Полный текст (1 229 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَعِنْدَ ذَا يُثَبِّتُ الْمُهَيْمِنُ ... بِثَابِتِ الْقَوْلِ الَّذِينَ آمَنُوا
وَيُوقِنُ الْمُرْتَابُ عِنْدَ ذَلِكْ ... بِأَنَّ مَا مَوْرِدُهُ الْمَهَالِكْ
وَبِاللِّقَا وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ... وَبِقِيَامِنَا مِنَ الْقُبُورِ
غُرْلًا حُفَاةً كَجَرَادٍ مُنْتَشِرْ ... يَقُولُ ذُو الْكُفْرَانِ: ذَا يَوْمٌ عَسِرْ
وَيُجْمَعُ الْخَلْقُ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ... جَمِيعُهُمْ عُلْوِيُّهُمْ وَالسُّفْلِي
فِي مَوْقِفٍ يَجِلُّ فِيهِ الْخَطْبُ ... وَيَعْظُمُ الْهَوْلُ بِهِ وَالْكَرْبُ
وَأُحْضِرُوا لِلْعَرْضِ وَالْحِسَابِ١ ... وَانْقَطَعَتْ عَلَائِقُ الْأَنْسَابِ
وَارْتَكَمَتْ سَجَائِبُ الْأَهْوَالِ ... وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْقَيُّومِ ... وَاقْتُصَّ مِنْ ذِي الظُّلْمِ لِلْمَظْلُومِ
وَسَاوَتِ الْمُلُوكُ لِلْأَجْنَادِ ... وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالْأَشْهَادِ
وَشَهِدَتِ الْأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ ... وَبَدَتِ السَّوْءَآتُ وَالْفَضَائِحُ
وَابْتُلِيَتْ هُنَالِكَ السَّرَائِرْ ... وَانْكَشَفَ الْمَخْفِيُّ فِي الضَّمَائِرْ
وَنُشِرَتْ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ ... تُؤْخَذُ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ
طُوبَى٢ لِمَنْ يَأْخُذُ٣ بِالْيَمِينِ ... كِتَابَهُ بُشْرَى بِحُورٍ عِينِ
وَالْوَيْلُ لِلْآخِذِ بِالشِّمَالِ ... وَرَاءَ ظَهْرٍ لِلْجَحِيمِ صَالِي
وَالْوَزْنُ بِالْقِسْطِ فَلَا ظُلْمَ وَلَا ... يُؤْخَذُ عَبْدٌ بِسِوَى مَا عَمِلَا
فَبَيْنَ نَاجٍ رَاجِحٍ مِيزَانُهُ ... وَمُقْرِفٍ أَوْبَقَهُ عُدْوَانُهُ
وَيُنْصَبُ الْجِسْرُ بِلَا امْتِرَاءِ ... كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَنْبَاءِ
يَجُوزُهُ النَّاسُ عَلَى أَحْوَالِ ... بِقَدْرِ كَسْبِهِمْ مِنَ الْأَعْمَالِ
стр. 37
فَبَيْنَ مُجْتَازٍ إِلَى الْجِنَانِ ... وَمُسْرِفٍ يُكَبُّ فِي النِّيرَانِ
وَالنَّارُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَهُمَا ... مَوْجُودَتَانِ لَا فَنَاءَ لَهُمَا
وَحَوْضُ خَيْرِ الْخَلْقِ حَقٌّ وَبِهِ ... يَشْرَبُ فِي الْأُخْرَى جَمِيعُ حِزْبِهِ
كذا له لواء حمد ينشر ... وتحته الرسل جميعا تحشر
كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا ... قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا تَكَرُّمَا
مِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ لَا كَمَا يَرَى ... كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللَّهِ افْتَرَى
يَشْفَعُ أَوَّلًا إِلَى الرَّحْمَنِ فِي ... فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ
مِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إِلَى ... كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفُضَلَا
وَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ ... دَارِ النَّعِيمِ لِأُولِي الْفَلَاحِ
هَذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ ... قَدْ خُصَّتَا بِهِ بِلَا نُكْرَانِ
وَثَالِثًا يَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ ... مَاتُوا عَلَى دِينِ الْهُدَى الْإِسْلَامِ
وَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الْآثَامِ ... فَأُدْخِلُوا النَّارَ بِذَا الْإِجْرَامِ
أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى الْجِنَانِ ... بِفَضْلِ رَبِّ الْعَرْضِ ذِي الْإِحْسَانِ
وَبَعْدَهُ يَشْفَعُ كُلُّ مُرْسَلِ ... وَكُلُّ عَبْدٍ ذِي صَلَاحٍ وَوَلِي
وَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النِّيرَانِ ... جَمِيعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ
فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ يُطْرَحُونَا ... فَحْمًا فَيَحْيَوْنَ وَيَنْبِتُونَا
كَأَنَّمَا يَنْبُتُ فِي هَيْئَاتِهِ ... حَبُّ حَمِيلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ
وَالسَّادِسُ الْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ ... فَأَيْقِنَنْ بِهَا وَلَا تُمَارِ١
فَكُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرْ ... وَالْكُلُّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ مُسْتَطَرْ
لَا نَوْءَ لَا عَدْوَى لا طِيَرَ وَلَا ... عَمَّا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى حِوَلَا
لَا غَوْلَ لَا هَامَةَ لَا وَلَا صَفَرْ ... كَمَا بِذَا أَخْبَرَ٢ سَيِّدُ الْبَشَرْ
стр. 38
وَثَالِثٌ مَرْتَبَةُ الْإِحْسَانِ ... وَتِلْكَ أَعْلَاهَا لَدَى الرَّحْمَنِ
وَهْوَ١ رُسُوخُ الْقَلْبِ فِي الْعِرْفَانِ ... حَتَّى يَكُونَ٢ الْغَيْبُ كَالْعِيَانِ
فصل: فِي كَوْنِ الْإِيمَانِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ وَأَنَّ فَاسِقَ أَهْلِ الْمِلَّةِ لَا يَكْفُرُ بِذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ إِلَّا إِذَا اسْتَحَلَّهُ وأنه تحت المشيءة، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ
إِيمَانُنَا يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ ... وَنَقْصُهُ يَكُونُ بِالزَّلَّاتِ٣
وَأَهْلُهُ فِيهِ عَلَى تَفَاضُلِ ... هَلْ أَنْتَ كَالْأَمْلَاكِ أَوْ كَالرُّسُلِ
وَالْفَاسِقُ الْمِلِّيُّ ذُو الْعِصْيَانِ ... لَمْ يُنْفَ عَنْهُ مُطْلَقُ الْإِيمَانِ
لَكِنْ بِقَدْرِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي ... إِيمَانُهُ مَا زَالَ فِي انْتِقَاصِ
وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ فِي النَّارِ ... مُخَلَّدٌ، بَلْ أَمْرُهُ للباري
تحت مشيءة الْإِلَهِ النَّافِذَهْ ... إِنْ شَا عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَا آخَذَهْ
بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَإِلَى٤ الْجِنَانِ ... يُخْرَجُ إِنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ
وَالْعَرْضُ تَيْسِيرُ الْحِسَابِ فِي النَّبَا ... وَمَنْ يُنَاقَشِ الْحِسَابَ عُذِّبَا
وَلَا نُكَفِّرْ بِالْمَعَاصِي مُؤْمِنَا ... إِلَا مَعَ اسْتِحْلَالِهِ لِمَا جَنَى
وَتُقْبَلُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْغَرْغَرَهْ ... كَمَا أَتَى فِي الشِّرْعَةِ الْمُطَهَّرَهْ
أَمَّا مَتَى تُغْلَقُ عَنْ طَالِبِهَا؟ ... فَبِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا٥
стр. 39
فصل:
فِي مَعْرِفَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَبْلِيغِهِ الرِّسَالَةَ
وَإِكْمَالِ اللَّهِ لَنَا بِهِ الدِّينَ، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ
وَأَنَّ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ
نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ مِنْ هَاشِمٍ ... إِلَى الذَّبِيحِ دُونَ شَكٍّ يَنْتَمِي
أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا مُرْشِدَا ... وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدَى١
مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ الْمُطَهَّرَهْ ... هِجْرَتُهُ لِطَيْبَةَ الْمُنَوَّرَهْ
بَعْدَ أَرْبَعِينَ بَدَأَ الْوَحْيُ بِهِ ... ثُمَّ دَعَا إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ
عَشْرَ سِنِينَ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ... رَبًّا تَعَالَى شَأْنُهُ وَوَحِّدُوا
وَكَانَ قَبْلَ ذَاكَ فِي غَارِ حِرَا ... يَخْلُو بِذِكْرِ رَبِّهِ عَنِ الْوَرَى
وَبَعْدَ خَمْسِينَ مِنَ الْأَعْوَامِ ... مَضَتْ لِعُمْرِ سَيِّدِ الْأَنَامِ
أَسْرَى بِهِ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الظُّلَمْ ... وَفَرَضَ الْخَمْسَ عَلَيْهِ وَحَتَمْ
وَبَعْدَ أَعْوَامٍ ثَلَاثَةٍ مَضَتْ ... مِنْ بَعْدِ مِعْرَاجِ النَّبِيِّ وَانْقَضَتْ
أُوذِنَ بِالْهِجْرَةِ نَحْوَ يَثْرِبَا ... مَعَ كُلِّ مُسْلِمٍ لَهُ قَدْ صَحِبَا
وَبَعْدَهَا كُلِّفَ بِالْقِتَالِ ... لِشِيعَةِ الْكُفْرَانِ وَالضَّلَالِ
حَتَّى أَتَوْا لِلدِّينِ مُنْقَادِينَا ... وَدَخَلُوا فِي السِّلْمِ مُذْعِنِينَا
وَبَعْدَ أَنْ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَهْ ... وَاسْتَنْقَذَ الْخَلْقَ مِنَ الْجَهَالَهْ
وَأَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ٢ الْإِسْلَامَا ... وَقَامَ دِينُ الْحَقِّ وَاسْتَقَامَا
