← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مقدمة في تعريف الإجمالي والبيان في اصطلاح أهل الأصول اعلم أولًا أن المجمل في اللغة: هو المجموع، وجملة الشيء مجموعه، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. والتحقيق: أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره. وعرفه في مراقي السعود بقوله: وذو وضوح محكم، والمجمل ... هو الذي المراد منه يجهل واعلم أن المبهم أعم من المجمل عمومًا مطلقًا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملًا، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملًا، لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود. والدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان: الأولى: أن يكون أحد المحتملين أظهر. والثانية: أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر، ومقابله محتمل، وإن

стр. 72

استويا فهو المجمل كما ذكرناه. وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتمل، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل، وسيأتي إيضاح أنواع التأويل كلها إن شاء الله تعالى في آل عمران. واعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملًا من وجه آخر كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: وقد يجيء الإجمال من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيان من فطن وأما البيان فهو لغة: اسم مصدر بمعنى التبيين، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، والطلاق بمعنى التطليق، وقد يطلق على المبين بالكسر والفتح، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء تقدمه خفاء أم لا، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان باصطلاح الأصولي إلا على إظهار ما كان فيه خفاء، وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفًا للبيان في الاصطلاح: تصيير مشكل من الجلى ... وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العمى

стр. 73

فكل ما يزيل الإشكال يسمى بيانًا في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر، وسترى إن شاء الله في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان، وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية. واعلم أن التحقيق جواز بيان المتواتر من كتاب أو سنة بأخبار الآحاد، وكذلك يجوز بيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا خلافًا لقوم منعوا ذلك زاعمين أن المنطوق أظهر من المفهوم، والأظهر لا يبين بالأخفى، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية. وأجيب بأنه ما كل منطوق يقدم على المفهوم، بل بعض المفاهيم أقوى دلالة على الأمر من دلالة المنطوق عليه، ألا ترى أن دلالة مفهوم حديث "في الغنم السائمة زكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة أظهر في عدم الزكاة في المعلوفة، من دخولها في عموم منطوق حديث "في أربعين شاة شاة"، لأن المفهوم أخص بها وأقوى دلالة فيها من عموم المنطوق، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد فالبيان بالقاصر سندًا كبيان المتواتر بالآحاد، والبيان بالقاصر دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا، والمراد بقصوره في الدلالة أغلبية ذلك، لا لزومه في كل حال كما أشرنا إليه آنفًا. وحكى القاضي الباقلاني عن جماعة من العراقيين أن المبين بالفتح إن كان وجوبه يعم جميع المكلفين كالصلاة فلا يبين إلا بمتواتر، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:

стр. 74

وأوجبن عند بعض علمًا ... إذا وجوب ذي الخفاء عما ولا يخفى سقوط هذا القول وأنه لا وجه لرد حديث صحيح دال على بيان نص من غير معارض بدعوى أنه لم يتواتر، ومنع بيان المتواتر مطلقًا بالآحاد أشد سقوطًا. واعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان بالقول هل هو أقوى من البيان بالفعل أو لا؟ قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في ذلك هو ما حققه أبو إسحاق الشاطبي ﵀ وهو أن كل واحد منهما أقوى من صاحبه من جهة، فالفعل يبلغ من بيان الكيفيات المعينة المخصوصة ما لا يبلغه القول، والقول يبلغ من بيان الخصوص والعموم في الأحوال والأشخاص ما لا يبلغه الفعل. مسائل تتعلق بالبيان المسألة الأولى: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فلا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات: الأولى: أن يتفق القول والفعل. الثانية: أن يزيد الفعل على القول. الثالثة: أن يزيد القول على الفعل. فإن اتفق القول والفعل معًا، فالمتقدم منهما هو المبين والثاني تأكيد له كما قالوا بعد نزول آية القطع في السرقة: القطع من الكوع، وقطع بالفعل من الكوع.

