← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقال أبو حنيفة ﵀ أكره لحم الخيل، وحمله أبو بكر الرازي على التنزيه؛ وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيها التحريم، وليست عنده كالحمار الأهلي. وصحح عنه صاحب المحيط، وصاحب الهداية، وصاحب الذخيرة التحريم، وهو قول أكثر الحنفية. وممن رويت عنه كراهة لحوم الخيل الأوزاعي، وأبو عبيد وخالد بن الوليد ﵁، وابن عباس، والحكم. ومذهب الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- جواز أكل الخيل، وبه قال أكثر أهل العلم. وممن قال به عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس، بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود وعطاء وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم. كما نقله عنهم النووي في "شرح المهذب" وسنبين -إن شاء الله- حجج الجميع وما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أن من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث. أما الآية فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. فقال: قد قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ فهذه للأكل، وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب، لا للأكل، وهذا تفصيل

стр. 842

من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور: أحدها: أن اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم. ثالثها: أن الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان، والحكم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لاسيما سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي وقع بها الامتنان من الركوب والزينة. وأما الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير". ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة بأن آية النحل نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي - ﷺ - المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضاً آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما كلاهما صريح في جواز أكل الخيل، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.

стр. 843

وأيضاً فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة فهي إنما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز. وأيضاً فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: "إنا لم نخلق لهذا، إنا خلقنا للحرث" فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقاً. وأيضاً فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير؛ للحصر المزعوم في الركوب والزينة؛ ولا قائل بذلك. وأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول. كما أشار له في [مراقي السعود] بقوله: أما قران اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوي المذكور وأما الاستدلال بأن الآية الكريمة سيقت للامتنان فيجاب عنه بأنه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب، فخوطبوا بما

стр. 844

عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل؛ فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه. فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا. وأما الاستدلال بأن الإذن في أكلها سبب لفنائها وانقراضها فيجاب عنه بأنه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف من ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل. قاله ابن حجر. وأما الاستدلال بحديث خالد بن الوليد ﵁ فهو مردود من وجهين: الأول: أنه ضعفه علماء الحديث؛ فقد قال ابن حجر في [فتح الباري] في باب "لحوم الخيل" ما نصه: "وقد ضعف حديث خالد أحمد، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون. وقال النووي في "شرح المهذب": واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أن حديث خالد المذكور حديث ضعيف، وذكر أسانيد بعضهم بذلك، وحديث خالد المذكور مع أنه مضطرب في إسناده صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لين. وفيه أيضاً: والده

стр. 845

يحيى المذكور الذي هو شيخه في هذا الحديث. قال فيه في "التقريب": مستور. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد فإنه معارض بما هو أقوى منه، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي - ﷺ - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل" وفي لفظ في الصحيح "وأذن في لحوم الخيل" وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت: "نحرنا فرساً على عهد رسول الله - ﷺ - فأكلناه" متفق عليهما. ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله تعالى. ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض أهل العلم: وإن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفاً فاستبن ومن ذلك الكلب فإن أكله حرام عند عامة العلماء، وعن مالك قول ضعيف جداً بالكراهة. ولتحريمه أدلة كثيرة: منها ما تقدم في ذي الناب من السباع؛ لأن الكلب سبع ذو ناب. ومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه، وقد ثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري مقروناً بحلوان الكاهن، ومهر البغي، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة، وأخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج ﵁، بلفظ

стр. 846

"ثمن الكلب خبيث" الحديث. وذلك نص في التحريم لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية. فإن قيل: ما كل خبيث يحرم؛ لما ورد في الثوم أنه خبيث، وفي كسب الحجام أنه خبيث، مع أنه لم يحرم واحد منهما. فالجواب أن ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلاً على تحريمه، وما أخرجه دليل يخرج، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب، والسنة، يخرج منها بعض الأفراد بمخصص، وتبقى حجة في الباقي. وهذا مذهب الجمهور، وإليه أشار في [مراقي السعود] بقوله: وهو حجة لدى الأكثر إن ... مخصص له معيناً يبن فإن قيل: تحريم الخبائث لعلة الخبث، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضاً في العلة، لا تخصيصاً لها. فالجواب أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة، لا إبطال لها. قال في [مراقي السعود]: منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح ... إلخ كما حررناه في غير هذا الموضع. ومن الأدلة على تحريم الكلب ما ثبت في الصحيحين من الأحاديث الصريحة في تحريم اقتنائه، وأن اقتناءه ينقص أجر مقتنيه