قَبَضَهُ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى ... سُبْحَانَهُ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى
نَشْهَدُ بِالْحَقِّ بِلَا ارْتِيَابِ ... بِأَنَّهُ الْمُرْسَلُ بِالْكِتَابِ
стр. 40
وَأَنَّهُ بَلَّغَ مَا قَدْ أُرْسِلَا ... بِهِ وَكُلُّ مَا إِلَيْهِ أُنْزِلَا
وَكُلُّ مَنْ مِنْ بَعْدِهِ قَدِ ادَّعَى ... نُبُوَّةً فَكَاذِبٌ فِيمَا ادَّعَى
فَهْوَ خِتَامُ الرُّسْلِ بِاتِّفَاقِ ... وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
فصل: فِيمَنْ هُوَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ وَذِكْرِ الصَّحَابَةِ بِمَحَاسِنِهِمْ، وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
وَبَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ الشَّفِيقُ ... نِعْمَ نَقِيبُ الْأُمَّةِ الصِّدِّيقُ
ذَاكَ رَفِيقُ الْمُصْطَفَى فِي الْغَارِ ... شَيْخُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
وَهْوَ الَّذِي بِنَفْسِهِ تَوَلَّى ... جِهَادَ١ مَنْ عَنِ الْهُدَى تَوَلَّى
ثَانِيهِ فِي الْفَضْلِ بِلَا ارْتِيَابِ ... الصَّادِعُ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ
أَعْنِي بِهِ الشَّهْمَ أَبَا حَفْصٍ عُمَرْ ... مَنْ ظَاهَرَ الدِّينَ الْقَوِيمَ وَنَصَرْ
الصَّارِمُ الْمُنْكِي عَلَى الْكُفَّارِ ... وَمُوسِعُ الْفُتُوحِ فِي الْأَمْصَارِ٢
ثَالِثُهُمْ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ ... ذُو الْحِلْمِ وَالْحَيَا بِغَيْرِ مَيْنِ
بَحْرُ الْعُلُومِ جَامِعُ الْقُرْآنِ ... مِنْهُ اسْتَحَتْ مَلَائِكُ الرَّحْمَنِ
بَايَعَ عَنْهُ سَيِّدُ الْأَكْوَانِ ... بِكَفِّهِ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ
وَالرَّابِعُ ابْنُ عَمِّ خَيْرِ الرُّسُلِ ... أَعْنِي الْإِمَامَ الْحَقَّ ذَا الْقَدْرِ الْعَلِي
مُبِيدُ كُلِّ خَارِجِيٍّ مَارِقِ ... وَكُلِّ خِبٍّ رَافِضِيٍّ فَاسِقِ
مَنْ كَانَ لِلرَّسُولِ٣ فِي مَكَانِ ... هَارُونَ مِنْ مُوسَى بِلَا نُكْرَانِ
لَا فِي٤ نُبُوَّةٍ، فَقَدْ قَدَّمْتُ مَا ... يَكْفِي لِمَنْ مِنْ سُوءِ ظَنٍّ سَلِمَا
стр. 41
فَالسِّتَّةُ الْمُكَمِّلُونَ الْعَشَرَهْ ... وَسَائِرُ الصَّحْبِ الْكِرَامِ الْبَرَرَهْ
وَأَهْلُ بَيْتِ الْمُصْطَفَى الْأَطْهَارُ ... وَتَابِعُوهُ السَّادَةُ الْأَخْيَارُ
فَكُلُّهُمْ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ ... أَثْنَى عَلَيْهِمْ خَالِقُ الْأَكْوَانِ
فِي الْفَتْحِ وَالْحَدِيدِ وَالْقِتَالِ ... وَغَيْرِهَا بِأَكْمَلِ الْخِصَالِ
كَذَاكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ... صِفَاتُهُمْ مَعْلُومَةُ التَّفْصِيلِ
وَذِكْرُهُمْ فِي سُنَّةِ الْمُخْتَارِ ... قَدْ سَارَ سَيْرَ الشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ
ثُمَّ السُّكُوتُ وَاجِبٌ عَمَّا جَرَى ... بَيْنَهُمُ مِنْ فِعْلِ مَا قَدْ قُدِّرَا
فَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ مُثَابُ ... وَخِطْؤُهُمْ يَغْفِرُهُ الْوَهَّابُ
خَاتِمَةٌ:
فِي وُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَالرُّجُوعِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إِلَيْهِمَا, فَمَا خَالَفَهُمَا فَهُوَ رَدٌّ
شَرْطُ قُبُولِ السَّعْيِ أَنْ يَجْتَمِعَا ... فِيهِ إِصَابَةٌ وَإِخْلَاصٌ مَعَا
لِلَّهِ١ رَبِّ الْعَرْشِ لَا سِوَاهُ ... مُوَافِقَ الشَّرْعِ الَّذِي ارْتَضَاهُ
وَكُلُّ مَا خَالَفَ لِلْوَحْيَيْنِ ... فَإِنَّهُ رَدٌّ بِغَيْرِ مَيْنِ
وَكُلُّ مَا فِيهِ الْخِلَافُ٢ نُصِبَا ... فَرَدُّهُ إِلَيْهِمَا قَدْ وَجَبَا
فَالدِّينُ إِنَّمَا أَتَى بِالنَّقْلِ ... لَيْسَ بِالْأَوْهَامِ وَحَدْسِ الْعَقْلِ
ثُمَّ إِلَى هُنَا قد انتهيت ... وتما مَا بِجَمْعِهِ عُنِيتُ
سَمَّيْتُهُ بِسُلَّمِ الْوُصُولِ ... إِلَى سَمَا مَبَاحِثِ الْأُصُولِ
стр. 42
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَائِي ... كَمَا حَمِدْتُ اللَّهَ فِي ابْتِدَائِي
أَسْأَلُهُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ ... جَمِيعِهَا وَالسِّتْرَ لِلْعُيُوبِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبَدَا ... تَغْشَى الرَّسُولَ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدَا
ثُمَّ جَمِيعَ صَحْبِهِ وَالْآلِ ... السَّادَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَبْدَالِ
تَدُومُ سَرْمَدًا بِلَا نَفَادِ ... مَا جَرَتِ الْأَقْلَامُ بِالْمِدَادِ
ثُمَّ الدُّعَا وَصِيَّةُ الْقُرَّاءِ ... جَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَا اسْتِثْنَاءِ
أَبْيَاتُهَا "يُسْرٌ" بِعَدِّ الْجُمَلِ١ ... تَأْرِيخُهَا "الْغُفْرَانُ" فَافْهَمْ٢ وادع لي
٢٧٠ ١٣٦٢هـ
стр. 43
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة "المصنف":
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ وَلِذَا قَضَى أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي اسْتَوَى فِي عِلْمِهِ مَا أَسَرَّ الْعَبْدُ وَمَا أَظْهَرَ، الَّذِي عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذرة في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا. كَيْفَ لَا وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ وَقَدَّرَ، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا الَّذِي كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ كَمَا كَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى عَرْشِهِ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ وَبِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ بَيْنَهُمْ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْمَلِكُ الْحَقُّ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا مُعِينَ، الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِعْزَازِ وَالْإِذْلَالِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُضَادَّ لِأَمْرِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ، له ملك السموات وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
стр. 44
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. الْقُدُّوسُ الَّذِي اتَّصَفَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَتَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمُحَالٍ، وَتَعَالَى عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَمْثَالِ، حَرَامٌ عَلَى الْعُقُولِ أَنْ تَصِفَهُ وَعَلَى الْأَوْهَامِ أَنْ تُكَيِّفَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَوَقَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابَ الْهَاوِيَةِ، وَآتَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَسَيُحِلُّهُمْ دَارَ الْمُقَامَةِ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، الْمُهَيْمِنُ الَّذِي شَهِدَ عَلَى الْخَلْقِ بِأَعْمَالِهِمْ وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. الْعَزِيزُ الَّذِي لَا مُغَالِبَ لَهُ وَلَا مَرَامَ لِجَنَابِهِ، الْجَبَّارُ الَّذِي لَهُ مُطْلَقُ الْجَبَرُوتِ وَالْعَظَمَةِ وَهُوَ الَّذِي يَجْبُرُ كُلَّ كَسِيرٍ مِمَّا بِهِ، الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْكِبْرِيَاءُ إِلَّا لَهُ وَلَا يَلِيقُ إِلَّا بِجَنَابِهِ، الْعَظَمَةُ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ نَازَعَهُ صِفَةً مِنْهَا أَحَلَّ بِهِ الْغَضَبَ وَالْمَقْتَ وَالتَّدْمِيرَ. الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لِمَا شَاءَ إِذَا شَاءَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصْوِيرِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بصير، خلق السموات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، ما خلقكم وما بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الْغَفَّارُ الَّذِي لَوْ أَتَاهُ الْعَبْدُ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا لَأَتَاهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، الْقَهَّارُ الَّذِي قَصَمَ بِسُلْطَانِ قَهْرِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وَقَهَرَهُ، الْوَهَّابُ الَّذِي كُلُّ مَوْهُوبٍ وَصَلَ إِلَى خَلْقِهِ فَمِنْ فَيْضِ بِحَارِ جُودِهِ وَفَضْلِهِ وَنَعْمَائِهِ الزَّاخِرَةِ، الرَّزَّاقُ الَّذِي لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ وَلَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ منذ خلق السموات وَالْأَرْضَ مَاذَا نَقَصَ مِنْ فَضْلِهِ الْغَزِيرِ. يَرْزُقُ كُلَّ ذِي قُوتٍ قُوتَهُ ثُمَّ يُدَبِّرُ ذَلِكَ الْقُوتَ فِي الْأَعْضَاءِ بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيرًا مُتْقَنًا مُحْكَمًا، يَرْزُقُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَأَهْلًا وَخَدَمًا، وَلَا يَرْزُقُ الْآخِرَةَ إِلَّا أَهْلَ تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، قَضَى ذَلِكَ قَضَاءً حَتْمًا مُبْرَمًا، وَأَشْرَفُ الْأَرْزَاقِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَا رَزَقَهُ عَبْدَهُ عَلَى أَيْدِي رُسُلِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْحِكْمَةِ وَتَبْيِينِ الْهُدَى الْمُسْتَنِيرِ. الْفَتَّاحُ الَّذِي يَفْتَحُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَمِيمِ، يَفْتَحُ عَلَى هَذَا مَالًا وَعَلَى هَذَا مُلْكًا وَعَلَى هَذَا عِلْمًا وَحِكْمَةً، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْعَلِيمُ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ مَاضٍ وَآتٍ ظَاهِرٍ وَكَامِنٍ
стр. 45
وَمُتَحَرِّكٍ وَسَاكِنٍ وَجَلِيلٍ وَحَقِيرٍ. عَلِمَ بِسَابِقِ عِلْمِهِ عَدَدَ أَنْفَاسِ خَلْقِهِ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ وَأَعْمَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَآجَالَهُمْ وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. مَا مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَيَعْلَمُ مَا فِي وَعْرِهِ، وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَيَدْرِي مَا فِي قَعْرِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. الْقَابِضُ الْبَاسِطُ فَيَقْبِضُ عَمَّنْ يَشَاءُ رِزْقَهُ فَيَقْدِرُهُ عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَهُ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ فِي أَعْمَالِ عِبَادِهِ وَقُلُوبِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ، إِذْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ وَالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَأَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ وَالتَّدْبِيرِ. الْخَافِضُ الرَّافِعُ، الضَّارُّ النَّافِعُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ فَلَا رَافِعَ لِمَنْ خَفَضَ وَلَا خَافِضَ لِمَنْ رَفَعَهُ وَلَا نَافِعَ لِمَنْ ضَرَّ وَلَا ضَارَّ لِمَنْ نَفَعَهُ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِيَ لِمَنْ هُوَ مَانِعٌ، فَلَوِ اجتمع أهل السموات السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا عَلَى خَفْضِ مَنْ هُوَ رَافِعُهُ أَوْ ضُرِّ مَنْ هُوَ نَافِعُهُ أَوْ إِعْطَاءِ مَنْ هُوَ مَانِعُهُ لَمْ يَكُ ذَلِكَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ بِوَاقِعٍ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ الَّذِي أَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ الْمُبِينِ وَبَرَاهِينِهِ الْقَوِيمَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ، وَأَذَلَّ أَعْدَاءَهُ فِي الدَّارَيْنِ وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَةَ فَمَا لِمَنْ وَالَاهُ وَأَعَزَّهُ مِنْ مُذِلٍّ وَمَا لِمَنْ عَادَاهُ وَأَذَلَّهُ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَا كَسَمْعِ وَلَا بَصَرِ أَحَدٍ مِنَ الْوَرَى، الْقَائِلُ لِمُوسَى وَهَارُونَ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَمَنْ نَفَى عَنِ اللَّهِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ شَبَّهَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. الْحَكَمُ الْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ وَأَحْكَامِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. فَلَا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ وَلَا يَجُورُ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. الَّذِي حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا وَوَعَدَ الظَّالِمِينَ الْوَعِيدَ الْأَكِيدَ، وَفِي الْحَدِيثِ "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ١
стр. 46
وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، وَهُوَ الَّذِي يَضَعُ الْمُوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا بَلْ يُحْصِي عَلَيْهِمُ الْخَرْدَلَةَ والذرة والفتيل والقمطير. اللَّطِيفُ بِعِبَادِهِ مُعَافَاةً وَإِعَانَةً وَعَفْوًا وَرَحْمَةً وَفَضْلًا وَإِحْسَانًا، وَمِنْ مَعَانِي لُطْفِهِ إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ حَيْثُ أَحَاطَ بِهَا خِبْرَةً تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا وَسِرًّا وَإِعْلَانًا، الْخَبِيرُ بِأَحْوَالِ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مَاذَا عَمِلُوا وَكَيْفَ عَمِلُوا وَأَيْنَ عَمِلُوا وَمَتَى عَمِلُوا حَقِيقَةً وَكَيْفِيَّةً وَمَكَانًا وَزَمَانًا، إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو في السموات أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ بِالْعِقَابِ، بَلْ يُعَافِيهِمْ وَيُمْهِلُهُمْ لِيَتُوبُوا فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الْعَظِيمُ. الَّذِي اتَّصَفَ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التَّعْظِيمَ وَهَلْ تَنْبَغِي الْعَظَمَةُ إِلَّا لِرَبِّ الْأَرْبَابِ، خَضَعَتْ لِعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ جَمِيعُ الْعُظَمَاءِ، وَذَلَّ لِعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ كُلُّ كَبِيرٍ. الْغَفُورُ الشَّكُورُ الَّذِي يَغْفِرُ الْكَثِيرَ مِنَ الزَّلَلِ، وَيَقْبَلُ الْيَسِيرَ مِنْ صَالِحِ الْعَمَلِ، فَيُضَاعِفُهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ الْجَلَلَ، وَكُلُّ هَذَا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، أَمَّا الشِّرْكُ فَلَا يَغْفِرُهُ وَلَا يَقْبَلُ مَعَهُ مِنَ الْعَمَلِ مِنْ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. الْعَلِيُّ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ كُلُّ مَعَانِي الْعُلُوِّ، عُلُوِّ الشَّأْنِ وَعُلُوِّ الْقَهْرِ وَعُلُوِّ الذَّاتِ، الَّذِي اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَعَلَا عَلَى خَلْقِهِ بَائِنًا مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ١، وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَهُمْ وَلَا نَكِيرٍ. الْكَبِيرُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يوم القيامة والسموات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ نَصًّا بَيِّنًا مُحْكَمًا، الْحَفِيظُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، الَّذِي وسع كرسيه السموات وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا، حَفِظَ أَوْلِيَاءَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَنَجَّاهُمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ خَطِيرٍ. الْمُغِيثُ لِجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ فَمَا اسْتَغَاثَهُ
стр. 47
