← Фикх общий

Фикх общий · id 20824

كتاب الرؤيا

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (194 стр.). Показаны 176–194 · переход к 181.

стр. 176

ومن تعبير الشيخ محمد أيضًا أن الملك عبد العزيز قال له: إني رأيت في المنام أني أمسكت امرأة وجردتها من ثيابها وتركتها عريانة، فقال الشيخ: هل فعلت بها شيئًا؟ قال: لا، فقال الشيخ: إن صدقت رؤياك فإنك تستولي على بلاد حايل. قلت: وقد وقع الأمر على وفق ما عبّر به الشيخ رؤيا الملك. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الملك عبد العزيز رأى في المنام أن الشريف حسينًا كان جالسًا على كرسي فتقدم إليه الملك عبد العزيز وأنزله على الكرسي وجلس عليه، فقال له الشيخ محمد: إنك سوف تستولي على مكة. قلت: وقد وقع الأمر على وفق ما عبّر به الشيخ رؤيا الملك. ومن الأحلام التي أَولَّهَا الشيخ محمد أن رجلاً يقال له ابن داود من أهل بلدة حايل وكان مع عجلان في الرياض حين كان عجلان أميرًا على البلاد من قِبَل ابن رشيد فرأى ابن داود في المنام أنه خرج من قصر المصمك فإذا حول القصر أبواب موضوعة على الأرض وعليها آثار المطر والوحل فمرّ في طريقه على بئر السدرة التي عند مسجد خالد فغسل رجليه من الطين ثم ذهب إلى بيت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ فقصّ رؤياه على الشيخ محمد، فقال الشيخ: أما الأبواب الموضوعة على الأرض عند باب المصمك فإنهم رجال يقتلون هناك، وأما أنت فإنك تستجير بالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وتنجو من القتل. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله النمر رأى في المنام أنه يمشي في الموضع الذي يسمى "الصفاة" في وسط بلدة الرياض وأن الإمام عبد الرحمن بن فيصل والملك عبد العزيز قد تبعاه من ورائه، فأَوَّلَها الشيخ محمد بأن أجله قريب وسوف يمشيان خلف جنازته. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن تركي بن الملك عبد العزيز رأى في المنام كأنه قريب من ربه وأن أخاه فهد قريب منه فقصّها تركي على الشيخ محمد، فقال له: خَيْرٌ إن شاء الله ولم يخبره بتأويلها، فلما خرج تركي من

стр. 177

عند الشيخ محمد قال عبد الحميد بن الشيخ لأبيه: قد جاء في هذا الليل يطلب منك أن تخبره بتأويل رؤياه فمل تفعل، فقال الشيح: إن رؤياه تدل على قرب أجله وأجل أخيه من بعده ولا أحب أن أخبره بذلك، وقد وقع الأمر على وفق تأويل الشيخ للرؤيا فمات تركي بعد مدة يسيرة في الطاعون الذي وقع في شهر صفر سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وألف من الهجرة – وتسمي العامة هذه السنة سنة الصخونة وبعضهم يسميها سنة الرحمة – وهو طاعون عامُّ مات فيه خلائق لا يحصون، ثم مات فهد بعد أخيه تركي بيسير. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن تركي بن الملك عبد العزيز رأى أنه راكب على ناقة وهي تمشي به والناس يحفّون به وهم مشاة عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه، فسأل الشيخ عن تأويل هذه الرؤيا وقيل: إنه أرسل إليه من يسأله عن تأويلها فقال الشيخ: رأى خيرًا ولم يخبرهم بتأويلها، ولما خرج السائل – أي تركي أو رسوله – قال الشيخ محمد للذين عنده: إن هذه الرؤيا تدل على حضور أجل تركي وأنه سيركب على النعش ويحفّ الناس به وهم مشاة، فوقع الأمر على وفق ما قاله الشيخ محمد. ومن الأحلام التي عبرها الشيخ محمد أن رجلاً يسمى محمد بن عقيل رأى عبد العزيز بن متعب بن رشيد في المنام فقال محمد بن عقيل لابنته: هذا عبد العزيز بن متعب تعالي لنتعاون عليه فجاءت أم عبد العزيز بن متعب فأخذت بيده وذهبت به فقصّ ابن عقيل رؤياه على الشيخ محمد، فقال: هل أمّ عبد العزيز بن متعب موجودة أم قد ماتت، فقيل له: إنها قد ماتت، فقال: إن صدقت رؤياك فإن عبد العزيز بن متعب سيقتل، وقد وقع الأمر على وفق ما عَبّر به الشيخ الرؤيا. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين رأى في المنام أنه أخذ عصا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف فقصّ رؤياه على الشيخ محمد، فقال: إن صدقت رؤياك فإنه سيحصل لك من الرياسة والجاه مثل ما حصل للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وقد وقع الأمر على وفق ما عَبّر به الشيخ الرؤيا.

стр. 178

ومن الأحلام التي عبرها الشيخ محمد أن الشيخ عبد الله بن حسن رأى في المنام أنه يصل يعلى مكان مرتفع ويقرأ سورة الفتح فقصّ رؤياه على الشيخ فلم يجبه بشيء فلما خرج من عنده قال الشيخ للذين عنده: إن ابن حسين – يعني الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ – يتمنى أن تفتح مكة وأن يؤم في المسجد الحرام، وإنما قال الشيخ محمد هذه الكلمة لأنه قد استبعد أن تفتح مكة للملك عبد العزيز لأنها كانت تحت ولاية الشريف حسين، وكانت لديه قوة عظيمة من العدد والعدة، ولكن الله تعالى يسّر فتحها للملك عبد العزيز في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وكان الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ من المرافقين للملك عبد العزيز في سفره إلى مكة، ثم حضر معه حصار جدة، وبعد تسليمها عيّنه الملك إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام، وبذلك وقع تصديق رؤياه وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لرؤيا الشيخ عبد الله بن حسن وإن كان قد ذكر تأويلها على وجه الاستبعاد لوقوع ذلك، ثم بعد زمن يسير صدر الأمر من الملك عبد العزيز بتعيين الشيخ عبد الله بن حسن رئيسًا للمحاكم في الحجاز والمناطق الجنوبية والشمالية والشرقية ولم يزل رئيسًا لها إلى أن توفي في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة؛ وبهذا وقع تصديق رؤيا الشيخ عبد الله بن حسن أنه قد أخذ عصا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لرؤيا الشيخ عبد الله بن حسن بأنه سيحصل له من الرياسة والجاه مثل ما حصل للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن رجلاً من أهل الرياض رأى في المنام أن رجلاً من أهل الرياض أيضًا أخذ بيده فضرط فيها ثم جعل يمشي أمامه ويضرط نحوه ويتابع الضراط عليه فقصّ رؤياه على الشيخ محمد فقال: إنه سيكون بينك وبين الرجل الذي ضرط في يدك مصاهرة وسيحصل لك منه أذى، فلما كان بعد أيام قليلة أرسل الذي ذكر عنه الضراط إلى صاحب الرؤيا يخطب أخته فامتنع من إجابته إلى طلبه خوفًا من الأذى الذي ذكره الشيخ محمد في تأويله لرؤياه فلم يزل الخاطب يرسل إليه ويلحّ عليه وهو مصرّ على الامتناع من إجابته فلما رأى الخاطب إصراره على الامتناع من إجابته أرسل

