← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾. اعلم أولًا أن العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في المنام بذبحه، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم لما باشر عمل ذبحه امتثالًا للأمر فداه الله بذبح عظيم، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وقد وعدنا في سورة الحجر بأنا نوضح ذلك بالقرآن في سورة الصافات، وهذا وقت إنجار الوعد. اعلم وفقني الله وإياك أن القرآن العظيم قد دل في موضعين على أن الذبيح هو إسماعيل، لا إسحاق: أحدهما: في الصافات، والثانى: في هود. أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جدًّا من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ قال بعد ذلك عاطفًا على البشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾، فدل ذلك على أن

стр. 4377

البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضًا: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه كلام الله. وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولًا الذي فدي بالذبح العظيم هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك. وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية. أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ إذا احتمل التأسيس والتأكيد معًا وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه. ومعلوم في اللغة العربية أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقينًا عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم. وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾؛ لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب. فهذه الآية أيضًا دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف

стр. 4378

الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين عند أهل الأصول في حكمة التكليف، هل هي للامتثال فقط، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء؛ لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل؛ لأنه لم يرد ذبحه كونًا وقدرًا، وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا؟ كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال، والابتلاء. وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله: للامتثال كلف الرقيب ... فموجب تمكنا مصيب أو بينه والابتلا ترددا ... شرط تمكن عليه انفقدا وقد أشار بقوله: فموجب تمكنًا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا. إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف مبني على الخلاف المذكور، فمن قال: إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقط اشترط في التكليف التمكن من الفعل؛ لأنه لا امتثال إلَّا مع التمكن من الفعل، ومن قال: إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء لم يشترط التمكن من الفعل؛ لأن حكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى. ومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض بعد الظهر غدًا من نهار رمضان، ثم حصل لها

стр. 4379

الحيض بالفعل، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط، فلا كفارة عليها, ولها أن تفطر؛ لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال، وتارة تكون الابتلاء، فإنها يجب عليها تبييت الصوم، ولا يجوز لها الإفطار إلَّا بعد مجيء الحيض بالفعل، وإن أفطرت قبله كفَّرت. وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غدًا، وقد علم ذلك بالعادة، فهو أيضًا ينبني على الخلاف المذكور. • قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ . ذكر جلَّ وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع، كقوله في طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ لأن من سؤله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معه، ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن. • قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ . قوله: (وقومهما) يعني بني إسرائيل. والمعنى: أنه نجى موسى وهارون وقومهما من الكرب

стр. 4380

العظيم، وهو ما كان يسومهم فرعون وقومه من العذاب, كذبح الذكور من أبنائهم، وإهانة الإناث، وكيفية إنجائه لهم مبينة في انفلاق البحر لهم حتى خاضوه سالمين، وإغراق فرعون وقومه وهم ينظرون. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ وقدمنا تفسير الكرب العظيم في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى في قصة نوح: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾ . بيَّن جلَّ وعلا أنه نصر موسى وهارون وقومهما على فرعون، وجنوده، فكانوا هم الغالبين، أي: وفرعون وجنوده هم المغلوبون، وذلك بأن الله أهلكهم جميعًا بالغرق، وأنجى موسى وهارون وقومهما من ذلك الهلاك، وفي ذلك نصر عظيم لهم عليهم. وقد بين جلَّ وعلا ذلك في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ . الكتاب هو التوراة كما ذكره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ

стр. 4381

يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا بعض الكلام على ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ وفي سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ . تسبيح يونس هذا، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام المذكور في الصافات جاء موضحًا في الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾. وقد قدمنا تفسير هذه الآية وإيضاحها في سورة الأنبياء. • قوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ . ما ذكره في هذه الآية الكريمة من إيمان قوم يونس، وأن الله

стр. 4382

متعهم إلى حين ذكره أيضًا في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ . قد قدمنا الكلام على ما في معناه من الآيات في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائمًا على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضًا بالسيف والسنان. والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله تعالى:

