← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

بِالرَّفْعِ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الرَّفْعِ ما قاله أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ قَالَ: يَكُونُ الْمَعْنَى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، فَلَمَّا جَاءَ بِإِلَّا أُعْرِبَ الِاسْمُ الذي بعد ها بِإِعْرَابِ غَيْرَ، كَمَا قَالَ: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ وَرُوِيَ فِي قِصَّةِ قَوْمِ يُونُسَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يُونُسَ ﵇ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فَأَبَوْا، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَقَامَ يَدْعُوهُمْ تِسْعَ سِنِينَ فَيَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ فَفَعَلَ، وَقَالُوا: هُوَ رَجُلٌ لَا يَكْذِبُ فَارْقُبُوهُ فَإِنْ أَقَامَ مَعَكُمْ وَبَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَلَا عَلَيْكُمْ، وَإِنِ ارْتَحَلَ عَنْكُمْ فَهُوَ نُزُولُ الْعَذَابِ لَا شَكَّ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ تَزَوَّدَ يُونُسُ وَخَرَجَ عَنْهُمْ فَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَابُوا وَدَعَوُا اللَّهَ ولبسوا المسوج وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، وَرَدُّوا الْمَظَالِمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الْحَجَرَ قَدْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَسَاسَ بُنْيَانِهِ فَيَقْتَلِعُهُ فَيَرُدُّهُ، وَالْعَذَابُ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ثُلُثَيْ مِيلٍ. وَرُوِيَ عَلَى مِيلٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ غَشِيَتْهُمْ ظُلَّةٌ وَفِيهَا حُمْرَةٌ فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى وَجَدُوا حَرَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ كَمَا يَغْشَى الثَّوْبُ الْقَبْرَ، فَلَمَّا صَحَّتْ تَوْبَتُهُمْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِنْ بَيْنٍ سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَقَعْ بِهِمُ الْعَذَابُ، وَإِنَّمَا رَأَوُا الْعَلَامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعَذَابِ، وَلَوْ رَأَوْا عَيْنَ الْعَذَابِ لَمَا نَفَعَهُمُ الْإِيمَانُ. قُلْتُ: قَوْلُ الزَّجَّاجِ حَسَنٌ، فَإِنَّ الْمُعَايَنَةَ الَّتِي لَا تَنْفَعُ التَّوْبَةُ مَعَهَا هِيَ التَّلَبُّسُ بِالْعَذَابِ كَقِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وَلِهَذَا جَاءَ بِقِصَّةِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَى أَثَرِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ آمَنَ حِينَ رَأَى الْعَذَابَ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَقَوْمُ يُونُسَ تَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ. وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﵇: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ). وَالْغَرْغَرَةُ الْحَشْرَجَةُ، وَذَلِكَ هُوَ حَالُ التَّلَبُّسِ بِالْمَوْتِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ عن ابن مسعود، أن ويونس لَمَّا وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ إِلَى ثَلَاثَةِ

стр. 3327

أَيَّامٍ خَرَجَ عَنْهُمْ فَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَابُوا وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَوْبَتَهُمْ قَبْلَ رُؤْيَةِ عَلَامَةِ الْعَذَابِ. وَسِيَأْتِي مُسْنَدًا مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ" وَالصَّافَّاتِ" «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَكُونُ مَعْنَى (كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ) أَيِ الْعَذَابَ الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ يُونُسُ أَنَّهُ يَنْزِلُ بِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ عَيَانًا وَلَا مُخَايَلَةَ، وَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَالَ وَلَا تَعَارُضَ وَلَا خُصُوصَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ أَهْلُ نِينَوَى فِي سَابِقِ الْعِلْمِ مِنَ السُّعَدَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْحَذَرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَإِنَّ الدُّعَاءَ لَيَرُدُّ الْقَدَرَ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:" إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا". قَالَ ﵁: وَذَلِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) قِيلَ: إِلَى أَجَلِهِمْ، قاله السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الْجَنَّةِ أو إلى النار، قاله ابن عباس. [سورة يونس (١٠): آية ٩٩] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) " أَيْ لَاضْطَرَّهُمْ إِلَيْهِ." كُلُّهُمْ" تَأْكِيدٌ لِ"- مَنْ"." جَمِيعاً" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: جَاءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا بَعْدَ كُلِّ تَأْكِيدًا، كَقَوْلِهِ:" لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ" «٢» [النحل: ٥١] قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيصًا عَلَى إِيمَانِ جَمِيعِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٠] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)

стр. 3328

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) " مَا" نَفْيٌ، أَيْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْمِنَ نَفْسٌ إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ" وَنَجْعَلُ" بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ. وَالرِّجْسُ: الْعَذَابُ، بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ. (عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ. [سورة يونس (١٠): آية ١٠١] قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أَمْرٌ لِلْكُفَّارِ بِالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ فِي الْمَصْنُوعَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّانِعِ وَالْقَادِرِ عَلَى الْكَمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مُسْتَوْفًى «١». (وَما تُغْنِي) " مَا" نَفْيٌ، أَيْ ولن تغني. وقيل: استفهامية، التقدير أي شي تُغْنِي. (الْآياتُ) أَيِ الدَّلَالَاتُ. (وَالنُّذُرُ) أَيِ الرُّسُلُ، جَمْعُ نَذِيرٍ، وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ . (عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) أَيْ عَمَّنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يؤمن. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٢] فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) الْأَيَّامُ هُنَا بِمَعْنَى الْوَقَائِعِ، يُقَالُ: فُلَانٌ عَالِمٌ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ أَيْ بِوَقَائِعِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ في قوم نوح وعاد وثمود وغير هم. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَذَابَ أَيَّامًا وَالنِّعَمَ أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ" «٢». وَكُلُّ مَا مَضَى لَكَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ. (فَانْتَظِرُوا) أَيْ تَرَبَّصُوا، وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ. (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) أي المتربصين لموعد وربي.

стр. 3329

[سورة يونس (١٠): آية ١٠٣] ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ مِنْ سُنَّتِنَا إِذَا أَنْزَلْنَا بِقَوْمٍ عَذَابًا أَخْرَجْنَا مِنْ بَيْنِهِمُ الرُّسُلَ والمؤمنين، و" ثُمَّ" مَعْنَاهُ ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّا نُنَجِّي رُسُلَنَا. (كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا) أَيْ وَاجِبًا عَلَيْنَا، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ وَلَا خُلْفَ فِي خَبَرِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ." ثُمَّ نُنَجِّي" مُخَفَّفًا. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ." نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ" مُخَفَّفًا، وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ: أَنْجَى يُنْجِي إِنْجَاءً، وَنَجَّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحد. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٤] قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يُرِيدُ كُفَّارَ مَكَّةَ. (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) أَيْ فِي رَيْبٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ. (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) مِنَ الْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ. (وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) أَيْ يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي المصدقين بآيات ربهم. [سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦] وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ) " أَنْ" عَطْفٌ عَلَى" أَنْ أَكُونَ" أَيْ قِيلَ لِي كُنْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقِمْ وَجْهَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ، وَقِيلَ: نَفْسُكَ، أَيِ اسْتَقِمْ بإقبالك على

стр. 3330

مَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ. (حَنِيفاً) أَيْ قَوِيمًا بِهِ مَائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ. قَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [﵁ «١»]: حَمِدْتَ اللَّهَ حِينَ هَدَى فُؤَادِي ... مِنَ الْإِشْرَاكِ لِلدِّينِ الْحَنِيفِ وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" «٢» اشْتِقَاقُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ وَقِيلَ لِي وَلَا تُشْرِكْ، وَالْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلا تَدْعُ) أَيْ لَا تعبد. و (مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ) إِنْ عَبَدْتَهُ. (وَلا يَضُرُّكَ) إِنْ عَصَيْتَهُ. (فَإِنْ فَعَلْتَ) أي عبد ت غَيْرَ اللَّهِ. (فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أَيِ الواضعين العبادة في غير موضعها. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٧] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) أي يصبك بِهِ. (فَلا كاشِفَ) أَيْ لَا دَافِعَ (لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ) أَيْ يُصِبْكَ بِرَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ. (فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ) أَيْ بِكُلِّ مَا أَرَادَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. (مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ) لِذُنُوبِ عباده وخطايا هم (الرَّحِيمُ) بأوليائه في الآخرة. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٨] قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ) أَيِ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: الرَّسُولُ ﷺ . (مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى) أَيْ صَدَّقَ مُحَمَّدًا وَآمَنَ بِمَا جاء به. (فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ)

