← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال. واعلم أن السبكي قال: إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية، وهى أن الكف عن الفعل فعل، والمراد بالكف الترك. قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدًا عثر عليها. أحدها: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ فإن الأخذ التناول، والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه. انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود، شرح مراقي السعود في الكلام على قوله: • فكفنا بالنهي مطلوب النبي * قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكف فعل وتفسيره لها بما يدل على ذلك لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلت عليه، وهو كون الكف فعلًا دلت عليه آيتان كريمتان من سورة المائدة، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية الفرقان هذه فإنه قد بينته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة المائدة: أما الأولى منهما فهي قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت سماه الله

стр. 3992

جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح كما ترى. وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ فقد سمى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإِنشاء الذم في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ أي: وهو تركهم التناهي عن كل منكر فعلوه. وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكروا واضحة كما ترى. وقد دلت أحاديث نبوية على ذلك، كقوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فقد سمى ﷺ في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا. ومما يدل من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة: لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل فسمى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملًا مضللًا. وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الكف فعل على المذهب، أي: وهو الحق. وبين فروعًا مبنية على ذلك نظمها الشيخ الزقاق في نظمه المسمى بالمنهج المنتخب، وأورد أبيات الزقاق في ذلك وقال: وجلبتها هنا على سبيل التضمين، وهذا النوع يسمى استعانة، وهو تضمين بيت فأكثر بقوله: فكفنا بالنهي مطلوب النبي ... والكف فعل في صحيح المذهب

стр. 3993

له فروع ذكرت في المنهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجي من شرب أو خيطٍ ذكاةٍ فضلِ ما ... وعمدٍ رسمٍ شهادة وما عَطَّل ناظرٌ وذو الرهن كذا ... مفرط في العلف فادر المأخذا وكالتي ردت بعيب وعدم ... وليها وشبهها مما علم فالأبيات الثلاثة الأخيرة من نظم الشيخ الزقاق المسمى بالمنهج المنتخب، وفيها بعض الفروع المبنية على الخلاف في الكف، هل هو فعل - وهو الحق - أو لا؟ وقول الزقاق في الأول من أبياته من شرب متعلق بقوله قبله: وهل كمن فعل تارك كمن ... له بنفع قدرة لكن كمن مِنْ شربٍ. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . إلخ فقوله: من شرب بيانٌ للنفع الكامن في قوله: له بنفع قدرة، لكن كمن، أي: لكنه ترك النفع مع قدرته عليه، فتركه له كفعله؛ لما حصل بسبب تركه من الضرر على القول بأن الترك فعل. ومراده بقوله: من شرب أن من عنده فضل شراب، وترك إعطاءه لمضطر حتى مات عطشًا، فعلى أن الترك فعل يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وفضل الطعام كفضل الشراب في ذلك. وقوله: أو خيط يعني أن من منع خيطًا عنده ممن شق بطنه، أو كانت به جائفة حتى مات ضمن الدية على القول بأن الترك فعل، وعلى عكسه فلا ضمان. وقوله: ذكاة: يعني أن من مر بصيد لم ينفذ مقتله وأمكنته تذكيته فلم يذكه حتى مات، هل يضمنه، أو لا؟ على الخلاف المذكور

стр. 3994

وقوله: فضل ما: يعني أن من عنده ماء فيه فضل عن سقي زرعه، ولجاره زرع ولا ماء له إذ منع منه الماء حتى هلك زرعه، هل يضمنه، أو لا؟ على الخلاف المذكور. وقوله: وعمد: يعني أنه إذا كانت عنده عُمُد - جمع عمود - فمنعها من جار له جدار يخاف سقوطه حتى سقط، هل يضمن، أو لا؟ وقوله: رسم شهادة: يعني أن من منع وثيقة فيها الشهادة بحق حتى ضاع الحق، هل يضمنه، أو لا؟ وقوله: وما عطل ناظر: يعني أن الناظر على مال اليتيم مثلًا إذا عطل دوره، فلم يكرها حتى فات الانتفاع بكرائها زمنًا، أو ترك الأرض حتى تبورت هل يضمن، أو لا؟ وقوله: وذو الرهن: يعني إذا عطل المرتهن كراء الرهن حتى فات الانتفاع به زمنًا، وكان كراؤه له أهمية، هل يضمن، أو لا؟ وقوله: كذا مفرط في العلف: يعني أن من ترك دابة عند أحد، ومعها علفها، وقال له: قدم لها العلف، فترك تقديمه لها حتى ماتت، هل يضمن، أو لا؟ والعلف في البيت بسكون الثاني، وهو تقديم العلف بفتح الثاني. وقوله: وكالتي ردت بعيب وعدم وليها: يعني أن الولي القريب إذا زوج وليته، وفيها عيب يوجب رد النكاح، وسكتت الزوجة، ولم تبين عيب نفسها، وفلس الولي هل يرجع الزوج على الزوجة بالصداق، أو لا؟ فهذه الفروع وما شابهها مبنية على الخلاف في الكف هل هو