стр. 179

إلى أم البنت يخبرها بامتناعه فقالت الأم: ما لك تمتنع من تزويج فلان بأختك وهو من الأكفاء الأغنياء الذين يرغب الناس في تزويجهم فإن أنت لم تزوجه فإني سوف أذهب إلى القاضي وأطلب منه أن يزوجها بغير رضاك، فملا رأى إلحاح الأم زوّج الرجل بأخته وهو كاره فكانت حال أخته مع ذلك الرجل على أحسن الأحوال ثم إنها توفيت فحينئذ ابتدأ زوجها بمخاصمة أخيها فيما كان يظن أن لزوجته شركة معه فيه من المال وتكررت مخاصمته له وشكايته وإحضاره عند القاضي لمخاصمته وآذاه أذى كثيرًا، وبهذا وقع تصديق الرؤيا وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد لهذه الرؤيا. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن رجلاً من أهل الرياض يسمى عبد العزيز الشّدّي رأى في المنام أن أصابع يديه قد قطعت فقصّها على الشيخ محمد فقال: سيؤخذ منك عشرة أريل ثم لا ترد إليك، فعند ذلك أخذ صاحب الرؤيا في الاحتياط والحذر طمعًا منه أن لا يقع شيء مما أخبره به الشيخ محمد من تأويل الرؤيا ولكن الحذر لا ينفع من القدر، فبعد مدة يسيرة جاء رجل إلى الشدّي فقال له إن القِرَب – يعني أوعية الماء غالية جدًا في الأحساء فأعطاه الشدّي عشرة أريل ليشتري بها قربًا ويبيعها في الأحساء طمعًا منه في الربح الكثير فاشترى الرجل القِرَب وسافر بها معه إلى الأحساء فقطع الطريق على القافلة وأخذت القِرَب مع ما كان مع القافلة. ثم إن بعض الرؤساء أمسك قطاع الطريق وألزمهم برد ما أخذوه من القافلة فردوا كل شيء أخذوه منهم إلا القرب فإنها فُقِدَتْ، وبهذا وقع تصديق رؤيا الشدّي وعلم من ذلك صحة تأويل الشيخ محمد للرؤيا. ومن الأحلام التي أَوَّلَها الشيخ محمد أن امرأة رأت في منامها أن على سور بلدة الرياض ستائر قالت: فنظرت من خلال الستائر إلى خارج البلد فإذا هناك كلاب كثيرة مختلفة الألوان، فيها الأبيض والأسود والأحمر والأصفر والأزرق، وقيل: إن الذي رأى هذه الرؤيا رجل وأنه رأى خارج البلد جرادًا كثيرًا مختلفًا ألوانه فسئل الشيخ محمد عن تأويل هذه الرؤيا فقال: إن صدقت هذه الرؤيا فإن بلدة الرياض ستكون موضعًا يفد إليه الناس من أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم وألوانهم ودياناتهم، وأما وضع الستائر على السور

стр. 180

فتأويله أن أهل البلدة سيكونون في ستر ما دامت الستائر على سور البلد. قلت: وقد وقع تصديق هذه الرؤيا في آخر عهد الملك عبد العزيز وما بعده إلى زماننا حيث كثرت وفادة الناس من جميع أرجاء الأرض إلى الرياض وغير الرياض من مدن المملكة العربية السعودية على اختلاف أجناسهم وألوانهم ودياناتهم، وما أكثر أشباه الكلاب من الوافدين إلى المملكة السعودية، بل إن كثيرًا منهم شر من الكلاب والله المستعان. فصل وأختم الكتاب بذكر نموذج من تأويل الأحلام التي ذكرت عن بعض المتقدمين من الملوك والأكابر، وقد ذكرت فيما تقدم رؤيا إبراهيم الخليل ﵊ أنه أمر بذبح ولده، ورؤيا يوسف الصدّيق ﵊ أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر قد سجدوا له، ورؤيا الفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف، ورؤيا ملك مصر، ورؤيا عبد المطلب بن هاشم أنه أمر بحفر زمزم، ورؤيا رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم حين أصاب قريشًا القحط بأنهم يؤمرون بالاستسقاء؛ فكل هذا قد تقدم ذكره. فأما رؤيا إبراهيم الخليل ﵊ ورؤيا عبد المطلب بن هاشم ورؤيا رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم فهي مذكورة مع الأحلام الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وأما رؤيا يوسف الصدّيق ﵊ ورؤيا الفتيين ورؤيا ملك مصر فهي مذكورة في أول الأحلام التي تحتاج إلى التأويل، وهي الأحلام التي تكون من باب ضرب الأمثال للنائم، فلتراجع هذه الأحلام في مواضعها. ومن أحلام الملوك رؤيا فرعون في منامه ما هَالَه وأفزعه. وقد روى ذلك ابن جرير في تاريخه من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃: أن فرعون رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة

стр. 181

والحازة (١) فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه – يعنون بيت المقدس – رجل يكون على وجهه هلاك مصر فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا يولد لهم جارية إلا تركت. ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا بختنصر. وقد ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" عن محمد بن إسحاق بن يسار أنه ذكر في كتاب "المبتدأ" عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار. قال ابن كثير: وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خَرَّب بيت المقدس واستذل بني إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة والحزار وسألهم عن رؤياه تلك، فقالوا: ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها، فقال: إني نسيتها وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم فذهبوا خائفين وجلين من وعيده فسمع بذلك دانيال ﵇ وهو في سجنه فقال للسجان: اذهب إليه، فقل له: إن ههنا رجلاً عنده علم رؤياك وتأويلها فذهب إليه فأعلمه فطلبه فلما دخل عليه لم يسجد له فقال له: ما منعك من السجود لي؟ فقال: إن الله آتاني علمًا وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره، فقال له بختنصر: إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود فأخبرني عن رؤياي، قال له دانيال: رأيت صنمًا عظيمًا رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخّار فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قمة رأسه حتى طحنه واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ونظرتَ إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء، فقال له بختنصر: صدقت هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي

стр. 182

آخره، وأما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث الله نبيًا أميًا من العرب فيدوّخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوّخ أصناف الصنم ويظهر على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدي به أهل الضلالة ويعلم به الأميين ويقوي به الضعفة ويعز به الأذلة وينصر به المستضعفين، وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" من طريق إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار فذكره بنحوه وفيه زيادات ليست في رواية ابن إسحاق. وقد روى ابن جرير هذه القصة في "تاريخه" في أثناء خبر طويل ذكره عن وهب بن منبه، وفيه أن بختنصر رأى رؤيا فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئًا أصابه فأنساه الذي كان رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل من ذراري الأنبياء فقال: أخبروني عن رؤيا رأيتها ثم أصابني شيء فأنسانيها وقد كانت أعجبتني، ما هي؟ قالوا له: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها، قال: ما أذكرها وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعنّ أكتافكم، فخرجوا من عنده فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها فأعلمهم الذي سألهم عنه فجاءوه فقالوا له: رأيت تمثالاً؟ قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فخّار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد؟ قال: صدقتم، قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقّته فهي التي أنستكها؟ قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها أنك أريت ملك الملوك فكان بعضهم ألين ملكًا من بعض، وبعضهم كان أشد ملكًا من بعض، وبعضهم كان أشد ملكًا من بعض، فكان أول الملك الفخّار وهو أضعفه وألينه، ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد، ثم كان فوق النحاس الفضة وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوق الفضة الذهب فهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد ملكك فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله، وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته نبيًا يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه.