стр. 4383

﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية. وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح في آخر سورة المجادلة. • قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ وذكرنا بعض الكلام على ذلك في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ . ختم هذه السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين، ولا شك أنهم من عباده الذين اصطفى، مع ثنائه على نفسه بقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ معلمًا خلقه أن يثنوا عليه بذلك، وما ذكره هنا من حمده هذا الحمد العظيم، والسلام على رسله الكرام ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ الآية. ويشبه ذلك قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾. * * *

стр. 4384

انتهى الجزء السادس من هذا الكتاب المبارك ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع، وأوله سورة ص وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم

стр. 4385

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة ص

стр. 4386

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ . قرأه الجمهور: (ص) بالسكون، منهم القراء السبعة، والتحقيق أن ص من الحروف المقطعة في أوائل السور كص في قوله تعالى ﴿المص (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾. وقد قدمنا الكلام مستوفًى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وبذلك التحقيق المذكور، تعلم أن قراءة من قرأ (ص) بكسر الدال غير منونة، ومن قرأها بكسر الدال منونة، ومن قرأها بفتح الدال، ومن قرأها بضمها غير منونة، كلها قراءات شاذة لا يعول عليها. وكذلك تفاسير بعض العلماء المبنية على تلك القراءات، فإنها لا يعوّل عليها أيضًا. كما روي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: إن (ص) بكسر الدال فعل أمر من صادى يصادي مصاداة إذا عارض، ومنه الصدى، وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الصلبة الخالية من الأجسام، أي عارض بعملك القرآن وقابله به، يعني امتثل أوامره واخنب نواهيه واعتقد عقائده واعتبر بأمثاله واتعظ بمواعظه.

стр. 4387

وعن الحسن أيضًا: أن ص بمعنى حادث، وهو قريب من الأول. وقراءة ص بكسر الدال غير منونة: مروية عن أبي بن كعب، والحسن وابن أبي إسحاق وأبي السمال وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم. والأظهر في هذه القراءة الشاذة، أن كسر الدال سببه التخفيف؛ لالتقاء الساكنين، وهو حرف هجاء لا فعل أمر من صادى. وفي رواية عن ابن أبي إسحاق، أنه قرأ ﴿ص﴾ بكسر الدال مع التنوين على أنه مجرور بحرف قسم محذوف، وهو كما ترى، فسقوطه ظاهر. وكذلك قراءة من قرأ ﴿ص﴾ بفتح القال من غير تنوين، فهي قراءة شاذة والتفاسير المبنية عليها ساقطة. كقول من قال: صاد محمد قلوب الناس واستمالهم حتى آمنوا به، وقول من قال: هو منصوب على الإغراء. أي الزموا صاد، أي هذه السورة، وقول من قال: معناه اتل، وقول من قال: إنه منصوب بنزع الخافض، الذي هو حرف القسم المحذوف. وأقرب الأقوال - على هذه القراءة الشاذة -: أن الدال فتحت تخفيفًا لالتقاء الساكنين، واختير فيها الفتح إتْباعًا للصاد، ولأن الفتح أخف الحركات، وهذه القراءة المذكورة قراءة عيسى بن عمر، وتروى عن محبوب عن أبي عمر. وكذلك قراءة من قرأ صاد بضم الدال من غير تنوين، على أنه