стр. 3331

أَيْ لِخَلَاصِ نَفْسِهِ. (وَمَنْ ضَلَّ) أَيْ تَرَكَ الرَّسُولَ وَالْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ. (فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) أَيْ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ. (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أَيْ بِحَفِيظٍ أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ إِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آية السيف. [سورة يونس (١٠): آية ١٠٩] وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ) قِيلَ: نُسِخَ بِآيَةِ الْقِتَالِ: وَقِيلَ: لَيْسَ مَنْسُوخًا، وَمَعْنَاهُ اصْبِرْ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ وَلَمْ يَجْمَعْ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً «١» فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ). وَعَنْ أَنَسٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَصْبِرُوا فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَا «٢» كَلَامِي بِأَنَّا صَابِرُونَ وَمُنْظِرُوكُمْ ... إِلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالْحَقِّ. تَمَّتْ سُورَةُ يونس، والحمد لله وحده محققه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش تم الجزء الثامن مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ يَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى الجزء التاسع وأوله: (سورة هود)

стр. 3332

الجزء التاسع تفسير سُورَةُ هُودٍ ﵇ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: إِلَّا آيَةً، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ «١» " [هود: ١١٤]. وَأَسْنَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " اقْرَءُوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ! قَالَ:" شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". قَالَ: هذا حديث حسن غريب، وقد روي شي مِنْ هَذَا مُرْسَلًا. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي" نَوَادِرِ الْأُصُولِ": حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ قَدْ شِبْتَ! قَالَ:" شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَالْفَزَعُ يُورِثُ الشَّيْبَ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَزَعَ يُذْهِلُ النَّفْسَ فَيُنَشِّفُ رُطُوبَةَ الْجَسَدِ، وَتَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ مَنْبَعٌ، وَمِنْهُ يَعْرَقُ، فَإِذَا انْتَشَفَ الْفَزَعُ رُطُوبَتَهُ يَبِسَتِ الْمَنَابِعُ فَيَبِسَ الشَّعْرُ وَابْيَضَّ، كَمَا تَرَى الزَّرْعَ الْأَخْضَرَ بسقاية، فَإِذَا ذَهَبَ سِقَاؤُهُ يَبِسَ فَابْيَضَّ، وَإِنَّمَا يَبْيَضُّ شَعْرُ الشَّيْخِ لِذَهَابِ رُطُوبَتِهِ وَيُبْسِ جِلْدِهِ، فَالنَّفْسُ تَذْهَلُ بِوَعِيدِ اللَّهِ، وَأَهْوَالِ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ، فَتَذْبُلُ، وَيُنَشِّفُ مَاءَهَا ذَلِكَ الْوَعِيدُ وَالْهَوْلُ «٢» الَّذِي جَاءَ بِهِ، فَمِنْهُ تَشِيبُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً «٣» " [المزمل: ١٧] فَإِنَّمَا شَابُوا مِنَ الْفَزَعِ. وَأَمَّا سُورَةُ" هُودٍ" فَلَمَّا ذَكَرَ الْأُمَمَ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَاجِلِ بَأْسِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَهْلُ الْيَقِينِ إِذَا تَلَوْهَا تَرَاءَى عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَلَحَظَاتِهِ الْبَطْشُ بِأَعْدَائِهِ، فَلَوْ مَاتُوا مِنَ الْفَزَعِ لَحَقَّ لَهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﵎ اسْمُهُ يَلْطُفُ «٤» بِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحَايِينِ حَتَّى يَقْرَءُوا كَلَامَهُ. وَأَمَّا أَخَوَاتُهَا فَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ السُّوَرِ، مثل" الحاقة" [الحاقة: ١] و" سَأَلَ سائِلٌ" [المعارج: ١] و" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" [التكوير: ١]

стр. 3333

و" القارعة" [الْقَارِعَةُ: ١ [، فَفِي تِلَاوَةِ هَذِهِ السُّوَرِ مَا يَكْشِفُ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ سُلْطَانَهُ وَبَطْشَهُ فَتَذْهَلُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وتشيب منه الرؤوس. [قُلْتُ «١»] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ سُورَةِ" هُودٍ" قول:" فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ" «٢» [هود: ١١٢] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ" هُودٍ" فَلَمَّا خَتَمْتُهَا قَالَ: (يَا يَزِيدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: يُقَالُ هَذِهِ هُودُ فَاعْلَمْ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، لِأَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ امْرَأَةً بِزَيْدٍ. لَمْ تَصْرِفْ، وهذا قول الخليل وسيبويه. وعيسى ابن عُمَرَ يَقُولُ: هَذِهِ هُودٌ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وَكَذَا إِنْ سَمَّى امْرَأَةً بِزَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ وَسَطُهُ خَفَّ فَصُرِفَ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْحَذْفَ صَرَفْتَ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَقُلْتَ: هَذِهِ هُودٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ سُورَةَ هُودٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّكَ تَقُولُ هَذِهِ الرَّحْمَنُ، فَلَوْلَا أَنَّكَ تُرِيدُ هَذِهِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ ما قلت هذه. [سورة هود (١١): الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الر). تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ «٣». (كِتابٌ) بِمَعْنَى هَذَا كِتَابٌ." (أُحْكِمَتْ آياتُهُ) " في موضع رفع نعت لكتاب. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى" أُحْكِمَتْ آياتُهُ" قَوْلُ قَتَادَةَ، أَيْ جُعِلَتْ مُحْكَمَةً كُلَّهَا لَا خَلَلَ فِيهَا وَلَا بَاطِلَ. وَالْإِحْكَامُ مَنْعُ الْقَوْلِ مِنَ الْفَسَادِ، أَيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لَا يَلْحَقُهَا تَنَاقُضٌ وَلَا خَلَلٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَمْ يَنْسَخْهَا كِتَابٌ، بِخِلَافِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وعلى هذا المعنى، أَحْكَمَ بَعْضَ آيَاتِهِ بِأَنْ جُعِلَ نَاسِخًا غَيْرَ منسوخ. وقد تقدم القول فيه «٤».

стр. 3334

وَقَدْ يَقَعُ اسْمُ الْجِنْسِ عَلَى النَّوْعِ، فَيُقَالُ: أَكَلْتُ طَعَامَ زَيْدٍ، أَيْ بَعْضَ طَعَامِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ:" أُحْكِمَتْ آياتُهُ" بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَحْكَمَهَا اللَّهُ مِنَ الْبَاطِلِ، ثُمَّ فَصَّلَهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. مُجَاهِدٌ: أُحْكِمَتْ جُمْلَةً، ثُمَّ بُيِّنَتْ بِذِكْرِ آيَةٍ آيَةٍ بِجَمِيعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: جُمِعَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ فِي التَّنْزِيلِ. وَقِيلَ:" فُصِّلَتْ" أُنْزِلَتْ نَجْمًا نَجْمًا لِتُتَدَبَّرَ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ" فُصِلَتْ" مُخَفَّفًا أَيْ حُكِمَتْ بِالْحَقِّ." (مِنْ لَدُنْ) " أَيْ مِنْ عِنْدِ." (حَكِيمٍ) " أَيْ مُحْكِمٌ لِلْأُمُورِ. (خَبِيرٍ) بِكُلِّ كَائِنٍ وَغَيْرِ كائن. قوله تعالى (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَيْ بِأَلَّا، أَيْ أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِئَلَّا، أَيْ أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. قِيلَ: أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ) أَيْ مِنَ اللَّهِ. (نَذِيرٌ) أَيْ مُخَوِّفٌ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطْوَتِهِ لِمَنْ عَصَاهُ. (وَبَشِيرٌ) بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، أَيْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ، أَيِ اللَّهُ نَذِيرٌ لَكُمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ:" وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ" «١» [آل عمران: ٢٨]. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ. (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ:" ثُمَّ" هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ هُوَ التَّوْبَةُ، وَالتَّوْبَةَ هِيَ الِاسْتِغْفَارُ. وَقِيلَ: اسْتَغْفِرُوهُ مِنْ سَالِفِ ذُنُوبِكُمْ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْتَأْنَفِ مَتَى وَقَعَتْ مِنْكُمْ. قَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: الِاسْتِغْفَارُ بِلَا إِقْلَاعٍ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" آلِ عِمْرَانَ" «٢» مُسْتَوْفًى. وَفِي" الْبَقَرَةِ" «٣» عِنْدَ قوله:" وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً" [البقرة: ٢٣١]. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ هِيَ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ، وَالتَّوْبَةَ هِيَ السَّبَبُ إِلَيْهَا، فَالْمَغْفِرَةُ أَوَّلٌ فِي الْمَطْلُوبِ وَآخِرٌ فِي السَّبَبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْكَبَائِرِ. (يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً)

