← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾. وبين في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلاً لا يأتيهم العذاب قبله لعجله عليهم، وهو قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية. تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، صريح في أنه - ﷺ - لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ "أن النبي - ﷺ - أرسل الله إليه ملك الجبال، وقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها- فقال - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً". والظاهر في الجواب: هو ما أجاب به ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية، وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم تعجيلة لعجله عليهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره.

стр. 772

• قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية، بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية المذكورة، والمفاتح الخزائن جمع مفتح بفتح الميم، بمعنى المخزن، وقيل: هي المفاتيح جمع مفتح، بكسر الميم، وهو المفتاح، وتدل له قراءة ابن السميقع: "مفاتيح" بياء بعد التاء جمع مفتاح، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وعن عائشة ﵂ قالت: "من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية" والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أخرجه مسلم، والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره ﷺ أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. ولذا رميت عائشة ﵂ بالإفك، لم يعلم، أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا

стр. 773

أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ ولما جاءوا لوطاً لم يعلم أيضاً أنهم ملائكة، ولذا: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قالوا له: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ ولم يعلم خبرهم حتى قال: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات. ويعقوب ﵇ ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف. وسليمان ﵇ مع أن الله سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ الآيات. ونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الآية، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ الآية، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، وهو تعالى يعلم

стр. 774

رسله من غيبه ما شاء، كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. الآية. تنبيه لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين، وبعض منها يكون كفراً. ولذا ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة والكهانة والعرافة، والطرق والزجر، والنجوم، وكل ذلك يدخل في الكهانة؛ لأنها تشتمل جميع أنواع ادعاء الإطلاع على علم الغيب. وقد سئل - ﷺ - عن الكهان فقال: "ليسوا بشيء". وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: فمن قال: إنه ينزل الغيث غداً، وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا، وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر، فإن لم يجزم، وقال: إن النوء ينزل به الماء عادة، وإنه سبب الماء عادة، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيهاً بكلمة أهل الكفر وجهلا بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء. قال الله تعالى: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب"

стр. 775

على ما يأتي بيانه في الواقعة إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي: وكذلك قول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة، لا واجباً في الخلقة لم يكفر، ولم يفسق. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة، أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضاً، فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدب ولا يسجن. أما عدم كفره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل، حسبما أخبر الله عنه من قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾. وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدرون الفرق بين هذا وغيره، فيشوشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به. قلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" والعراف: هو الحازي، والمنجم الذي يدعي علم الغيب، وهي العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء، وكلها ينطق عليها اسم الكهانة. قاله القاضي عياض.

стр. 776

والكهانة: ادعاء الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في [الكافي]: من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحت، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. اهـ من القرطبي بلفظه. وقد رأيت تفريقه للعراف والكاهن. وقال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك، وقال أبو العباس بن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالطرق قيل: الخط الذي يدعي به الإطلاع على الغيب، وقيل: إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، والزجر هو العيافة، وهي التشاؤم والتيامن بالطير، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ومواقعها وأسمائها وألوانها وجهاتها التي تطير إليها. ومنه قول علقمة بن عبدة التميمي: ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم وكان أشد العرب عيافة بنو لهب حتى قال فيهم الشاعر: خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت وإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب: في مدلج بن بكر القيافة ... كما للهب كانت العيافة

стр. 777

ولقد صدق من قال: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الإطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما استأثر الله به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك، كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله هنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ونحو ذلك. وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية أن حلوان الكاهن لا يحل له، ولا يرد لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين، في نظائر نظمها بعض علماء المالكية بقوله: وأي مال حرموا أن ينتفع ... موهوبه به ورده منع حلوان كاهن وأجرة الغنا ... ونائح ورشوة مهر الزنا هكذا قيل. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى، وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ لم يبين هنا ماذا

стр. 778

يحفظونه، وبينه في مواضع أخر، فذكر أن ما يحفظونه بدن الإنسان بقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ، نهى الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة عن مجالسة الخائضين في آياته، ولم يبين كيفية خوضهم فيها التي هي سبب منع مجالستهم، ولم يذكر حكم مجالستهم هنا، وبين ذلك كله في موضع آخر، فبين أن خوضهم فيها بالكفر والاستهزاء بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية. وبين أن من جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ وبين حكم من جالسهم ناسياً، ثم تذكر بقوله هنا: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كما في سورة النساء. • قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ الآيات، قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ في المواضع الثلاثة محتمل لأنه كان يظن ذلك، كما روي عن ابن عباس وغيره، ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله، ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار، والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة الثاني.