стр. 4388

علم للسورة، وأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذه صاد، وأنه منع من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن السورة مؤنثة لفظًا. وهذه القراءة مروية عن الحسن البصري، وابن السميقع، وهارون الأعور. ومن قرأ صاد بفتح الدال قرأ: (ق)، و (ن)، كذلك، وكذلك من قرأها ﴿ص﴾ بضم الدال فإنه قرأ ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ بضم الفاء والنون. والحاصل أن جميع هذه القراءات، وجميع هذه التفاسير المبنية عليها، كلها ساقطة، لا معوَّل عليها. وإنما ذكرناها لأجل التنبيه على ذلك. ولا شك أن التحقيق هو ما قدمنا من أن ﴿ص﴾ من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن القراءة التي لا يجوز العدول عنها هي قراءة الجمهور التي ذكرناها. وقد قال بعض العلماء: إن (ص) مفتاح بعض أسماء الله تعالى كالصبور والصمد. وقال بعضهم: معناه صدق رسول الله ﷺ فيما يبلغ عن الله. إلى غير ذلك من الأقوال. وقد ذكرنا أنا قدمنا الكلام على ذلك مستوفًى في أول سورة هود. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، قد قدمنا أن أصل القرآن مصدر، زيد فيه الألف والنون، كما زيدتا

стр. 4389

في الطغيان، والرجحان، والكفران، والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف. وأكثر أهل العلم يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم المفعول. وعليه، فالقرآن بمعنى المقروء، من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته، ومنه قرأت الناقة السلا والجنين إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا على إحدى الروايتين في البيت. ومعنى القرآن على هذا: المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فِيه، بعباراته الواضحة. وقال بعض أهل العلم: إن الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل. وعليه، فالقرآن بمعنى القارئ، وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت. ومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه. وعلى هذا، فالقرآن بمعنى القارئ أي الجامع, لأن الله جمع فيه جميع ما في الكتب المنزلة. وقوله تعالى في هذه الكريمة: ﴿ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء:

стр. 4390

أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول: فلان مذكور، يعنون له ذِكْر، أي شرف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي شرف لكم، على أحد القولين. الوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير؛ لأن القرآن العظيم فيه التذكير والمواعظ، وهذا قول الجمهور واختاره ابن جرير. تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه، وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط. فمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾. ومنهم من قال: هو قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾. ومنهم من قال: هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، كقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾. ومنهم من قال: هو قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ومن قال هذا قال: إن الأصل: لكم أهلكنا. ولما طال الكلام، حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا، بدون لام. قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، لما طال

стр. 4391

الكلام بين القسم والمقسم عليه، الذي هو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، حذفت منه لام القسم. ومنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله: (ص)، قالوا: معنى (ص) صدق رسول الله والقرآن ذي الذكر. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه ﷺ . ومنهم من قال: المعنى: هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها. وقال بعض العلماء: إن المقسم عليه محذوف. واختلفوا في تقديره، فقال الزمخشري في الكشاف: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾. إنه لمعجز. وقدره ابن عطية وغيره فقال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار. إلى غير ذلك من الأقوال. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، ما الأمر كما يقوله الكفار، وأن قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة: الأول منها: أن النبي ﷺ مرسل من الله حقًا، وأن الأمر ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾. والثاني: أن الإله المعبود جل وعلا واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.

стр. 4392

والثالث: أن الله جل وعلا يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾. أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾؛ لأن الإضراب بقوله (بل) دليل واضح على المقسم عليه المحذوف. أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة. وأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول الله ﷺ ، وكون الإله المعبود واحدًا لا شريك له، فقد أشار لهما هنا. أما كون الرسول مرسلًا حقًا ففي قوله تعالى هنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ يعني: أي لا وجه للعجب المذكور, لأن يجيء المنذر الكائن منهم، ولا شك في أنه بإرسال من الله حقًا. وقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ إنما ذكره تعالى إنكارًا عليهم وتكذيبًا لهم، فعرف بذلك أن في ضمن المعنى: والقرآن ذي الذكر إنك مرسل حقًا، ولو عجبوا من مجيئك منذرًا، وزعموا أنك ساحر كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل، وأكرمهم على الله، ساحر كذاب.

