو مظنونًا؛ فالمجموع أربعة:
(الأول منها): أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف
стр. 2621
المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وكقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق.
(والثاني منها): أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضًا، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا بل مظنونًا ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين, ومثاله: نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء؛ فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا بل مظنونًا ظنًّا قويًّا؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتًا وثمنًا وقيمة، وهذا هو الظاهر. وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتًا وقيمة. وهناك احتمال آخر: هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء: أن العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي؛ لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينًا واحدة، ونقص الرعي مظنة للهزال، وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء؛ لأن العمياء يختار لها أحسن العلف؛ فيكون ذلك مظنة لسمنها.
(والثالث منها): أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية. فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساوٍ للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق.
стр. 2622
(والرابع منها): أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم أيضًا: إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين، ومثاله الحديث الصحيح "من أعتق شركًا له في عبد ... " الحديث المتقدم في "الإسراء، والكهف" فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساوٍ للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارًا. إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق؛ كما قدمناه مستوفى في سورة "مريم" وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصًا له بذلك الحكم دون الأنثى؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد والإمامة والقضاء. ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث. وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة "بني إسرائيل".
(وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق): فهو القياس المعروف في الأصول، وهو المعروف بقياس التمثيل. وسنعرفه هنا لغة واصطلاحًا، ونذكر أقسامه، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن:
اعلم أن القياس في اللغة: التقدير والتسوية؛ يقال: قاس الثوب بالذراع، وقاس الجرح بالمِيل -بالكسر- وهو المرود: إذا
стр. 2623
قدر عمقه به؛ ولهذا سمي الميل مقياسًا، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها وازداد وهيًا هزومها
فقوله: "قاسها" يعني قدر عمقها بالميل. والآسى: الطبيب، والنطاسي (بكسر النون وفتحها): الماهر بالطب؛ والغثيثة (بثاءين مثلثتين): مدة الجرح وقيحه، وما فيه من لحم ميت. والوهي: التخرق والتشقق. والهزوم: غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد.
وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول، كثرت فيه عبارات الأصوليين، مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له. واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه: حمل معلوم على معلوم -أي إلحاقه به في حكمه- لمساواته له في علة الحكم. وهذا التعريف إنما يشمل القياس الصحيح دون الفاسد. والتعريف الشامل للفاسد: هو أن تزيد على تعريف الصحيح لفظة عند الحامل؛ فتقول: هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في علة الحكم عند الحامل، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله معرفًا للقياس:
بحمل معلوم على ما قد علم ... للاستوا في علة الحكم وسم
وإن ترد شموله لما فَسَدْ ... فزد لدى الحامل والزيد أَسَدْ
ومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة: وهي الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، والعلة الجامعة بينهما، وحكم
стр. 2624
الأصل المقيس عليه.
فلو قسنا النبيذ على الخمر؛ فالأصل الخمر، والفرع النبيذ، والعلة الإسكار، وحكم الأصل الذي هو الخمر التحريم. وشروط هذه الأركان الأربعة والبحث فيها، مستوفى في أصول الفقه، فلا نطيل به الكلام هنا.
واعلم أن القياس المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قياس العلة. والثاني: قياس الدلالة. والثالث: قياس الشبه.
أما قياس العلة فضابطه: أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، فالجمع بين النبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار. والقصد مطلق التمثيل، لأنا قد قدمنا أن قياس النبيذ على الخمر لا يصح، لوجود النص على أن "كل مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام". والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل، إلا أن المثال يصح بالتقدير والفرض ومطلق الاحتمال كما تقدم. وكالجمع بين البر والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلًا عند من يقول بذلك، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:
وما بذات علة قد جُمعا ... فيه فقيس علة قد سمعا
وأما قياس الدلالة فضابطه: أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها
стр. 2625
أو حكمها، فمثال الجمع بملزوم العلة أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ملزوم للإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار. ومثال الجمع بأثر العلة أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة وهي القتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية. وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:
جامع ذي الدلالة الذي لزم ... فأثر فحكمها كما رسم
وقوله: "الذي لزم" بالبناء للفاعل يعني اللازم، وتعبيره هنا باللازم تبعًا لغيره غلط منه ﵀، وممن تبعه هو؛ لأن وجود اللازم لا يكون دليلًا على وجود الملزوم بإطباق العقلاء؛ لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص كما هو معروف. ولذا أجمع النظار على استثناء عين التالي في الشرطي المتصل لا ينتج عين المقدم؛ لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. والصواب ما مثلنا به من الجمع بملزوم العلة؛ لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود اللازم كما هو معروف. فالشدة المطربة والإسكار متلازمان، ودلالة الشدة المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم، لما عرفت من أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. واقتضاؤه له هنا إنما هو للملازمة بين الطرفين؛ لأن كلًّا منهما لازم للآخر وملزوم له
стр. 2626
للملازمة بينهما من الطرفين.
وأما قياس الشبه: فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. فعرف بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد. وعرفه بعضهم بأنه المناسب بالتبع لا بالذات. ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية، كلها تدور حول شيء واحد، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه، ويشبه الوصف الطردي من جهة أخرى. وقد قدمنا في سورة "مريم" أن المناسب هو الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر، والطردي هو ما ليس كذلك، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها؛ ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشياء لا يخرج عن قياس الشبه؛ لأن بعضهم يقول إنه داخل فيه، وهو الظاهر. وبعضهم يقول هو بعينه لا شيء آخر. وغلبة الأشباه هي إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبهًا به؛ كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما؛ فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال. ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلِّق ويثاب ويعاقب، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه. وأكثر أهل العلم يقولون: إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر؛ لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معًا أكثر مما يشبه الحر فيهما.