стр. 779

أما بطلان الأول فالله تعالى نفي كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما. وأما كونه جازماً موقناً بعدم ربوبية غير الله فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ إلى آخره "بالفاء" على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ فدل على أنه قال ذلك موقناً مناظراً ومحاجاً لهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية، المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقد بينه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية. قال مجاهد وغيره: هي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً

стр. 780

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية، وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾. والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم، كما في قوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾؛ لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل، وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها، وقد استدل إبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ فعدم إدخال هذه الحجة في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ غير ظاهر، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة صدر القرطبي. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة لو أشركوا بالله لحبط جميع أعمالهم. وصرح في موضع آخر بأنه أوحى هذا إلى نبينا، والأنبياء قبله عليهم كلهم صلوات الله وسلامه، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية. وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية، على القول بأن "إن" شرطية، وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي لا أحد أظلم ممن قال: سأنزل مثل مآ أنزل الله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى

стр. 781

عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع العرب بسورة واحدة منه، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ وفي يونس بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ وتحداهم به كله في الطور بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨)﴾ فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة. • قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الآية، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد التناول بالسوء كقوله: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فرداً في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (٩٥)﴾

стр. 782

وقوله في هذه الآية: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي منفردين لا مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا خول عندكم، حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضاً: فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان: من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد • قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلاة في الدنيا، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جداً كقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً (٨٢)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ وقوله هنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ أي مظلماً ساجياً ليسكن فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكد بالنهار، كما بينه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً

стр. 783

إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يعني الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بالنهار، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط كقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير الاهتداء بها، وهما تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين بها، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ﴾ الآية، لم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفيتة أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم زوجها حواء، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. أشار في

стр. 784

مواضع أخر: إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية، كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه، وهو كذلك. • قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآية، يعني ليزعموا إن النبي ﷺ إنما تعلم هذا القرآن بالدرس والتعليم من غيره من أهل الكتاب، كما زعم كفار مكة أنه ﷺ تعلم هذا القرآن من جبر ويسار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، وقد أوضح الله تعالى بطلان افترائهم هذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ ومعنى يُؤْثَرُ: يرويه محمد ﷺ عن غيره في زعمهم الباطل؛ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاًً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وفي قوله: ﴿دَرَسْتَ﴾ ثلاث قراءات سبعيات: قرأه ابن كثير، وأبو عمر "دارسْتَ" بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء مع المفاعلة، بمعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى حصلت هذا العلم، وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر "درسْتَ" بإسقاط الألف مع إسكان السين وفتح التاء أيضًا، بمعنى

стр. 785

درست هذا على أهل الكتاب حتى تعلمته منهم، وقرأه ابن عامر "درست" بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء على أنها تاء التأنيث، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات المذكورة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾. قال القرطبي: وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى: ولئلا يقولوا: انقطعت وانمحت، وليس يأتي محمد ﷺ بغيرها. اهـ. وقال القرطبي: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الواو للعطف على مضمر أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وَلِيَقُولُوا: دَرَسْتَ، وقيل: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ صرفناها. قال مقيده - عفا الله عنه -: ومعناهما آيل إلى شيء واحد ويشهد له القرآن في آيات كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحاً في هذا الكتاب ليهدي به قوماً، ويجعله حجة على آخرين، كقوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً (٩٧)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ كما قال هنا: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ فالأشقياء يقولون: تعلمته من البشر بالدراسة، وأهل العلم- والسعادة يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه. • قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي

стр. 786

عدواً، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية. وقد جاء الخبر بذلك مرفوعاً من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره، والعرب تسمي كل متمرد شيطاناً سواء كان من الجن أو الإنس، كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث "الكلب الأسود شيطان". وقوله: شياطين بدل من قوله "عَدُوّاً" ومفعول أول لـ "جَعَلْنَا" والثاني "عَدُوّاً" أي جعلنا شياطين الإنس والجن عدواً. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية، كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ الآية، ومعنى الآية: أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم، وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصل لكم المحرم

стр. 787

أكله عليكم في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية، وليس هذا منه. وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية. فهو غلط؛ لأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من سورة الأنعام، وهي مكية، فالحق هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها، ولم يبين المراد بالأكابر هنا، ولا كيفية مكرهم، وبين جميع ذلك في مواضع أخر: فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف والنعمة في الدنيا بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات وبين أن مكر الأكابر المذكور: هو أمرهم بالكفر بالله تعالى، وجعل الأنداد له بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً﴾ وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية، وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان: أحدهما: أن "أَكَابِرَ" مضاف إلى مُجْرِمِيهَا، وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى صير، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور،