стр. 847

كل يوم، فلو كان أكله مباحاً لكان اقتناؤه مباحاً. وإنما رخص - ﷺ - في كلب الصيد، والزرع، والماشية للضرورة. فمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اتخذ كلباً إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراط" ومنه أيضاً ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث سفيان بن أبي زهير الشنائي ﵁ قال: "سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: من اقتنى كلباً لا يغنى عنه زرعاً، ولا ضرعاً نقص من عمله كل يوم قيراط" ورواه البخاري عن ابن عمر بثلاث طرق بلفظ "نقص كل يوم من عمله قيراطان" وأخرجه مسلم أيضاً عن ابن عمر من طرق: في بعضها قيراط، وفي بعضها قيراطان. والأحاديث في الباب كثيرة، وهذا أوضح دليل على أن الكلب لا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل وهو ظاهر. ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن المغفل، ﵃ من أنه - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، ولو كانت مباحة الأكل لما أمر بقتلها، ولم يرخص - ﷺ - فيها إلا لضرورة الصيد، أو الزرع، أو الماشية. وإذا عرفت أن في كلب الصيد وما ذكر معه، بعض المنافع المباحة، كالانتفاع بصيده، أو حراسته الماشية، أو الزرع فاعلم أن العلماء اختلفوا في بيعه.

стр. 848

فمنهم من قال: بيعه تابع للحمه، ولحمه حرام، فبيعه حرام، وهذا هو أظهر الأقوال دليلاً؛ لما قدمنا من أن ثمن الكلب خبيث، وأن النبي - ﷺ - نهى عنه مقروناً بحلوان الكاهن، ومهر البغي. وهو نص صحيح صريح في منع بيعه. ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب" وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً. قال النووي في [شرح المهذب] وابن حجر في [الفتح]: إسناده صحيح. وروى أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي" قال ابن حجر في [الفتح]: إسناده حسن، وقال النووي في [شرح المهذب]: إسناده حسن صحيح. وإذا حققت ذلك فاعلم أن القول بمنع بيع الكلب الذي ذكرناه أنه هو الحق عام في المأذون في اتخاذه وغيره؛ لعموم الأدلة، وممن قال بذلك: أبو هريرة، والحسن البصري، والأوزاعي، وربيعة، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو المشهور الصحيح من مذهب مالك خلافاً لما ذكره القرطبي في المفهم من أن مشهور مذهبه الكراهة، وروي عن مالك أيضاً جواز بيع كلب الصيد ونحوه، دون الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو قول سحنون؛ لأنه قال: أبيع كلب الصيد وأحج بثمنه. وأجاز بيعه أبو حنيفة مطلقاً إن كانت فيه منفعة من صيد، أو

стр. 849

حراسة لماشية مثلا، وحكي نحوه ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي. قاله النووي. وإن قتل الكلب المأذون فيه ككلب الصيد ففيه القيمة عند مالك، ولا شيء فيه عند أحمد والشافعي، وأوجبها فيه أبو حنيفة مطلقاً إن كانت فيه منفعة. وحجة من قال: لا قيمة فيه أن القيمة ثمن، والنص الصحيح نهى عن ثمن الكلب، وجاء فيه التصريح بأن طالبه تملأ كفه تراباً، وذلك أبلغ عبارة في المنع منه. واحتج من أوجبها بأنه فوت منفعة جائزة، فعليه غرمها. واحتج من أجاز بيع الكلب وألزم قيمته إن قتل بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" وعن عمر ﵁ أنه غرم رجلاً عن كلب قتله عشرين بعيراً، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش. واحتجوا أيضاً بأن الكلب المأذون فيه تجوز الوصية به والانتفاع به فأشبه الحمار. وأجاب الجمهور بأن الأحاديث والآثار المروية في جواز بيع كلب الصيد ولزوم قيمته كلها ضعيفة. قال النووي في "شرح المهذب" ما نصه: "وأما الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين" وهكذا أوضح الترمذي، والدارقطني، والبيهقي ضعفها. والاحتجاج

стр. 850

بجواز الوصية به وشبهه بالحمار مردود بالنصوص الصحيحة المصرحة بعدم حلية ثمنه. وما ذكره ابن عاصم المالكي في "تحفته" من قوله: واتفقوا أن كلاب البادية ... يجوز بيعها ككلب الماشية فقد رده عليه ﵀ علماء المالكية، وقد قدمنا أنه قول سحنون. واعلم أن ما روي عن جابر وابن عمر مرفوعاً يدل على جواز بيع كلب الصيد كله ضعيف كما بين تضعيفه ابن حجر في [فتح الباري] في باب "ثمن الكلب". قال القرطبي: وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس. ومن ذلك القرد: فإنه لا يجوز أكله، قال القرطبي في تفسيره: قال أبو عمر -يعني ابن عبد البر-: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد؛ لنهى رسول الله - ﷺ - عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. قال: وما علمت أحداً رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب سئل مجاهد عن، أكل القرد، فقال: ليس من بهيمة الأنعام. قلت: ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم. قال: يحكم به ذوا عدل.