стр. 183

ورواه ابن جرير أيضًا في تفسيره من طريق أسباط عن السدي بنحوه، وفيه أن دانيال وأصحابه قالوا لبختنصر: رأيت كذا وكذا فقصوها عليه، فقال: صدقتم، قالوا: نحن نعبرها لك، أما الصنم الذي رأيت رأسه من ذهب فإنه ملكك حسن مثل الذهب، وكان قد ملك الأرض كلها، وأما العنق من الشبه فهو ملك ابنك بعدك يملك فيكون ملكه حسنًا ولا يكون مثل الذهب، وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فارس يملكون بعد ابنك فيكون ملكهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنه الأخلاط فإنه يذهب ملك أهل فارس ويتنازع الناس الملك في كل قرية حتى يكون الملك يملك اليوم واليومين والشهر والشهرين ثم يقتل فلا يكون للناس قوام على ذلك كما لم يكن للصنم قوام على رجلين من فخّار، فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى نبيًا من أرض العرب فأظهره على بقية ملك أهل فارس وبقية ملك ابنك وملكك فدمره وأهلكه حتى لا يبقى منه شيء كما جاءت الصخرة فهدمت الصنم. ورواه أيضًا بإسناده عن سعيد بن جبير. وفيه أن بختنصر رأى رؤيا فجلس فنسيها فعاد فرقد فرآها فقام فنسيها ثم عاد فرقد فرآها فخرج إلى الحجرة فنسيها فلما أصبح دعا العلماء والكهان فقال: أخبروني بما رأيت البارحة وأوّلوا لي رؤياي وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته موعدكم ثالثة، فقالوا: هذا لو أخبرنا برؤياه، قال: وجعل دانيال كلما مر به أحد من قرابته يقول: لو دعاني الملك لأخبرته برؤياه ولأوّلتها له، قال: فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي إلى أن مرّ به كَهْلٌ فقال له ذلك فرجع إليه فأخبره فدعاه فقال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالاً، قال: إيه! قال: ورأسه من ذهب؟ قال: إيه! قال: وعنقه من فضة؟ قال: إيه! قال: وصدره من حديد؟ قال: إيه! قال: وبطنه من صفر؟ قال: إيه! قال: ورجلاه من آنك؟ قال: إيه! قال: وقدماه من فخار؟ قال: هذا الذي رأيت، قال: إيه! قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه قال فأهلكته، قال: فما هذا قال: أما الذهب فإنه ملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، قال: وأما الفخار فملك النساء فكساه جبة ترثون وسوّره وطاف به في

стр. 184

القرية وأجاز خاتمه. ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا ابن بختنصر. وقد ذكرها ابن جرير في تفسيره في خبر طويل رواه عن سعيد بن جبير وفيه أن ابن بختنصر رأى كفًا خرجت بين لوحين ثم كتبت سطرين فدعا الكهان والعلماء فلم يجدوا لهم في ذلك علمًا فقالت له أمه: إنك لو أعدت إلى دانيال منزلته التي كانت له من أبيك أخبرك، وكان قد جفاه فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي فأخبرني ما هذان السطران؟ فقال: أمَّا تعيد إليّ منزلتي من أبيك فلا حاجة لي بها، وأمَّا هذا السطران فإنك تقتل الليلة، فأخرج من في القصر أجمعين وأمر بقفله فأقفلت الأبواب عليه وأدخل معه آمَنَ أهل القرية في نفسه معه سيف فقال: من جاءك من خلق الله فاقتله وإن قال أنا فلان، وبعث الله عليه البطن فجعل يمشي حتى كان شطر الليل فرقد ورقد صاحبه ثم نبهه البطن فذهب يمشي والآخر نائم فرجع فاستيقظ به فقال له: أنا فلان فضربه بالسيف فقتله. ومن أحلام الملوك أيضًا رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي أحمد ملوك حِمْيَر التبابعة، قال ابن إسحاق: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها، فقالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إ لا من عرفها قبل أن أخبره بها، فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سَطِيْح وشِقًّ (١) فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما فقدم عليه سَطِيْح قبل شِقًّ فقال له: إني قد رأيت رؤيا

стр. 185

هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، قال: أفعل، رأيت حُمَمَة (١)، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تَهَمَة (٢)، فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش (٣) لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش، فقال له الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين، قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرَمُ بن ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: لا بل ينقطع، قال: ومن يقطعه: قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من قِبَل العلي، قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع

стр. 186

فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحق ما تخبرني؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحقّ. ثم قدم عليه شِقّ فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان، فقال: نعم، رأيت حُمَمَة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة (١)، فأكلت منها كل ذات نسمة، قال: فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فإن قولهما واحد إلا أن سطيحًا قال: «وقعت بأرض تَهَمَة، فأكلت منها كل ذات جمجمة»، وقال شِقّ: «وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت كل ذات نسمة». فقال الملك: ما أخطأت يا شقّ منها شيئًا فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طَفْلَة البنان (٢)، وليملكن ما بين أبين إلى نجران، فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ (٣)، يخرج عليهم من بيت ذي يزن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن، قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم تجزي فيه الولاة، ويدعى فيه من

стр. 187

السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات، قال: أحقّ ما تقول؟ قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إنَّ ما أنبأتك به لحق ما فيه أَمْض (١). قال ابن إسحاق: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاد فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن وعلمهم النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، ذلك الملك. قال ابن هشام: النعمان بن المنذر بن المنذر فيما أخبرني خلف الأحمر. وقد ذكر هذه القصة ابن هشام في "السيرة" وابن جرير في "تاريخه" وأبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" وابن كثير "في البداية والنهاية"؛ كلهم عن ابن إسحاق. وزاد ابن جرير في رواية له عن ابن إسحاق قال: ولما قال سَطِيح وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع ذهب ذكر ذلك في العرب وتحدثوا به حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى: أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري في بعض ما يقول وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين سَطيح وشِقّ: ما نَظَرتْ ذَاتُ أشفار كنظرتها ... حقًا كما نطق الذئبي إذا سجعا (٢)

стр. 188

وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي لأنه من ولد ذئب بن عدي. انتهى ما ذكره ابن جرير. ومن أحلام الأكابر رؤيا عبد المطلب بن هاشم أنه أمر بحفر زمزم. وقد تقدم ذكر ذلك فيما رواه ابن إسحاق عن علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" بإسناده عن الزهري بسياق غير السياق الذي تقدم ذكره من رواية ابن إسحاق وقال فيه: فحفر حتى أنبط الماء فخرقها في القرار ثم بَحَّرها حتى لا تنزف ثم بنى عليها حوضًا فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب منه الحاج فيكسره أناس حَسَدة من قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربّه فأري في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب حلُّ وبِلُّ، ثم كفيتهم؛ فقام عبد المطلب حين اختلف قريش في المسجد فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته. ومن أحلام الأكابر أيضًا ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة" عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعًا شديدًا فأتيت كاهنة قريش عليَّ مطرف خزّ وجمتي تضرب منكبي فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغير وأنا يومئذ سيد قومي، فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون هل رأيت من حدثان الدهر شيئًا؟ فقلت: بلى، وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته ولم أفعل لأني كنت كبير قومي، فجلست فقلت: إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا، ساعة تخفى وساعة تزهر ورأيت رهطًا من قريش

стр. 189

قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قومًا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخرهم شابٌّ لم أر قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب منه ريحًا فيكسر أضلعهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا فمنعني الشاب فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها، فانتبهت مذعورًا فزعًا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغير. ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس، ثم قال لأبي طالب: لعلك تكون هذا المولود، قال: فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي ﷺ قد خرج ويقول: «كانت الشجرة» والله أعلم أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: «السبة والعار». قلت: الظاهر في تأويل هذه الرؤيا أن الشجرة العظيمة هي الإسلام الذي ملأ نوره ما بين المشرق والمغرب وعلا فوق جميع الأديان ودان له العرب والعجم، وأما خفاء الشجرة ساعة وازدهارها ساعة أخرى فهو – والله أعلم – ما يطرأ على الإسلام من القوة والإقبال في بعض الأحيان، وما يطرأ عليه من الضعف والإدبار في بعض الأحيان كما قد جاء ذلك في حديث أبي أمامة ﵁ الذي رواه الحارث بن أبي أسامة والطبراني في ذكر إقبال الدين وإدباره، وأما الرهط من قريش الذين تعلقوا بأغصان الشجرة فهم – والله أعلم – الذين دخلوا في الإسلام من شيوخ قريش الذين كانوا في زمان عبد المطلب وأدركوا الإسلام فأسلموا، وأما القوم من قريش الذين يريدون قطع الشجرة فهم – والله أعلم – صناديد قريش وكبراؤهم الذين حاربوا الإسلام وأرادوا طمسه وإطفاء نوره، وأما الشاب الذي كان يكسر أضلع الذين يريدون قطع الشجرة من قريش ويقلع أعينهم فهو – والله أعلم – رسول الله ﷺ فإن جهاده لصناديد قريش وصدعه بالدعوة إلى الإسلام بين ظهرانيهم كان بمنزلة كسر ضلوعهم وقلع أعينهم حتى أظهر الله الإسلام وهم كارهون وقطع دابر الكافرين على يدي رسوله محمد ﷺ ، وأما منع الشاب لعبد المطلب من تناول النصيب من الشجرة فهو – والله أعلم – لأن عبد المطلب مات قبل الإسلام فلم يكن له نصيب منه، هذا ما ظهر لي والعلم عند الله. ومن أحلام الأكابر أيضًا رؤيا أم النبي ﷺ حين حملت به أنه خرج منها