стр. 788

أعني في كل قرية. والثاني: أن مُجْرِمِيهَا مفعول أول، و"أَكَابِرَ" مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها أكابرها، والأكابر جمع الأكبر. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى تأتيهم الملائكة بالرسالة، كما أتت الرسل، كما بينه تعالى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الآية؛ وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ الآية. جاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن هذه الآية الكريمة، فقيل: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ ﷺ قال: "نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح" قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. • قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الآية. قال بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم، ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ

стр. 789

يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾. وقال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس؛ لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مراداً بعضه، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية: من أن قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير، لا يجوز القول به؛ لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى؛ لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منهما جميعاً بقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض للآية صريحاً، كما ترى. • قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا يهلك قوماً في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحداً إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)﴾ وقوله: ﴿رُسُلاً

стр. 790

مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ بين في موضع آخر: أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا، وهو قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية. اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من العلماء: هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا أنس بن مالك، وابن عباس، وطاوس، والحسن، وابن زيد، وابن الحنفية، والضحاك، وسعيد بن المسيب، ومالك. نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس، وسعيد وغيرهما، ونقله ابن جرير عن ابن عباس، وأنس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وطاوس، ومحمد بن الحنفية، والضحاك، وابن زيد. وقال قوم: ليس المراد به الزكاة، وإنما المراد به أن يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة، والضغث ونحو ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب، وحمله بعضهم على الندب. قال القرطبي: وقال علي بن الحسين، وعطاء، والحكم، وحماد، وسعيد بن جبير، ومجاهد: هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندباً، وروي عن ابن عمر، ومحمد بن الحنفية أيضاً، ورواه

стр. 791

أبو سعيد الخدري عنه. قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقال قوم: هو حق واجب غير الزكاة، وهو غير محدد بقدر معين، وممن قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير. وقال قوم: هي منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير، وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء، وأيده بأن هذه السورة مكية، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة. وقال ابن كثير: في القول بالنسخ نظر؛ لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير. ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاوس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضاً، ونقله عن السدي، وعطية، ونقله ابن جرير أيضاً عن ابن عباس، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير وإبراهيم، والحسن، والسدي، وعطية. واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد

стр. 792

الجذاذ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد، فعلم أن الآية منسوخة، أو أنها على سبيل الندب، فالأمر واضح. وعلى أن المراد بها الزكاة فقد أشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة، وهو المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، وبينته السنة. فإذا علمت ذلك فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة أشياء: الأول: تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض. الثاني: تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه. الثالث: تعيين القدر الواجب فيه، وسنبينها إن شاء الله مفصلة. اعلم أولاً أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. واختلف فيما سواها مما تنبته الأرض فقال قوم: لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض، وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة؛ والشعير، والتمر، والزبيب. ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة،

стр. 793

عن أبيه، كما نقله عنهم القرطبي. واستدل أهل هذا القول بما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إنما سن رسول الله - ﷺ - الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي رواية عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "والعشر في التمر، والزبيب والحنطة، والشعير" وعن موسى بن طلحة عن عمر أنه قال: "إنما سن رسول الله - ﷺ - الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وعن أبي بردة عن موسى، ومعاذ "أن رسول الله - ﷺ - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة، الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب" رواها كلها الدارقطني. قاله ابن قدامة في المغني. قال مقيده - عفا الله عنه -: أما ما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من أنه - ﷺ - إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة فإسناده واه؛ لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي، وهو متروك. قاله ابن حجر في [التلخيص]. وما رواه الدارقطني من حديث موسى بن طلحة، عن عمر أنه - ﷺ - إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة. قال فيه أبو زرعة: موسى عن عمر: مرسل. قاله ابن حجر أيضاً. وما عزاه الدارقطني عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ رواه الحاكم والبيهقي عن أبي بردة، عنهما.