стр. 851

قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه؛ لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد. وفي "بحر المذهب" للروياني -على مذهب الشافعي- وقال الشافعي: يجوز بيع القرد لأنه يعلم، وينتفع به لحفظ المتاع. اهـ. وقال النووي في "شرح المهذب": القرد حرام عندنا، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، ومكحول والحسين وابن حبيب المالكي. وقال ابن قدامة في [المغني]: وقال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافاً أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن الشعبي: أن النبي - ﷺ - "نهى عن لحم القرد" ولأنه سبع فيدخل في عموم الخبر، ولأنه مسخ أيضاً، فيكون من الخبائث المحرمة. وقد قدمنا جزم ابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية بأنه حرام. قال الباجي: الأظهر عندي من مذهب مالك وأصحابه: أنه ليس بحرام. ومن ذلك الفيل: فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وقد قدمنا أن التحقيق فيها التحريم؛ لثبوته عن رسول الله - ﷺ -، وهو مذهب الجمهور، وممن صححه من المالكية ابن عبد البر والقرطبي. وقال بعض المالكية: كراهته أخف من كراهة السبع، وأباحه أشهب، وعن مالك في المدونة كراهة الانتفاع بالعاج، وهو سن الفيل.

стр. 852

وقال ابن قدامة في [المغني]: والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: هو مسخ، وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، ورخص في أكله الشعبي. ولنا نهى النبي - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهو من أعظمها ناباً. ولأنه مستخبث، فيدخل في عموم الآية المحرمة للخبائث. اهـ. وقال النووي في شرح المهذب: الفيل حرام عندنا، وعند أبي حنيفة، والكوفيين، والحسن، وأباحه الشعبي، وابن شهاب، ومالك في رواية. وحجة الأولين أنه ذو ناب. اهـ. ومن ذلك الهر، والثعلب، والدب. فهي عند مالك من ذوات الناب من السباع؛ وعنه رواية أخرى أنها مكروهة كراهة تنزيه، ولا تحريم فيها قولاً واحداً؛ والهر الأهلي والوحشي عنده سواء. وفرق بينهما غيره من الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة: فمنعوا الأهلي. قال ابن قدامة في [المغني]: فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن أكل الهر، وقال ابن قدامة في [المغني] أيضاً: واختلفت الرواية في الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه. وهذا قول أبي هريرة، ومالك، وأبي حنيفة لأنه سبع، فيدخل في عموم النهي، ونقل عن أحمد إباحته،

стр. 853

واختاره الشريف أبو جعفر، ورخص فيه عطاء، وطاووس، وقتادة، والليث، وسفيان بن عيينة والشافعي؛ لأنه يفدى في الإحرام والحرم إلى أن قال: واختلف الرواية عن أحمد في سنور البر، والقول فيه كالقول في الثعلب. وحكى النووي اتفاق الشافعية على إباحة الثعلب. وقال صاحب [المهذب]: وفي سنور الوحش وجهان: أحدهما: لا يحل؛ لأنه يصطاد بنابه فلم يحل كالأسد والفهد. والثاني: يحل؛ لأنه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي، فيحرم الأهلي منه، ويحل الوحشي كالحمار. وأما الدب فهو سبع ذو ناب عند مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وقال أحمد: إن كان الدب ذا ناب منع أكله، وإن لم يكن ذا ناب فلا بأس بأكله. واختلف العلماء في جواز أكل الضبع. وهو عند مالك كالثعلب. وقد قدمنا عنه أنه سبع في رواية، وفي أخرى أنه مكروه، ولا قول فيه بالتحريم، والأحاديث التي قدمناها في سورة المائدة بأن الضبع صيد تدل على إباحة أكلها، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع. قاله القرطبي، ورخص في أكلها الشافعي وغيره. وقال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشافعي: وما يباع لحم الضباع بمكة إلا بين الصفا والمروة. وحجة مالك في مشهور مذهبه أن الضبع من جملة السباع،

стр. 854

فيدخل في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخص سبعاً منها عن سبع. قال القرطبي: وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي؛ لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس مشهوراً بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. قال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة، وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه -: للمخالف أن يقول: أحاديث النهي عامة في كل ذي ناب من السباع، ودليل إباحة الضبع خاص، ولا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام، فيخصص عمومه به كما هو مقرر في الأصول. ومن ذلك القنفذ. فقد قال بعض العلماء بتحريمه، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي هريرة، وأجاز أكله الجمهور، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأبو ثور وغيرهم. واحتج من منعه بما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: ذكر القنفذ لرسول الله - ﷺ -، فقال: "هو خبيث من الخبائث". واحتج من أباحه -وهم الجمهور- بأن الحديث لم يثبت، ولا تحريم إلا بدليل. قال البيهقي في السنن الكبرى -بعد أن ساق حديث أبي

стр. 855

هريرة المذكور في خبث القنفذ-: هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف. وممن كره أكل القنفذ أبو حنيفة وأصحابه. قاله القرطبي وغيره. ومن ذلك حشرات الأرض، كالفأرة، والحيات، والأفاعي، والعقارب، والخنفساء، والعظاية، والضفادع، والجرذان، والوزغ، والصراصير، والعناكب، وسام أبرص، والجعلان، وبنات وردان، والديدان، وحمار قبان، ونحو ذلك. فجمهور العلماء على تحريم أكل هذه الأشياء؛ لأنها مستخبثة طبعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وممن قال بذلك الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وابن شهاب وعروة، وغيرهم -رحمهم الله تعالى- ورخص في أكل ذلك: مالك، واشترط في جواز أكل الحيات أن يؤمن سمها. وممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات الأوزاعي، وابن أبي ليلى. واحتجوا بما رواه أبو داود، والبيهقي من حديث ملقام بن تلب، عن أبيه تلب بن ثعلبة بن ربية التميمي العنبري، ﵁ قال: صحبت النبي - ﷺ -، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً. واحتجوا أيضاً بأن الله حرم أشياء، وأباح أشياء، فما حرم فهو حرام، وما أباح فهو مباح، وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة ﵂ في الفأرة: ما هي بحرام،