مَلْهُوفٌ إِلَّا نَجَّاهُ، الْحَسِيبُ الْوَكِيلُ الَّذِي مَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ مُخْلِصٌ إِلَّا كَفَاهُ، وَلَا اعْتَصَمَ بِهِ مُؤْمِنٌ إِلَّا حَفِظَهُ وَوَقَاهُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. الْجَلِيلُ الَّذِي جَلَّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَاتَّصَفَ بِكُلِّ كَمَالٍ وَجَلَالٍ، الْجَمِيلُ الَّذِي لَهُ مُطْلَقُ الْجَمَالِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ، الْكَرِيمُ الَّذِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ وَإِنْسَهُمْ وَجِنَّهُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ إِلَّا كَمَا يُنْقِصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ١، كَمَا رَوَى عَنْهُ نَبِيُّهُ الْمُصْطَفَى الْمِفْضَالُ، وَمِنْ كَرَمِهِ أَنْ يُقَابِلَ الْإِسَاءَةَ بِالْإِحْسَانِ وَالذَّنْبَ بِالْغُفْرَانِ وَيَقْبَلَ التَّوْبَةَ وَيَعْفُوَ عَنِ التَّقْصِيرِ. الرَّقِيبُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَعْمَالِهِمُ، الْعَلِيمُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمُ، الْكَفِيلُ بِأَرْزَاقِهِمْ وَآجَالِهِمْ وَإِنْشَائِهِمْ وَمَآلِهِمُ، الْمُجِيبُ لِدُعَائِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. الْوَاسِعُ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ خَلْقَهُ بِرِزْقِهِ وَنِعْمَتِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ كَرَمًا وَحِلْمًا، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. الْحَكِيمُ فِي خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ إِحْكَامًا وَإِتْقَانًا، وَالْحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ عَدْلًا وَإِحْسَانًا، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَمَنْ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةً وَأَوْضَحُ دَلِيلًا وَأَقْوَمُ بُرْهَانًا. فَهُوَ الْعَدْلُ وَحُكْمُهُ عَدْلٌ وَشَرْعُهُ عَدْلٌ وَقَضَاؤُهُ عَدْلٌ، فَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْوَدُودُ الَّذِي يُحِبُّ أَوْلِيَاءَهُ وَيُحِبُّونَهُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ، الْمُجِيبُ لِدَعْوَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، فَلَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْمَطَالِبُ وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ، فَيَكْشِفُ الْغَمَّ وَيُذْهِبُ الْهَمَّ وَيُفَرِّجُ الْكَرْبَ وَيَسْتُرُ الْعَيْبَ وَهُوَ السِّتِّيرُ. الْمَجِيدُ الَّذِي هُوَ أَهْلُ الثَّنَاءِ كَمَا مَجَّدَ نَفْسَهُ وَهُوَ الْمُمَجَّدُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَلْسُنِ وَتَبَايُنِ اللُّغَاتِ بِأَنْوَاعِ التَّمْجِيدِ، الْبَاعِثُ الَّذِي بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، الشَّهِيدُ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ كُلِّ شَيْءٍ شَهَادَةً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، هُوَ الْحَقُّ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الَّذِي لَمْ
стр. 48
يَقُمْ لِقُوَّتِهِ شَيْءٌ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمِحَالِ, الْوَلِيُّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَا غَالِبَ لِمَنْ تَوَلَّاهُ وَإِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ الْحَمِيدُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَحَامِدِ وَهَلْ يَثْبُتُ الْحَمْدُ إِلَّا لِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ, فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ وَكَيْفَ يُحْصِي الْعَبْدُ الضَّعِيفُ ثَنَاءً عَلَى الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. الْمُحْصِي الَّذِي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢١] الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الَّذِي قَالَ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٧٢] وَأَنَّى يُعْجِزُهُ إِعَادَتُهُ وَقَدْ خَلَقَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا كُلٌّ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُقِرُّ بِهِ بِلَا نَكِيرٍ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الَّذِي انْفَرَدَ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى إِمَاتَةِ نَفْسٍ هُوَ مُحْيِيهَا أَوْ إِحْيَاءِ نَفْسٍ هُوَ مُمِيتُهَا لَمْ يَكُ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَهَلْ يَقْدِرُ الْمَخْلُوقُ الضَّعِيفُ عَلَى دَفْعِ إِرَادَةِ الْخَالِقِ الْعَلَّامِ. الْحَيُّ الدَّائِمُ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوتُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ زَائِلٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٧٠] الْقَيُّومُ الَّذِي قَامَ بِنَفْسِهِ وَلَا قِوَامَ لِخَلْقِهِ إِلَّا بِهِ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ لَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ وَلَا شَبِيهَ وَلَا كُفُؤَ وَلَا عَدِيلَ. الصَّمَدُ الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ فِي حَوَائِجِهِمْ وَمَسَائِلِهِمْ فَهُوَ الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ فِي الرَّغَائِبِ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ فَإِلَيْهِ مُنْتَهَى الطَّلَبَاتِ وَمِنْهُ يُسْأَلُ قَضَاءُ الْحَاجَاتِ وَهُوَ الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ الْآفَاتُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظْمَتِهِ وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ وَالْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَا تَنْبَغِي هَذِهِ الصِّفَاتُ لِغَيْرِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الَّذِي إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شيء في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ بِقُدْرَتِهِ الشَّامِلَةِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ عَلَى وَفْقِ مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَمَّتْ بِهِ كَلِمَتُهُ بِلَا تَبْدِيلٍ وَلَا
стр. 49
تَغْيِيرٍ. الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَالْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ وَالظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وَالْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ١، هَكَذَا فَسَّرَهُ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ الْوَالِي فَلَا مُنَازِعَ لَهُ وَلَا مُضَادَّ. الْمُتَعَالِي عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالنُّظَرَاءِ وَالْأَنْدَادِ الْبَرُّ وَصْفًا وَفِعْلًا وَمِنْ بِرِّهِ الْمَنُّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِإِنْجَائِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ كَمَا وَعَدَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. التَّوَّابُ الَّذِي يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ التَّوْبَةَ فَيَتُوبُ عَلَيْهِ وَيُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. الْمُنْتَقِمُ الَّذِي لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْعِقَابِ وَالْبَطْشِ وَالِانْتِقَامِ. الْعَفُوُّ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ الرَّءُوفُ بِالْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنْ نَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنِ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَعَ كَوْنِ الْجَمِيعِ مِلْكَهُ وَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهُمُ التَّوْبَةَ قَبْلَ الْحِمَامِ٢، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ من يشاء. ذي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ وَالْبَقَاءِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. الْمُقْسِطُ الَّذِي أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ الْجَامِعُ لِشَتَاتِ الْأُمُورِ وَهُوَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تَزِيدُ فِي مِلْكِهِ طَاعَةُ الطَّائِعِينَ وَلَا تَنْقُصُهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِينَ مِنَ الْعِبَادِ وَكُلُّ خَلْقِهِ مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ لَا غِنَى بِهِمْ عَنْ بَابِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَهُوَ الْكَفِيلُ بِهِمْ رِعَايَةً وَكِفَايَةً وَهُوَ الْكَرِيمُ الْجَوَادُ وَبِجُودِهِ عَمَّ جَمِيعَ الْأَنَامِ مِنْ طَائِعٍ وَعَاصٍ وَقَوِيٍّ وَضَعِيفٍ وَشَكُورٍ وَكَفُورٍ وَمَأْمُورٍ وأمير نور السموات وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَوَصَفَهُ بِهِ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَحَبِيبُهُ وَمُصْطَفَاهُ وَقَالَ ﷺ مُسْتَعِيذًا بِهِ: "أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي
стр. 50
أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلَّ بِي غَضَبُكَ أَوْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"١.