стр. 75

وإن جهل المتقدم فالبيان بأحدهما لا بعينه، وقال الآمدي: يتعين المرجوح إن كان أحدهما أرجح، لأن المرجوح لا يكون مؤكدًا للراجح. قال القرافي: وهو غير متجه، لأن الأضعف يزيد في رتبة الظن الحاصلة قبله كزيادة شاهد على أربعة. وإن زاد الفعل على القول، كبيانه ﷺ أن كيفية الصوم هي صوم كل يوم بانفراده من غيره وصال بين يومين، مع أنه ﷺ ربما واصل، فإن البيان يكون بالقول، والفعل يدل على مطلق الطلب في حقه ﷺ خاصة بندب أو إيجاب تقدم للقول أو تأخر. وقال أبو الحسين البصري: المتقدم منهما هو البيان وألزم نسخ الفعل المتقدم مع إمكان الجمع. قال المحَلِّي: ولو نقصَ الفعل عن مقتضى القول كما لو طاف بعد نزول آية الحج طوافًا واحدًا، وأمر باثنين فقياس الأول أن القول هو البيان، ونقصُ الفعل تخفيف عنه ﷺ ، تأخر الفعل أو تقدم، وقياس ما لأبي الحسين أن البيان هو المتقدم، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: والقول والفعل إذا توافقا ... فانم البيان للذي قد سبقا وإن يزد فعل فللقول انتسب ... والفعل يقتضي بلا قيد طلب والقول في العكس هو المبين ... وفعله التخفيف فيه بين المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو

стр. 76

ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وقال القوم: يجوز عقلًا لكنه لم يقع بالفعل. وأجراه كثير منهم على الخلاف في مسألة التكليف بما لا يطاق، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: تأخر البيان عن وقت العمل ... وقوعه عند المجيز ما حصل وذكر بعض المتأخرين عن ابن العربي المالكي أنه قال في كتابه المحصول: لحظت ذلك مدة، ثم ظهر لي جوازه، ولا يكون من تكليف ما لا يطاق، بل رفعًا للحكم، وإسقاطًا له في حق المكلف. قال مقيده عفا الله عنه: وبناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الفعل صرحوا بأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ في البعض، وكذلك التقييد بعد العمل بالمطلق، لأن كلا من التخصيص والتقييد بيان، وهو لا يتأخر عن وقت الفعل، فإذا تأخر تعين النسخ، وإليه أشار في المراقي في التخصيص بقوله: وإن أتى ما خص بعد العمل ... نسخ والغير مخصصا جلى وفي التقييد بقوله: وإن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد تنبيه: فإن قيل: قد وقع تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما وقع في صبح ليلة الإسراء، فإن جبريل ﵇ لم يبين للنبي ﷺ كيفيتها، ولا وقتها حتى ضاعت، فالجواب من وجهين، أشار لهما

стр. 77

العبادي في الآيات البينات. أحدهما: أن وجوبها كان مشروطًا بالبيان قبل فوات وقتها ولم يبين له ﷺ ، ولذا لم يفعلها أداء ولا قضاء. قال: ومن هنا يعلم أن الكلام في غير الوجوب المعلق على البيان، أما هو فلا يتصور فيه تأخير البيان عن وقت الفعل. الثاني: أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء على أن ابتداء الوجوب من ظهر ذلك اليوم فما بعده، دون ما قبله. المسألة الثالثة: أما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع، وهو مذهب الجمهور، ومقابلة ثلاثة أقوال أخر: الأول: أنه لا يجوز مطلقًا. الثاني: أنه يجوز في المجمل، دون ما له ظاهر غير مراد، كالعام والمطلق. الثالث: عكس هذا وهو جوازه فيما له ظاهر غير مراد، دون المجمل وهو أبعدها، وإلى هذه الأقوال أشار في المراقي بقوله: تأخيره للاحتياج واقع ... وبعضنا هو لذاك مانع وقيل بالمنع بما كالمطلق ... ثم بعكسه لدى البعض انطق أما تأخير أصل التبليغ إلى وقت الحاجة، فقال بعض العلماء بجوازه أيضًا، وخالف فيه بعضهم، وقال الفخر الرازي وابن الحاجب والآمدي: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن قولًا واحدًا، لأنه

стр. 78

متعبد بتلاوته، ولم يؤخر ﷺ تبليغه بخلاف غيره، قال بعض أهل الأصول: قد يمنع تعجيل التبليغ، ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة إن كان يخشى من تعجيله مفسدة، قالوا: فلو أمر ﷺ بقتال أهل مكة بعد سنة من الهجرة، وجب تأخير تبليغ ذلك للناس، لئلا يستعد العدو إذا علم ويعظم الفساد، ولذلك لما أراد ﵊ قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لغلبتهم وقهرهم، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله: وجائز تأخير تبليغ له ... ودرء ما يخشى أبى تعجيله والضمير في قوله: له عائد إلى الاحتياج في البيت المذكور قبله، أي: جائز تأخير التبليغ إلى وقت الاحتياج له. المسألة الرابعة: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلًا به ودليله الوقوع، فقد جاءت فاطمة الزهراء والعباس ﵄ أبا بكر ﵁ يطلبان ميراثهما من النبي ﷺ متمسكين بعموم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وعموم ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يعلما أنه ﷺ بين أن هذا العموم لا يتناول الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بقوله: [إنا معاشر الأنبياء لا نورث] الحديث - وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله: ونسبة الجهل لذى وجود ... بما يخصص من الموجود وسميته: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وهذا أوان الشروع في المقصود.