стр. 856

وقرأت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية. ويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلب مستور لا يعرف حاله، وبأن قول أبيه تلب بن ثعلبة ﵁: لم أسمع لحشرة الأرض تحريماً لا يدل على عدم تحريمها، كما قاله الخطابي، والبيهقي؛ لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم، وبأنه تعالى لم يسكت عن هذا؛ لأنه حرم الخبائث، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلاً عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع، كما قال أحد شعرائهم: أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن ... غريباً لديكم يأكل الحشرات والربى جمع ربية، وهي الفأرة. قاله القرطبي. وفي اللسان أنها دويبة بين الفأرة وأم حبين. ولتلك الحاجة الشديدة لما سئل بعض العرب عما يأكلون؟ قال: كل ما دب ودرج، إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - أباح قتل الفأرة، وما ذكر معها من الفواسق، فدل ذلك على عدم إباحتها. واعلم أن ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية. استدلال ظاهر، لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم، لأنه لا ينضبط، لأن معنى الخبث

стр. 857

معروف عندهم، فما اتصف به فهو حرام، للآية. ولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض المستخبثات، كالثوم؛ لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا. ويدخل فيه أيضاً كل ما نص الشرع على أنه خبيث إلا لدليل يدل على إباحته مع إطلاق اسم الخبث عليه. واستثنى بعض أهل العلم من حشرات الأرض الوزغ، فقد ادعى بعضهم الإجماع على تحريمه، كما ذكره ابن قدامة في [المغني] عن ابن عبد البر. قال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل له حديث أم شريك المتفق عليه أنه - ﷺ - أمر بقتل الأوزاغ، وكذلك روى الشيخان أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، موصولاً عند مسلم، ومحتملاً للإرسال عند البخاري، فإن قوله: وزعم سعد بن أبي وقاص أنه أمر بقتله محتمل لأن يكون من قول عائشة، ومحتمل لأن يكون من قول عروة، وعليهما فالحديث متصل، ويحتمل أن يكون من قول الزهري، فيكون منقطعاً. واختاره ابن حجر في [الفتح] وقال: كأن الزهري وصله لمعمر، وأرسله ليونس. اهـ، ومن طريق يونس رواه البخاري، ومن طريق معمر رواه مسلم في [صحيحه] من حديث أبي هريرة مرفوعًا الترغيب في قتل الوزغ، وكل ذلك يدل على تحريمه. واختلف العلماء أيضاً في ابن آوى، وابن عرس: فقال بعض

стр. 858

العلماء بتحريم أكلهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة -رحمهما الله تعالى- قال في [المغني]: سئل أحمد عن ابن آوى، وابن عرس. فقال: كل شيء ينهش بأنيابه من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه اهـ. ومذهب الشافعي ﵀ الفرق بينهما، فابن عرس حلال عند الشافعية بلا خلاف؛ لأنه ليس له ناب قوي، فهو كالضب، واختلف الشافعية في ابن آوى. فقال بعضهم: يحل أكله؛ لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب. والثاني: لا يحل؛ لأنه مستخبث كريه الرائحة، ولأنه من جنس الكلاب. قاله النووي، والظاهر من مذهب مالك كراهتهما. وأما الوبر واليربوع فأكلهما جائز عند مالك وأصحابه. وهو مذهب الشافعي وعليه عامة أصحابه، إلا أن في الوبر وجهاً عندهم بالتحريم. وقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة، فدل ذلك على أنه صيد، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضاً جواز أكل اليربوع، والوبر. وممن قال بإباحة الوبر: عطاء وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار؛ وابن المنذر؛ وأبو يوسف. وممن قال بإباحة اليربوع أيضاً: عروة، وعطاء الخراساني، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب [المغني]. وقال القاضي من الحنابلة بتحريم الوبر، قال في [المغني]:

стр. 859

وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وقال أيضاً: إن أبا حنيفة قال في اليربوع أيضاً: هو حرام، وروي ذلك عن أحمد أيضاً، وعن ابن سيرين، والحكم، وحمّاد؛ لأنه يشبه الفأر، ونقل النووي في [شرح المهذب] عن صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الوبر، واليربوع، والضب، والقنفذ، وابن عرس. وممن قال بإباحة الخلد والضربوب مالك وأصحابه. وأما الأرنب: فالتحقيق أن أكلها مباح؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ ﷺ - "أهدى له عضو من أرنب فقبله" وفي بعض الروايات "فأكل منه" وقال ابن قدامة في [المغني]: أكل الأرنب سعد بن أبي وقاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم أحداً قائلاً بتحريمها، إلا شيئاً روي عن عمرو بن العاص. اهـ. وأما الضب فالتحقيق أيضاً جواز أكله؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه - ﷺ - قال: "كلوا أو أطعموا فإنه حلال". وقال: "لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي" يعني للضب، ولما ثبت أيضاً في الصحيحين من حديث خالد، ﵁ "أنه أكل ضباً في بيت ميمونة، ورسول الله - ﷺ - ينظر إليه" وقد قدمنا قول صاحب البيان عن أبي حنيفة بتحريم الضب. ونقل في [المغني] عن أبي حنيفة أيضاً، والثوري تحريم الضب، ونقل عن علي النهي عنه، ولم نعلم لتحريمه مستنداً، إلا ما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر، رضي الله عنه

стр. 860

أن النبي - ﷺ -: "أتي بضب، فأبى أن يأكله" قال: "إني لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت". وأخرج مسلم نحوه أيضاً من حديث أبي سعيد مرفوعاً، فكأنه في هذا الحديث علل الامتناع منه باحتمال المسخ، أو لأنه ينهش، فأشبه ابن عرس، ولكن هذا لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة التي قدمناها بإباحة أكله، وكان بعض العرب يزعمون أن الضب من الأمم التي مسخت، كما يدل له قول الراجز: قالت -وكنت رجلاً فطيناً - ... هذا -لعمر الله- إسرائينا فإن هذه المرأة العربية أقسمت على أن الضب إسرائيلي مسخ. وأما الجراد: فلا خلاف بين العلماء في جواز أكله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: "غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد". اهـ. وميتة الجراد من غير ذكاة حلال عند جماهير العلماء؛ لحديث "أحلت لنا ميتتان ودمان" الحديث. وخالف مالك الجمهور، فاشترط في جواز أكله ذكاته، وذكاته عنده ما يموت به بقصد الذكاة، وهو معنى قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: وافتقر نحو الجراد لها بموت به، ولو لم يجعل كقطع جناح. واحتج له المالكية بعدم ثبوت حديث ابن عمر المذكور "أحلت لنا ميتتان" الحديث؛ لأن طرقه لا تخلو من ضعف في

стр. 861

الإسناد، أو وقف، والأصل الاحتياج إلى الذكاة؛ لعموم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. وقال ابن كثير في تفسير سورة المائدة ما نصه: "وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله - ﷺ - "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال" وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه، والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعاً. قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح. اهـ. من ابن كثير. وهو دليل لما قاله المالكية، والله تعالى أعلم. قال مقيده - عفا الله عنه -: لكن للمخالف أن يقول: إن الرواية الموقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عنه صحيحة، ولها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع؛ لأنه من المعلوم أنهم لا يحل لهم، ولا يحرم عليهم إلا النبي - ﷺ -. كما تقرر في علوم الحديث.

стр. 862

وأشار النووي في [شرح المهذب] إلى أن الرواية الصحيحة الموقوفة على ابن عمر لها حكم الرفع، كما ذكرنا، وهو واضح، وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير ذكاة. والمالكية قالوا: لم يصح الحديث مرفوعاً، وميتة الجراد داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، وافتقار الجراد إلى الذكاة بما يموت به، كقطع رأسه بنية الذكاة أو صلقه أو قليه، كذلك رواية أيضاً عن الإمام أحمد نقلها عنه النووي في [شرح مسلم] [وشرح المهذب] والله تعالى أعلم. وأما الطير: فجميع أنواعه مباحة الأكل، إلا أشياء منها اختلف فيها العلماء، فمن ذلك كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد: كالصقر، والشاهين، والبازي، والعقاب، والباشق، ونحو ذلك. وجمهور العلماء على تحريم كل ذي مخلب من الطير كما قدمنا، ودليلهم ثبوت النهي عنه في صحيح مسلم وغيره، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة. ومذهب مالك ﵀ إباحة أكل ذي المخلب من الطير لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ الآية. ولأنه لم يثبت عنده نص صريح في التحريم. وممن قال كقول مالك: الليث، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد، وقال مالك: لم أر أحداً من أهل العلم يكره سباع الطير، وقال ابن القاسم: لم يكره مالك أكل شيء من الطير كله، الرخم،