стр. 4393

وأما كون الإله المعبود واحدًا لا شريك له، ففي قوله هنا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾؛ لأن الهمزة في قوله: (أجعل) للإنكار المشتمل على معنى النفي، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله ﷺ : إن الإله المعبود واحد. وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم على أن الله أقسم على تكذيبهم فيهما وإثباتهما بالقسم صريحًا، كقوله تعالى مقسمًا على أن الرسول مرسل حقًا: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ فهي توضح معنى ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ إنك لمن المرسلين. وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾. وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات. فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذُكِر، أي: والقرآن ذي الذكر، إن إلهكم لواحد، كما أشار إليه بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ الآية. وأما كون البعث حقًا، فقد أقسم عليه إقسامًا صحيحًا صريحًا، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي الساعة، وقوله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان المذكوران، وهي كون الرسول مرسلًا، والبعث حقًا، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ق

стр. 4394

وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾. فاتضح بذلك أن المعنى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذرًا رسولٌ منذر لكم من الله حقًا، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإِنكار والاستبعاد في قوله تعالى عنكم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ أي ذلك الرجع الذي هو البعث، رجع بعيد في زعمكم، واقع لا محالة، وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ إذ المعنى أن ما أكلته الأرض من لحومهم، ومزقته من أجسامهم وعظامهم، يعلمه جل وعلا، لا يخفى عليه منه شيء، فهو قادر على رده كما كان. وإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة كما قدمنا موضحًا بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾. وكونه ﷺ مرسل من الله حقًا، يستلزم استلزامًا لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقًا وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين. ولذلك أقسم تعالى في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضًا منزل من الله، كقوله تعالى في أول سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾.

стр. 4395

• قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ . قد قدمنا الكلام قريبًا على الإضراب بِـ (بل) في هذه الآية. وقوله تعالى هنا: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي في حمية واستكبار عن قبول الحق، وقد بين جل وعلا في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرُهم بتقوى الله، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق من أسباب دخولهم جهنم، وذلك في قوله عن بعض الكفار الذين يظهرون غير ما يبطنون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾. والظاهر أن وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار: أن من اتصف بذلك كأنه ينزل نفسه منزلة الغالب القاهر، وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن أصل العزة في لغة العرب الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، والعرب يقولون: من عَزَّ بَزَّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء: كأن لم يكونوا حمى يختشى ... إذا الناس إذ ذاك من عَزَّ بَزَّا وقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي غلبني وقهرني في الخصومة. والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ الآية، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 4396

ولذلك فسرها علماء التفسير، بأنها هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق. والشقاق: هي المخالفة والمعاندة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الآية. قال بعض العلماء: وأصله من الشق الذي هو الجانب؛ لأن المخالف المعاند، يكون في الشق، أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند. وقال بعض أهل العلم: أصل الشقاق من المشقة, لأن المخالف المعاند يجتهد في إيصال المشقة إلى من هو مخالف [له] معاند. وقال بعضهم: أصل الشقاق من شق العصا، وهو الخلاف والتفرق. • قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ . (كم) هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب، على أنها مفعول به لأهلكنا، وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، ومن في قوله: (من قرن)، مميزة لِـ (كم)، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، وأشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم السالفة من أجل الكفر وتكذيب الرسل، فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد ﷺ والكفر بما جاء به، لئلا نهلككم بسبب ذلك، كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية.

стр. 4397

وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: الأولى: أنه أهلك كثيرًا من القرون الماضية، يهدد كفار مكة بذلك. الثانية: أنهم نادوا، أي عند معاينة أوائل الهلاك. الثالثة: أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء، أي فهو وقت لا ملجأ فيه ولا مفر من الهلاك بعد معاينته. وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه. أما المسألة الأولى، وهي كونه أهلك كثيرًا من الأمم، فقد ذكرها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر باللَّه وتكذيب رسله، كقوله في هذه الآية الأخيرة مبينًا سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح بأنها ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾، وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)

стр. 4398

فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك إن تمادوا على الكفر وتكذيبه ﷺ . ذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ تهديد عظيم بذلك. وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، فقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ فيه تهديد عظيم لمن يعمل عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم، وفواحشهم المعروفة، وقد وبخ تعالى من لم يعتبر بهم، ولم يَحْذَرْ أن ينزل به مثل ما نزل بهم، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾، وقوله فيهم: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾، وقوله فيهم: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾، وقوله فيهم وفي قوم شعيب: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة.