стр. 79

سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا زمانيا. وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية: السماوات والأرض في قوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية: الدنيا والآخرة في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ الآية. وقال في أول سورة سبأ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ والألف واللام في "الْحَمْدُ" لاستغراق جميع المحامد وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به. • وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال والجلال. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيات لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ والآية فى اللغة: العلامة. • قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ هما وصفان لله

стр. 80

تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى -كما ذكره ابن كثير وغيره- أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: "الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة" وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير، ومثله قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَن﴾ أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) - إلى قوله - فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣)﴾ فخصهم باسمه الرحيم. فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله - ﷺ -[رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما؟ ] فالظاهر في الجواب -والله أعلم- أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الَاخرة! بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضاً، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما.

стр. 81

والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضا: أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣)﴾، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته، وإخراجه إياهم من الظلمات الى النور رحمة بهم في الدنيا وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ فانه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجار للضمير الواقع على النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا. والعلم عند الله تعالى. • وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ لم يبينه هنا. وبينه في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ الآية. والمراد بالدين في الآية: الجزاء. ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاء أعمالهم بالعدل. • قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله، لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات. غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السموات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو "إِيَّاكَ" وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي

стр. 82

هو مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر. وأشار إلى الإثبات منها بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾. وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات أخر، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فصرح بالإثبات منها بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ وكقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فصرح بالإثبات بقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وبالنفي بقوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وكقوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فصرح بالنفي منها بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ وبالإثبات بقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللََّهِ﴾ وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية. وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 83

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • وقوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم، وبين ذلك في موضع آخر بقوله ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً (٦٩)﴾. تنبيهان الأول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁، لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم -أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم، فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين، وقد بين ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق. الثاني: قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم، وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله ﴿وَأُمُّهُ

стр. 84

صِدِّيقَةٌ﴾ الآية. وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أو لا؟ الجواب: أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي: هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث، أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك، وعليه: فمريم داخلة في الآية، واحتج أهل هذا القول بأمرين: الأول: إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع. والثاني: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم نفسها ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ وقوله في امرأة العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ وقوله في بلقيس ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ وقوله فيما كالجمع المذكر السالم: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ الآية. فإنه تدخل فيه حواء إجماعا. وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ -إلى قوله- ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن﴾ الآية. فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن.

стр. 85

وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع، وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق، وعن الآيات بأن دخول الإناث فيها إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه. وعلى هذا القول فمريم غير داخلة في الآية، وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله: وما شمول من للانثى جنف ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا • وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قال جماهير من علماء التفسير "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" اليهود "الضالون" النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ من حديث عدي بن حاتم ﵁. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعا مغضوبا عليهم جميعا، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه، ويأتون الباطل عمدا، فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم. وعلى هذا فقد يبين أن "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" اليهود قوله تعالى فيهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الآية، وقوله فيهم أيضا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَب﴾ الآية-. وقد يبين أن الضَّالِّينَ النصارى، قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.

стр. 86

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة البقرة

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، ويفهم من مفهوم الآية -أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب- أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (٨٢)﴾ وقوله ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ الَايتين. ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضيل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق. • قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو

стр. 88

الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور. ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي ... مودتي ولا تنطقي [في] [٢] سورتي حين أغضب وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (٦٧)﴾ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل، فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وقد قال الشاعر: لا تمدحن [٣] ابن عباد وإن هطلت ... يداه كالمزن حتى تخجل الديما فإنها فلتات [٤] من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا

стр. 89

يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية- وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر: إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾. فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله ﷺ : "وابدأ بمن تعول"، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ الآية، لا يخفى أن الواو في قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى

стр. 90

أَبْصَارِهِمْ﴾ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة (١) على ما قبلها، وأن تكون استئنافية، ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله: "وَعَلَى سَمْعِهِمْ" معطوف على قوله: "عَلَى قُلُوبِهِمْ" وأن قوله: "وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ" استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو "غِشَاوَةٌ" وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها، ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله: ونحو عندي درهم ولي وطر ... ملتزم فيه تقدم الخبر فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَة﴾. والختم: هو الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه. والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألوامها وعلى قراءة من نصب غشاوة فهي منصوبة بفعل محذوف أي ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ كما في سورة الجاثية، وهو كقوله: علفتها تبنا وماءا باردا ... حتى شتت همالة عيناها