стр. 3995

فعل أو لا؟ والصحيح أن الكف فعل، كما دل عليه الكتاب والسنَّة واللغة، كما تقدم إيضاحه، وعليه فالصحيح لزوم الضمان فيما ذكر. • قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ . لما شكا النبي ﷺ إلى ربه في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية. تسلية له ﷺ ، أي: كما جعلنا الكفار أعداء لك، يكذبونك، ويتخذون القرآن الذي أنزل إليك مهجورًا، كذلك الجعل جعلنا لكل نبي عدوًا، أي: جعلنا لك أعداء، كما جعلنا لكل نبي عدوًا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية. قد قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾، قد قدمنا الكلام مستوفى على كفى اللازمة، والمتعدية بشواهده العربية في سورة الإسراء في الكلام على قوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ جاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. وقوله: ونصيرًا، أي: وكفى بربك نصيرًا، جاء معناه أيضًا في

стр. 3996

آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. • قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ . تقدمت الآيات التي بمعناها في آخر سورة الإِسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: كذلك الإِنزال مفرقًا بحسب الوقائع أنزلناه لا جملة كما اقترحوا. وقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقًا؛ لنثبت فؤادك بإنزاله مفرقًا. قال بعضهم: معناه لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه؛ لأن حفظه شيئًا فشيئًا أسهل من حفظه مرة واحدة لو نزل جملة واحدة. وقال بعضهم: ومما يؤكد ذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه أمي لا يقرأ ولا يكتب. • قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يحشرون على وجوههم إلى جهنم يوم القيامة، وأنهم شر مكانًا، وأضل سبيلًا. وبين في مواضع أخر أنهم تكب وجوههم في النار، ويسحبون على

стр. 3997

وجوههم فيها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ وبين جلَّ وعلا في سورة بني إسرائيل أنهم يحشرون على وجوههم، وزاد مع ذلك أنهم يحشرون عميًا وبكمًا وصمًا، وذكر في سوره طه أن الكافر يحشر أعمى. قال في سورة بنى إسرائيل: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ وقال في سووة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ الآية. وقد بينا وجه الجمع بين آية بني إسرائيل وآية طه المذكورتين مع الآيات الدالة على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويتكلمون ويسمعون، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ وكذلك بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على آية بني إسرائيل المذكورة. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ قد قدمنا الكلام في مثلها في الكلام على قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ والمكان محل الكينونة. والظاهر أنه يكون حسيًا، ومعنويًا. فالحسي ظاهر، والمعنوي كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي

стр. 3998

نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الآية. والسبيل الطريق وتذكر وتؤنث كما تقدم. ومن تذكير السبيل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن تأنيثها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ . قد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفيِة إغراقهم في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. • قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ . الأظهر عندي أن قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾، الآية. وأن قوم نوح مفعول به لأغرقنا محذوفة دل عليها قوله بعده: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ على حد قوله في الخلاصة: فالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد ذكرا

стр. 3999

أي: أهلكنا قوم نوح بالغرق، وأهلكنا عادًا وثمودًا وأصحاب الرس، وقرونًا بين ذلك كثيرًا؛ أي: وأهلكنا قرونًا كثيرة بين ذلك المذكور من قوم نوح، وعاد، وثمود. والأظهر أن القرون الكثير المذكور: بعد قوم نوح، وعاد، وثمود، وقبل أصحاب الرس، وقد دلت آية من سورة إبراهيم على أن بعد عاد، وثمود خلقًا كفروا وكذبوا الرسل، وأنهم لا يعلمهم إلَّا الله جلَّ وعلا. وتصريحه بأنهم بعد عاد وثمود يوضح ما ذكرنا، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾. وقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ والإِشارة في قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ راجعة إلى عاد، وثمود، وأصحاب الرس، أي: بين ذلك المذكور. ورجوع الإِشارة، أو الضمير بالإِفراد مع رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور أسلوب عربي معروف، ومنه في الإِشارة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ أي: بين ذلك المذكور من الإِسراف والقتر، وقول عبد الله بن الزبعري السهمي: إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل

стр. 4000

أي: وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق أي: كأنه، أي: ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقد قدمنا هذا البيت. أما عاد وثمود فقد جاءت قصة كل منهما مفصلة في آيات متعددة، وأما أصحاب الرس فلم يأت في القرآن تفصيل قصتهم ولا أسم نبيهم. وللمفسرين فيهم أقوال كثيرة تركناها؛ لأنها لا دليل على شيء منها. والرس في لغة العرب البئر التي ليست بمطوية. وقال الجوهري في صحاحه: إنها البئر المطوية بالحجارة، ومن إطلاقها على البئر قول الشاعر: وهم سائرون إلى أرضهم ... فيا ليتهم يحفرون الرساسا وقول النابغة الجعدي: سبقت إلى فرط ناهل ... تنابلة يحفرون الرساسا والرساس في البيتين جمع رس، وهي البئر. والرس واد في قول زهير في معلقته: بكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم وقوله في هذه الآية: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، جمع قرن. وهو هنا الجيل من الناس الذين اقترنوا في الوجود في زمان من الأزمنة.

стр. 4001

• قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن كلًا من الماضين المهلكين من قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، والقرون الكثيرة بين ذلك، أنه ضرب لكل منهم الأمثال؛ ليبين لهم الحق بضرب المثل؛ لأنه يصير به المعقول كالمحسوس، وأنه جلَّ وعلا تبر كلًا منهم تتبيرًا، أي: أهلكهم جميعًا إهلاكًا مستأصلًا. والتتبير الإِهلاك والتكسير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: باطل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ أي: هلاكًا. وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أنه جلَّ وعلا ضرب لكل منهم الأمثال، وأنه تبرهم كلهم تتبيرًا جاءا مذكورين في غير هذا الموضع. أما ضربه الأمثال للكفار، فقد ذكره جلَّ وعلا في غير هذا الموضع، كقوله في سورة إبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾. وأما تتبيره جميع الأمم؛ لتكذيبها رسلها، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ

стр. 4002

إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله في الزخرف: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع الأمم كذبوا رسلهم، وأن الله أهلكهم بسبب ذلك. وقد بين جلَّ وعلا في آية أخرى أن هذا العموم لم يخرج منه إلَّا قوم يونس دون غيرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾. وما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب الأمثال لكل منهم، لم يبين فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضًا لهذه الأمة الكريمة التي هي آخر الأمم في هذا القرآن، كما ضربها لغيرهم من الأمم، ولكنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه ضرب لهذه الأمة الأمثال في هذا القرآن العظيم، ليتفكروا بسببها، وبين أنها لا يعقلها إلَّا أهل العلم، وأن الله يهدي بها قومًا، ويضل بها آخرين. وهذه الآيات الدالة على ذلك كله، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ

стр. 4003

مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية. والآيات الدالة على ذلك كثيرة معلومة، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ . أقسم جلَّ وعلا في هذه الآية أن الكفار الذين كذبوا نبينا ﷺ قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهو أن الله أمطر عليها حجارة من سجيل، وهي سدوم قرية قوم لوط. وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أن الله أمطر هذه القرية مطر السوء الذي هو حجارة السجيل، وأن الكفار أتوا عليها، ومروا بها جاء موضحًا في آيات أخرى. أما كون الله أمطر عليها الحجارة المذكورة، فقد ذكره جلَّ وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ وبين في سورة الذاريات أن السجيل المذكور نوع من الطين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ ولا شك أن هذا الطين وقعه أليم، شديد مهلك، وكقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ الآية. وأما كونهم قد أتوا على تلك القرية المذكورة فقد جاء موضحًا