стр. 190

نور أضاءت له قصور الشام، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها ما رواه ابن إسحاق حيث قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك، قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام». قال ابن كثير في "البداية والنهاية": هذا إسناد جيد قوي. انتهى. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق ابن إسحاق وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: قلت: يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام». قال الهيثمي: إسناده حسن وله شواهد تقويه. انتهى. وقد رواه أبو داود الطيالسي بالإسناد الذي عند أحمد، ورواه محمد بن سعد في "الطبقات" مختصرًا ولفظه: «رأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام». ومنها ما رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك" عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام». قال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان. انتهى. وقال الحاكم: صحيح الإسناد شاهد للحديث الأول، وتعقبه الذهبي بتضعيف أحد رجال الإسناد وهو أبو بكر بن أبي مريم الغساني. ومنها ما رواه الإمام أحمد والدارمي عن عتبة بن عبد السلمي ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: «كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر» - فذكر الحديث في شق بطنه وغسله بماء الثلج والبرد وذر السكينة في قلبه والختم عليه بخاتم النبوة ووزنه

стр. 191

بألف من أمته وفي آخر الحديث أن أمه ﷺ قالت: «إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام». قال الهيثمي: إسناده حسن. ومنها ما رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مسترضعًا في بني سعد بن بكر فقالت أمه آمنة لمرضعته: انظري ابني هذا فسلي عنه فإني رأيت كأنه خرج مني شهاب أضاءت له الأرض كلها حتى رأيت قصور الشام. ومن أحلام الأكابر أيضًا رؤيا الموبذان (١) أن إبلاً صعابًا تقود خيلا عرابًا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس. وقد روى القصة في ذلك ابن جرير في "تاريخه" وأبو نعيم في "دلائل النبوة" والبيهقي في "دلائل النبوة" عن مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه – وأتت عليه مائة وخمسون سنة – قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلاً صعابًا تقود خيلاً عرابًا وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى فصبر تشجعًا، ثم رأى لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه ودعاهم، فبينا هم كذلك إذ ورد عليه كتاب بخمود النار فازداد غمًا إلى غمّه، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك، قد رأيت في هذه الليلة – وقص عليه الرؤيا في الإبل – فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان – وكان أعلمهم عند نفسه بذلك – فقال: حادث يكون من عند العرب، فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إليّ رجلاً عالمًا بما أريد أن أسأله عنه، فوجّه إليه عبد المسيح بن عمرو بن حبان بن بقيلة الغساني فلما قدم عليه قال له: أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي منه

стр. 192

علم وإلا أخبرته بمن يعلمه له. فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه وأتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلّم عليه وحيّاه فلم يُحر سطيح جوابًا فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن - وذكر سبعة أبيات من الشعر -. فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال: عبد المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعابًا، تقود خيلاً عرابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح، إذ كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة (١)، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فقام عبد المسيح إلى رحله وهو يقول – وذكر له سبعة أبيات من الشعر – فلما