стр. 794

وقال البيهقي: رواته ثقات، وهو متصل. قاله ابن حجر أيضاً. وقال مالك وأصحابه: تجب الزكاة في كل مقتات مدخر، وذلك عنده في ثمار الأشجار إنما هو التمر والزبيب فقط، ومشهور مذهبه وجوب الزكاة في الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق، ولكنها تخرج من زيته بعد العصر، فيخرج عشره، أو نصف عشره على ما سيأتي، فإن لم يبلغ حبه خمسة أوسق فلا زكاة عنده في زيته؛ وحكم السمسم، وبذر الفجل الأحمر والقرطم كحكم الزيتون في مشهور مذهبه، يخرج من زيتها إن بلغ حبها النصاب. وقال اللخمي: لا يضم زيت بعضها إلى بعض؛ لاختلاف أجناسها، ومشهور مذهبه عدم وجوبها في التين، وأوجبها فيه جماعة من أصحابه بمقتضى أصوله. وقال ابن عبد البر: أظن مالكاً ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخر، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عده مع الفواكه التي لا تيبس، ولا تدخر كالرمان والفرسك. والذي تجب فيه من الحبوب عنده هو ما يقتات ويدخر، وذلك الحنطة والشعير والسلت والعلس والدخن والذرة والأرز والعدس والجلبان واللوبيا والجلجلان والترمس والفول والحمص والبسيلة. ومشهور مذهبه أن الكرسنة لا زكاة فيها؛ لأنها علف، وعن أشهب وجوب الزكاة فيها، وهي من القطاني على مشهور مذهبه في باب الربا، دون باب الزكاة. وقيل هي البسيلة.

стр. 795

وجميع أنواع القطاني عند مالك جنس واحد في الزكاة؛ فلو حصد وسقا من فول ووسقاً من حمص، وآخر من عدس، وآخر من جلبان، وآخر من لوبيا وجب عليه أن يضم بعضها إلى بعض، ويخرج الزكاة منها كل واحد بحسبه، وكذلك يضم عنده القمح والشعير والسلت بعضها إلى بعض كالصنف الواحد، وتخرج الزكاة منها كل بحسبه، ولا يضم عنده تمر إلى زبيب، ولا حنطة إلى قطنية، ولا تمر إلى حنطة، ولا أي جنس إلى جنس آخر غير ما ذكرنا عنه ضمه لتقارب المنفعة فيه عنده، والنوع واحد كالثمرة والزبيب، والحنطة يضم بعض أنواعه إلى بعض كصيحاني وبرني وسمراء ومحمولة وزبيب أسود وزبيب أحمر ونحو ذلك. ولا زكاة عند مالك ﵀ في شيء من الفواكه غير ما ذكرنا، كالرمان، والتفاح، والخوخ، والإجاص، والكمثري، واللوز، والجوز، والجلوز، ونحو ذلك، كما لا زكاة عنده في شيء من الخضروات. قال في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال: ولا في القصب، ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب اهـ. والفرسك -بكسر الفاء والسين بينها راء ساكنة آخره كاف-

стр. 796

الخوخ، وهي لغة يمانية، وقيل: نوع مثله في القدر، وهو أجرد أملس أحمر، وأصفر جيد، وقيل: ما ليس ينفلق عن نواة من الخوخ. وإذا كان الزرع أو الثمر مشتركاً بين اثنين فأكثر، فقد قال فيه مالك في الموطأ في النخيل يكون بين الرجلين فيجذان منه ثمانية أوسق، من التمر: أنه لا صدقة عليهما فيها، وأنه إن كان لأحدهما منها ما يجذ منه خمسة أوسق، وللآخر ما يجذ أربعة أوسق، أو أقل من ذلك في أرض واحدة كانت الصدقة على صاحب الخمسة الأوسق، وليس على الذي جذ أربعة أوسق، أو أقل منها صدقة، وكذلك العمل في الشركاء كلهم في كل زرع من الحبوب كلها يحصد، أو النخل يجذ، أو الكرم يقطف، فإنه إذا كان كل رجل منهم يجذ من التمر، أو يقطف من الزبيب خمسة أوسق، أو يحصد من الحنطة خمسة أوسق فعليه الزكاة، ومن كان حقه أقل من خمسة أوسق فلا صدقة عليه. وإنما تجب الصدقة على من بلغ جذاذه أو قطافه أو حصاده خمسة أوسق. انتهى من موطأ من مالك ﵀. وإذا أمسك ذلك الحب أو التمر الذي أخرج زكاته سنين، ثم باعه فحكمه عند مالك ما ذكره في موطئه حيث قال: السنة عندنا أن كل ما أخرجت زكاته من هذه الأصناف كلها الحنطة والتمر والزبيب والحبوب كلها، ثم أمسكه صاحبه بعد أن أدى صدقته سنين ثم باعه، أنه ليس عليه في ثمنه زكاة حتى يحول على ثمنه الحول من يوم باعه إذا كان أصل تلك الأصناف من فائدة أو