стр. 863

والعقبان، والنسور، والحدأة، والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها، ما أكل الجيف منها، وما لم يأكلها. ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، وروي على كراهة أكل الخطاف ابن رشد، لقلة لحمها مع تحرمها بمن عششت عنده. انتهى من المواق في شرحه لقول خليل في مختصره: وطير ولو جلالة. ومن ذلك الحدأة والغراب الأبقع، لما تقدم من أنهما من الفواسق التي يحل قتلها في الحل والحرم، وإباحة قتلها دليل على منع أكلها، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك، ومن وافقه كما ذكرنا آنفاً. وقالت عائشة ﵂: إني لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن - ﷺ - في قتله، وقال صاحب "المهذب" بعد أن ذكر تحريم أكل الغراب الأبقع: ويحرم الغراب الأسود الكبير؛ لأنه مستخبث، يأكل الجيف فهو كالأبقع، وفي الغداف، وغراب الزرع وجهان: أحدهما: لا يحل؛ للخبر. والثاني: يحل؛ لأنه مستطاب يلقط الحب، فهو كالحمام والدجاج. وقال ابن قدامة في "المغني": ويحرم منها ما يأكل الجيف كالنسور، والرخم، وغراب البين -وهو أكبر الغربان- والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب، وقد سماه النبي - ﷺ - فاسقاً؟ والله ما هو من الطيبات اهـ. قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر المتبادر أن كل شيء أذن

стр. 864

رسول الله - ﷺ - في قتله بغير الذكاة الشرعية أنه محرم الأكل، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزاً لما أذن - ﷺ - في إتلافه كما هو واضح. وقال النووي: الغراب الأبقع حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة. والأسود الكبير فيه طريقان. إحداهما: أنه حرام. والأخرى: أن فيه وجهين: أصحهما التحريم. وغراب الزرع فيه وجهان مشهوران: أصحهما أنه حلال، وهو الزاغ، وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين اهـ، منه بالمعنى في [شرح المهذب]. ومن ذلك الصرد، والهدهد، والخطاف، والخفاش: وهو الوطواط. ومذهب الشافعي: تحريم أكل الهدهد والخطاف. قال صاحب "المهذب" ويحرم أكل الهدهد والخطاف؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن قتلهما. وقال النووي في "شرح المهذب" أما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - "نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة، والهدهد والصرد" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. ذكره في آخر كتابه، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناد على شرط البخاري. وأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وهو من

стр. 865

تابعي التابعين، أو من التابعين عن النبي - ﷺ - "أنه نهى عن قتل الخطاطيف" ثم قال: قال البيهقي: هذا منقطع. قال: روى حمزة النصيبي فيه حديثاً مسنداً إلا أنه كان يرمى بالوضع اهـ. ومما ذكره النووي تعلم أن الصرد والهدهد لا يجوز أكلهما في مذهب الشافعي لثبوت النهي عن قتلهما، وقال النووي أيضاً: وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عليه أنه قال: "لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم" قال البيهقي: إسناده صحيح. قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر في مثل هذا الذي صح عن عبد الله بن عمرو من النهي عن قتل الخفاش والضفدع أنه في حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه؛ لأن علم تسبيح الضفدع وما قاله الخفاش لا يكون بالرأي، وعليه فهو يدل على منع أكل الخفاش والضفدع. وقال ابن قدامة في "المغني": ويحرم الخطاف والخشاف، أو الخفاش وهو الوطواط، قال الشاعر: مثل النهار يزيد أبصار الوري ... نورًا ويعمي أعين الخفاش قال أحمد؛ ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال: لا أدري، وقال النخعي: أكل الطير حلال إلا الخفاش، وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تأكلها العرب اهـ. من المغني. والخشاف: هو الخفاش. وقد قدمنا عن مالك وأصحابه جواز أكل

стр. 866

أنواع الطير. واستثنى بعضهم من ذلك الوطواط. وفي الببغاء والطاوس وجهان للشافعية: قال البغوي وغيره: وأصحهما التحريم. وفي العندليب والحمرة لهم أيضاً وجهان: والصحيح إباحتهما. وقال أبو عاصم العبادي: يحرم ملاعب ظله، وهو طائر يسبح في الجو مراراً كأنه ينصب عليكم طائر، وقال أبو عاصم أيضاً: والبوم حرام كالرخم، قال: والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو وبالعين المهملة حرام على أصح القولين. قال الرافعي: هذا يقتضي أن الضوع غير البوم، قال: لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام، وقال المفضل: هو ذكر البوم. قال الرافعي: فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم؛ لأن الذكر والأنثى من الجنس الواحد لا يفترقان، قاله النووي. ثم قال: قلت: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم. وأما حشرات الطير، كالنحل، والزنانير، والذباب، والبعوض، ونحو ذلك؛ فأكلها حرام عند الشافعي وأحمد، وأكثر العلماء؛ لأنها مستخبثة طبعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. ومن ذلك الجلالة وهي التي تأكل النجس، وأصلها التي تلتقط الجلة بتثليث الجيم: وهي البعر، والمراد بها عند العلماء: التي تأكل النجاسات من الطير والدواب.