стр. 3335

هَذِهِ ثَمَرَةُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، أَيْ يُمَتِّعُكُمْ بِالْمَنَافِعِ من سَعَةِ الرِّزْقِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ، وَلَا يَسْتَأْصِلُكُمْ بِالْعَذَابِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ أَهْلَكَ قَبْلَكُمْ. وَقِيلَ: يُمَتِّعُكُمْ يُعَمِّرُكُمْ، وَأَصْلُ الْإِمْتَاعِ الْإِطَالَةُ، وَمِنْهُ أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ وَمَتَّعَ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمَتَاعُ الْحَسَنُ تَرْكُ الْخَلْقِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْحَقِّ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَنَاعَةُ بِالْمَوْجُودِ، وَتَرْكُ الْحُزْنِ عَلَى الْمَفْقُودِ. (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) قِيلَ: هُوَ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: الْقِيَامَةُ. وَقِيلَ: دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَالْمَتَاعُ الْحَسَنُ عَلَى هَذَا وِقَايَةُ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَأَمْرٍ مَخُوفٍ، مِمَّا يَكُونُ فِي الْقَبْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَكَرْبِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ:" وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ" «١» [هود: ٥٢] وَهَذَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَأَبَوْا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَابْتُلُوا بِالْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ الْمُحْرِقَةَ وَالْقَذَرَ وَالْجِيَفَ وَالْكِلَابَ. (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أَيْ يُؤْتِ كُلَّ ذِي عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ جَزَاءَ عَمَلِهِ. وَقِيلَ: وَيُؤْتِ كُلَّ مَنْ فَضُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ" فَضْلَهُ" أَيِ الْجَنَّةَ، وَهِيَ فَضْلُ اللَّهِ، فَالْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ:" فَضْلَهُ" تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَا يَحْتَسِبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَلَامٍ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ، أَوْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، أَوْ مَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِيهِ ذَلِكَ إِذَا آمَنَ، وَلَا يَتَقَبَّلُهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا. (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ كَبِيرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ. وَقِيلَ: الْيَوْمُ الْكَبِيرُ هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَغَيْرُهُ: وَ" تَوَلَّوْا" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْمَعْنَى: قُلْ لَهُمْ إِنْ تَتَوَلَّوْا فإني أخاف عليكم. قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ. [سورة هود (١١): آية ٥] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)

стр. 3336

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أَخْبَرَ عَنْ مُعَادَاةِ الْمُشْرِكِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ تَخْفَى عَلَى اللَّهِ أَحْوَالُهُمْ." يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ" أَيْ يَطْوُونَهَا عَلَى عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ هَذَا الْحَذْفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُخْفُونَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالْعَدَاوَةِ، وَيُظْهِرُونَ خِلَافَهُ. نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ حُلْوَ الْمَنْطِقِ، يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَجِبُ، وَيَنْطَوِي لَهُ بِقَلْبِهِ عَلَى مَا يَسُوءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:" يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ" شَكًّا وَامْتِرَاءً. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَثْنُونَهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ إِذَا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ثَنَى صَدْرَهُ وَظَهْرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَغَطَّى وَجْهَهُ، لِكَيْلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَدْعُوهُ إِلَى الْإِيمَانِ، حُكِيَ مَعْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ فَالْهَاءُ فِي" مِنْهُ" تَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقِيلَ: قَالَ الْمُنَافِقُونَ إِذَا غَلَّقْنَا أَبْوَابَنَا، وَاسْتَغْشَيْنَا ثِيَابَنَا، وَثَنَيْنَا صُدُورَنَا عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ فَمَنْ يَعْلَمُ بِنَا؟ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَنَسَّكُونَ بِسَتْرِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا يَكْشِفُونَهَا تَحْتَ السَّمَاءِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التنسك ما اشتملت قلوبهم قُلُوبُهُمْ مِنْ مُعْتَقَدٍ، وَأَظْهَرُوهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. وروى ابن جرير عن محمد ابن عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يقول:" ألا أنهم تثنوي صدورهم ليستحفوا مِنْهُ" «١» قَالَ: كَانُوا لَا يُجَامِعُونَ النِّسَاءَ، وَلَا يَأْتُونَ الْغَائِطَ وَهُمْ يُفْضُونَ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَرَوَى غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوِي صُدُورُهُمْ" بِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الْوَاوِ، فِي وَزْنِ تَنْطَوِي، وَمَعْنَى" تَثْنَوِي" وَالْقِرَاءَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مُتَقَارِبٌ، لِأَنَّهَا لَا تَثْنَوِي حَتَّى يَثْنُوهَا. وَقِيلَ: كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْحَنِي عَلَى بَعْضِ يُسَارُّهُ فِي الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَلَغَ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنْ تَوَهَّمُوا أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى:" لِيَسْتَخْفُوا" أَيْ لِيَتَوَارَوْا عَنْهُ، أَيْ عَنْ مُحَمَّدٍ أَوْ عَنِ اللَّهِ." لِيَسْتَخْفُوا" أَيْ لِيَتَوَارَوْا عَنْهُ، أَيْ عَنْ مُحَمَّدٍ أو عن الله.

стр. 3337

(أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ) أي يغطون رؤسهم بِثِيَابِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: أَخْفَى مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِذَا حَنَى ظَهْرَهُ، وَاسْتَغْشَى ثَوْبَهُ، وَأَضْمَرَ فِي نفسه همه. [سورة هود (١١): آية ٦] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) " مَا" نَفْيٌ وَ" مِنْ" زَائِدَةٌ وَ" دَابَّةٍ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: وَمَا دَابَّةٌ." إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها"" عَلَى" بِمَعْنَى" مِنْ"، أَيْ مِنَ اللَّهِ رِزْقُهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ، مُجَاهِدٍ: كُلُّ مَا جَاءَهَا مِنْ رِزْقٍ فَمِنَ اللَّهِ. وَقِيلَ:" عَلَى اللَّهِ" أَيْ فَضْلًا لَا وُجُوبًا. وَقِيلَ: وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" «١» وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجِبُ عليه شي." رِزْقُها" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِالصِّفَةِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ وَمَعْنَاهَا الْخُصُوصُ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يُرْزَقَ. وَقِيلَ: هِيَ عَامَّةٌ [فِي كُلِّ دَابَّةٍ «٢»]: وَكُلُّ دَابَّةٍ لَمْ تُرْزَقْ رِزْقًا تَعِيشُ بِهِ فَقَدْ رُزِقَتْ رُوحَهَا، ووجه النظم به قَبْلُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ بِرِزْقِ الْجَمِيعِ، وَأَنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْ تَرْبِيَتِهِ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ أَحْوَالُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَهُوَ يَرْزُقُكُمْ؟! وَالدَّابَّةُ كُلُّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ. وَالرِّزْقُ حَقِيقَتُهُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيُّ وَيَكُونُ فِيهِ بَقَاءُ رُوحِهِ وَنَمَاءُ جَسَدِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّزْقُ بِمَعْنَى الْمِلْكِ، لِأَنَّ الْبَهَائِمَ تُرْزَقُ وَلَيْسَ يَصِحُّ وَصْفُهَا بِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِعَلَفِهَا، وَهَكَذَا الْأَطْفَالُ تُرْزَقُ اللَّبَنُ وَلَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الثَّدْيِ مِلْكٌ لِلطِّفْلِ. وَقَالَ تَعَالَى:" وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ" «٣» [الذاريات: ٢٢] وَلَيْسَ لَنَا فِي السَّمَاءِ مِلْكٌ، وَلِأَنَّ الرِّزْقَ لَوْ كَانَ مِلْكًا لَكَانَ إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَانُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكَلَ مِنْ رِزْقِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا رِزْقَ نَفْسِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ" «٤» هَذَا الْمَعْنَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ الرَّحَى يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ، وَالَّذِي شَدَّقَ الْأَشْدَاقَ هُوَ خالق الأرزاق.

