← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ فأين بين النبي ﷺ : أني إذا حرمت شيئًا أو أوجبته أو أبحته، فاستخرجوا وصفًا ما شبيهًا جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُّ عنه فألحقوه به وقيسوه عليه؟. قالوا: والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه، وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبهٍ ما ضرب الأمثال لدينه. قالوا: وما ضربه الله ورسوله من الأمثال فهو حق خارج عما نحن بصدده من إثباتكم الأحكام بالرأي والقياس من غير دليل من كتاب ولا سنة. وذكروا شيئًا كثيرًا من الأمثال التي ضربها رسول الله ﷺ معترفين بأنها حق، قالوا: ولا تفيدكم في محل النزاع، قالوا: فالأمثال التي ضربها رسول الله ﷺ إنما هي لتقريب المراد، وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به؛ فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره. فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره. وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا. فالأمثال شواهد المعنى المراد، وتزكية له؛ وهي كزرع أخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته، ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه؟ فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة، قياسًا وتمثيلًا على أقل ما يقطع فيه السارق، هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم؛ كما قال إمام الحديث محمد بن

стр. 2662

إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: (باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع). قالوا: فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وأن الآية تدل على ذلك. وأن قوله ﷺ في صدقة الفطر: "صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر أو صاع من زبيب" يفهم منه أنه لو أعطى صاعًا من إهليلج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار. وأن قوله ﷺ : "الولد للفراش" يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي، وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثًا، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر؛ أنه ابنه، وقد صارت فراشًا بمجرد قوله: قبلت هذا التزويج، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلًا ونهارًا لم تكن فراشًا له، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده. وأين يفهم من قوله ﷺ : "إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل"؛ أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام، حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه؛ أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودًا؟. وأين يفهم من قوله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين

стр. 2663

ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة"؛ أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا مفهوم من قوله: "ادرءوا الحدود بالشبهات" فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وإن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك، ويفهم هذا من "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. قالوا: فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما. قالوا: ومن أين يفهم من قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾؛ تحريم بيع الكشك بالبن، وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم، ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدًا. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله؛ لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقال

стр. 2664

تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل. قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ عن ربه ﵎: أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه، إذ المسكوت عنه لابد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، وبينه وبين الواجب. فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه؛ ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسًا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلًا لحكمه. وقد ذم الله تعالى من بدل غير القول الذي أمر به، فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم، وقد قال النبي ﷺ : "إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته" فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حكم ما سكت عنه، فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه ورأيه!! يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوًا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببًا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم. فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه؛ يدل على أنه عفو منه، فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على

стр. 2665

المحرم بالنص، كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمة لحاجته إليه، فحرم من أجل مسألته، بل كان الواجب عليه ألا يبحث عنه؛ ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه. فهكذا الواجب عليه ألا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم أصله الذي يلحق به. قالوا: وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبين مماته. فنحن مأمورون أن نتركه ﷺ وما نص عليه، فلا نقول له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه، بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه؛ فتأمله فإنه واضح، ويدل عليه قوله في نفس الحديث: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها: مأمور به، فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة. ومنهي عنه، فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية، ومسكوت عنه، فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عليه. وهذا حكم لا يختص بحياته فقط، ولا يخص الصحابة دون

стр. 2666

من بعدهم، بل فرض علينا نحن امتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثبات لحكم العفو وهو الإباحة العامة، ورفع الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها، فإنها: إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فوكل بيانه إليه سبحانه، لا إلى القياسيين والآرائيين. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه هو الحق، وقسم افترى عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين أذِن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه، وأن نقيس القزدير وعلى الذهب والفضة، والخردل على البر، فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعًا وطاعة لله ورسوله، وإلا فإنا قائلون لمنازعينا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ فما لم تأتونا به وصية من عند الله على لسان رسوله ﷺ فهو عين الباطل، وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله ﷺ ، فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس، ولا تقليد إمام ولا منام، ولا كشوف ولا إلهام، ولا حديث قلب ولا استحسان، ولا معقول ولا شريعة للديوان، ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المرسلين أضر منها. فكل هذه طواغيت! من