فَبِصِفَاتِ رَبِّنَا تَعَالَى نُؤْمِنُ وَلِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ نَحْكُمُ وَبِحُكْمِهِمَا نَرْضَى وَنُسَلِّمُ وَإِنْ أَبَى الْمُلْحِدُ إِلَّا جُحُودَ ذَلِكَ وَتَأْوِيلَهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] . الْهَادِي الَّذِي بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ وَالْإِضْلَالُ فَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضَلَّ وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٧] ، ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٩] ، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٠] ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٠] . الْبَدِيعُ الذي أبدع السموات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَبَدِيعِ حِكْمَتِهِ بِلَا مُعِينٍ وَلَا مِثَالٍ الْبَاقِي الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فَلَا ابْتِدَاءَ لِأَوَّلِيَّتِهِ وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ زَوَالٌ الْوَارِثُ الَّذِي يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآلُ فَبِإِيجَادِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ وُجِدَ وَإِلَيْهِ كُلُّ الْأُمُورِ تَصِيرُ. الرَّشِيدُ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فَبِالرَّشَادِ يَأْمُرُ عِبَادَهُ وَإِلَيْهِ يَهْدِيهِمْ, الصَّبُورُ الَّذِي لَا أَحَدَ أَصْبَرُ مِنْهُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ, يَنْسُبُونَ لَهُ الْوَلَدَ وَيَجْحَدُونَ أَنْ يُعِيدَهُمْ وَيُحْيِيَهُمْ. وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ هُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ وَلَا ضُرَّهُ فَيَضُرُّوهُ وَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُ طَاعَتِهِمْ إِلَيْهِمْ وَوَبَالُ عِصْيَانِهِمْ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . [التغابن: ٧] .
أَحْمَدُهُ تَعَالَى عَلَى جَزِيلِ إِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَلِيلِ إِحْسَانِهِ وَنَوَالِهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى
стр. 51
عَدْلِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا, وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ تَعَالَى فِي إِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالْوَزِيرِ وَتَقَدَّسَ فِي أَحَدِيَّتِهِ وَصَمَدِيَّتِهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْوَلِيِّ وَالنَّصِيرِ وَتَنَزَّهَ فِي صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ عَنِ الْكُفُؤِ وَالنَّظِيرِ, وَعَزَّ فِي سُلْطَانِ قَهْرِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَنِ الْمُنَازِعِ وَالْمُغَالِبِ وَالْمُعِينِ وَالْمُشِيرِ وَجَلَّ فِي بَقَائِهِ وَدَيْمُومِيَّتِهِ وَغِنَاهُ وَقَيُّومِيَّتِهِ عَنِ الْمُطْعِمِ وَالْمُجِيرِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ, الْمُرْسَلُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَالْهَدْيِ الْمُنِيرِ, بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْمُهَيْمِنَ وَالنُّورَ الْمُبِينَ وَالْهَدْيَ الْمُسْتَبِينَ وَالْمَنْهَجَ الْمُسْتَنِيرَ. وَالشِّرْكُ مُضْطَرِمَةٌ نَارُهُ طَائِرٌ شَرَارُهُ مُرْتَفِعٌ غُبَارُهُ لَا مُغَيِّرَ لَهُ وَلَا نَكِيرَ, فَقَامَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ حَقَّ الْقِيَامِ وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ حَتَّى جاء الحق ورهق الْبَاطِلُ وَأَدْبَرَ لَيْلُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ وَانْفَجَرَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَنُشِرَتْ أَعْلَامُ التَّوْحِيدِ وَعَلَا بُنْيَانُهُ وَأَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ وَنُكِّسَتْ رَايَةُ الشِّرْكِ وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ وَخَمَدَتْ نَارُهُ وَرُمِيَ بِنَاؤُهُ بِالدَّمْدَمَةِ وَالتَّكْسِيرِ وَالتَّدْمِيرِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ شُمُوسِ الْهِدَايَةِ وَأَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَأَنْصَارِ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَتَابِعِيهِمْ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْرِ: ١٠] وَعَلَى مَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ وَاتَّبَعَ سِيَرَهُمْ وَسَلَكَ صِرَاطَهُمُ الْمُسْتَقِيمَ وَجَعَلَنَا مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِهِمْ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِمْ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَقِفُ مَعَهُمَا وَبِسَيْرِهِمَا نَسِيرُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلْعِبَادِ وَلَا فَلَاحَ وَلَا نَجَاحَ وَلَا حَيَاةَ طَيِّبَةً وَلَا سَعَادَةَ فِي الدَّارَيْنِ وَلَا نَجَاةَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ أَوَّلِ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ وَالْعَمَلِ بِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ لَهُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِهِ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ عَلَيْهِمْ وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْجَنَّةُ
стр. 52
وَالنَّارُ وَبِهِ حَقَّتِ الْحَاقَّةُ وَوَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَفِي شَأْنِهِ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ وَتَتَطَايَرُ الصُّحُفُ وَفِيهِ تَكُونُ الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ تُقَسَّمُ الْأَنْوَارُ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. وَذَلِكَ الْأَمْرُ هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ بِذَلِكَ وَمَعْرِفَةُ مَا يُنَاقِضُهُ أَوْ بَعْضَهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ, وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّشَبُّهِ وَاجْتِنَابُ ذَلِكَ وَالْإِيمَانُ بِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ, وَتَوْحِيدُ الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ بِمُتَابَعَةِ كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْعَمَلِ وَفْقَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ , وَمَعْرِفَةُ مَا يُنَاقِضُهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَيَمِيلُ بِالْعَبْدِ عَنْهَا فَيُجَانِبُهَا كُلَّ الْمُجَانَبَةِ وَيَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَابَهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَقَالَ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٥] . وَقَالَ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣٣] . وَأَرْسَلَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ مُبَلِّغًا وَمُبَيِّنًا لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَيُبَيِّنَهُ لَهُمْ أَتَمَّ الْبَيَانِ وَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فيه يختلفون ويديهم بِهِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يُوسُفَ: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٥-١٦] وَلَا شِفَاءَ لِلْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَلَا حَيَاةَ لَهَا إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَالِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٠-٢٤] الْآيَاتِ،
стр. 53
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٣] وَلَمْ يُنْجِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَذَابِهِ وَلَمْ يَكْتُبْ رَحْمَتَهُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ كِتَابَهُ وَرَسُولَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦-١٥٧] وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] وَلَمْ يَتَوَفَّهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ وَبَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ وَبَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أَوْضَحَ التَّبْيِينِ وَتَرَكَ أُمَّتَهُ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إِلَّا هَالِكٌ وَمَا مِنْ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَرَ لَهُمْ مِنْهُ عِلْمًا, وَهَدَى اللَّهُ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ١ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيِّ بْنِ
стр. 54
كَعْبٍ١. وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا٢. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَا قَامَتِ الْحُجَجُ عَلَيْهِمْ. وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْبَغْيُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ٣. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولًا الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى" ٤. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاتَّخَذَ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالنَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ, وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلَتِ النَّصَارَى الشَّرْقَ وَالْيَهُودُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهَدَى اللَّهُ تَعَالَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْقِبْلَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْكَعُ وَلَا يَسْجُدُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْجُدُ وَلَا يَرْكَعُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَتَكَلَّمُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَمْشِي فَهَدَى اللَّهُ تَعَالَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ ﵊ فَقَالَتِ الْيَهُودُ كَانَ يَهُودِيًّا وَقَالَتِ النَّصَارَى نَصْرَانِيًّا وَجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا, فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِلَى الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى ﵊ فَكَذَّبَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لِأُمِّهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا وَوَلَدًا, وَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ وَكَلِمَتَهُ فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ
стр. 55
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ١، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: عِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَ الِاخْتِلَافِ, أَقَامُوا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فَأَقَامُوا عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَافِ وَكَانُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, شُهَدَاءَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَآلِ فِرْعَوْنَ وَأَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغُوهُمْ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَخْرَجُ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالضَّلَالَاتِ وَالْفِتَنِ٢. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وإسرافيل فاطر السموات وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ٣، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ "اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"٤.