стр. 91

وقول الآخر: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا وقول الآخر: إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا كما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور. فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضا كما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِم﴾ الآية. فالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ لم يذكر هنا بيانا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. • قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لم يبين هنا شيئا من استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾. • قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية، ظاهر هذه الآية أن

стр. 92

المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾. • وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلا لما جاء به محمد ﷺ من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام. وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾. وقد أوضح ﷺ هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال ﷺ : "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". • وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ضرب الله تعالى في هذه الآية

стр. 93

المثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلا للقرآن، ويبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم، لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي - ﷺ -، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة، ويوما آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببا لاعتقاد الكفار أنه - ﷺ - كاذب، لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه، فهو سبب لزيادة الضالين ضلالا. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم، فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي - ﷺ - لما قرأ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه، لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنه - ﷺ - لما قرأ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال بعض رجال قريش: هذا عدد قليل، فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة، لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد - ﷺ - أنا سندخلها. والله

стр. 94

تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك كله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. • قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾ ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضا منها في آيات أخر كقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ الآية -وكقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية- وكقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ إلى قوله- ﴿الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كاد قلبي أن يطير، إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ﴾ والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. • قوله تعالى: ﴿وَبَرْقٌ﴾ ضرب تعالى المثل بالبرق، لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك، كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)﴾ وقوله ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ . قال بعض العلماء: مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: أي مهلكهم، ويشهد

стр. 95

لهذا القول قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: تهلكوا عن آخركم: وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه، وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر: أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم ومنه أيضا: بمعنى الهلاك: قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾ أي: يكاد نور القرآن لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفا، لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابا له. كما قال الشاعر: مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويعمي أعين الخفاش وقال الآخر: خفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف، فشدة ضوء النور تزيدها عمى. وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: يكاد البرق يخطف أبصارهم أي: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.

стр. 96

• قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا أضاء لهم مشوا في ضوئه، وإذا أظلم وقفوا، كما أن المنافقين إذا كان القرآن موافقا لهواهم ورغبتهم، عملوا به كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم، والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾. وقال بعض العلماء: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا: هذا الدين حق، ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور. قالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه. وهذا الوجه يدل له قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾. وقال بعض العلماء: إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ أشار في هذه الآية إلى ثلاثة

стр. 97

براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر. البرهان الأول: خلق الناس أولا المشار إليه بقوله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ الآية، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ الآية. لذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧)﴾ ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية .. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثاني: خلق السموات والأرض المشار إليه بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ َبِنَاءً﴾ لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى. وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ

стр. 98

الْعَلِيمُ (٨١)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ﴾ وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ الآية .. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها، فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾. وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاما رميما، وقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ لم يصرح هنا باسم هذا للعبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ صلوات الله وسلامه عليه. • قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ هذه الحجارة قال كثير من العلماء: إنها حجارة من كبريت. وقال بعضهم: إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها. وهذا القول يبينه ويشهد

стр. 99

له قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية ... • قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لم يبين هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بين ذلك في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ لم يبين هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (٣٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لجميل صفاتهن. والأزواج: جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجه [بالهاء] لغة لا لحن كما زعمه البعض. وفي حديث أنس عن النبي ﷺ : "إنها زوجتي" أخرجه مسلم. ومن شواهده قول الفرزدق: "وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها" وقول الآخر: "فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والظاعنون إلي ثم تصدعوا" • قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أنه منه الأرحام بقوله:

стр. 100

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾. وأشار في موضع آخر إلى أنه منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك، بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وذلك في قوله: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾. • قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ظاهره: أن ما في الأرض جميعا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير: "ولأنت تفرى ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري" وذلك في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية، وفي قوله: [خَلِيفَةً] وجهان من التفسير للعلماء. أحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله، وعليه فالخليفة. فعيلة بمعنى فاعل. وقيل لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول، وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية.

стр. 101

الثاني: أن قوله خَلِيفَةً مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ يعني وأنهار بدليل قوله ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (٧٤)﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: وكان بنو فزارة شر عم ... وكنت لهم كشر بني الأخينا وقول العباس بن مرداس السلمي: فقلنا: اسلموا إنا أخوكم ... وقد سلمت من الإحن الصدور وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التيمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفو ... فإن زمانكم زمن خميص وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية، ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها، ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ

стр. 102

خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات. ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر. تنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة؛ يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين: حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر

стр. 103

ليس بواجب. ثم إن الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد: هذا غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي. قال مقيدة [عفا الله عنه]: من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه، ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القرطبي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃؛ ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة. وقالت الإمامية: إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع. وعن الْحَسَنِ البصري والجاحظ والبلخي: أنها تجب بالعقل والشرع معا. واعلم أن ما تتقوله الْإِمَامِيَّةُ من المفتريات على أبي بكر وعمر وأمثالهم من الصحابة، وما تتقوله في الأثني عشر إماما، وفي الإمام المنتظر المعصوم، ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة، كله باطل لا أصل له.