стр. 797

غيرها، وأنه لم يكن للتجارة، وإنما ذلك بمنزلة الطعام والحبوب والعروض يفيدها الرجل، ثم يمسكها سنين، ثم يبيعها بذهب أو ورق فلا يكون عليه في ثمنها زكاة حتى يحول عليها الحول من يوم باعها، فإن كان أصل تلك العروض للتجارة فعلى صاحبها فيها الزكاة حين يبيعها إذا كان حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها به. انتهى من الموطأ. وهذا في المحتكر، أما المدير فإنه يقومها بعد حول من زكاته. كما في المدونة عن ابن القاسم. هذا هو حاصل مذهب مالك ﵀ فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب. ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا تجب الزكاة في شيء من ثمار الأشجار أيضاً إلا فيما كان قوتاً يدخر، وذلك عنده التمر والزبيب فقط، كما تقدم عن مالك، ولا تجب عنده في سواهما من الثمار كالتين والتفاح والسفرجل والرمان، ونحو ذلك؛ لأنه ليس من الأقوات ولا من الأموال المدخرة، ولا تجب عنده في طلع الفحال؛ لأنه لا يجيء منه الثمار. واختلف قوله في الزيتون، فقال في القديم: تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر ﵁ أنه جعل في الزيت العشر، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الزيتون الزكاة، وقال في الجديد: لا زكاة في الزيتون؛ لأنه ليس بقوت فهو كالخضراوات. واختلف قول الشافعي ﵀ أيضاً في الورس، فقال في القديم: تجب فيه الزكاة، لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله

стр. 798

عنه كتب إلى بني خفاش: أن أدوا زكاة الذرة والورس، وقال في الجديد: لا زكاة فيه؛ لأنه نبت لا يقتات، فأشبه الخضراوات، وقال الشافعي ﵀ من قال: لا عشر في الورس لم يوجب في الزعفران، ومن قال: يجب في الورس فيحتمل أن يوجب في الزعفران؛ لأنهما طيبان، ويحتمل ألا يوجب في الزعفران، ويفرق بينهما بأن الورس شجر له ساق، والزعفران نبات، واختلف قوله أيضاً في العسل فقال في القديم: يحتمل أن تجب فيه، ووجهه ما روي أن بني شبابة بطن من فهم، كانوا يؤدون إلى رسول الله - ﷺ - من نحل كان عندهم العشر من عشر قرب قربة" وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت، فلا يجب فيه العشر كالبيض. واختلف قوله أيضاً في القرطم -وهو حب العصفر- فقال في القديم: تجب إن صح فيه حديث أبي بكر ﵁، وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت، فأشبه الخضراوات. قاله كله صاحب [المهذب]. وقال النووي في شرح المهذب: الأثر المروي عن عمر "أنه جعل في الزيت العشر" ضعيف، رواه البيهقي، وقال: إسناده منقطع، وراويه ليس بقوي. قال: وأصح ما روي في الزيتون قول الزهري: مضت السنة في زكاة الزيتون أن يؤخذ ممن عصر زيتونه حتى يعصره فيما سقت السماء، أو كان بعلا العشر، وفيما سقي برش الناضح نصف العشر. وهذا موقوف لا يعلم اشتهاره، ولا يحتج به على الصحيح. قال البيهقي: وحديث معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري

стр. 799

رضي الله عنهما أعلى وأولى أن يؤخذ به. يعني روايتهما "أن النبي - ﷺ - قال لهما لما بعثهما إلى اليمن: لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب". وأما الأثر المذكور عن ابن عباس فضعيف أيضاً، والأثر المذكور عن أبي بكر الصديق ﵁ ضعيف أيضاً. ذكره الشافعي وضعفه هو وغيره، واتفق الحفاظ على ضعفه، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على ضعفه. قال البيهقي: ولم يثبت في هذا إسناد تقوم حجة، قال: والأصل عدم الوجوب، فلا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح، وأما حديث بني شبابة في العسل فرواه أبو داود، والبيهقي وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بإسناد ضعيف. قال الترمذي في جامعه: لا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا كبير شيء. قال البيهقي: قال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح. فالحاصل أن جميع الآثار، والأحاديث التي في هذا الفصل ضعيفة. انتهى كلام النووي. وقال ابن حجر في [التلخيص] في أثر عمر المذكور في الزيتون: رواه البيهقي بإسناد منقطع، والراوي له عثمان بن عطاء ضعيف. قال: وأصح ما في الباب قول ابن شهاب: "مضت السنة في زكاة الزيتون" الخ. وقال في [التلخيص] أيضاً في أثر ابن عباس المذكور في الزيتون: ذكره صاحب [المهذب] عن ابن عباس، وضعفه النووي،