стр. 4399

وأما المسألة الثانية: وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب، فقد ذكر تعالى في آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء: أحدهما: نداؤهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾. الثاني من نوعي النداء المذكور: نداؤهم بالإيمان باللَّه، مستغيثين من ذلك العذاب الذي أحسوا أوائله، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾. وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام، لدلالة قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ الذي هو المسألة الثالثة، معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة العذاب، ﴿حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه. فقوله: ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية، كما زيدت في ثم، فقيل فيها ثمت، وفي رُبَّ، فقيل فيها ربت. وأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس، وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة،

стр. 4400

كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، وربما عكس، وهذا قول سيبويه، وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: في النكرات أعملت كليس "لا" ... وقد تلي "لات" و"إن" ذا العملا وما للات في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل والمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن إدراكه، ويطلق المناص على التأخر؛ لأن من تأخر ومال إلى ملجإ ينقذه مما كان يخافه فقد وجد المناص. والمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر: غمر الجراء إذا قصرت عنانه ... بيدي استناص ورام جري المسحل والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان كلاهما راجع إلى شيء واحد؛ لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته: أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملًا يكون به خلاصه ونجاته من ذلك. فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإِسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك. والعرب تطلق النوص على التأخر، والبوص - بالباء الموحدة التحتية - على التقدم، ومنه قول امرئ القيس: أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص وأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين، وأنها

стр. 4401

تعمل عمل ليس، خلافًا لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين، وأنه رآها في الإمام وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ متصلة بها. وعلى قول الجمهور، منهم القراء السبعة: أن التاء ليست موصولة بحين؛ فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء. أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك قراءة كسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل. وتعسف له الزمخشري وجهًا لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَادَوْا﴾، أصل النداء: رفع الصوت، والعرب تقول: فلان أندى صوتًا من فلان، أي أرفع، ومنه قوله: فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص، ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ

стр. 4402

وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ والوزر: الملجأ، ومنه قوله حسان بن ثابت ﵁: والناس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلا الرماح وأطراف القنا وزر وكقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، والموئل اسم مكان من وأل يئل، إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه قوله الأعشى ميمون بن قيس: وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي ثم ما ينجو. • قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم، وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من عجبهم المذكور، ذكره في غير هذا الموضع، وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه ورده عليهم في آيات أخر، فقال في عجبهم المذكور: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ

стр. 4403

النَّاسَ﴾، وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الأعراف عن قوم نوح وقوم هود، فقال عن نوح مخاطبًا لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾، وقال عن هود مخاطبًا لعاد: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الآية. وبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم، زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحدًا من جنسهم، وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحدًا لأرسل إليهم ملكًا, لأنه ليس بشرًا مثلهم وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق. والآيات في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ

стр. 4404

أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى عن فرعون مع موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾. وقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر، في آيات من كتابه. كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي بالرسالة والوحي، ولو كان بشرًا مثلكم. إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4405

• قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. • قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة أنكروا أن الله خص نبيه محمدًا ﷺ بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على أحد آخر منهم، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، مع الرد على الكفار في إنكارهم خصوصه ﷺ بالوحي، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين من القريتين الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود في الطائف، زاعمين أنهما أحق بالنبوة منه. وقد رد جل وعلا ذلك عليهم في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾ للإنكار المشتمل على معنى النفي، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾. وقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾، وأشار إلى رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية؛ لأنه لا يجعل