стр. 104

وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك: فعليك بكتاب "منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية" للعلامة الوحيد الشيخ تقي الدين أبي العباس بن تيمية -تغمده الله برحمته- فإنه جاء فيه بما لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة علي إبطال جميع تلك الخرافات المختلفة، فإذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين. فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور: الأول: ما لو نص - ﷺ - على أن فلانا هو الإمام، فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لإن تقديم النبي - ﷺ - له في إمامة الصلاة وهي أهم شيء فيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى، وهو ظاهر. الثاني: هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر منه؛ لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف، ولا عبرة بعدم رضى بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁. الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄. ومن هذا القبيل: جعل عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله - ﷺ - مات وهو عنهم راض. الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر، وتدين له الناس؛ لما في الخروج عليه حينئذ

стр. 105

من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له. كما قاله ابن قدامة في المغني. ومن العلماء من يقول: تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي. وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع. وقيل: ببيعة أربعة. وقيل غير ذلك. هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى. ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية ﵀ في "المنهاج" أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإمامة، لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام. واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط: الأول: أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع. ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف. هل هو قرشي أو لا؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام: الأول: أن يكون من صميم قريش لقوله - ﷺ -: "الأئمة من

стр. 106

قريش". وقد اختلف في هذا. قال مقيده [عفا الله عنه]: الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيا ضعيف. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم. وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين. وحكى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته". فذكر الحديث وفيه: "فإن أدركني أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل"، ومعلوم أن معاذا غير قرشي. وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر، أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور. فاشتراط كونه قرشيا هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم لله ورسوله. فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم. فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية ﵁ حيث قال: "باب الأمراء من قريش". حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإنه قد بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن

стр. 107

رسول الله - ﷺ - وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين" انتهى من صحيح البخاري بلفظه. ومحل الشاهد منه قوله - ﷺ -: "ما أقاموا الدين" لأن لفظة: "ما" فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله: إن هذا الأمر في قريش، وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم. وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث. وقال ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه: "وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق ﵁ نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير. فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها، فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره. وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء: الأول: وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به. كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال: "الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا - الحديث". وفيه: "فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله"، وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. الثاني: وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذاهم. فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: "إنكم أهل هذا الأمر

стр. 108

ما لم تحدثوا، فإن غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب" ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله، وخالفه حبيب ابن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه "لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته" الحديث. وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته. وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء. ولفظه قال لقريش: "أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة" وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به. الثالث: الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء" ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا، لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان. وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه. وأخرج أحمد من حديث ذي مخبر (بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء) وهو ابن أخي النجاشي عن النبي - ﷺ - قال: "كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في

стр. 109

قريش وسيعود لهم" وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية "ما أقاموا الدين" أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم". انتهى. واعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور-: إنه سيكون ملك من قحطان، إذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره: لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه". أخرجه البخاري في "كتاب الفتن" في "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان"، وفي "كتاب المناقب" في "باب ذكر قحطان". وأخرجه مسلم في "كتاب الفتن" و"أشراط الساعة" في "باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء" وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين. وقال بعض العلماء: اسمه جهجاه، وقال بعضهم: اسمه شعيب بن صالح. وقال ابن حجر في الكلام على حديث القحطاني هذا ما نصه: "وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج" وتقدم الجمع بينه وبين حديث: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة" فيفهم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني

стр. 110

فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها. ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله: "الإيمان يمان" أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا". انتهى منه بلفظه والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. الثاني: من شروط الإمام الأعظم: كونه ذكرا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁، أن النبي - ﷺ - لما بلغه أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". الثالث: من شروط الإمام الأعظم كونه حرا، فلا يجوز أن يكون عبدا، ولا خلاف في هذا بين العلماء. فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد. فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". ولمسلم من حديث أم الحصين "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". ولمسلم أيضا: من حديث أبي ذر ﵁ قال: "أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف" فالجواب من أوجه:
следующие страницы →