стр. 800

وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم. وقال ابن حجر أيضاً: روى الحاكم في "تاريخ نيسابور" من طريق عروة، عن عائشة مرفوعاً "الزكاة في خمس: في البر، والشعير، والأعناب، والنخيل، والزيتون" وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، وهو الوقاصي متروك الحديث. وقال ابن حجر في الأثر المذكور عن أبي بكر أنه كان يأخذ الزكاة من حب العصفر -وهو القرطم-: لم أجد له أصلاً. وقال في [التلخيص] أيضاً في خبر أخذه - ﷺ - زكاة العسل: أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "في العسل كل عشرة أزقاق زق" وقال: في إسناده مقال، ولا يصح، وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ، وقد خولف. وقال النسائي: هذا حديث منكر. ورواه البيهقي، وقال: تفرد به صدقة، وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد، عن موسى بن يسار. ذكره المروزي. ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: هو عن نافع، عن النبي - ﷺ - مرسل. ونقل الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: حدث محمد بن يحيى الذهلي بحديث كاد أن يهلك، حدث عن عارم، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً "أخذ من العسل العشر" قال أبو حاتم: وإنما هو عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كذلك حدثناه عارم، وغيره. قال: ولعله سقط من كتابه عمرو بن شعيب، فدخله هذا الوهم.

стр. 801

قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. قلت: رواه أبو داود، والنسائي من رواية عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - ﷺ - بعشور نحل له، وسأله أن يحمي وادياً يقال له: "سلبة" فحماه له، فلما ولى عمر كتب إلى سفيان بن وهب، إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله - ﷺ - من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء. قال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مسنداً، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب، عن عمر مرسلاً. قلت: فهذه علته، وعبد الرحمن، وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان، ولكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه، وغيره كما مضى. قال الترمذي: وفيه عن أبي سيارة. قلت: هو المتعي، قال: "قلت: يا رسول الله - ﷺ - إن لي نحلاً. قال: أد العشور، قال: قلت: يا رسول الله أحم لي جبلها" رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي من رواية سليمان بن موسى، عن أبي سيارة، وهو منقطع. قال البخاري: لم يدرك سليمان أحداً من الصحابة، وليس

стр. 802

في زكاة العسل شيء يصح. وقال أبو عمر: لا تقوم بهذا حجة. قال: وعن أبي هريرة. قلت: رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، رواه أيضاً من حديث سعد بن أبي ذباب: "أن النبي - ﷺ - استعمله على قومه، وأنه قال لهم: أدوا العشر في العسل، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعله في صدقات المسلمين" وفي إسناده منير بن عبد الله ضعفه البخاري، والأزدي، وغيرهما. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن النبي - ﷺ - لم يأمر فيه بشيء؛ وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه. وقال الزعفراني عن الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه. وقال البخاري: لا يصح فيه شيء. وقال ابن المنذر: ليس فيه شيء ثابت. وفي [الموطأ] عن عبد الله بن أبي بكر قال: "جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي، وهو بمنى ألا تأخذ من الخيل، ولا من العسل صدقة" انتهى كلام ابن حجر بلفظه. وقال في [التلخيص] أيضاً: إن حديث معاذ أنه لم يأخذ زكاة العسل، وأنه قال: "لم يأمرني فيه رسول الله - ﷺ - بشيء" أخرجه أبو داود في [المراسيل] والحميدي في [مسنده] وابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق طاوس، عنه، وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ، لكن قال البيهقي: هو الأقوي؛ لأن طاوساً كان عارفاً بقضايا معاذ.