стр. 4004

أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ والمراد بأنهم مروا على قرية قوم لوط، أن مرورهم عليها، ورؤيتهم لها خالية من أهلها ليس فيها داع، ولا مجيب؛ لأن الله أهلك أهلها جميعًا لكفرهم وتكذيبهم رسوله لوطًا فيه أكبر واعظ، وأعظم زاجر عن تكذيب نبينا محمد ﷺ ، لئلا ينزل بالذين كذبوه مثل ما نزل بقوم لوط من العذاب والهلاك، ولذا وبخهم على عدم الاعتبار بما أنزل بها من العذاب، كقوله في آية الصافات المذكورة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وكقوله تعالى في آية الفرقان هذه: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ توبيخ لهم على عدم الاعتبار، كقوله في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ ومعلوم أنهم يمرون عليها مصبحين، وبالليل، وأنهم يرونها، وكقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ يعني: أن ديار قوم لوط بسبيل مقيم، أي: بطريق مقيم، يمرون فيه عليها في سفرهم إلى الشام، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ أي: لا يخافون بعثًا، ولا جزاء، أو لا يرجون بعثًا وثوابًا. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ . تقدم إيضاحه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ وما قالوه هنا: من

стр. 4005

أنهم صبروا على آلهتهم، بين في سورة (ص) أن بعضهم أمر به بعضًا في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ . قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه كان دينه، ومذهبه، إلى أن قال: قال ابن عباس. كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول. اهـ منه. وذكر صاحب الدر المنثور: أن ابن أبي حاتم، وابن مردويه أخرجا عن ابن عباس أن عبادة الكافر للحجر الثاني مكان الأول هي سبب نزول هذه الآية، ثم قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي، قال: كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه، رموا به وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا مناديًا فنادى: أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: لا يهوى شيئًا إلَّا تبعه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ

стр. 4006

اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: كل ما هوي شيئًا ركبه، وكل ما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع، ولا تقوى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له: أفي أهل القبلة شرك؟ قال: نعم، المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عبد هواه، ثم تلا هذه الآية ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع" انتهى محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية: أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن يكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمره به معبوده جلَّ وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف جميع ما يستحقه عليه خالفه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح. وإذا علمت هذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله جلَّ وعلا بينه في غير هذا الموضع في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾: استفهام إنكار فيه معنى النفي. والمعنى: أن من أضله الله فاتخذ إلهه هواه، لا تكون أنت

стр. 4007

عليه وكيلًا، أي: حفيظًا تهديه، وتصرف عنه الضلال الذي قدره الله عليه؛ لأن الهدى بيد الله وحده لا بيدك، والذي عليك إنما هو البلاغ، وقد بلغت. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفًا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى في آية الجاثية المذكورة آنفًا أيضًا: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ . أم في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى بل الإِضرابية، واستفهام الإِنكار معًا. والإِضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي: والمعنى: بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، أي: لا تعتقد ذلك ولا تظنه، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه، أي: لا يدركونه بعقولهم، إن هم إلَّا كالأنعام، أي: ما هم إلَّا كالأنعام التي هي الإِبل والبقر والغنم في عدم سماع الحق وإدراكه، بل هم أضل من الأنعام، أي: أبعد عن فهم الحق وإدراكه.

стр. 4008

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟ قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولايعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروى. اهـ منه. وإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباسًا، والنوم سباتًا، وجعل لهم النهار نشورًا. أما جعله لهم الليل لباسًا، فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطي جميع من في الأرض بظلامه، صار لباسًا لهم، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه، وربما انتفعوا بلباس الليل كهروب الأسير المسلم من الكفار

стр. 4009

في ظلام الليل، واستتاره به حتى ينجو منهم، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل، كما قال أبو الطيب المتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب وقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب وأما جعله لهم النوم سباتًا فأكثر المفسرين على أن المراد بالسبات: الراحة من تعب العمل بالنهار؛ لأن النوم يقطع العمل النهاري، فينقطع به التعب، وتحصل الاستراحة، كما هو معروف. وقال الجوهري في صحاحه: السبات النوم وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾. وقال الزمخشري في الكشاف: والسبات: الموت، والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾. فإن قلت: هلَّا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العَيُوفِ الوِرْدَ وهو مُرَنَّق. اهـ محل الغرض منه. وإيضاح كلامه: أن النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم إيضاحه، وعليه فقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ أي حياة بعد الموت. وعليه فالموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ وإطلاق الموت على النوم معروف في القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ فيه دليل على ما ذكره الزمخشري؛ لأن كلًا من البعث والنشور يطلق على الحياة بعد الموت، وكقوله