стр. 2627
فمن شَبَهه بالمال في الحكم كونه يباع ويشترى ويورث، ويوهب ويعار، ويدفع في الصداق والخلع، ويرهن إلى غير ذلك من التصرفات المالية.
ومن شَبَهه بالمال في الصفة كونه تتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة. كسائر الأموال. فلو قتل إنسان عبدًا لآخر لزمته قيمته نظرًا إلى أن شبهه بالمال أغلب. وقال بعض أهل العلم: تلزمه ديته كالحر زعمًا منه أن شبهه بالحر أغلب. فإن قيل: بأي طريق يكون هذا النوع الذي هو غلبة الأشباه من الشبه؛ لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي؟ فالجواب: أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية؛ لأن كونه كالمال ليس صالحًا لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطبًا يثاب ويعاقب إلخ؛ فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة، لأن كونه كالحر ليس صالحًا لأن يناط به لزوم القيمة، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى. أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى. وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي.
ومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه: الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته، ولكنه يستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب؛ كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا يرفع به الحدث،
стр. 2628
ولا حكم الخبث قياسًا على الدهن. فقولك: "لا تبنى القنطرة على جنسه" ليس مناسبًا في ذاته؛ لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب؛ لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل، بل على الكثير كالأنهار، والقلة مناسبة، لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة. فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد؛ فصار قولك: "لا تبنى القنطرة على جنسه" ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب. وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر بالطهارة به وينتقل إلى التيمم.
وأما الشبه الصوري: فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ وقد قدمنا في أول سورة "براءة" كلام ابن العربي الذي قال فيه: ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة "براءة" شبيهة بقصة "الأنفال" فألحقوها بها. فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن؛ فما ظنك بسائر الأحكام؟ وإلى الشبه المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:
والشبه المستلزم المناسبا ... مثل الوضو يستلزم التقربا
مع اعتبار جنسه القريب ... في مثله للحكم لا الغريب
صلاحه لم يدر دون الشرع ... ولم ينط مناسب بالسمع
стр. 2629
وحيثما أمكن قيس العلة ... فتركه بالاتفاق أثبت
إلا ففي قبوله تردد ... غلبة الأشباه هو الأجود
في الحكم والصفة ثم الحكم ... فصفة فقط لدى ذي العلم
وابن علية يرى للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير
واعلم أن قياس الطرد يصدق بأمرين؛ لأن الطرد يطلق إطلاقين: يطلق على الوصف الطردي الذي لا يصلح لإناطة حكم به لخلوه من الفائدة؛ كما لو ظن بعض القائلين بنقض الوضوء بلحم الجزور؛ أن علة النقض به الحرارة فألحق به لحم الظبي قائلًا: إنه ينقض الوضوء قياسًا على لحم الجزور بجامع الحرارة. فهذا القياس باطل؛ لأنه الوصف الجامع فيه طردي. ومثله كل ما كان الوصف الجامع فيه طرديًّا وهو أحد الأمرين الذين يطلق عليهما قياس الطرد.
والأمر الثاني منهما: هو القياس الذي الوصف الجامع فيه مستنبطًا بالمسلك الثامن المعروف بالطرد وهو الدوران الوجودي، وإيضاحه: أنه مقارنة الحكم للوصف في جميع صوره غير الصورة التي فيها النزاع في الوجود فقط دون العدم. والاختلاف في إفادته العلة معروف في الأصول.
واعلم أن القياس وما يتعلق به موضَّح في فن أصول الفقه، والأدلة التي تدل على أن الوصف المعين علة للحكم المعين هي المعروفة بمسالك العلة، وهي عشرة عند من يعد منها "إلغاء الفارق"، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي: النص، والإجماع،
стр. 2630
والإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق، والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط كما قدمنا. وقد نظمها بعضهم بقوله:
مسالك علة رتب فنص ... فإجماع فإيماء فسبر
مناسبة كذا شبهٌ فيتلو ... له الدوران طَرْد يستمر
فتنقيح المناط فألْغِ فرقًا ... وتلك لمن أراد الحصرَ عشر
ومحل إيضاحها فن أصول الفقه، وقد أوضحناها في غير هذا المحل.
وأما القوادح في الدليل من قياس وغيره، فهي معروفة في فن الأصول وقد نظمها باختصار الشيخ عمر الفاسي بقوله:
القدح بالنقض وبالكسر معًا ... نخلف العكس وبالقلب اسمعا
وعدم التأثير بالوصف وفي ... أصل وفرع ثم حكم فاقتفي
والمنع والفرق وبالتقسيم ... وباختلاف الضابط المعلوم
وفقد الانضباط والظهور ... والخدش في تناسب المذكور
وكون ذاك الحكم لا يفضي إلى ... مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا
والخدش في الوضع والاعتبار ... والقول بالموجب ذو اعتبار
وابدأ باستفسار في الإجمال ... أو الغرابة بلا إشكال
وإنما لم نوضح هنا المسالك والقوادح؛ لأن ذلك يفضي إلى الإطالة المملة، مع أن الجميع موضح في أصول الفقه، وقد
следующие страницы →