стр. 2667

تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت!. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾. قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل؛ تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه؛ لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص. ومن مثل ما لم ينص الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك، ولما أغفله سبحانه، وما كان ربك نسيًّا، وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. ولَمَا وكَلَه إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضًا. فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه، ويبدي من الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعه أو أظهر منه، ومحال أن يكون القياسان معًا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده. وهذا وحده كاف في إبطال القياس، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ فكل ما بينه رسول الله ﷺ فعن ربه سبحانه، بينه بأمره وإذنه. وقد علمنا يقينًا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها، وأن اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن

стр. 2668

المؤمن الطيب عند الله حيًّا وميتًا إذا مات صار نجسًا خبيثًا. وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله ورسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له؛ فليس هو مما بعث به الرسول قطعًا، فليس إذًا من الدين. وقال النبي ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" ولو كان الرأي والقياس خيرًا لهم لدلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئًا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وصف جامع، أو ما أشبهه. أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولَمَا حذرهم من ذلك أشد الحذر. وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره. وإنما بعث الله سبحانه محمدًا ﷺ بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء، وعلق عليه حكمًا من الأحكام؛ وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء، مما يقتضيه الاسم، فالزيادة عليه زيادة في الدين، والنقص منه نقص في الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين، ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس. ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص. ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العمل عليه، أو يقول هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول. قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعًا للأحاديث

стр. 2669

والآثار. قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأس والقياس. فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر دَرَسَ حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي؛ وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم الابتداء، وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًا. ثم يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن، وحديث الاشتراط في الحج، وجواز التحلل بالشرط، وحديث المسح على الجوربين، وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة، وحديث القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث، وحديث خيار المجلس، وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيًا، وحديث إتمام الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة، وحديث الصوم عن الميت، وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه، وحديث الحكم بالقافة، وحديث "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس"، وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر، وحديث بيع المدبر، وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين، وحديث "الولد للفراش إذا كان من أمة" وهو سبب الحديث، وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، وحديث قطع السارق في ربع دينار، وحديث رجم الكتابيين في الزنى، وحديث من تزوج

стр. 2670

امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله، وحديث "لا يقتل مؤمن بكافر"، وحديث "لعن الله المحلل والمحلل له"، وحديث "لا نكاح إلا بولي"، وحديث "المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة"، وحديث: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها"، وحديت، "أصْدِقها ولو خاتمًا من حديد"، وحديث "إباحة لحوم الخيل"، وحديث "كل مسكر حرام"، وحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، وحديث المزارعة والمساقاة، وحديث "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وحديث "الرهن مركوب ومحلوب"، وحديث النهي عن تخليل الخمر، وحديث قصة الغنيمة "للراجل سهم وللفارس ثلاثة"، وحديث "لا تحرم المصة والمصتان"، وأحاديث حرمة المدينة، وحديث إشعار الهدي وحديث "إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل"، وحديث الوضوء من لحوم الإبل، وأحاديث المسح على العمامة، وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده، وحديث السراويل، وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض؛ وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه، وحديث "أنت ومالك لأبيك"، وحديث "من دخل والإمام يخطب يصلي تحية المسجد"، وحديث الصلاة على الغائب، وحديث الجهر بـ"آمين" في الصلاة، وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره، وحديث "الكلب الأسود يقطع الصلاة"، وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال، وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وحديث الصلاة على القبر، وحديث "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته"، وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره، وحديث النهي

стр. 2671

عن جلود السباع، وحديث "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره"، وحديث "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"، وحديث "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع"، وحديث "إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء"، وحديث الوتر على الراحلة، وحديث "كل ذي ناب من السباع حرام"، وحديث "من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من ركوعه وسجوده"، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، وأحاديث الاستفتاح، وحديث: كان للنبي ﷺ سكتتان في الصلاة، وحديث "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، وأحاديث العقيقة، وحديث "لو أن رجلًا طلع عليك بغير إذنك"، وحديث "أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل"، وحديث "إن بلالًا يؤذن بليل"، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة، وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء، وحديث النهي عن عسيب الفحل، وحديث "المحرم إذا مات لم يخمر رأسه، ولم يقرب طيبًا" إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي. فلو كان القياس حقًّا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حُفِظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له؛ فحيث رأينا كل من كان أشد توغلًا في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة؛ علمنا أن القياس ليس من الدين، وأن شيئًا تُترك له سنن لأبين شيء منافاة للدين، فلو كان القياس من عند الله