стр. 56
اخْتِلَافُ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ:
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا شَدِيدًا وَافْتَرَقُوا افْتِرَاقًا بَعِيدًا وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ وَاعِظٍ وَأَكْبَرُ زَاجِرٍ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ, وَلَمْ يَقْتَصِرْ سُبْحَانَهُ فِي تَذْكِيرِنَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ بَلْ زَجَرَنَا عَنِ الِاخْتِلَافِ زَجْرًا شَدِيدًا وَتَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ وَعِيدًا أَكِيدًا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥-١٠٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِائْتِلَافِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالِاخْتِلَافِ١. ثُمَّ فَصَّلَ تَعَالَى مَآلَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَيْنَ تُوَصِّلُ أَهْلَهَا كُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٦-١٠٧] وَحَذَّرَنَا عَنْ ذَلِكَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فَقَالَ ﷺ : "أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ, ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ" ٢، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ "هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي" ٣.
وَقَدْ حَصَلَ مِصْدَاقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مِنَ الِافْتِرَاقِ, وَتَفَاقُمِ الْأَمْرِ وَعِظَمِ الشِّقَاقِ فَاشْتَدَّ الِاخْتِلَافُ وَنَجَمَتِ الْبِدَعُ وَالنِّفَاقُ.
فَافْتَرَقُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ إِلَى نُفَاةٍ مُعَطِّلَةٍ وَغُلَاةٍ مُمَثِّلَةٍ.
وَفِي بَابِ الْإِيمَانِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إِلَى مُرْجِئَةٍ وَوَعِيدِيِّةٍ مِنْ خَوَارِجَ وَمُعْتَزِلَةٍ.
وَفِي بَابِ أَفْعَالِ اللَّهِ وَأَقْدَارِهِ إِلَى جَبْرِيَّةٍ غُلَاةٍ وَقَدَرِيَّةٍ نُفَاةٍ.
وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى رَافِضَةٍ غُلَاةٍ وَنَاصِبَةٍ جُفَاةٍ, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ وَطَوَائِفِ الْبِدَعِ وَالِانْتِحَالِ وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ قَدْ تَحَزَّبَتْ فِرَقًا وَتَشَعَّبَتْ طُرُقًا, وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ صَاحِبَتَهَا وَتَزْعُمُ أَنَّهَا هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ الْمَنْصُورَةُ.
стр. 57
الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ:
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ أَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ, وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ, وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ سُنَنِهِ الْمَرْوِيَّةِ وَآثَارِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ وَالْمَحَجَّةُ الْبَيْضَاءُ وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْهَا وَأَنْفَرِهِمْ مِنْهَا, وإنما تصلح هده الصِّفَةُ لِحَمَلَتِهَا وَحُفَّاظِهَا وَنُقَّادِهَا الْمُنْقَادِينَ لَهَا الْمُتَمَسِّكِينَ بِهَا, الذَّابِّينَ عنها يقفون يَقِفُونَ عِنْدَهَا وَيَسِيرُونَ بِسَيْرِهَا, لَا يَنْحَرِفُونَ عَنْهَا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا يُقَدِّمُونَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ مَقَالًا وَلَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ, وَلَا يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ﵎, أَعْنِي بِذَلِكَ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَةَ السُّنَّةِ وَجَيْشَ دَوْلَتِهَا الْمُرَابِطِينَ عَلَى ثُغُورِهَا الْحَافِظِينَ حُدُودَهَا الْحَامِينَ حَوْزَتَهَا وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهَا وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهَا الْقَوِيمِ, وَهَدَاهُمْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, فَآمَنُوا بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي سُنَّتِهِ, وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ إِثْبَاتًا بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ فَهُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَفِي
стр. 58
بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي بَابِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ.
فَهُمْ وَاللَّهِ "أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ" وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ, الَّذِينَ لَمْ تَزَلْ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْحَقِّ مُتَّفِقَةً مُؤْتَلِفَةً, وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ وَعَقَائِدُهُمْ عَلَى الْوَحْيِ لَا مُفْتَرِقَةً وَلَا مُخْتَلِفَةً. فَانْتَدَبُوا لِنُصْرَةِ الدِّينِ دَعْوَةً وَجِهَادًا وَقَاوَمُوا أَعْدَاءَهُ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى, وَلَمْ يَخْشَوْا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَمْ يُبَالُوا بِعَدَاوَةِ مَنْ عَادَى. فَقَهَرُوا الْبِدَعَ الْمُضِلَّةَ وَشَرَّدُوا بِأَهْلِهَا وَاجْتَثُّوا شَجَرَةَ الْإِلْحَادِ بِمَعَاوِلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْلِهَا, فَبَهَتُوهُمْ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الْمَحَافِلِ الْعَدِيدَةِ وَصَنَّفُوا فِي رَدِّ شُبَهِهِمْ وَدَفْعِ بَاطِلِهِمْ وَإِدْحَاضِ حُجَجِهِمُ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ, فَمِنْهُمُ الْمُتَقَصِّي لِلرَّدِّ عَلَى الطَّوَائِفِ بِأَسْرِهَا وَمِنْهُمُ الْمُخَلِّصُ لِعَقَائِدِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهَا, وَلَمْ تَنْجُمْ بِدْعَةٌ مِنَ الْمُضِلِّينَ الْمُلْحِدِينَ إِلَّا وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهَا جَيْشًا مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ, فَحَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ دِينَهُ عَلَى الْعِبَادِ, وَأَخْرَجَهُمْ بِهِمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَةِ إِلَى نُورِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ, وَذَلِكَ مِصْدَاقُ وَعْدِ اللَّهِ بِحِفْظِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ, كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] وإعلاء لكلمته وتأييدا لِحِزْبِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٧٣] .
стр. 59
سَبَبُ نَظْمِ الْمَتْنِ وَتَأْلِيفِ الشَّرْحِ
وَقَدْ سَأَلَنِي مَنْ لَا تَسَعُنِي مُخَالَفَتُهُ مِنَ الْمُحِبِّينَ١، أَنْ أَنْظِمَ مُخْتَصَرًا يَسْهُلُ حِفْظُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ وَيَقْرُبُ مَنَالُهُ لِلرَّاغِبِينَ, ويفصح عَنْ عَقِيدَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَيُبِينُ. فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ رَاجِيًا الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ, قَائِلًا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَضَمَمْتُ إِلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ نَافِعَةً تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْعُصُورِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا افْتَتَنَ بِهِ الْعَامَّةُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْقُبُورِ, وَمُنَاقَضَتِهِمُ التَّوْحِيدَ بِالشِّرْكِ الَّذِي هُوَ
стр. 60
أَقْبَحُ الْمَحْظُورِ وَصَرْفِ جُلِّ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْمَحَبَّةِ وَالذَّبْحِ وَالنُّذُورِ, فَيَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَإِفْضَالِهِ, وَأَعَانَنِي وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ عَلَى إِكْمَالِهِ.