стр. 3338

وَقِيلَ لِأَبِي أُسَيْدٍ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: سبحانه اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الْكَلْبَ أَفَلَا يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْدٍ!. وَقِيلَ لِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: اللَّهُ يُنْزِلُ لَكَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ من السماء؟ فقال: كأن ماله إِلَّا السَّمَاءُ! يَا هَذَا الْأَرْضُ لَهُ وَالسَّمَاءُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُؤْتِنِي رِزْقِي مِنَ السَّمَاءِ سَاقَهُ لِي مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنْشَدَ: وَكَيْفَ أَخَافُ الْفَقْرَ وَاللَّهُ رَازِقِي ... وَرَازِقُ هَذَا الْخَلْقِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ تَكَفَّلَ بِالْأَرْزَاقِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ ... وَلِلضَّبِّ فِي الْبَيْدَاءِ وَالْحُوتِ فِي الْبَحْرِ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي" نَوَادِرِ الْأُصُولِ" بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ أَبَا مُوسَى وَأَبَا مَالِكٍ وَأَبَا عَامِرٍ فِي نَفَرٍ مِنْهُمْ، لَمَّا هَاجَرُوا وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَرْمَلُوا «١» مِنَ الزَّادِ، فَأَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ" وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ" فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا الْأَشْعَرِيُّونَ بِأَهْوَنِ الدَّوَابِّ عَلَى اللَّهِ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُوا أَتَاكُمُ الْغَوْثُ، وَلَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَعَدَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلَانِ يحملان قصعة بينها مَمْلُوءَةً خُبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلُوا مِنْهَا مَا شَاءُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّا رَدَدْنَا هَذَا الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ، فَقَالُوا لِلرَّجُلَيْنِ: اذْهَبَا بِهَذَا الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مِنْهُ حَاجَتَنَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا طَعَامًا أَكْثَرَ وَلَا أَطْيَبَ مِنْ طَعَامٍ أَرْسَلْتَ بِهِ، قَالَ:" مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ طَعَامًا" فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا صَاحِبَهُمْ، فَسَأَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ مَا صَنَعَ، وَمَا قَالَ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" ذلك شي رزقكموه الله".

стр. 3339

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها) أَيْ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ. (وَمُسْتَوْدَعَها) أَيِ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ، قَالَهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ:" مُسْتَقَرَّها" أَيَّامُ حَيَاتِهَا." وَمُسْتَوْدَعَها" حَيْثُ تَمُوتُ وَحَيْثُ تُبْعَثُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" مُسْتَقَرَّها" فِي الرَّحِمِ" وَمُسْتَوْدَعَها" فِي الصُّلْبِ. وَقِيلَ:" يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها" فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ." وَمُسْتَوْدَعَها" فِي الْقَبْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ:" حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً" [الفرقان: ٧٦] " ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً" «١» [الفرقان: ٦٦]. (كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) أَيْ فِي اللَّوْحِ المحفوظ. [سورة هود (١١): آية ٧] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ" «٢» بَيَانُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) بَيَّنَ أَنَّ خَلْقَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. قَالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ يَاقُوتَةً خَضْرَاءَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ فَصَارَتْ مَاءً يَرْتَعِدُ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ يَرْتَعِدُ الْمَاءُ إِلَى الْآنِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الْمَاءَ عَلَى مَتْنِهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ :" وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ" فقال: على أي شي كَانَ الْمَاءُ؟ قَالَ: عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ:" اقْبَلُوا البشرى بابني تَمِيمٍ" قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا [مَرَّتَيْنِ «٣»] فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ:" اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلِ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ" قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ؟ «٤» قَالَ:" كَانَ الله ولم يكن شي غَيْرَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السموات والأرض وكتب

стр. 3340

في الذكر كل شي" ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أَيْ خَلَقَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَ عِبَادَهُ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَلَى الْبَعْثِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَى" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [أَيُّكُمْ «١»] أَتَمُّ عَقْلًا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَيُّكُمْ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا. وَذُكِرَ أَنَّ عِيسَى ﵇ مَرَّ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فَقَالَ: يَا نَائِمُ قُمْ فَتَعَبَّدْ، فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ قَدْ تَعَبَّدْتُ، فَقَالَ" وَبِمَ تَعَبَّدْتَ"؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُ الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا، قَالَ: نَمْ فَقَدْ فُقْتَ الْعَابِدِينَ. الضَّحَّاكُ: أَيُّكُمْ أَكْثَرُ شُكْرًا. مُقَاتِلٌ: أَيُّكُمْ أَتْقَى لِلَّهِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيُّكُمْ أَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا:" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" قَالَ:" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ" فَجَمَعَ الْأَقَاوِيلَ كُلَّهَا، وَسَيَأْتِي فِي" الْكَهْفِ" «٢» هَذَا أَيْضًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ. (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ) أَيْ دَلَلْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى الْبَعْثِ. (مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ) وَذَكَرْتَ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ لَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ. وَكُسِرَتْ" إِنَّ" لِأَنَّهَا بَعْدَ الْقَوْلِ مُبْتَدَأَةٌ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ الْفَتْحَ. (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فُتِحَتِ اللَّامُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ لَا ضَمِيرَ فِيهِ، وَبَعْدَهُ" لَيَقُولَنَّ" لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا. وَ (سِحْرٌ) أَيْ غُرُورٌ بَاطِلٌ، لِبُطْلَانِ السِّحْرِ عِنْدَهُمْ. وَقَرَأَ حمزة والكسائي" إن هذا إلا ساحر عليم" كِنَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [سورة هود (١١): آية ٨] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) اللَّامُ فِي" لَئِنْ" لِلْقَسَمِ، وَالْجَوَابُ" لَيَقُولُنَّ". وَمَعْنَى" إِلى أُمَّةٍ" إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ وَحِينٍ مَعْلُومٍ، فَالْأُمَّةُ هُنَا الْمُدَّةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَصْلُ الْأُمَّةِ الجماعة، فعبر عن

стр. 3341

الْحِينِ وَالسِّنِينَ بِالْأُمَّةِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ تَكُونُ فِيهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَالْمَعْنَى إِلَى مَجِيءِ أُمَّةٍ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يُؤْمِنُ فَيَسْتَحِقُّونَ الْهَلَاكَ. أَوْ إِلَى انْقِرَاضِ أُمَّةٍ فِيهَا مَنْ يُؤْمِنُ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ انْقِرَاضِهَا مَنْ يُؤْمِنُ. وَالْأُمَّةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ: فَالْأُمَّةُ تَكُونُ الْجَمَاعَةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ" «١» [القصص: ٢٣]. وَالْأُمَّةُ أَيْضًا اتَبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. وَالْأُمَّةُ الرَّجُلُ الْجَامِعُ لِلْخَيْرِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً" «٢» [النحل: ١٢٠]. وَالْأُمَّةُ الدِّينُ وَالْمِلَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ" «٣» [الزخرف: ٢٢]. وَالْأُمَّةُ الْحِينُ وَالزَّمَانُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ" وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى:" وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ" «٤» [يوسف: ٤٥] وَالْأُمَّةُ الْقَامَةُ، وَهُوَ طُولُ الْإِنْسَانِ وَارْتِفَاعُهُ، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: فُلَانٌ حَسَنُ الْأُمَّةِ أَيِ الْقَامَةِ. وَالْأُمَّةُ الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ بِدِينِهِ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" يُبْعَثُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أُمَّةً وَحْدَهُ" «٥». وَالْأُمَّةُ الْأُمُّ، يُقَالُ: هَذِهِ أُمَّةُ زَيْدٍ، يَعْنِي أُمَّ زَيْدٍ. (لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ) يَعْنِي الْعَذَابَ، وَقَالُوا هَذَا إِمَّا تَكْذِيبًا لِلْعَذَابِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْهُمْ، أَوِ اسْتِعْجَالًا وَاسْتِهْزَاءً، أَيْ مَا الَّذِي يَحْبِسُهُ عَنَّا. (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) قِيلَ: هُوَ قَتْلُ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَقَتْلُ جِبْرِيلَ الْمُسْتَهْزِئِينَ عَلَى مَا يَأْتِي «٦». (وَحاقَ بِهِمْ) أَيْ نَزَلَ وَأَحَاطَ. (مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أَيْ جَزَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْمُضَافُ محذوف. [سورة هود (١١): الآيات ٩ الى ١١] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً) الْإِنْسَانُ اسْمٌ شَائِعٌ «٧» لِلْجِنْسِ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ هُنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَفِيهِ نَزَلَتْ. وَقِيلَ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 3342

أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ." رَحْمَةً" أَيْ نِعْمَةً. (ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) أي سلبناه إياها. (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) أَيْ يَائِسٌ مِنَ الرَّحْمَةِ. (كَفُورٌ) لِلنِّعَمِ جَاحِدٌ لها، قال ابن الأعرابي. النحاس:" لَيَؤُسٌ" مِنْ يَئِسَ يَيْأَسُ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ يَئِسَ يَيْئِسُ على فعل يفعل، ونظير حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييئس «١»، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَئِسَ يَيْئِسُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْكَلَامِ [الْعَرَبِيِّ «٢»] إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَحْرُفَ مِنَ السَّالِمِ جَاءَتْ عَلَى فَعِلَ يَفْعِلُ، وَفِي وَاحِدٍ مِنْهَا اخْتِلَافٌ. وَهُوَ يَئِسَ وَ" يَئُوسٌ" عَلَى التَّكْثِيرِ كَفَخُورٍ لِلْمُبَالَغَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ) أَيْ صِحَّةً وَرَخَاءً وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ. (بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أَيْ بَعْدَ ضُرٍّ وَفَقْرٍ وَشِدَّةٍ. (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أَيِ الْخَطَايَا الَّتِي تَسُوءُ صَاحِبَهَا مِنَ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ. (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) أَيْ يَفْرَحُ وَيَفْخَرُ بِمَا نَالَهُ مِنَ السَّعَةِ وَيَنْسَى شُكْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ فَاخِرٌ إِذَا افْتَخَرَ- وَفَخُورٌ لِلْمُبَالَغَةِ- قَالَ يَعْقُوبُ الْقَارِئُ: وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ" لَفَرُحٌ" بِضَمِّ الرَّاءِ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ فَطُنٌّ وَحَذُرٌ وَنَدُسُّ. وَيَجُوزُ فِي كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ «٣» الْإِسْكَانُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ وَالْكَسْرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، مَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ. وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ لَكِنِ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي حَالَتَيِ النِّعْمَةِ وَالْمِحْنَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ" وَلَئِنْ أَذَقْناهُ" أَيْ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِمَعْنَى النَّاسِ، وَالنَّاسُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْمُؤْمِنَ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ حَسَنٌ. (أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. (وَأَجْرٌ) معطوف. (كَبِيرٌ) صفة. [سورة هود (١١): الآيات ١٢ الى ١٣] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)

стр. 3343

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ) أَيْ فَلَعَلَّكَ لِعَظِيمِ مَا تَرَاهُ مِنْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ تَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ يُزِيلُونَكَ عَنْ بعما أنت عليه. وقيل: إنهم لما قالوا:" لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ" هَمَّ أَنْ يَدَعَ سَبَّ آلِهَتِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَالْكَلَامُ مَعْنَاهُ الِاسْتِفْهَامُ، أَيْ هَلْ أَنْتَ تَارِكٌ مَا فِيهِ سَبُّ آلِهَتِهِمْ كَمَا سَأَلُوكَ؟ وَتَأَكَّدَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْإِبْلَاغِ، كَقَوْلِهِ:" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ" «١» [المائدة: ٦٧]. وقيل: معنى الكلام النفي اسْتِبْعَادٍ، أَيْ لَا يَكُونُ مِنْكَ ذَلِكَ، بَلْ تُبَلِّغُهُمْ كُلَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَنَا بِكِتَابٍ لَيْسَ فِيهِ سَبُّ آلِهَتِنَا لَاتَّبَعْنَاكَ، فَهَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَدَعَ سَبَّ آلِهَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) عَطْفٌ عَلَى" تارِكٌ" وَ" صَدْرُكَ" مَرْفُوعٌ بِهِ، وَالْهَاءُ فِي" بِهِ" تَعُودُ عَلَى" مَا" أَوْ عَلَى بَعْضَ، أَوْ عَلَى التَّبْلِيغِ، أَوِ التَّكْذِيبِ. وَقَالَ:" ضائِقٌ" وَلَمْ يَقُلْ ضَيِّقٌ لِيُشَاكِلَ" تارِكٌ" الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الضَّائِقَ عَارِضٌ، وَالضَّيِّقَ أَلْزَمُ مِنْهُ." (أَنْ يَقُولُوا) " فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقُولُوا، [أَوْ لِئَلَّا يَقُولُوا «٢»] كَقَوْلِهِ:" يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا" «٣» [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلوا. أو لأن يقولوا. (ذَلُولًا) أَيْ هَلَّا (أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) يُصَدِّقُهُ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ المخزومي، فقال الله تعالى: يا محمد (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُنْذِرَهُمْ، لَا بِأَنْ تَأْتِيَهُمْ بِمَا يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الْآيَاتِ. (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أي حافظ وشهيد. قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) " أَمْ" بِمَعْنَى بَلْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" يُونُسَ" «٤» أَيْ قَدْ أَزَحْتَ عِلَّتَهُمْ وَإِشْكَالَهُمْ فِي نُبُوَّتِكَ بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَحَجَجْتَهُمْ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: افْتَرَيْتَهُ- أَيِ اخْتَلَقْتَهُ- فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُفْتَرًى بِزَعْمِهِمْ. (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أَيْ مِنَ الكهنة والأعوان. [سورة هود (١١): آية ١٤] فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)

стр. 3344

قوله تعالى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) أَيْ فِي الْمُعَارَضَةِ وَلَمْ تَتَهَيَّأْ لَهُمْ فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، إِذْ هُمُ اللُّسْنُ الْبُلَغَاءُ، وَأَصْحَابُ الْأَلْسُنِ الْفُصَحَاءُ. (فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) وَاعْلَمُوا صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، (وَ) اعْلَمُوا (أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ:" قُلْ فَأْتُوا" وَبَعْدَهُ." فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ" وَلَمْ يَقُلْ لَكَ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَحْوِيلِ الْمُخَاطَبَةِ «١» مِنَ الْإِفْرَادِ، إِلَى الْجَمْعِ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا، وَقَدْ يُخَاطَبُ الرَّئِيسُ بِمَا يُخَاطَبُ بِهِ الْجَمَاعَةُ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي" لَكُمْ" وَفِي" فَاعْلَمُوا" للجميع، أي فليعلم للجميع" أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ"، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي" لَكُمْ" وَفِي" فَاعْلَمُوا" لِلْمُشْرِكِينَ، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكُمْ مَنْ تَدْعُونَهُ إِلَى الْمُعَاوَنَةِ، وَلَا تَهَيَّأَتْ لَكُمُ الْمُعَارَضَةُ" فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ". وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي" لَكُمْ" لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي" فَاعْلَمُوا" للمشركين. [سورة هود (١١): آية ١٥] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لَا يُبْخَسُونَ (١٥) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كانَ) كَانَ زَائِدَةٌ «٢»، وَلِهَذَا جَزَمَ بِالْجَوَابِ فَقَالَ: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:" مَنْ كانَ" فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ" نُوَفِّ إِلَيْهِمْ" أَيْ مَنْ يَكُنْ يُرِيدُ، وَالْأَوَّلُ فِي اللفظ ماضي وَالثَّانِي مُسْتَقْبَلٌ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ: وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقِيلَ: نزلت في الكفار، قال الضَّحَّاكُ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، بِدَلِيلِ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا" أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ" [هود: ١٦] أَيْ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ صدقة نكافيه بِهَا فِي الدُّنْيَا، بِصِحَّةِ الْجِسْمِ، وَكَثْرَةِ الرِّزْقِ، لكن لا حسنة