стр. 2672

لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثًا واحدًا منها، ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث. فَلْيُرُوا أهلَ الحديث والأثر حديثًا واحدًا صحيحًا قد خالفوه. كما أريناهم آنفًا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس. قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم: ألا نقول على الله إلا بالحق؛ فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضًا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقًّا؛ لكانت متفقة يصدق بعضها بعضًا كالسنة التي يصدق بعضها بعضًا، وقال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول ﷺ ، واتباع الهوى. قالوا: والرسول ﷺ لم يَدْع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياسًا للبس على التملك والانتفاع والبيع، وكسوتها لغيره، وردها عمر قياسًا لتملكها على لبسها. فأسامة أباح، وعمر حرم قياسًا؛ فأبطل رسول الله ﷺ كل واحد من القياسين. وقال لعمر: "إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها". وقال لأسامة: "إني لم أبعث إليك بها لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشقها خمرًا لنسائك"، والنبي ﷺ إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط، فقاسا قياسًا أخطآ فيه؛ فأحدهما قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس، والنبي

стр. 2673

- ﷺ بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس. قالوا: وهذا عين إبطال القياس. وقالوا: وقد صح عن النبي ﷺ من حديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". قالوا: وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها. قالوا: وقد جاء عن النبي ﷺ بإسناد جيد من حديث سلمان ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء فقال: "الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه". قالوا: وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه؛ فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به. قالوا: وقال عبد الله بن المبارك؛ ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم؛ فيحلون الحرام ويحرمون الحلال". قال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله .. فذكره. وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ؛ إلا حَرِيز بن عثمان فإنه كان منحرفًا عن علي ﵁، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في صحيحه، وقد روى عنه أنه تبرأ مما

стр. 2674

نسب إليه من الانحراف عن علي، ونعيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفًا على الجهمية، روى عنه البخاري في صحيحه. قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ صحةً تقرب من التواتر أنه قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم". وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث. وقد ذكروا عن الصحابة والتابعين آثارًا كثيرة في ذم الرأي والقياس، والتحذير من ذلك. وذلك كثير معروف عن الصحابة فمن بعدهم. وذكروا كثيرًا من أقيسة الفقهاء التي يزعمون أنها باطلة، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم. وذكروا أشياء كثيرة يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع، وجمعوا فيها بين المفترق، إلى غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس. وقد ذكرنا في هذا الكلام جملًا وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن رب العالمين ولم نتتبع جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة. وقد رأيت فيما ذكرنا حجج القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه، وحجج المانعين لذلك. المسألة السادسة اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت؛ أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.

стр. 2675

أما القياس الفاسد: فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدين كما قالوا، وكما هو الحق. وأما القياس الصحيح: فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضًا، ولا يناقض البتة نصًّا صحيحًا من كتاب أو سنة. فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدًا. وضابط القياس الصحيح: هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه. وكذلك القياس المعروف بـ"القياس في معنى الأصل" الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم؛ فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصًّا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك. تستدل بها على جهل الظاهرية القادح الفاضح، وقولهم على الله وعلى رسوله وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين؛ بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.

стр. 2676

فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁: من أن النبي ﷺ قال: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" فالنبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوش الفكر فيمنع من استيفاء النظر في الحكم؛ فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين. فيلزم على قول الظاهرية كما قدمنا إيضاحه: أن النهي يختص بحالة الغضب ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم. فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب؛ فعلى قول الظاهرية فحكمه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم عفو جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النبي ﷺ على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشًا كتشويش الغضب أو أشد منه كما لا يخفى على عاقل!! فانظر عقول الظاهرية وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النبي ﷺ الصريح عن ذلك في صورة من صوره وهي الغضب؛ بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ

стр. 2677

فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم ويحكم بفسقهم. ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك وأصلح. ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور. فيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصنًا ذكرًا ليس على أئمة المسلمين جلده ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو!. فانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص!! ودعوى بعض الظاهرية: أن آية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث والذكور، من تلاعبهم وجهلهم بنصوص الشرع؟ وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية. فهل يمكنهم أن يقولوا إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ كما هو واضح؟؟. ومن ذلك نهيه ﷺ عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره. فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه؛ أن كل ذلك عفو لأنه مسكوت عنه؛

стр. 2678

فيكون الله على قولهم ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه بصبه فيه من الآنية. وكذلك يأذن في التغوط فيه!. وهذا لو صدر من أدنى عاقل لكان تناقضا معيبًا عند جميع العقلاء. فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذًا بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص!! وربما ظن الإنسان الأجر والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب؛ كما قيل: أمنفقة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي ومن ذلك: نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء؛ فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العور خاصة؛ فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به فيكون ذلك عفوًا. وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العور غير المفهوم من العمى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمى فلا يطلق في ذلك. وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معًا. وبالجملة فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء لأنها مسكوت عنها. وأمثال هذا منهم كثيرة جدًا. وقصدنا التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع والحكم والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه

стр. 2679

يؤثر في الحكم. واعلم أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن الله تعالى يشرع الأحكام لمصالح الخلق؛ فأفعاله وتشريعاته كلها مشتملة على الحكم والمصالح من جلب المنافع، ودفع المضار. فما يزعمه كثير من متأخري المتكلمين تقليدًا لمن تقدمهم: من أن أفعاله جل وعلا لا تعلل بالعلل الغائية، زاعمين أن التعليل بالأغراض يستلزم الكمال بحصول الغرض المتعلل به، وأن الله جل وعلا منزه من ذلك لاستلزامه النقص؛ كله كلام باطل! ولا حاجة إليه البتة؛ لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين: أن الله جل وعلا غني لذاته الغنى المطلق، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء إليه؛ لا لأجل مصلحة تعود إليه هو عن ذلك علوًا كبيرًا. وادعاء كثير من أهل الأصول: أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلامات للأحكام؛ ناشئ عن ذلك الظن الباطل؛ فالله جل وعلا يشرع الأحكام لأجل العلل المشتملة على المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه؛ لا إلى الله جل وعلا ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾. وقد صرح تعالى وصرح رسوله ﷺ : بأنه يشرع الأحكام من أجل الحِكَم المنوطة بذلك التشريع. وأصرح لفظ في ذلك لفظة ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ وقد قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، وقال ﷺ :

стр. 2680

"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". وقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد، وهو أمر معلوم عند من له علم بحكم التشريع الإسلامي. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن رب العالمين بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقًا، وقول من غلا فيه، وذكر أدلة الفريقين ما نصه: قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان؛ فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الإحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح؛ بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضًا ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح، النص الصحيح أبدًا. ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة، أو جملة وتفصيلًا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه. وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما

стр. 2681

يرده العقل الصحيح، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. وهذه الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين. إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا. كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابة وقدرًا. فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها. وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية. فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري؛ فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله ﷺ بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه؛ وبهذا يكون دينه كاملًا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله جل وعلا. ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم والعلم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: "الفهم الفهم فيما أُدْلي إليك". وقال علي ﵁: إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ﵁ أعلمنا برسول الله ﷺ . ودعا النبي ﷺ لعبد الله ابن عباس: "أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل". والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة

стр. 2682

التي يئول إليها المعنى التي هي آخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل. فمعرفة التأويل يختص بها الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه؛ إلى أن قال ﵀: وكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث: يعني نفاة القياس بالكلية، والغالين فيه؛ والقائلين بأن العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط، لا مصالح أنيطت بها الأحكام وشرعت من أجلها؛ سدوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛ فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل، واعتبار الحكم والمصالح، وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله؛ احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوها فوق الحاجة، ووسعوهما أكثر مما يسعانه. فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا مما وراءه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى منه؛ ولكن أخطئوا من أربعة أوجه: أحدها: رد القياس الصحيح، ولاسيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي ﷺ لما لعن عبد الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" بمنزلة قوله:

стр. 2683

لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله. وفي قوله: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس" بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس. وفي أن قوله تعالى ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: نهى عن كل رجس. وفي أن قوله في الهرة: "ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم والطوافات" بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس، ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم؛ نهي له عن كل طعام كذلك، وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر؛ فهو نهي له عن كل مسكر. ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة، وأمثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه. وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه، وإشارته وعرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ضربًا ولا سبًّا ولا إهانة غير لفظة: ﴿أُفٍّ﴾ فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان. الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل. وليس عدم العلم علمًا بالعدم. وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ... ثم شرع ﵀ يبين أقسام الاستصحاب، وقد ذكرنا بعضها في سورة "براءة" وجعلها هو ﵀ ثلاثة أقسام، وأطال فيها الكلام.

стр. 2684

والمعروف في الأصول أن الاستصحاب أربعة أقسام: الأول: استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل عنه وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية؛ كقولنا: الأصل براءة الذمة من الدين فلا تعمر بدين إلا بدليل ناقل عن الأصل يثبت ذلك. والأصل براءة الذمة من وجوب صوم شهر آخر غير رمضان، فيلزم استصحاب هذا العدم حتى يرد ناقل عنه، وهكذا. النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، كاستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه. الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، والأكثر على أن هذا الأخير ليس بحجة. وهو ﵀ يرى أنه حجة. وكلا الأولين حجة بلا خلاف في الجملة. الرابع: الاستصحاب المقلوب، وقد قدمنا إيضاحه وأمثلته في سورة "التوبة". الخطأ الرابع لهم: هو اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على الباطل حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه؛ فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله؛ بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكم ببطلانها حكم

стр. 2685

بالتحريم والتأثيم. ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله. كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر. والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يُعْبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله؛ فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين: وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها، فإنه لا يجوز القول بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال؛ فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيماعدا ما حرمه! وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ وهذا كثير في القرآن.

стр. 2686

وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر". وفيه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "يُرْفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان". وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج". وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيته أُلقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا! فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع" قال: فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت. وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: "انصرفا، نفي لهم بعهدهم

стр. 2687

ونستعين الله عليهم .." إلى آخر كلامه ﵀ في هذا المبحث. والمقصود عنده دلالة النصوص على الوفاء بالعهود والشروط، ومنع الإخلاف في ذلك، إلا ما دل عليه دليل خاص، وذلك واضح من النصوص التي ساقها كما ترى. ثم بين ﵀ أن المخالفين في ذلك يجيبون عن الحجج المذكورة تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي ﷺ : "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". وكقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾. وأمثال ذلك في الكتاب والسنة. قال: وأجاب الجمهور عن ذلك بأن دعوى النسخ والتخصيص تحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه ولا دليل عليها، وبأن القدح في بعضها لا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة لاعتضاده بالصحيح، وبأنها لا تَعارُضَ بينها وبين ما عارضوها به من النصوص. ثم بين أن معنى قوله ﷺ : "وما كان من شرط ليس في كتاب الله" أي في حكمه وشرعه، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾، وقوله ﷺ : "كتاب الله القصاص" في كسر السن، قال: فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ . ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له،

стр. 2688

فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله ﷺ حكم بأن الولاء للمعتق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا: أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا، وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله، أو إباحة ما حرمه، أو إسقاط ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ثم بين ﵀: أن دلالة النصوص عامة في جميع الأحكام، إلا أن الناس يتفاوتون في ذلك تفاوتًا كثيرًا. وبين مسائل كثيرة مما فهم فيه بعض الصحابة من النصوص خلاف المراد. قال: وقد أنكر النبي ﷺ على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: "إنك ستأتيه وتطوف به" فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عديّ بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين. وأنكر على من فهم من قوله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر" شمول لفظه لحُسْن الثوب وحُسْن النعل، وأخبرهم أنه "بطر الحق وغمط الناس". وأنكر على من فهم من قوله: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبُشر بالعذاب، فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه. وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ

стр. 2689

حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ معارضته لقوله ﷺ : "من نوقش الحساب عذب". وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء. وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن، والمرض والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وأوضح ﵀ وجه ذلك بسياق القرآن. قال: ثم سأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارًا فقال: "يكفيك آية الصيف" واعترف عمر ﵁ بأنه خَفِي عليه فهمها، وفَهِمَها الصديق. وقد نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس. وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حمولة القوم وظهرهم. وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوَّالي القرية. وفهم علي بن أبي طالب ﵁ وكبار الصحابة ما قصده رسول الله ﷺ بالنهي وصرح بعلته لكونها رجسًا. وفهمت المرأة من قوله تعالى: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾

стр. 2690

جواز المغالاة في الصداق، فذكرته لعمر، فاعترف به. وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان، فهمَّ برجم امرأة ولدت لها، حتى ذكَّره ابن عباس فأقر به. ولم يفهم عمر من قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم": قتال مانعي الزكاة، حتى بين له الصديق فأقر به. وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾: رَفْع الجناح عن الخمر، حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر، ولو تأمل سياق الآية لفهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم؛ فالآية لا تتناول المحرم بوجه. وقد فهم من فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ انغماس الرجل في العدو؛ حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها. وقال الصديق ﵁: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ

стр. 2691

لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده" فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها. وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نُهِيت عنه من اليهود، هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق؛ لأنه سبحانه قال عن الساكتين: ﴿وَإِذْ قَالتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم. وأيضًا: فإنه سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به، وعتوا عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا؛ فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به. وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفر. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أَجَلُ رسول الله ﷺ أعلمه إياه. فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم. إلى أن قال ﵀: والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم في الآية حكمًا أو حكمين. ومنهم من يفهم منها

стр. 2692

عشرة أحكام أو أكثر من ذلك. ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا باب عجيب من فهم القرآن، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به؛ كما فهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ أن المرأة قد تلد لستة أشهر .. إلى آخر كلامه ﵀. وإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم ﵀ كما رأيت؛ لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه؛ تغمده الله برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وقد تركنا كثيرًا من نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة. المسألة السابعة اعلم أن استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين ﵏، ودعواهم أن قياساتهم متناقضة ينقض بعضها بعضا، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة وليست من الدين في شيء؛ إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة ﵏ أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب، والعمل بما دلت عليه النصوص من الظاهرية الساخرين المستهزئين. وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على غيره.

стр. 2693

اعلم أن من أعظم المسائل التي قال فيها الظاهرية بتناقض أقيسة الأئمة، وتكذيب بعضها لبعض، وأن ذلك يدل على بطلان كل قياس من أقيستهم، هي مسألة الربا التي قال فيها النبي ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد أو استزاد فقد أربى". قال الظاهرية: فالنبي ﷺ إنما حرم الربا في الستة المذكورة؛ فتحريمه في شيء غيرها قول على الله وعلى رسوله، وتشريع زائد على ما شرعه رسول الله ﷺ . قالوا: والذين زادوا على النص أشياء يحرم فيها الربا اختلفت أقوالهم، وتناقضت أقيستهم. فبعضهم يقول: هي الطُّعْم (١) . وبعضهم يقول: هي الكيل. وبعضهم يقول: هي الاقتيات والادخار إلخ. فهذه أقيسة متضاربة متناقضة فليست من عند الله، وإذا تأملت في هذه المسألة التي سخروا بسببها من الأئمة، وادعوا عليهم أنهم حرموا الربا في أشياء لا دليل على تحريمه فيها كالتفاح عند من يقول: العلة الطعم كالشافعي، وكالأشنان عند من يقول: العلة الكيل؛ علمت أن الأئمة أقرب إلى العمل بالنص في ذلك من الظاهرية المدعين الوقوف مع ظاهر النص. أما الشافعي الذي قال: العلة في تحريم الربا الطعم فقد استدل لذلك بما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب،