стр. 4010

تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. وقال الجوهري في صحاحه: والمسبوت الميت والمغشي عليه. اهـ. والذين قالوا: إن السبات في الآية الراحة بسب النوم من تعب العمل بالنهار، قالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ أنهم ينشرون فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسبابهم. والظاهر أن هذا التفسير فيه حذف مضاف، أو هو من النعت بالمصدر. وهذا التفسير يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ وقوله تعالى في القصص: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار في السعي للمعاش. وإذا علمت هذا فاعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الآية. وقد أوضحنا هذا في الكلام على هذه الآية.

стр. 4011

وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الآيات المذكورة بيان أن الليل والنهار آيتان من آياته ونعمتان من نعمه جلَّ وعلا. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ . قد قدمنا الآية الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ على قراءة من قرأ بشرًا بالباء. وآية الأعراف وآية الفرقان المذكورتان تدلان على أن المطر رحمة من الله لخلقه. وقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ لتحقيق أن الضمير في قوله: ولقد صرفناه راجع إلى ماء المطر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ كما روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد خلافًا لمن قال: إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي عن عطاء الخراساني. وصدر به القرطبي، وصدر الزمخشري بما يقرب منه.

стр. 4012

وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في: صرفناه عائد إلى ماء المطر. فاعلم أن المعنى: ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطرًا كثيرًا في بعض السنين على بعض البلاد، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر. وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: صرفناه بينهم؛ لأجل أن يتذكروا، أي: يتذكر الذين أخصبت أرضهم؛ لكثرة المطر نعمة الله عليهم، فيشكروا له، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء، فيبادروا بالتوبة إلى الله جلَّ وعلا، ليرحمهم ويسقيهم. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ أي: كفرًا لنعمة من أنزل عليهم المطر، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جلَّ وعلا في سورة الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ فقوله: رزقكم، أي: المطر، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ أي: بقولكم: مطرنا بنوء كذا. ويزيد هذا إيضاحًا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى، وهو أنه ﷺ قال لأصحابه يومًا على أثر سماء أصابتهم من الليل: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب".

стр. 4013

وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ يدخل فيه من قال: مطرنا بنوء كذا، ومن قال: مطرنا بالبخار. يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل، وأن المطر منه، كما تقدم إيضاحه. فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ . المعنى: لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيرًا يتولى مشقة إنذارها عنك، أي: ولكننا اصطفيناك، وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس؛ تعظيمًا لشأنك، ورفعًا من منزلتك، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة، ولا تطع الكافرين. . . الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه ﷺ بالرسالة لجميع الناس، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾. وقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ذكره أيضًا في غير هذا

стр. 4014

الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: وجاهدهم به، أي: بالقرآن كما روي عن ابن عباس. والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من المعلوم أنه ﷺ لا يطيع الكافرين، ولكنه يُؤمر، ويُنهى؛ ليشرع لأمته على لسانه، كما أوضحناه في سورة بني إسرائيل. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ . اعلم أن لفظة مرج تطلق في اللغة إطلاقين. الأول: مرج بمعنى أرسل وخلى. من قولهم: مرج دابته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، كما قال حسان بن ثابت ﵁: وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء وعلى هذا فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر.

стр. 4015

والإطلاق الثاني: مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي: مختلط. فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها، وقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ يعني به ماء الآبار والأنهار والعيون في أقطار الدنيا، وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: البحر الملح، كالبحر المحيط، وغيره من البحار التي هي ملح أجاج، وعلى هذا التفسير فلا إشكال. وأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط، فالمعنى: أنه يوجد في بعض المواضع اختلاط الماء الملح والماء العذب في مجرى واحد، ولا يختلط أحدهما بالآخر، بل يكون بينهما حاجز من قدرة الله تعالى. وهذا محقق الوجود في بعض البلاد. ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس، وقد زرت مدينا سانلويس عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقات أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبًا فراتًا، وبالأخرى ملحًا أجاجًا، والجميع في مجرى واحد، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أكمل قلم قدرته. وهذا الذي ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سور فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر

стр. 4016

فيمتزج به. وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان، وسورة الرحمن قد بين تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما، وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض الفاصل بين الماء العذب، والماء الملح على التفسير الأول. وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ والظاهر أن قوله هنا: حجرًا أي. منعًا، وحرامًا قدريًا، وأن محجورًا توكيد له، أي: منعًا شديدًا للاختلاط بينهما. وقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ صفة مشبهة من قولهم: عذب الماء بالضم فهو عذب. وقوله: ﴿فُرَاتٌ﴾ صفة مشبهة أيضًا، من فرت الماء بالضم، فهو فرات، إذا كان شديد العذوبة. وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ صفة مشبهة أيضًا من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح. قال الجوهري في صحاحه: ولا يقال: مالح إلَّا في لغة ردية. اهـ. وقد أجاز ذلك بعضهم، واستدل له بقول القائل: ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا وقوله: أجاج: صفت مشبهة أيضًا من قولهم: أج الماء يؤج

стр. 4017

أجوجًا فهو أجاج، أي: ملح مر، فالوصف بكونه أجاجًا يدل على زيادة المرارة على كونه ملحًا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ . قال الزمخشري في الكشاف في تفسير هذه الآية الكريمة: فقسم البشر قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ حيث خلق من النطفة الواحدة بشرًا نوعين ذكر وأنثى. انتهى منه. وهذا التفسير الذي فسر به الآية يدل له ما استدل عليه به وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾ وهو دليل على أن آية الفرقان هذه بينتها آية القيامة المذكورة. وفي هذه الآية الكريمة أقوال أخر غير ما ذكره الزمخشري. منها: ما ذكر ابن كثير قال: فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصهر صهرًا. وانظر بقية الأقوال في الآية في تفسير القرطبي، والدر المنثور للسيوطي. مسألة استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن بنت الرجل من الزنى لا يحرم عليه نكاحها. قال ابن العربي المالكي في هذه الآية: والنسب عبارة عن

стр. 4018

خلط الماء بين الذكر والأنثى، على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقًا مطلقًا، ولم يكن نسبًا محققًا، ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ بنته من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا، وأصح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسب شرعًا فلا صهر شرعًا، فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم من الحلال، لا يحرم من الحرام؛ لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما، ولا يساويهما. انتهى منه. بواسطة نقل القرطبي عنه. وقال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى، أو أخته، أو بنت ابنه من زنى: فحرم ذلك قوم، منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم: عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في النساء مجودًا. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلًا فيما يظهر أن الزنى لا يحرم به حلال، فبنته من الزنى ليست بنتًا له شرعًا، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فالإِجماع على أنها لا ترث، ولا تدخل في آيات المواريث دليل صريح على أنها أجنبية منه، وليست بنتًا شرعًا. ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي له أن يتزوجها بحال. وذلك لأمرين: الأول: أن كونها مخلوقة من مائه، يجعلها شبيهة شبهًا صوريًا بابنته شرعًا، وهذا الشبه القوي بينهما ينبغى أن يزعه عن تزوجها.

стр. 4019

الأمر الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيء سبب وجوده معصيته لخالقه جلَّ وعلا، فالندم على فعل الذنب الذي هو ركن من أركان التوبة لا يلائم التلذذ بما هو ناشئ عن نفس الذنب. وما ذكره عن الشافعي من أنه يقول: إن البنت من الزنى لا تحرم هو مراد الزمخشري بقوله: وإن شافعيًا قلت قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم تنبيه اعلم أنَّ ما ذكره صاحب الدر المنثور عن قتادة مما يقتضي أنه استنبط من قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أن الصهر كالنسب في التحريم، وأن كل واحد منهما تحرم به سبع نساء، لم يظهر لي وجهه. ومما يزيد عدم ظهوره ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول، كما تقدم إيضاحه مرارًا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ . تقدم إيضاحه في سورة الحج وغيرها. • قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ . الظهير في اللغة: المعين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾. ومعنى قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ

стр. 4020

ظَهِيرًا﴾ على أظهر الأقوال: وكان الكافر معينًا للشيطان، وحزبه من الكفرة على عداوة الله ورسله، فالكافر من حزب الشيطان يقاتل في سبيله أولياء الله الذين يقاتلون في سبيل الله، فالكافر يعين الشيطان وحزبه في سعيهم لأن تكون كلمة الله ليست هي العليا. وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية. ومعلوم أن الذي يقاتل في سبيل الطاغوت المقاتلين في سبيل الله، أنه على ربه ظهير. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ على قول من قال: إن الجند المحضرون هم الكفار، يقاتلون عن آلهتهم ويدافعون عنها، ومن قاتل عن الأصنام مدافعًا عن عبادتها، فهو على ربه ظهير. وكونه ظهيرًا على ربه، أي: معينًا للشيطان، وحزبه على عداوة الله ورسله، ككونه عدوًا له المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ ومعلوم بالضرورة أن جميع الخلق لو تعاونوا على عداوة الله لا يمكن أن يضروه بشيء، وإنما يضرون بذلك أنفسهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾ . قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الأعراف، وأول سورة الكهف.

стр. 4021

• قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ . قد قدمنا الآية التي فيها تفصيل ذلك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ . قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية.

стр. 4022

• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، أي: قال لهم ذلك رسول الله ﷺ والمسلمون، تجاهلوا الرحمن، وقالوا: وما الرحمن، وأنكروا السجود له تعالى، وزادهم ذلك نفورًا عن الإِيمان والسجود للرحمن. وما ذكره هنا من أنهم أمروا بالسجود له وحده جلَّ وعلا جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ وقد وبخهم تعالى على عدم امتثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾. وتجاهلهم للرحمن هنا أجابهم عنه تعالى بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد قدمنا طرفًا من هذا في الكلام على هذه الآية؛ وقد قدمنا أيضًا أنهم يعلمون أن الرحمن هو الله، وأن تجاهلهم له تجاهل عارف، وأدلة ذلك. وقوله هنا: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ جاء معناه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4023

• قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ . قد قدمنا كلام أهل العلم في معنى تبارك في أول هذه السورة الكريمة. والبروج في اللغة: القصور العالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآية، فقال بعضهم: هي الكواكب العظام. قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة، ثم قال: وقيل: هي قصور في السماء للحرس. ويروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضًا. والقول الأول أظهر، اللَّهم إلَّا أن تكون الكواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ اهـ. محل الغرض من كلام ابن كثير. وقال الزمخشري في الكشاف: البروج منازل الكواكب السبعة السيارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، سميت بالبروج التي هي القصور العالية؛ لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها. واشتقاق البرج من التبرج لظهوره. اهـ منه. وما ذكره جلَّ وعلا هنا من أنه جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا، وهو الشمس، وقمرًا منيرًا، بينه في غير هذا الموضع

стр. 4024

كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: وجعل فيها سراجًا بكسر السين وفتح الراء بعدها ألف على الإِفراد، وقرأه حمزة والكسائي: سرجًا بضم السين والراء جمع سراج، فعلى قراءة الجمهور بإفراد السراج، فالمراد به الشمس، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجمع. فالمراد بالسرج الشمس، والكواكب العظام. وقد قدمنا في سورة الحجر أن ظاهر القرآن أن القمر في السماء المبنية، لا السماء التي هي مطلق ما علاك؛ لأن الله بين في سورة الحجر أن السماء التي جعل فيها البروج هي المحفوظة، والمحفوظة هي المبنية في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ وليست مطلق ما علاك، والبيان المذكور في سورة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية. فآية الحجر هذه دالة على أن ذات البروج هي المبنية المحفوظة، لا مطلق ما علاك. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه جلَّ وعلا في آية الفرقان هذه، بين أن القمر في السماء التي جعل فيها البروج؛ لأنه قال هنا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وذلك دليل على أنها ليست مطلق ما علاك. وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم العدول عنه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه مما جاء به محمد ﷺ .

стр. 4025

فإن قيل: يوجد في كلام بعض السلف أن القمر في فضاء بعيد من السماء، وأن علم الهيئة دل على ذلك، وأن الأرصاد الحديثة بينت ذلك. قلنا: ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدى القرآن العظيم؛ لأن الصحابة ﵃ لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه ﷺ ، وقالوا له: يا نبي الله: ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرًا؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وهذا الباب الذي أرشد القرآن العظيم إلى سده لما فتحه الكفرة كانت نتيجة فتحه الكفر والإِلحاد وتكذيب الله ورسوله من غير فائدة دنيوية. والذي أرشد الله إليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه، وعجائبه في السماوات والأرض؛ ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى، واستحقاقه للعبادة وحده. وهذا المقصد الأساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار. وعلى كل حال فلا يجوز لأحد ترك ظاهر القرآن العظيم إلَّا لدليل مقنع يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله. ولا شك أن الذين يحاولون الصعود إلى القمر بآلاتهم ويزعمون أنهم نزلوا على سطحه سينتهي أمرهم إلى ظهور حقارتهم، وضعفهم، وعجزهم، وذلهم أمام قدرة خالق السماوات والأرض جلَّ وعلا. وقد قدمنا في سورة الحجر أن ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.