стр. 3345

لَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" بَرَاءَةٌ" «١» مُسْتَوْفًى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْمُؤْمِنُونَ، أَيْ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ الثَّوَابُ وَلَمْ يُنْقَصْ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، وَلَهُ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابُ لِأَنَّهُ جَرَّدَ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ ﷺ :" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" فَالْعَبْدُ إِنَّمَا يُعْطَى عَلَى وَجْهِ قَصْدِهِ، وَبِحُكْمِ ضَمِيرِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمَمِ بَيْنَ كُلِّ مِلَّةٍ. وَقِيلَ: هُوَ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُقَالُ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ:" صُمْتُمْ وَصَلَّيْتُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ وَجَاهَدْتُمْ وَقرأْتُمْ لِيُقَالَ ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ" ثُمَّ قَالَ:" إِنَّ هَؤُلَاءِ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ". رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قال الله تَعَالَى:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها" وَقَرَأَ الْآيَتَيْنِ،. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ «٢»] بِمَعْنَاهُ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ معه أصل إيمان أو لم يكن، قال مُجَاهِدٌ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعَاوِيَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً إِلَّا وُفِّيَ ثَوَابَهَا، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا وُفِّيَ فِي الدُّنْيَا والآخرة، وإن كان كافرا وفي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ [الدُّنْيَا] بِغَزْوِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وُفِّيَهَا، أَيْ وُفِّيَ أَجْرَ الْغُزَاةِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهَا، وَهَذَا خُصُوصٌ وَالصَّحِيحُ الْعُمُومُ. الثَّانِيَةُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ ﵇:" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" وَتَدُلُّكَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ فِي رَمَضَانَ لَا عَنْ رَمَضَانَ لَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ لَا يَقَعُ قُرْبَةً عَنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ. الثَّالِثَةُ- ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ. الَّتِي فِي" الشُّورَى"" مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «٣» [الشورى: ٢٠] الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ" وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «٤» [آل عمران: ١٤٥] قَيَّدَهَا وَفَسَّرَهَا الَّتِي فِي" سُبْحَانَ"" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ" «٥» [الإسراء: ١٨] إلى قوله:" مَحْظُوراً" [الإسراء: ٢٠] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْوِي وَيُرِيدُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄"

стр. 3346

أي قَوْلِهِ:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا" أَنَّهَا منسوخة بقوله:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ" [الإسراء: ١٨]. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:" وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ" «١» [البقرة: ١٨٦] فَهَذَا ظَاهِرُهُ خَبَرٌ عَنْ إِجَابَةِ كُلِّ دَاعٍ دَائِمًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ" «٢» [الأنعام: ٤١] وَالنَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ لَا يَجُوزُ، لِاسْتِحَالَةِ تَبَدُّلِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلِاسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْأَخْبَارُ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَجُوزُ نَسْخُهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ، وَيَأْتِي فِي" النَّحْلِ" «٣» بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [سورة هود (١١): آية ١٦] أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْلِيدِ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يُخَلَّدُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ" «٤» [النساء: ٤٨] الْآيَةَ. فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ كَانَتْ. مُوَافَاةُ هَذَا الْمُرَائِي عَلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا النَّارُ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ يُخْرَجُ، إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ، وَإِمَّا بِالْقَبْضَةِ. وَالْآيَةُ تَقْتَضِي الْوَعِيدَ بِسَلْبِ الْإِيمَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ [الْمَاضِي «٥»] يُرِيدُ الْكُفْرَ وَخَاصَّةً الرِّيَاءَ، إِذْ هُوَ شِرْكٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي" النِّسَاءِ" «٦» وَيَأْتِي فِي آخِرِ" الْكَهْفِ" «٧». (وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَحَذَفَ الْهَاءَ، قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفٍ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَبَاطِلٌ عَمَلُهُ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ" وَبَاطِلًا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" وَتَكُونُ" مَا" زَائِدَةً، أَيْ وَكَانُوا يَعْمَلُونَ باطلا.

стр. 3347

[سورة هود (١١): آية ١٧] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ابْتِدَاءٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا؟! عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ الَّذِي عَلَى بينة هو «١» من اتبع النبي محمد «٢» ﷺ . (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ" أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ" النَّبِيُّ ﷺ وَالْكَلَامُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ:" وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ" [هود: ١٢]، أَيْ أَفَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَمُعْجِزَةٌ كَالْقُرْآنِ، وَمَعَهُ شَاهِدٌ كَجِبْرِيلَ- عَلَى مَا يَأْتِي- وَقَدْ بَشَّرَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّالِفَةُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِالْإِبْلَاغِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يسلمه. والهاء في" رَبِّهِ" تعود عليه، وقوله:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ. وَالْهَاءُ فِي" مِنْهُ" لِلَّهِ ، أَيْ وَيَتْلُو الْبَيَانَ وَالْبُرْهَانَ شَاهِدٌ مِنَ اللَّهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّاهِدُ مَلَكٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُهُ وَيُسَدِّدُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ: الشَّاهِدُ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قال محمد بن علي بن الْحَنَفِيَّةِ: قُلْتُ لِأَبِي أَنْتَ الشَّاهِدُ؟ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَلَكِنَّهُ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَقَدْ أُنْزِلَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَيُّ شي نَزَلَ فِيكَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وَقِيلَ: الشَّاهِدُ صُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَجْهُهُ وَمَخَائِلُهُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ له فضل وعقل فنظر إلى

стр. 3348

النَّبِيِّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَالْهَاءُ عَلَى هَذَا تَرْجِعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الشَّاهِدُ الْقُرْآنُ فِي نَظْمِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَالْمَعَانِي الكثيرة منه في اللفظ الواحد، قال الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، فَالْهَاءُ فِي" مِنْهُ" لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَالَ بَعْضُهُمْ:" وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" الْإِنْجِيلُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ فِي التَّصْدِيقِ، وَالْهَاءُ فِي" مِنْهُ" لِلَّهِ . وَقِيلَ: الْبَيِّنَةُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ الَّتِي أَشْرَقَتْ لَهَا الْقُلُوبُ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي يَتْلُوهُ الْعَقْلُ الَّذِي رُكِّبَ فِي دِمَاغِهِ وَأَشْرَقَ صَدْرُهُ بِنُورِهِ (وَمِنْ قَبْلِهِ) أَيْ مِنْ قَبْلِ الْإِنْجِيلِ. (كِتابُ مُوسى) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى وَيَتْلُوهُ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَوْصُوفٌ فِي كِتَابِ مُوسَى" يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ" «١» [الأعراف: ١٥٧] وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ" وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى " بِالنَّصْبِ، وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيُّ عَنِ الْكَلْبِيِّ، يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْهَاءِ فِي" يَتْلُوهُ" وَالْمَعْنَى: وَيَتْلُو كِتَابَ مُوسَى جِبْرِيلُ ﵇، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، الْمَعْنَى مِنْ قَبْلِهِ تَلَا جِبْرِيلُ كِتَابَ مُوسَى عَلَى مُوسَى. وَيَجُوزُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُرْفَعَ" كِتابُ" عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى كَذَلِكَ، أَيْ تَلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُوسَى كَمَا تَلَا الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ. (إِماماً) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. (وَرَحْمَةً) مَعْطُوفٌ. (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيْ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِكَ، وَإِنَّمَا كَفَرَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَهُمُ الَّذِينَ موعدهم النار، حكاه القشيري. والهاء في" رَبِّهِ" يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي بالقرآن أو بالنبي أعليه السَّلَامُ. (مِنَ الْأَحْزابِ) يَعْنِي مِنَ الْمِلَلِ كُلِّهَا، عَنْ قَتَادَةَ، وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:" الْأَحْزابِ" أَهْلُ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُمْ يَتَحَازَبُونَ. وَقِيلَ: قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهُمْ. (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) أَيْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنْشَدَ حَسَّانُ: أُورِدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضاحية ... فالنار موعدها والموت لاقيها

стр. 3349

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ [ثُمَّ يَمُوتُ «١»] وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ. (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ. (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أَيِ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّهِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْنَى فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ فِي أَنَّ الْكَافِرَ فِي النَّارِ. إِنَّهُ الْحَقُّ أَيِ الْقَوْلُ الْحَقُّ الْكَائِنُ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ جميع المكلفين. [سورة هود (١١): الآيات ١٨ الى ١٩] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فَأَضَافُوا كَلَامَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شَرِيكًا وَوَلَدًا، وَقَالُوا لِلْأَصْنَامِ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ. (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) أَيْ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. (وَيَقُولُ الْأَشْهادُ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ سَأَلْتُ الْأَعْمَشَ عَنِ" الْأَشْهادُ" فَقَالَ: الْمَلَائِكَةُ. الضَّحَّاكُ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ:" فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً" «٢» [النساء: ٤١]. وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ بَلَّغُوا الرِّسَالَاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَنِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ قَالَ:" وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ". (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) أَيْ بُعْدُهُ وَسَخَطُهُ وَإِبْعَادُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.