وَسَمَّيْتُهُ "سُلَّمَ الْوُصُولِ، إِلَى مَبَاحِثِ عِلْمِ الْأُصُولِ" فَلَمَّا انْتَشَرَ بِأَيْدِي الطُّلَّابِ, وَعَظُمَتْ فِيهِ رَغْبَةُ الْأَحْبَابِ سُئِلَ مِنِّي أن أعلق عليه تَعْلِيقًا لَطِيفًا, يَحِلُّ مُشْكِلَهُ وَيُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ, مُقْتَصِرًا عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَمَدْلُولِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ, فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَاسْتَقْدَرْتُهُ بِقُدْرَتِهِ, فَعَنَّ لِي أَنْ أَعْزِمَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَسْئُولِ مُسْتَمِدًّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِعَانَةَ عَلَى نَيْلِ السُّولِ وَسَمَّيْتُهُ "مَعَارِجَ الْقَبُولِ، بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ". وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعِينَ عَلَى إِكْمَالِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ, وَأَنْ يَنْفَعَنِي وَطُلَّابَ الْعِلْمِ بِهِ وَبِأَصْلِهِ, وَأَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَيَجْعَلَنَا مِنْ أَنْصَارِ التَّوْحِيدِ وَأَهْلِهِ, إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ, وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
стр. 61
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خلاصة القول في تفسير البسملة:
شَرْحُ مُقَدِّمَةِ الْمَنْظُومَةِ:
أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ مُسْتَعِينًا ... رَاضٍ بِهِ مُدَبِّرًا مُعِينًا
"أَبْدَأُ" فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِي وَسَكَنَاتِي وَأَقْوَالِي وَأَعْمَالِي وَفِي شَأْنِي كُلِّهِ وَمِنْهُ هَذَا التَّصْنِيفُ "بَاسْمِ اللَّهِ" مُتَبَرِّكًا وَ"مُسْتَعِينًا" بِهِ أَوْ إِيَّاهُ بِالْبَاءِ وَبِدُونِهِ أَيْ: طَالِبًا مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى فِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ, كَمَا قَالَ تَعَالَى مُعَلِّمًا لَنَا فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ" ١ وَهُوَ خِطَابٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ, وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ نَهْيٌ لَنَا عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا خَالِقَ لِلْعِبَادِ وَأَفْعَالِهِمْ غَيْرُهُ تَعَالَى, فَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إِلَّا بِمَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُطْلَبَ الْإِعَانَةُ مِنْهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَالْعَاقِلُ يَفْهَمُ ذَلِكَ بَادِئَ بَدْءٍ.
стр. 62
خُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ الْبَسْمَلَةِ:
وَالْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الْبَسْمَلَةِ مُسْتَوْفًى فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ, وَلْنَذْكُرْ خُلَاصَةَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا وَمَعْنَاهَا فِي الْبَسْمَلَةِ الِاسْتِعَانَةُ وَتَطْوِيلُهَا فِي الْقُرْآنِ تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَإِسْقَاطُ الْأَلْفِ مِنْ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا, وَقِيلَ لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَهَا عَلَى الْبَاءِ لِيَدُلَّ عَلَى السُّقُوطِ, وَلِذَلِكَ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلْفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الْعَلَقِ: ١] رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى هَيْئَتِهَا. وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ فَإِنَّكَ تَقُولُ: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ فَتَدْعُوهُ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّى بِهَا نَفْسَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] ، وَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ غَيْرَهُ لَكَانَ الدَّاعِي بِهَا مُشْرِكًا إِذْ دَعَا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ وَلَكَانَتْ مَخْلُوقَةً إِذْ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ, وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَاوَلَهُ الْمُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ, تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ.
"اللَّهِ" عَلَمٌ عَلَى ذَاتِهِ ﵎ وَكُلُّ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى تُضَافُ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ الرَّحْمَنُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحِيمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَا تَقُولُ اللَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّحْمَنِ, وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ١. وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُشْتَقًّا أَوْ لَا, ذَهَبَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالشَّافِعِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى عَدَمِ اشْتِقَاقِهِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِ لَازِمَةٌ فَتَقُولُ يَا اللَّهُ وَلَا تَقُولُ يَا الرَّحْمَنُ, فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ لَمَا جَازَ إِدْخَالُ حَرْفِ النِّدَاءِ
стр. 63
عَلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ, وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ. وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ إِلَى أَقْوَالٍ أَقْوَاهَا أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَاهَةً, فَأَصْلُ الِاسْمِ الْإِلَهُ. فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ وَأُدْغِمَتِ اللَّامُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ وُجُوبًا فَقِيلَ: اللَّهُ, وَمِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣] مَعَ قَوْلِهِ : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٤] وَمَعْنَاهُ ذُو الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ وَمَعْنَى أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً عَبَدَ يَعْبَدُ عِبَادَةً فَاللَّهُ الْمَأْلُوهُ أَيِ: الْمَعْبُودُ. وَلِهَذَا الِاسْمِ خَصَائِصُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ , وَقِيلَ: إِنَّهُ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ١.
"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ, وَرَحْمَنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ رَحِيمٍ, فَالرَّحْمَنُ يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٧] ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ الْعَزْرَمِيِّ بِمَعْنَاهُ٢. وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ "رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا"٣،
стр. 64
وَالظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ اسْمَهُ الرَّحْمَنَ يَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ مِنْ حَيْثُ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ, وَاسْمَهُ الرَّحِيمَ يَدُلُّ الصِّفَةِ الْفِعْلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إِيصَالِهِ الرَّحْمَةَ إِلَى الْمَرْحُومِ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٧] وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ إِنَّهُ بِهِمْ رَحْمَنٌ, وَوَصَفَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأَنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وَلَمْ يَصِفْ قَطُّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ أَنَّهُ رَحْمَنٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
"رَاضٍ" خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَأَنَا رَاضٍ "بِهِ" أَيْ: بِاللَّهِ "مُدَبِّرًا" حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ أَيْ: بِتَدْبِيرِهِ لِي فِي جَمِيعِ شُئُونِي فَإِنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِهِ وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُ وَيُقَدِّرُ مَا لَا نُقَدِّرُ, وَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] .
وَ"مُعِينًا" لِي عَلَى جَمِيعِ أُمُورِي الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا أَقْدَرَنِي عَلَيْهِ وَلَا عِلْمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمَنِيهِ فَلَا أَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ وَلَا أَسْتَعِينُ إِلَّا بِهِ وَلَا أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ.
стр. 65
الْقَوْلُ فِي حَمْدِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ:
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا هَدَانَا ... إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَاجْتَبَانَا
أَيْ: "وَ" أُثْنِي بِحَمْدِهِ فَأَقُولُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ" كَمَا أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَأَمَرَ بِذَلِكَ عِبَادَهُ فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ خِطَابًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٩٥] فَلَهُ الْحَمْدُ كَالَّذِي يَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ, فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ, وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ, وَعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ﵁ قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي ﵎, فَقَالَ ﷺ : "أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ
стр. 66
الْحَمْدَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ١, وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ ﵁ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزَادَكَ"٢ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" ٣, رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ, وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ, وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أُعْطِيَ -يَعْنِي مِنْ هِدَايَتِهِ لِلْحَمْدِ- أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ" ٤ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ, وَلِلْقُرْطُبِيِّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَانَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"٥, قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْ: لَكَانَ إِلْهَامُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَكْثَرَ نِعْمَةً عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا لِأَنَّ ثَوَابَ الْحَمْدِ لَا يَفْنَى وَنَعِيمَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾
стр. 67
[الْكَهْفِ: ٦٤] ١ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ أَحَبَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَرَضِيَهَا لِنَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ٢. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ شَكَرَنِي عَبْدِي ٣. وَقَالَ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ٤. وَقَالَ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ هُوَ اسْتِخْذَاءٌ لَهُ وَالْإِقْرَارُ لَهُ بِنِعْمَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَابْتِدَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ٥. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رِدَاءُ الرَّحْمَنِ٦، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَنَاءُ اللَّهِ٧. وَفِي مَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ وَفَضْلِهَا آثَارٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا لَا تُحْصَى. وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَأَجَلِّ مِنَنِهِ الْوَاصِلَةِ إِلَيْنَا هِدَايَتُهُ إِيَّانَا إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ, الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ نَاسَبَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا فَقُلْتُ "كَمَا هَدَانَا" أَيْ: عَلَى مَا هَدَانَا إِرْشَادًا وَدَلَالَةً بِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ, وَتَوْفِيقًا وَتَسْدِيدًا بِمَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ "إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ" وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ "وَاجْتَبَانَا" لَهُ, وَبِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَيْنَا وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الْحَجِّ: ٧٧-٧٨] وَلَمَّا كَانَ الْحَمْدُ الْخَبَرِيُّ أَبْلَغَ مِنَ الْإِنْشَائِيِّ لِدَلَالَتِهِ
стр. 68
عَلَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِمْرَارِ قَدَّمْتُهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ عَطَفْتُ عَلَيْهِ الْإِنْشَائِيَّ جَمْعًا بَيْنَهُمَا فَقُلْتُ:
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهْ ... وَمِنْ مَسَاوِي عَمَلِي أَسْتَغْفِرُهْ
"أَحْمَدُهُ" أَيْ: أُنْشِئُ لَهُ حَمْدًا آخَرَ مُتَجَدِّدًا عَلَى تَوَالِي نِعَمِهِ وَتَوَاتُرِ فَضْلِهِ, فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ "سُبْحَانَهُ" أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِنُعُوتِ جَلَالِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ" ١, "وَأَشْكُرُهْ" عَلَى مَا أَنْعَمَ وَأَلْهَمَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥١] .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ هَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ أَوْ لَا فَذَهَبَ إِلَى تَرَادُفِهِمَا ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُمَا وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا, وَقَالَ شَيْخُ الإسلام ابن تيمة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ عَلَى الْمَحْمُودِ بِذِكْرِ مَحَاسِنِهِ, سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْحَامِدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى إِحْسَانِ الْمَشْكُورِ إِلَى الشَّاكِرِ. فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمَحَاسِنِ وَالْإِحْسَانِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْمَدُ عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالْمَثَلِ الْأَعْلَى وَمَا خَلَقَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ
стр. 69
وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سَبَأٍ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: ١] . وَأَمَّا الشُّكْرُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْإِنْعَامِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْحَمْدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّهُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ كَمَا قِيلَ:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءَ مِنِّي ثَلَاثَةٌ ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرُ الْمُحَجَّبَا
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٍ: ١٣] وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنْوَاعِهِ وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَسْبَابِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَأَسُ الشُّكْرِ"١ فَمَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا" ٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
"وَمِنْ مَسَاوِئِ" جَمْعُ مُسَاءَةٍ "عَمَلِي" مُضَافٌ إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ. "أَسْتَغْفِرُهْ" السِّينُ لِلطَّلَبِ أَيْ: أَطْلُبُ مِنْهُ مَغْفِرَةَ تِلْكَ الْمَسَاوِئِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ إِنَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.