стр. 2694

أخبرني عمرو (ح) وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث: أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلامه بصاع قمح .. الحديث، وفيه. فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" وكان طعامنا يومئذ الشعير؛ فهذا حديث صحيح صرح فيه النبي ﷺ بأن الطعام إذا بيع بالطعام بيع مثلًا بمثل. والطعام في اللغة العربية: اسم لكل ما يؤكل؛ قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ... ﴾ الآية، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ولا خلاف في ذبائحهم في ذلك. وفي صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال في زمزم: "إنها طعام طعم" وقال لبيد في معلقته: لمعفَّر قَهْد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يُمَنّ طعامُها يعني بطعامها فريستها؛ كما قدمنا هذا مستوفى في سورة "البقرة". فالشافعي ﵀ وإن سَخِر الظاهرية منه في تحريمه الربا في التفاح، فهو متمسِّك في ذلك بظاهر حديث صحيح، يقول فيه النبي ﷺ : "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، فما المانع للظاهرية من القول بظاهر هذا الحديث الصحيح على عادتهم التي يزعمون فيحكمون على الطعام بأنه مثل بمثل؟ وما مستندهم في مخالفة ظاهر هذا الحديث الصحيح؟ وحكمهم بالربا في البر والشعير والتمر والملح دون غيرها من سائر المطعومات، مع أن لفظ الطعام

стр. 2695

في الحديث المذكور عام للأربعة المذكورة وغيرها كما ترى. فهل الشافعي في تحريم الربا في التفاح أقرب إلى ظاهر النص أو الظاهرية؟ وكذلك سخريتهم من الإمام أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في قولهما بدخول الربا في كل مكيل وموزون، مستهزئين بمن يقول بالربا في الأشنان قياسًا على التمر. إذا تأملت فيه وجدت الإمامين رحمهما الله أقرب في ذلك إلى ظاهر النص من الظاهرية. قال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه، ثنا الحسن بن مكرم، ثنا روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيد الله العدوي قال: سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس ﵄ لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا يعني: يدًا بيد، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم وهو عند زوجه أم سلمة: "إني لأشتهي تمر عجوة" فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة. فقامت فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال: "من أين لكم هذا"؟ فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل الصاعين هذا الصاع الواحد، وها هو، كل، فالقى التمرة بين يديه فقال: "ردوه لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربًا" ثم قال: "كذلك ما يكال ويوزن أيضًا" إلى آخره. ثم قال الحاكم ﵀: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم

стр. 2696

يخرجاه بهذه السياقة. وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد، فيه التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلًا بمثل، يدًا بيد. وقد قدمنا مرارًا أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها. فأبو حنيفة مثلًا القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث؛ فهو أقرب إلى ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص. فإن قيل: هذا الحديث لا يحتج به لضعفه، وقد قال الذهبي متعقبًا على الحاكم تصحيحه للحديث المذكور ما نصه: قلت: حيان فيه ضعف وليس بالحجة، وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه: الأول: زعمه أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس. الثاني: أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل. واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك. والثالث: أن حيان بن عبيد الله المذكور في سند هذا الحديث مجهول. فالجواب عن ذلك كله هو ما ستراه الآن إن شاء الله، وهو راجع إلى شيئين؛ الأول: مناقشة من ضعف الحديث، وبيان أنه ليس بضعيف. والثاني: أنا لو سلمنا ضعفه تسليمًا جدليًّا فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد. أما المناقشة في تضعيفه، فقول الذهبي: إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة؛ معارض بقول أبي حاتم فيما ذكره عنه ابنه في كتاب الجرح والتعديل: إنه صدوق، ومعلوم أن الصحيح

стр. 2697

أن التعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل إلا مبينًا مفصلًا كما هو مقرر في علوم الحديث. وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحًا. وإعلال ابن حزم له بأنه منقطع؛ وأن حيان مجهول قد قدمنا مناقشته فيه في سورة "البقرة" لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع عنه. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في أبي مجلز المذكور: وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري، توفى أيام عمر بن عبد العزيز، وروى عن ابن عمر وابن عباس وأنس وجندب إلخ، وتصريحه بروايته عن ابن عباس يدل على عدم صحة قول ابن حزم: إنه لم يسمع من ابن عباس. وقال البخاري في تاريخه الكبير في لاحق بن حميد المذكور: أبو مجلز السدوسي البصري مات قبل الحسن بقليل، ومات الحسن سنة عشر ومائة، سمع ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك إلخ. وفيه تصريح البخاري بسماع أبي مجلز من ابن عباس، ومع هذا فابن حزم يقول: هو منقطع لعدم سماعه منه. وأما أبو سعيد فلا شك أنه أدركه أبو مجلز المذكور، والمعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقي على التحقيق؛ كما أوضحه مسلم بن الحجاج ﵀ في مقدمة صحيحه. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في أبي مجلز المذكور: روى عن أبي موسى الأشعري، والحسن بن علي، ومعاوية، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وحفصة، وأم سلمة، وأنس، وجندب بن عبد الله، وسلمة بن كهيل، وقيس بن عباد وغيرهم. وأرسل عن عمر بن الخطاب،