стр. 3350

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظَّالِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ. وَقِيلَ: هُوَ ابْتِدَاءُ خِطَابٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ هُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أَيْ يَعْدِلُونَ بِالنَّاسِ عَنْهَا إِلَى الْمَعَاصِي وَالشِّرْكِ. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) أَعَادَ لَفْظَ" هُمْ" تأكيدا. [سورة هود (١١): آية ٢٠] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ فَائِتِينَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُعْجِزُونِي أَنْ آمُرَ الْأَرْضَ فَتَنْخَسِفَ بِهِمْ. (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) يَعْنِي أَنْصَارًا، وَ" مِنْ" زَائِدَةٌ. وَقِيلَ:" مَا" بِمَعْنَى الَّذِي تَقْدِيرُهُ: أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ، لَا هُمْ وَلَا الَّذِينَ كَانُوا لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ دُونِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) أَيْ عَلَى قَدْرِ كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ. (مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) " مَا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: بِمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ. (وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا ذَلِكَ فِي اسْتِمَاعِ الْحَقِّ وَإِبْصَارِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: جَزَيْتُهُ مَا فَعَلَ وَبِمَا فَعَلَ، فَيَحْذِفُونَ الْبَاءَ مَرَّةً وَيُثْبِتُونَهَا أُخْرَى، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ «١»: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" مَا" ظَرْفًا، وَالْمَعْنَى: يُضَاعَفُ لَهُمْ أَبَدًا، أَيْ وَقْتَ اسْتِطَاعَتِهِمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْعَلُهُمْ فِي جَهَنَّمَ مُسْتَطِيعِي ذَلِكَ أَبَدًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" مَا" نَافِيَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا، إِذِ الْكَلَامُ قَدْ تَمَّ قَبْلَهَا، وَالْوَقْفُ على العذاب كاف، والمعنى: ما كانوا

стр. 3351

يَسْتَطِيعُونَ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَسْمَعُوا سَمْعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلَا أَنْ يُبْصِرُوا إِبْصَارَ مُهْتَدٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، لِأَنَّ اللَّهَ أَضَلَّهُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لِبُغْضِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَاوَتِهِمْ لَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ وَلَا يَفْقَهُوا «١» عَنْهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى فُلَانٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ ثَقِيلًا عَلَيْهِ. [سورة هود (١١): الآيات ٢١ الى ٢٢] أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ) أَيْ ضَاعَ عَنْهُمُ افْتِرَاؤُهُمْ وَتَلِفَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا جَرَمَ) لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ، فَقَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ:" لَا جَرَمَ" بِمَعْنَى حَقٍّ، فَ" لَا" وَ" جَرَمَ" عِنْدَهُمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَ" أَنَّ" عِنْدَهُمَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، حَكَاهُ النَّحَّاسُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَعَنِ الخليل أيضا أن معناها لأبد وَلَا مَحَالَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الثعلبي. وقال الزجاج:" لا" ها هنا نَفْيٌ وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ، كَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، وَجَرَمَ بِمَعْنَى كَسَبَ، أَيْ كَسَبَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَهُمُ الْخُسْرَانَ، وفاعل كسب مضمر، و" أن" منصوبة بجرم، كَمَا تَقُولُ كَسَبَ جَفَاؤُكَ زَيْدًا غَضَبَهُ عَلَيْكَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: نَصَبْنَا رَأْسَهُ فِي جِذْعِ نَخْلٍ «٢» ... بِمَا جَرَمَتْ يَدَاهُ وَمَا اعْتَدَيْنَا أَيْ بِمَا كَسَبَتْ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَى" لَا جَرَمَ" لَا صَدَّ وَلَا مَنْعَ عَنْ أَنَّهُمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا قَطَعَ قَاطِعٌ، فَحُذِفَ الْفَاعِلُ حِينَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ، وَالْجَرْمُ الْقَطْعُ، وَقَدْ جَرَمَ النَّخْلَ وَاجْتَرَمَهُ أي صرمه فهو جارم، وقوم وجرم وَجُرَّامٌ وَهَذَا زَمَنُ الْجَرَامِ وَالْجِرَامِ، وَجَرَمْتُ صُوفَ الشَّاةِ أَيْ جَزَزْتُهُ، وَقَدْ جَرَمْتُ مِنْهُ أَيْ أَخَذْتُ مِنْهُ، مِثْلُ جَلَمْتُ الشَّيْءَ جَلْمًا أَيْ قطعت،

стр. 3352

وَجَلَمْتُ الْجَزُورَ أَجْلِمُهَا جَلْمًا إِذَا أَخَذْتُ مَا عَلَى عِظَامِهَا مِنَ اللَّحْمِ، وَأَخَذْتُ الشَّيْءَ بِجِلْمَتِهِ- ساكنة اللام- إذا أخذته أجمع، وهذه جملة الْجَزُورِ- بِالتَّحْرِيكِ- أَيْ لَحْمُهَا أَجْمَعُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ: لَا جَرَمَ، وَلَا عَنْ ذَا جَرَمَ، وَلَا أَنْ ذَا جَرَمَ، قَالَ: وَنَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ يَقُولُونَ: لَا جَرَ أَنَّهُمْ بِغَيْرِ مِيمٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ فِيهِ «١» لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ قَالَ: بَنُو عَامِرٍ يَقُولُونَ لَا ذَا جَرَمَ، قَالَ: وَنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ. يَقُولُونَ: لَا جُرْمَ بِضَمِّ الْجِيمِ. [سورة هود (١١): آية ٢٣] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) " الَّذِينَ" اسْمُ" إِنَّ" وَ" آمَنُوا" صِلَةٌ، أَيْ صَدَّقُوا. (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ) عَطْفٌ عَلَى الصِّلَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَتُوا أَنَابُوا. مُجَاهِدٌ: أَطَاعُوا. قَتَادَةُ: خَشَعُوا وَخَضَعُوا. مُقَاتِلٌ: أَخْلَصُوا. الْحَسَنُ: الْإِخْبَاتُ الْخُشُوعُ لِلْمَخَافَةِ الثَّابِتَةِ فِي الْقَلْبِ، وَأَصْلُ الْإِخْبَاتِ الِاسْتِوَاءُ، مِنَ الْخَبْتِ وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْوَاسِعَةُ: فَالْإِخْبَاتُ الْخُشُوعُ وَالِاطْمِئْنَانُ، أَوِ الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ الْمُسْتَمِرَّةُ ذَلِكَ عَلَى اسْتِوَاءٍ." إِلى رَبِّهِمْ" قَالَ الْفَرَّاءُ: إِلَى رَبِّهِمْ وَلِرَبِّهِمْ وَاحِدٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَجَّهُوا إِخْبَاتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ." (أُولئِكَ) " خبر" إِنَّ". [سورة هود (١١): آية ٢٤] مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) ابْتِدَاءٌ، وَالْخَبَرُ (كَالْأَعْمى) «٢» وَمَا بَعْدَهُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: أَيْ كَمَثَلِ الْأَعْمَى. النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ مَثَلُ فَرِيقِ الْكَافِرِ [كَالْأَعْمَى] وَالْأَصَمِّ، وَمَثَلُ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِ كَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَلِهَذَا قَالَ: (هَلْ يَسْتَوِيانِ) فَرَدَّ إلى الفريقين وهما اثنان،

стр. 3353

رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: الْأَعْمَى وَالْأَصَمُّ مَثَلٌ لِلْكَافِرِ، وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَهَلْ يَسْتَوِي الْأَصَمُّ وَالسَّمِيعُ. (مَثَلًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التمييز «١». (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) في الوصفين وتنظرون. [سورة هود (١١): الآيات ٢٥ الى ٢٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) ذَكَرَ سُبْحَانَهُ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى مُلَازَمَةِ الصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ إِلَى أَنْ يَكْفِيَهُ الله أمرهم. (إِنِّي) أَيْ فَقَالَ: إِنِّي، لِأَنَّ فِي الْإِرْسَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ" أَنِّي" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ أَرْسَلْنَاهُ بِأَنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَلَمْ يَقُلْ" إِنَّهُ" لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى خِطَابِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ «٢»، كَمَا قَالَ:" وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" [الأعراف: ١٤٥] ثم قال:" فَخُذْها بِقُوَّةٍ" «٣» [الأعراف ١٤٥]. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أَيِ اتْرُكُوا الْأَصْنَامَ فَلَا تَعْبُدُوهَا، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَحْدَهُ. وَمَنْ قَرَأَ" إِنِّي" بِالْكَسْرِ جَعَلَهُ مُعْتَرِضًا فِي الْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى أَرْسَلْنَاهُ بِأَلَّا تَعْبُدُوا [إِلَّا اللَّهَ]. (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ). [سورة هود (١١): آية ٢٧] فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَقالَ الْمَلَأُ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَلَأُ الرُّؤَسَاءُ، أَيْ هُمْ مَلِيئُونَ بِمَا يَقُولُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي" الْبَقَرَةِ" «٤» وَغَيْرِهَا. (مَا نَراكَ إِلَّا بَشَراً)