стр. 193

قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا كانت أمور وأمور فملك منهم عشرة في أربع سنين، والباقون إلى خلافة عثمان بن عفان ﵁. فصل ومما ينبغي التنبيه عليه والتحذير من التصديق به ما يزعمه التبليغيون من الأحلام التي يملئون بها بياناتهم ويعمرون بها مجالسهم ومجتمعاتهم في المساجد وغير المساجد، ويظهر على بعضها أنها من تلاعب الشيطان بهم ليفتنهم بما زينه لهم من البدع والضلالات والجهالات التي منشؤها من الأخذ بالمذاهب الصوفية المبتدعة والانحراف عن عقائد أهل السنة والجماعة ومذاهبهم في الأصول والفروع. ومن القصص الغريبة من أحلام التبليغيين وتلاعب الشيطان بهم في اليقظة والمنام ما ذكره الأستاذ سيف الرحمن بن أحمد الدهلوي في صفحة (٣٩) من كتابه المسمى "نظرة عابرة اعتبارية، حول الجماعة التبليغية" حيث قال ما ملخصه: وإن من غريب مضار الجهل ما حدث بالهند وباكستان من بعض أهل الدين والصلاح والتقى حيث رأوا في المنام أنهم ذبحوا – أو يذبحون – بعض أولادهم الذكور خاصة، فلما أصبحوا ظنوا منامهم إلهامًا وأمرًا وابتلاءً لهم من الله، فقاموا وأنجزوا ما أمروا به في زعمهم فذبحوا أبناءهم من أصلابهم كما يذبح الكبش مطرحًا وهو ينظر، وأحسنوا ذبحتهم في زعمهم واحتسبوهم وأحسنوا احتسابهم في زعمهم، فيا لهول المنظر ويا لفظاعة الجهل، ولما أخذوا ونوقشوا قالوا: لم نأت إمْرًا، ولم نحدث نكرًا، وإنما أنجزنا ما أمرنا به واتبعنا فيه سنة سيدنا إبراهيم ﵇، ولا يعلمون أن منام الأنبياء وحي، ومنام الصلحاء بشائر أو أضغاث أحلام ومجرد رؤيا منام أو إضلال شيطان، والسبب في جهلهم هذا وأمثاله قيادتهم الدينية فهي المسئولة عن جهل الأتباع -إلى أن قال-: ولم نسمع بمثل هذه الأحداث في البلاد العربية. فيا لكارثة العقول وزيغ القلوب، ويا لضياع الدين والدنيا معًا، فإنا

стр. 194

لله وإنا إليه راجعون. انتهى. وإذا كانت هذه الكارثة من أفعال الموصوفين بالدين والصلاح والتقى من التبليغيين فما الظن بمن هو دونهم في هذه الخصال، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الاغترار بالتبليغيين والانضمام إليهم فإنهم أهل بدع وضلالات وجهالات ولا خير فيهم. ومن الأحلام التي لا شك أنها من تلاعب الشيطان بالجهال ما وقع للفئة التي فارقت الجماعة وألحدت في الحرم في أول سنة ١٤٠٠هـ ومنعت الناس من الصلاة في المسجد الحرام ومن الطواف بالكعبة نصف شهر، فقد ذكر عن غير واحد منهم أنهم رأوا في المنام أن صاحبهم الذي ادعوا فيه المهدية هو المهدي الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه يخرج في آخر الزمان، فكانت النتيجة من هذه الأحلام الشيطانية أن فارقوا الجماعة وفعلوا الأفاعيل الشنيعة في حرم الله تعالى إلى أن يسر الله القبض عليهم والحكم عليهم بالإعدام، فغرّهم الشيطان بالأحلام الكاذبة ثم تخلى عنهم وأسلمهم للقتل. نعوذ بالله من مكايد الشيطان وأضاليله، وهذا آخر ما تيسر إيراده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.