стр. 4406

الرسالة حيث يشاء، ويخص بها من يشاء، إلَّا من عنده خزائن الرحمة، وله ملك السموات والأرض. وقوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قد بين في موضع آخر أن ثمود قالوا مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾، وقد ورد الله تعالى عليهم ذلك في قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. قد قدمنا بعض الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا

стр. 4407

الكتاب المبارك، في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾، وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآية. وقد قدمنا أن القط، النصيب من الشيء، أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به. وأن أصل القط كتاب الجائزة؛ لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه لذلك الإِنسان، وجمعه قطوط، ومنه قول الأعشى: ولا الملك النعمان حين لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق وقوله: ويأفق، أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ إلى قوله ﴿أَوَّابٌ (١٩)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ الآية. • قوله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ الآية. قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم،

стр. 4408

وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾. وأعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوَّل عليه، وما جاء منه مرفوعًا إلى النبي ﷺ لا يصح منه شيء. • قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾، قد بينا الحكم الذي دل عليه، في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قد أمر نبيه داود فيه بالحكم بين الناس بالحق، ونهاه فيه عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى علة للضلال عن سبيل الله؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تدل على العِلِّيَّة. وقد تقرر في الأصول، في مسلك الإِيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف التعليل، كقوله: سهى فسجد، وسرق فقطعت يده، لعلة السهو في الأول، ولعلة السرقة في الثاني. وأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا عن سبيل الله، في قوله تعالى بعده يليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.

стр. 4409

ومعلوم أن نبي الله داود لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى فيضله عن سبيل الله، ولكن الله تعالى يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم، ليشرع لأممهم. ولذلك أمر نبينا ﷺ بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضًا عن مثل ذلك، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية. وقد قدمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾. وبيَّنا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي ﷺ يخاطب بخطاب، والمراد بذلك الخطاب غيره، يقينًا، قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ الآية، ومن المعلوم أن أباه ﷺ توفي قبل ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما، ولا كلاهما؛ لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان. فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الآية، إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته، ولا يراد به هو نفسه ﷺ ، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب: إياك أعني واسمعي يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي خاطب به امرأة،

стр. 4410

وهو يقصد أخرى، وهي أخت حارثة بن لأم الطائي، وهو قوله: يا أخت خير البدو والحضارة ... كيف ترين في فتى فزارة أصبح يهوى حرة معطارة ... إياك أعني واسمعي يا جارة وذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المرأة. وقول بعض أهل العلم: إن الخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ الآية، هو الخطاب بصيغة المفرد، الذي يراد به عموم كل من يصح خطابه، كقول طرفة بن العبد في معلقته: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي ستبدي لك ويأتيك أيها الإِنسان الذي يصح خطابك؛ وعلى هذا فلا دليل في الآية = غير صحيح، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن المخاطب بذلك هو النبي ﷺ ، وعليه فالاستدلال بالآية استدلال قرآني صحيح، والقرينة القرآنية المذكورة، هي أنه تعالى قال في تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله ﷺ ، التي أولها ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ الآية، ما هو صريح في أن المخاطب بذلك هو النبي ﷺ ، لا عموم كل من يصح منه الخطاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ . وقد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الآية.

стр. 4411

• قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، (ذلك) أي خلقنا السماوات والأرض باطلًا هو ظن الذين كفروا بنا. والنفي في قوله: (ما خلقنا) منصب على الحال لا على عاملها الذي هو (خلقنا)؛ لأن المنفي بأداة النفي التي هي (ما) ليس خلقه للسماوات والأرض، بل هو ثابت، وإنما المنفي بها هو كونه باطلًا، فهي حال شبه العمدة وليست فضلة صريحة؛ لأن النفي منصب عليها هي خاصة، والكلام لا يصح دونها. والكلام في هذا معلوم في محله. ونفي كون خلقه تعالى للسماوات والأرض باطلًا، نزه عنه نفسه ونزهه عنه عباده الصالحون؛ لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالى. أما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾. ثم نزه نفسه عن كونه خلقهم عبثًا بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثًا. وأما تنزيه عباده الصالِحين له عن ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ فقوله تعالى عنهم: (سبحانك) أي تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت السماوات والأرض باطلًا. فقولهم: (سبحانك) تنزيه له، كما نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ الآية.