стр. 803

قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أن إخراج زكاته أحوط، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀ ونقله صاحب [المغني] عن مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق. وحجتهم الأحاديث التي رأيت، ولا شيء فيه عند مالك، والشافعي في الجديد وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر، وغيرهم. وحجتهم عدم صحة ما ورد فيه، وأن الأصل براءة الذمة، وأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن. وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، ونصاب العسل قيل: خمسة أفراق، وهو قول الزهري، وقيل: خمسة أوسق، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره، والفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي، وقيل: ستون رطلاً، وقيل: مائة وعشرون رطلاً، وقيل: ثلاثة آصع، وقيل: غير ذلك. قاله في [المغني]. وأما الحبوب، فلا تجب الزكاة عند الشافعي إلا فيما يقتات؛ ويدخر منها، ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه التي لا تقتات، ولا تدخر، ولا في شيء من الخضراوات، فمذهبه يوافق مذهب مالك، كما قدمنا، إلا أن الشافعي لا يضم بعض الأنواع إلى بعض، ومالك يضم القطاني بعضها إلى بعض في الزكاة، وكذلك القمح، والشعير، والسلت، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد ﵀ فهو وجوب الزكاة فيما

стр. 804

تنبته الأرض مما ييبس ويبقى مما يكال، فأوصاف المزكي عنده مما تنبته الأرض ثلاثة: وهي الكيل، والبقاء، واليبس، فما كان كذلك من الحبوب والثمار وجبت فيه عنده سواء كان قوتاً أم لا، وما لم يكن كذلك لم تجب فيه؛ فتجب عنده في الحنطة والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، والقطاني: كالباقلا، والعدس، والحمص، والأبازير: كالكمون، والكراويا، والبزر، كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، وحب البقول: كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، والسمسم، ونحو ذلك من سائر الحبوب، كما تجب عنده أيضاً فيما جمع الأوصاف المذكورة من الثمار: كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق، ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه: كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح والتين والجوز، ولا في شيء من الخضر: كالقثاء، والخيار، والباذنجان، واللفت، والجزر، ونحو ذلك. ويروى نحو ما ذكرنا عن أحمد في الحبوب عن عطاء، وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزر، ولا حب البقول. قال صاحب [المغني]: ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتاً، أو أدماً؛ لأن ما عداه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فيبقى على النفي الأصلي، ولا زكاة في مشهور مذهب أحمد ﵀ فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه: كالبطم، وشعير الجبل، وبزر قطوناً، وبزر البقلة، وحب النمام، وبزر الأشنان، ونحو ذلك، وعن القاضي أنه تجب فيه

стр. 805

الزكاة إذا نبت بأرضه. والصحيح الأول. فإن تساقط في أرضه حب كحنطة مثلاً فنبت ففيه الزكاة، لأنه يملكه. ولا تجب الزكاة فيما ليس بحب، ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل والإدخار؛ أو لم يوجدا، فلا تجب في ورق مثل ورق السدر، والخطمي، والأشنان، والصعتر، والآس، ونحوه، لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص؛ ولا زكاة عنده في الأزهار: كالزعفران والعصفر، والقطن؛ لأنها ليست بحب؛ ولا ثمر، ولا هي بمكيل؛ فلم تجب فيها زكاة، كالخضروات. قال الإمام أحمد ﵀: ليس في القطن شيء؛ وقال: ليس في الزعفران زكاة؛ وهو ظاهر كلام الخرقي؛ واختيار أبي بكر. قاله ابن قدامة في [المغني]. واختلفت عن أحمد ﵀ الرواية في الزيتون؛ فروى عنه ابنه صالح أن فيه الزكاة، وروي عنه أنه لا زكاة فيه، وهو اختيار أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي يقتضيه. قاله أيضاً صاحب المغني. وأما أبو حنيفة ﵀ فإنه قائل بوجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض طعاماً كان أو غيره، وقال أبو يوسف عنه إلا الحطب والحشيش، والقصب والتبن، والسعف وقصب الذريرة، وقصب السكر اهـ. والذريرة: قصب يجاء به من الهند، كقصب النشاب، أحمر يتداوى به. وممن قال مثل قول أبي حنيفة النخعي، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ونصره ابن العربي المالكي في أحكامه. قال:

стр. 806

وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق. هذا هو حاصل مذاهب الأئمة الأربعة ﵃ في تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض، وسنشير إن شاء الله إلى دليل كل واحد منهم فيما ذهب إليه. أما أبو حنيفة: فقد احتج على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من قليل وكثير بعموم هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها؛ لأن الله قال فيها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية وبعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. وبعموم قوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء العشر" الحديث. ولم يقبل تخصيصه بحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" لأن القاعدة المقررة في أصوله ﵀ أن العام قطعي الشمول والتناول لجميع أفراده، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: وهو على فرد يدل حتما ... وفهم الاستغراق ليس جزما بل هو عند الجل بالرجحان ... والقطع فيه مذهب النعمان فما كان أقل من خمسة أوسق يدخل عنده دخولاً مجزوماً به في عموم الآيات المذكورة والحديث، فلا يلزم عنده تخصيص العام بالخاص، بل يتعارضان، وتقديم ما دل على الوجوب أولى من تقديم ما دل على غيره؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. وأما مالك والشافعي -رحمهما الله تعالى- فحجتهما في