стр. 867

ومشهور مذهب الإمام مالك جواز أكل لحم الجلالة مطلقاً، أما لبنها وبولها فنجسان في مشهور مذهبه ما دام النجس باقياً في جوفها، ويطهر لبنها وبولها عنده إن أمسكت عن أكل النجس، وعلفت علفاً طاهراً مدة يغلب على الظن فيها عدم بقاء شيء في جوفها من الفضلات النجسة. وكره كثير من العلماء لحم الجلالة ولبنها. وحجتهم حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - نهى عن ألبان الجلالة. قال النووي في "شرح المهذب": حديث ابن عباس صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. اهـ. وقال النووي في حد الجلالة: والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرقها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا، وأكل لحم الجلالة وشرب لبنها مكروه عند الشافعية، والصحيح عندهم أنها كراهة تنزيه، وقيل: كراهة تحريم. وقال ابن قدامة في "المغني": قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في المجرد: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان: وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيراً في مأكولها ويغني عن اليسير، وقال الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها

стр. 868

إلا الرجيع وما أشبه، وقال ابن أبي موسى: في الجلالة روايتان، إحدهما: أنها محرمة. والثانية: أنها مكروهة غير محرمة. وهذا قول الشافعي. وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تتنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجساً، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس اهـ. والظاهر كراهة ركوب الجلالة، وهو مكروه عند الشافعي، وأحمد، وعمر، وابنه عبد الله، وروي عن ابن عمر مرفوعاً كراهة ركوب الجلالة، أخرجه البيهقي وغيره. والسخلة المرباة بلبن الكلبة حكمها حكم الجلالة فيما يظهر، فيجري فيها ما جرى فيها، والله تعالى أعلم. ومن ذلك، الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها فأكثر العلماء على أنها طاهرة، وأن ذلك لا ينجسها، وممن قال ذلك مالك والشافعي وأصحابهما خلافاً للإمام أحمد. وقال ابن قدامة في "المغني": وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها، وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم، ولا يحكم بتنجيسها؛ لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحماً، ويصير لبناً. وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة

стр. 869

والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول: مكتل عرة مكتل بر، والعرة: عذرة الناس. ولنا ما روي عن ابن عباس: كنا نكري أراضي رسول الله ﷺ ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس، ولأنها تتغذى بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها، والاستحالة لا تطهر. فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات". اهـ من المغني بلفظه. • قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أنهم سيقولون: لو شاء الله ما أشركنا، وذكر في غير هذا الموضع أنهم قالوا ذلك بالفعل، كقوله في النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية، وقوله في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية. ومرادهم أن الله لما كان قادراً على منعهم من الإشراك، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ الآية، وكذبهم في الزخرف بقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾، وقال في الزمر: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآية، الظاهر في قوله: ما حرم ربكم عليكم، أنه مضمن معنى: ما وصاكم به فعلا، أو تركا؛ لأن كلا من ترك الواجب، وفعل الحرام حرام، فالمعنى وصاكم أَلَّا تُشْرِكُوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا.

стр. 870

وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ الآية، نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل، ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه غير واقع في الحال بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وقد أوضح ﷺ معناه حين سأله عبد الله بن مسعود ﵁: "أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ الآية. وأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية منع العزل؛ لأنه وأد خفي، وحديث جابر: "كنا نعزل والوحي ينزل" يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها. والإملاق: الفقر، وقال بعض أهل العلم: الإملاق الجوع، وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل: الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن علياً قال لامرأته: أملقي ما شئت من مالك. وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد. ذكره القرطبي، وغيره، والصحيح الأول. • قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ

стр. 871

أَشُدَّهُ﴾ الآية، قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة -أعني مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ - إنه إذا بلغ أشده فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مراداً بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية. والتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ الآية. والبلوغ يكون بعلامات كثيرة: كالإنبات، واحتلام الغلام، وحيض الجارية، وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة. ومن العلماء من قال: إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول عن علي، وبه أخذ الفرزدق في قوله يرثي يزيد بن المهلب: ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظل معتبط الغبار مثار والأشد قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل: واحده شد، كفلس وأفلس. قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة، ومعناه حسن؛ لأن العرب تقول: بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على أفعل غير معهود، كما قاله الجوهري، وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو جمع نعم من قولهم بؤس ونعم. قاله القرطبي: وقال

стр. 872

أيضاً: وأصل الأشد من شد النهار إذا ارتفع، يقال: أتيته شد النهار وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة: عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم وقال الآخر: تطيف به شد النهار ظعينة ... طويلة أنقاء اليدين سحوق قال مقيده - عفا الله عنه -: ومنه قول كعب بن زهير: شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل فقوله: "شد النهار" يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله: يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحيه بالشمس محلول فشد النهار بدل من قوله: "يوماً" بدل بعض من كل، كما أن قوله: "يوماً" بدل من إذا في قوله قبل ذلك: كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل لأن الزمن المعبر عنه "بإذا" هو بعينه اليوم المذكور في قوله "يوماً يظل" البيت، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾ الآية، وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله: "ذراعا عطيل" خبر كأن في قوله: "كأن أوب ذراعيها" البيت.