стр. 4412

وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ يدل على أن من ظن باللَّه ما لا يليق به جل وعلا، فله النار. وقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن باللَّه ما لا يليق به أرداه وجعله من الخاسرين، وجعل النار مثواه. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآية. وقولنا في أول هذا المبحث: الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وبينا هناك أن الفعل نوعان: أحدهما الفعل الحقيقي، والثاني الفعل الصناعي، أما الفعل الحقيقي، فهو الحدث المتجدد، المعروف عند النحويين بالمصدر. وأما الفعل الصناعي، فهو المعروف في صناعة علم النحو بالفعل الماضي، والفعل المضارع، وفعل الأمر على القول بأنه مستقل عن المضارع. ومعلوم أن الفعل الصناعي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله: المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمْنٍ من أَمِن وعند جماعات من البلاغيين، أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهو الأقرب، كما حرره بعض علماء البلاغة في حظ الاستعارة التبعية، وبذلك تعلم أنه لا خلاف بينهم في أن المصدر والزمن كامنان في الفعل الصناعي، فيصح رجوع الإِشارة

стр. 4413

والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي. فمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن في الفعل، قوله هنا: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ فإن المصدر الذي هو الخلق، كامن في الفعل الصناعي، الذي هو الفعل الماضي في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي خلقُ السماوات المذكور الكامن في مفهوم (خلقنا) ظنُّ الذين كفروا. ومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي، قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد. ومثال رجوع الضمير للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فقوله: (هو)، أي العدل الكامن في مفهوم (اعدلوا)، كما تقدم إيضاحه. • قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ . أم في قوله: (أم نجعل الذين)، وقوله: (أم نجعل المتقين) كلتاهما منقطعة. و (أم) المنقطعة، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب: الأول: أنها بمعنى همزة استفهام الإنكار. الثاني: أنها بمعنى بل الإضرابية. والثالث: أنها تشمل معنى الإِنكار والإِضراب معًا، وهو الذي اختاره بعض المحققين. وعليه فالإِضراب بها هنا انتقالي لا إبطالي، ووجه الإِنكار بها عليهم واضح؛ لأن من ظن باللَّه الحكيم الخبير، أنه يساوي بين

стр. 4414

الصالح المصلح، والمفسد الفاجر، فقد ظن ظنًا قبيحًا جديرًا بالإِنكار. وقد بين جل وعلا هذا المعنى، في غير هذا الموضع، وذم حكم من يحكم به، وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾. • قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ . قوله تعالى: (كتاب) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل هذا الكتاب، معظمًا نفسه جل وعلا، بصيغة الجمع، وأنه كتاب مبارك، وأن مِنْ حِكَم إنزاله أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر أولوا الألباب، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال. وكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة جاء واضحًا في آيات أخر. أما كونه جل وعلا، هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما كون هذا الكتاب مباركًا، فقد ذكره في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية،

стр. 4415

وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾. والمبارك كثير البركات، من خير الدنيا والآخرة. ونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا لبركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات، في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب. وأما كون تدبر آياته، من حِكَم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾. وأما كونُ تذكُّر أولي الألباب، مِنْ حِكَم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا الموضع، مقترنًا ببعض الحكم الأخرى، التي لم تذكر في آية ص هذه، كقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾. فقد بين في هذه الآية الكريمة أن تذكر أولي الألباب من حكم إنزاله، مبينًا منها حكمتين أخريين من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس به، وتحقيق معنى لا إله إلا الله. وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ لأن اللام في قوله: (لتنذر)، متعلقة بقوله: (أنزل)، والذكرى اسم مصدر بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا الألباب.
следующие страницы →