стр. 807

قولهما: إنه لا زكاة في غير النخل والعنب من الأشجار، ولا في شيء من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر، ولا زكاة في الفواكه، ولا الخضراوات؛ لأن النص والإجماع دلا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وكل واحد منها مقتات مدخر فألحقوا بها كل ما كان في معناها؛ لكونه مقتاتاً ومدخراً، ولم يريا أن في الأشجار مقتاتاً ولا مدخراً غير التمر والزبيب، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار، ولذا قال جماعة من أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك؛ لأنه كالزبيب في الاقتيات والإدخار. وقال ابن عبد البر: الظاهر أن مالكاً ما كان يعلم أن التين كذلك، وأما الحبوب فيؤخذ فيها الاقتيات والإدخار، فألحقا بالحنطة والشعير كل ما كان مقتاتاً مدخراً كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ذلك، -فهو إلحاق منهما-رحمهما الله- للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة التي هي عندهما الاقتيات والإدخار؛ لأن كونه مقتاتاً مدخراً مناسب لوجوب الصدقة فيه، لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون. وأما أحمد ﵀ فحجته في قوله: إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال أن ما لا ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه - ﷺ -، ولا زمن الخلفاء الراشدين. ودليله في اشتراطه الكيل قوله - ﷺ -: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" قال: فبين النبي - ﷺ - أن حمل الواجب في الوسق وهو خاص بالمكيل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 808

وأما دليل الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد ﵏ على أن الفواكة والخضراوات لا زكاة فيها فظاهر؛ لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جداً، والفواكه كانت كثيرة بالطائف، ولم ينقل عنه - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ الزكاة من شيء من ذلك. قال القرطبي في تفسيره هذه الآية: وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج، فما اعترضه رسول الله - ﷺ - ولا ذكره، ولا أحد من خلفائه. قلت: وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء. وأما الآية فقد اختلف فيها: هل هي محكمة أو منسوخة، أو محمولة على الندب؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي - ﷺ ، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة، أفيجوز أن يتوهم متوهم، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي، ولا خلافة أبي بكر حتى عمل بذلك الكوفيون؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا، أو قال به. قلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أتراه يكتم شيئاً أمر بتبليغه أو بيانه -حاشاه من ذلك- وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئاً. وقال جابر بن عبد الله ﵄ -فيما رواه الدارقطني-: إن المقاثي كانت تكون عندنا تخرج عشرة

стр. 809

آلاف، فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن: تزكى أثمان الخضر إذا أينعت وبلغ الثمن مائتي درهم، وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه. ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الخضراوات، وهي البقول فقال: ليس فيها شيء، وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبو موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم الدارقطني ﵀. وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء. واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀ بحديث صالح بن موسى، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة". قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم. قلت: وإذا سقط الإستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها لم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله - ﷺ -: فيما سقت السماء العشر بما ذكرناه اهـ كلام القرطبي. وحجة من قال بأنه لا زكاة في غير الأربعة المجمع عليها -التي هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب- هي الأحاديث التي قدمنا في أول هذا المبحث، وفيها حديث معاذ، وأبي موسى الذي تقدم عن البيهقي أنه قوي متصل.

стр. 810

وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية سوى الزعفران ونحوه مما يوزن، ففيه الزكاة. وكان محمد يعتبر في العصفر والكتان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعاً للبزر، وأخذ منه العشر، أو نصف العشر، وأما القطن فليس عنده فيما دون خمسة أحمال شيء، والحمل ثلاثمائة من بالعراقي، والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منهما شيء، فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر، ويكون في أرض العشر، دون أرض الخراج فيه ما في الزعفران، وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول، وهو مخالف لما عليه أهل مذهبه مالك وأصحابه. قاله القرطبي. تنبيه من قال: لا زكاة في الرمان -وهم جمهور العلماء- ومن قال: لا زكاة في الزيتون يلزم على قول كل منهم أن تكون الآية التي نحن بصددها، التي هي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ منسوخة أو مراداً بها غير الزكاة؛ لأنها على تقدير أنها محكمة، وأنها في الزكاة المفروضة لا يمكن معها القول بعدم زكاة الزيتون والرمان؛ لأنها على ذلك صريحة فيها؛ لأن المذكورات في قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ يرجع إلى كلها الضمير في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ كما هو واضح لا لبس فيه،
следующие страницы →