стр. 873

وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا وإن جازت لغة، كما قال سحيم بن وثيل: أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشئون تنبيه قال مالك وأصحابه: إن الرشد الذي يدفع به المال إلى من بلغ النكاح، هو حفظ المال، وحسن النظر في التصرف فيه وإن كان فاسقاً شريباً، كما أن الصالح التقي إذا كان لا يحسن النظر في المال لا يدفع إليه ماله. قال ابن عاصم المالكي في تحفته: وشارب الخمر إذا ما ثمرا ... لما يلي من ماله لن يحجرا وصالح ليس يجيد النظرا ... في المال إن خيف الضياع حجرا وقال الشافعي ومن وافقه: لا يكون الفاسق العاصي رشيداً؛ لأنه لا سفه أعظم من تعريضه نفسه لسخط الله وعذابه بارتكاب المعاصي؛ والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، وذكر أن من أخل بإيفائه من غير قصد منه لذلك لا حرج عليه لعدم قصده، ولم يذكر هنا عقاباً لمن تعمد ذلك، ولكنه توعده بالويل في موضع آخر، ووبخه بأنه لا يظن البعث ليوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)

стр. 874

لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ وذكر في موضع آخر أن إيفاء الكيل والميزان خير لفاعله، وأحسن عاقبة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالعدل في القول، ولو كان على ذي قرابة، وصرح في موضع آخر بالأمر بذلك ولو كان على نفسه أو والديه. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالإيفاء بعهد الله، وصرح في موضع آخر أن عهد الله سيسأل عنه يوم القيامة بقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ أي عنه. • قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ الآية، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم قطع عذر كفار مكة، لئلا يقولوا: لو أنزل علينا كتاب لعملنا به، ولكنا أهدى من اليهود والنصارى، الذين لم يعملوا بكتبهم وصرح في موضع آخر أنهم أقسموا على ذلك، وأنه لما أنزل عليهم ما زادهم نزوله إلا نفوراً، وبعداً عن الحق، لاستكبارهم ومكرهم السيء، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

стр. 875

• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ الآية. قال بعض العلماء: إن هذا الفعل أعني صدف في هذه الآية لازم، ومعناه أعرض عنها، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة. وقال السدي: صدف في هذه الآية متعدية للمفعول، والمفعول محذوف، والمعنى أنه صد غيره عن اتباع آيات الله، والقرآن يدل لقول السدي؛ لأن إعراض هذا الذي لا أحد أظلم منه عنه آيات الله صرح به في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إذ لا إعراض أعظم من التكذيب، فدل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أنه صد غيره عنها فصار جامعاً بين الضلال والإضلال. وعلى القول الأول فمعنى صَدَفَ مستغنى عنه بقوله: "كَذَّبَ" ونظير الآية على القول الذي يشهد له القرآن، وهو قول السدي، قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ اهـ. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ الآية. وقد يوجه قول ابن عباس وقتادة ومجاهد بأن المراد بتكذيبه، وإعراضه أنه لم يؤمن بها قلبه، ولم تعمل بها جوارحه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ ونحوها من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه.

стр. 876

قال ابن كثير في تفسيره بعد أن أشار إلى هذا: ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم اهـ. وإطلاق صَدَفَ بمعنى أعرض كثير في كلام العرب، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث: عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزل وروي أن ابن عباس أنشد بيت أبي سفيان هذا لهذا المعنى، ومنه أيضاً قول ابن الرقاع: إذا ذكرن حديثاً قلن أحسنه ... وهن عن كل سوء يتقي صدف أي معرضات. • قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة إتيان الله جل وعلا وملائكته يوم القيامة، وذكر ذلك في موضع آخر، وزاد فيه أن الملائكة يجيئون صفوفاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢)﴾ وذكره في موضع آخر، وزاد فيه أنه جل وعلا يأتي في ظلل من الغمام، وهو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ الآية، ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمر كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، فسبحان من أحاط بكل شيء علماً ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠)﴾.

стр. 877

• قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية. قال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من أعظم العبادات، هي النحر، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن صلاته ونحره كلاهما خالص لله تعالى. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾. وقال بعض العلماء: النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد بقوله: "وَانْحَرْ" وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة - والله تعالى أعلم.

стр. 878

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأعراف

стр. 879

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ الآية. قال مجاهد، وقتادة، والسدي: "حَرَجٌ" أي شك. أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقاً، وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾. والممتري: هو الشاك؛ لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا القول فالخطاب للنبي ﷺ والمراد نهي غيره عن الشك في القرآن، كقول الراجز: • إياك أعني واسمعي يا جارة * وكقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤)﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية. ومعلوم أنه ﷺ لا يفعل شيئاً من ذلك، ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه ﷺ . وجمهور العلماء: على أن المراد بالحرج في الآية الضيق.

стр. 880

أي لا يكن في صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به؛ لشدة تكذيبهم لك؛ لأن تحمل عداوة الكفار، والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له - ﷺ - مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر. وقد قال - ﷺ -: "إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة" أخرجه مسلم. والثلغ: الشدخ، وقيل: ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر. ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦)﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾. ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب الضيق، وذلك معروف في كلامهم، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ أي شديد الضيق، إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل: فخرجت خوف يمينها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج وقول العرجي: عوجي علينا ربة الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي والمراد بالإحراج في البيتين: الإدخال في الحرج. بمعنى الضيق كما ذكرنا.
следующие страницы →