стр. 4026

فإن قيل: الآيات التي استدللت بها على أن القمر في السماء المحفوظة فيها احتمال على أسلوب عربي معروف، يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده دون المعنى. وإيضاحه أن يقال في قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هي السماء المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، وهذا أسلوب عربي معروف، وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ أي: ولا ينقص من عمر معمر آخر. قلنا: نعم هذا محتمل، ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل يجب الرجوع إليه، والعدول عن ظاهر القرآن العظيم لا يجوز إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه. وظاهر القرآن أولى بالاتباع والتصديق من أقوال الكفرة ومقلديهم. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحات له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية.

стр. 4027

• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن عباده الصالحين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، يعبدون الله، ويصلون له، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾. وقوله تعالى: ﴿يَبِيتُونَ﴾ قال الزجاج: بات الرجل يبيت: إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير: فبتنا قيامًا عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله انتهى بواسطة نقل القرطبي. • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ . الأظهر أن معنى قوله: ﴿كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ أي: كان لازمًا دائمًا غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا، أي: لازم له، مولع به. وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ وقوله: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ وقوله:

стр. 4028

﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: الهلاك. قاله القرطبي. وقول الأعشى: إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلًا فإنه لا يبال يعني: يكن عذابه دائمًا لازمًا. وكذلك قول بشر بن أبي حازم: ويوم النسار ويوم الجفا ... وكانا عذابًا وكانا غراما وذلك هو الأظهر أيضًا في قول الآخر: وما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ . قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ولم يقتروا بضم الياء المثناة التحتية، وكسر التاء، مضارع أقتر الرباعى، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كضرب، وقرأه عاصم وحمزة، والكسائي، ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإِقتار على قراءة نافع وابن عامر، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم. والإِسراف في قوله تعالى: لم يسرفوا، مجاوزة الحد في النفقة.

стр. 4029

واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم، فلا يجاوزون الحد بالإِسراف في الإِنفاق، ولا يقترون، أي: لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم. وقال بعض أهل العلم: الإِسراف في الآية: الإِنفاق في الحرام والباطل، والإِقتار منع الحق الواجب، وهذا المعنى وإن كان حقًا فالأظهر في الآية هو القول الأول. قال ابن كثير ﵀: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية، أي: ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا، ولا هذا. انتهى محل الغرض منه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ أي: بين ذلك المذكور من الإِسراف والقتر قوامًا، أي: عدلًا وسطًا سالمًا من عيب الإِسراف والقتر. وأظهر أوجه الإِعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي. قال: وقوامًا خبر كان واسمها مقدر فيها، أي: كان الإِنفاق بين الإِسراف والقتر قوامًا، ثم قال: قاله الفراء. وباقي أوجه الإِعراب في الآية ليس بوجيه عندي، كقول من قال: إن لفظة بين هي اسم كان، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني، وقول من قال: إن بين هي خبر كان، وقوامًا حال مؤكدة له، ومن قال: إنهما خبران، كل ذلك ليس بوجيه عندي، والأظهر الأول. والظاهر أن التوسط في الإِنفاق الذي مدحهم به شامل لإِنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه الخير.

стр. 4030

وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فمن ذلك أن الله أوصى نبيه ﷺ بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية، فقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي: ممسكة عن الإنفاق إمساكًا كليًا، يؤدي معنى قوله هنا (ولم يقتروا). وقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ يؤدي معنى قوله هنا: (لم يسرفوا). وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية. على أصح التفسيرين. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. مسألة هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية، والآيات التي ذكرناها معها، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد. وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما. الأول منهما: اكتساب المال. والثاني منهما: صرفه في مصارفه، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلَّا بوجود الآخر، فلو كان الإِنسان أحسن الناس نظرًا في أوجه اكتساب المال
следующие страницы →