стр. 70
وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى نَيْلِ الرِّضَا ... وَأَسْتَمِدُّ لُطْفَهُ فِي مَا قَضَى
"وَأَسْتَعِينُهُ" أَطْلُبُ مِنْهُ الْعَوْنَ "عَلَى نَيْلِ الرِّضَا" أَيْ: عَلَى فِعْلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي بِسَبَبِهَا يُنَالُ رِضَاهُ أَنْ يَرْزُقَنِيهَا وَيُنِيلَنِي رِضَاهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. "وَأَسْتَمِدُّ" أَيْ: أَطْلُبُ مِنْهُ الْإِمْدَادَ بِأَنْ يَرْزُقَنِي "لُطْفَهُ" بِي "فِيمَا قَضَى" وَقَدَّرَ مِنَ الْمَصَائِبِ, وَأَنْ يَجْعَلَنِي رَاضِيًا بِذَلِكَ مُؤْمِنًا بِهِ مُسْتَيْقِنًا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّ وُقُوعَهُ خَيْرٌ عِنْدِي مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ, وَأَنْ يَهْدِيَ قَلْبِي كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ١١] وَكَمَا قَالَ ﷺ : "وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ" ١ الْحَدِيثَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وَهُوَ الرِّضَا بِالْمُصِيبَةِ.
стр. 71
الْقَوْلُ فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ:
وَبَعْدُ إِنِّي بِالْيَقِينِ أَشْهَدْ ... شَهَادَةَ الْإِخْلَاصِ أَنْ لَا يُعْبَدْ
بِالْحَقِّ مَأْلُوهٌ سِوَى الرَّحْمَنِ ... مَنْ جَلَّ عَنْ عَيْبٍ وَعَنْ نُقْصَانِ
"وَبَعْدُ" هُوَ ظَرْفٌ زَمَانِيٌّ يُؤْتَى بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ وَفَصْلِهِ عَمَّا قَبْلَهُ وَيُبْنَى عَلَى الضَّمِّ لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ وَيُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ "إِنِّي بِالْيَقِينِ" الْقَاطِعِ الْجَازِمِ بِدُونِ شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ "أَشْهَدْ شَهَادَةَ" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ "الْإِخْلَاصِ" مُضَافٌ إِلَى شَهَادَةَ مِنْ إضافة الموصوف إلى الصِّفَةِ "أَنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَسْتَكِنٌّ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ, وَالْخَبَرُ "لَا يُعْبَدْ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "بالحق" يتعلق بيعبد "مَأْلُوهٌ" نائب الفاعل ليعبد وَمَعْنَاهُ مَعْبُودٌ "سِوَى" أَدَاةُ اسْتِثْنَاءٍ بِمَعْنَى إِلَّا "الرَّحْمَنِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ , وَالتَّقْيِيدُ بِحَقٍّ يُخْرِجُ بِهِ الْآلِهَةَ الْمَعْبُودَةَ بِبَاطِلٍ فَإِنَّهَا قَدْ عُبِدَتْ. وَالْمَنْفِيُّ هُوَ اسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ لَا وُقُوعُهَا, وَهَذِهِ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ فِي النَّظْمِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهَا نَظَمْتُهَا بِمَعْنَاهَا وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَسْطُ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِهَا
стр. 72
"مَنْ جَلَّ" فِي صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ "عَنْ عَيْبٍ وَعَنْ نُقْصَانِ" وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ فَكُلُّ عَيْبٍ يُسَمَّى نُقْصَانًا وَكُلُّ نُقْصَانٍ يُسَمَّى عَيْبًا وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ, بَلْ لَهُ الْجَلَالُ الْمُطْلَقُ وَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَأَنَّ خَيْرَ خَلْقِهِ مُحَمَّدَا ... مَنْ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى
رَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ... بِالنُّورِ وَالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
"وَ" أَشْهَدُ "أَنَّ خَيْرَ" أَفْضَلَ "خَلْقِهِ" هَاءُ الضَّمِيرِ يَعُودُ عَلَى الرَّحْمَنِ "مُحَمَّدَا" بَدَلٌ مِنْ خَيْرَ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ, وَمَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الْمَحَامِدِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مَحْمُودٍ "مَنْ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى" مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِلَةُ مَنْ وَهُوَ مَحَلُّهُ النَّصْبُ نَعْتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْخَبَرُ "رَسُولُهُ" الرَّسُولُ بِمَعْنَى الْمُرْسَلِ وَهُوَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ فَإِنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَقَطْ. فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا عَكْسَ "إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ "كَافَّةً قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْخَصَائِصِ "وَكَانَ الرَّسُولُ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" ١ وَفِيهِ أَيْضًا: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" ٢. "بِالنُّورِ" الْمُبِينِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ
стр. 73
عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٧٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] الْآيَةَ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التَّغَابُنِ: ٨] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ "وَالْهُدَى" الْإِرْشَادُ وَالدَّلَالَةُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ "وَدِينِ الْحَقِّ" الْإِسْلَامُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ قَالَ اللَّهُ : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٩] وَكُلٌّ مِنَ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ وَالْإِسْلَامِ يُسَمَّى نُورًا وَهُدًى وَصِرَاطًا مُسْتَقِيمًا, وَكُلُّ الثَّلَاثَةِ مُتَلَازِمَةٌ تَقُولُ أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَتَقُولُ دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ وَكُلٌّ مِنْهَا نُورٌ مُبِينٌ وَهُدًى مُسْتَبِينٌ وَصِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ.
стр. 74
الْقَوْلُ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّعْرِيفُ بِالْآَلِ وَالْأَصْحَابِ:
صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَمَجَّدَا ... وَالْآلِ وَالصَّحْبِ دَوَامًا سَرْمَدَا
"صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا" قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَى عَبْدِهِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ١ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٣] وَفِي الصَّحِيحِ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ "وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ" ٢. "وَمَجَّدَا"
стр. 75
بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ أَيْ: شَرَّفَهُ وَزَادَهُ تَشْرِيفًا وَتَمْجِيدًا "وَالْآلِ" أَيْ: آلِهِ ﷺ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ وَأَنْصَارُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قِيلَ:
آلُ النَّبِيِّ هُمُو أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ ... عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ عَجَمٍ وَمِنْ عَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلَّا قَرَابَتَهُ ... صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ
وَيَدْخُلُ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى, وَيَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَابٍ أولى وأولى "والصاحب" جَمْعُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ مَنْ رَأَى أَوْ لَقِيَ النَّبِيَّ مُؤْمِنًا بِهِ وَلَوْ لَحْظَةً وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ. وَهُمْ أَفْضَلُ الْقُرُونِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْمَتْنِ الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
следующие страницы →