стр. 2698

وحذيفة إلخ. ومما يوضح معاصرة أبي مجلز لأبي سعيد: أن جماعة من هؤلاء الصحابة الذين ذكر ابن حجر أنه روى عنهم ماتوا قبل أبي سعيد ﵃؛ فأبو سعيد ﵁ توفي سنة ثلاث أو أربع أو خمس بعد الستين، وقد مات قبله الحسن بن علي، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، ومعاوية، وسمرة بن جندب كما هو معلوم. وأما قول ابن حزم: إنه مجهول فقد قدمنا مناقشة السبكي له في تكملة المجموع، وأنه قال: فإن أراد ابن حزم أنه مجهول العين فليس بصحيح، بل هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا روح بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم. وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي. ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي. وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي بصري، سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك وعن أبيه، وروى عن عطاء وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود وعبيد الله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل منهما بعض ما ذكرته. وله ترجمة في كتاب ابن عدي كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين. وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه فقال في إسناده: أخبرنا روح قال: حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق. فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث، عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به، ومن

стр. 2699

إسحاق! وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال: صدوق اهـ من تكملة المجموع كما قدمناه في سورة "البقرة". والذي رأيت في سنن البيهقي الكبرى: أن الراوي عن حيان المذكور في إسناده له إبراهيم بن الحجاج، وقال صاحب الجوهر النقي: وحيان هذا ذكره ابن حبان في الثقات من أتباع التابعين. وقال الذهبي في الضعفاء: جائز الحديث. وقال عبد الحق في أحكامه: قال أبو بكر البزار: حيان رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. وقال فيه أبو حاتم: صدوق. وقال بعض المتأخرين فيه: مجهول؛ ولعله اختلط عليه بحيان بن عبيد الله المروي، وبما ذكر تعلم أن دعوى ابن حزم أن الحديث منقطع، وأن حيان المذكور مجهول ليست بصحيحة. وأما دعواه عدم رجوع ابن عباس لقول سعيد بن جبير: إنه لم يرجع عن القول بإباحة ربا الفضل؛ فقد قدمنا الروايات الواردة برجوعه مستوفاة في سورة "البقرة" عن جماعة من أصحابه، ولا شك أنها أولى من قول سعيد بن جبير؛ لأنهم جماعة وهو واحد، ولأنهم مثبتون رجوعه وهو نافيه، والمثبت مقدم على النافي. وأما شواهد حديث حيان المذكور الدال على أن الربا في كل ما يكال ويوزن؛ فمنها ما قدمنا في سورة "البقرة" من حديث أنس وعبادة بن الصامت عند الدارقطني: أن النبي ﷺ قال: "ما وُزِن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك. فإذا اختلف النوعان فلا بأس به" وقد قدمنا في سورة "البقرة" قول الشوكاني: إن حديث أنس وعبادة هذا أشار إليه ابن حجر في

стр. 2700

التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضًا. ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولًا وغيره من الأحاديث. انتهى منه كما تقدم. وفي هذا الحديث المذكور دليل واضح على أن كل ما يكال أو يوزن فيه الربا وإن سخر الظاهرية ممن يقول بذلك، ومن شواهد حديث حيان المذكور الحديث المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه في (كتاب الوكالة): حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: "لا تفعل؛ بع الجمع بالدراهم؛ ثم ابتع بالدراهم جنيبًا"، وقال في الميزان مثل ذلك. انتهى منه. ومحل الشاهد منه قوله: وقال في الميزان مثل ذلك، ومعناه ظاهر جدًا في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في منع الربا، وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور في سورة "البقرة". وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان يعني ابن بلال، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن: أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب؛ فقال له رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا؟ "، قال: لا والله يا رسول الله، إنا
следующие страницы →