стр. 3354

أَيْ آدَمِيًّا. (مِثْلَنا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَ" مِثْلَنا" مُضَافٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَهُوَ نَكِرَةٌ يُقَدَّرُ فِيهِ التَّنْوِينُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ «١»: يَا رُبَّ مِثْلِكِ فِي النِّسَاءِ غَرِيرَةٌ الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) أَرَاذِلُ جَمْعُ أَرْذُلٍ وَأَرْذُلٌ جَمْعُ رَذْلٍ، مِثْلُ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبَ. وَقِيلَ: وَالْأَرَاذِلُ جَمْعُ الْأَرْذَلِ، كَأَسَاوِدَ جَمْعُ الْأَسْوَدِ مِنَ الْحَيَّاتِ. وَالرَّذْلُ النَّذْلُ، أَرَادُوا اتَّبَعَكَ أَخِسَّاؤُنَا وَسَقَطُنَا وَسَفِلَتُنَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: نَسَبُوهُمْ إِلَى الْحِيَاكَةِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الصِّنَاعَاتِ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الدِّيَانَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الأراذل هم الفقراء، والذين لأحسب لَهُمْ، وَالْخَسِيسُو الصِّنَاعَاتِ. وَفِي الْحَدِيثِ" أَنَّهُمْ كَانُوا حَاكَةً وَحَجَّامِينَ". وَكَانَ هَذَا جَهْلًا مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ عَابُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بِمَا لَا عَيْبَ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ تَغْيِيرُ الصُّوَرِ وَالْهَيْئَاتِ، وَهُمْ يُرْسَلُونَ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا، فَإِذَا أَسْلَمَ مِنْهُمُ الدَّنِيءُ لَمْ يَلْحَقْهُمْ مِنْ ذَلِكَ نُقْصَانُ، لِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْبَلُوا إِسْلَامَ كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ. قُلْتُ: الْأَرَاذِلُ هُنَا هُمُ الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ، كَمَا قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ الرِّيَاسَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ، وَصُعُوبَةِ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، وَالْأَنَفَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ لِلْغَيْرِ، وَالْفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ الْمَوَانِعِ، فَهُوَ سَرِيعٌ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِانْقِيَادِ. وَهَذَا غَالِبُ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ السَّفِلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّ السَّفِلَةَ هُمُ الَّذِينَ يَتَقَلَّسُونَ «٢»، وَيَأْتُونَ أَبْوَابَ الْقُضَاةِ والسلاطين يطلبون الشهادات.

стр. 3355

وَقَالَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: السَّفِلَةُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِدِينِهِمْ «١»، قِيلَ لَهُ: فَمَنْ سَفِلَةُ السَّفِلَةِ؟ قَالَ: الَّذِي يُصْلِحُ دُنْيَا غَيْرِهِ بِفَسَادِ دينه. وسيل عَلِيٌّ ﵁ عَنِ السَّفِلَةِ فَقَالَ: الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا. وَقِيلَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁: مَنِ السَّفِلَةُ؟ قَالَ: الَّذِي يَسُبُّ الصَّحَابَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الْأَرْذَلُونَ الْحَاكَةُ وَالْحَجَّامُونَ. يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: الدَّبَّاغُ وَالْكَنَّاسُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ. الرَّابِعَةُ- إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: يَا سَفِلَةُ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مِنْهُمْ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي قَالَتْ لِي يَا سَفِلَةُ، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتُ سَفِلَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَا صِنَاعَتُكَ؟ قَالَ: سَمَّاكٌ، قَالَ: سَفِلَةٌ وَاللَّهِ، سَفِلَةٌ وَاللَّهِ [سَفِلَةٌ «٢»]. قُلْتُ: وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ لَا تُطَلَّقُ، وَكَذَلِكَ عَلَى قول مالك، وابن الأعرابي لا يلزمه شي. قوله تعالى: (بادِيَ الرَّأْيِ). أي الرَّأْيِ، وَبَاطِنُهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. يُقَالُ: بَدَا يَبْدُو إِذَا ظَهَرَ، كَمَا قَالَ: فَالْيَوْمَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ وَيُقَالُ لِلْبَرِيَّةِ بَادِيَةٌ لِظُهُورِهَا. وَبَدَا لِي أَنْ أَفْعَلَ كَذَا، أَيْ ظَهَرَ لِي رَأْيٌ غَيْرَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ فِيمَا يَبْدُو لَنَا مِنَ الرَّأْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" بادِيَ الرَّأْيِ" مِنْ بَدَأَ يَبْدَأُ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ. وَحَقَّقَ أَبُو عَمْرٍو الْهَمْزَةَ فَقَرَأَ:" بَادِئَ الرَّأْيِ" أَيْ أَوَّلَ الرَّأْيِ، أَيِ اتَّبَعُوكَ حِينَ ابْتَدَءُوا يَنْظُرُونَ، وَلَوْ أَمْعَنُوا النَّظَرَ وَالْفِكْرَ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى هَاهُنَا بِالْهَمْزِ وَتَرْكِ الْهَمْزِ. وَانْتَصَبَ عَلَى حَذْفِ" فِي" كَمَا قَالَ :" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ" «٣» [الأعراف: ١٥٥]. (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) أَيْ فِي اتِّبَاعِهِ، وَهَذَا جَحْدٌ مِنْهُمْ لِنُبُوَّتِهِ ﷺ . (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) الْخِطَابُ لنوح ومن آمن معه «٤».

стр. 3356

[سورة هود (١١): الآيات ٢٨ الى ٣١] قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أَيْ عَلَى يَقِينٍ، قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ. وَقِيلَ: عَلَى مُعْجِزَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْأَنْعَامِ" «١» هَذَا الْمَعْنَى. (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أَيْ نُبُوَّةً وَرِسَالَةً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهِيَ رَحْمَةٌ عَلَى الْخَلْقِ. وَقِيلَ: الْهِدَايَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْبَرَاهِينِ. وَقِيلَ: بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) «٢» أَيْ عُمِّيَتْ عَلَيْكُمُ الرِّسَالَةُ وَالْهِدَايَةُ فَلَمْ تَفْهَمُوهَا. يُقَالُ: عَمِيتُ عَنْ كَذَا، وَعَمِيَ عَلَيَّ كَذَا أَيْ لَمْ أَفْهَمْهُ. وَالْمَعْنَى: فَعَمِيَتِ الرَّحْمَةُ، فَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَعْمَى إِنَّمَا يُعْمَى عَنْهَا، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: أَدْخَلْتُ فِي الْقَلَنْسُوَةِ رَأْسِي، وَدَخَلَ الْخُفُّ فِي رِجْلِي. وَقَرَأَهَا الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ فَعَمَّاهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ" فَعَمَّاهَا" ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ. (أَنُلْزِمُكُمُوها) قِيلَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الْهَاءُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: إِلَى الْبَيِّنَةِ، أَيْ أَنُلْزِمُكُمْ قَبُولَهَا، وَأُوجِبُهَا عَلَيْكُمْ؟! وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَضْطَرَّكُمْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِهَا، وإنما قصد نوح ﵇

стр. 3357

بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ" أَنُلْزِمْكُمُوهَا" بِإِسْكَانِ الْمِيمِ الْأُولَى تَخْفِيفًا، وَقَدْ أَجَازَ مِثْلَ هَذَا سِيبَوَيْهِ، وَأَنْشَدَ «١»: فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمًا مِنَ اللَّهِ وَلَا وَاغِلِ وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ يُونُسَ [فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ «٢» [أَنُلْزِمُكُمُهَا يَجْرِي الْمُضْمَرُ مَجْرَى الْمُظْهَرِ، كَمَا تَقُولُ: أَنُلْزِمُكُمْ ذَلِكَ. (وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) أَيْ لَا يَصِحُّ قَبُولُكُمْ لَهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهَا. قَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ لَوِ اسْتَطَاعَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ ﵇ لَأَلْزَمَهَا قَوْمَهُ وَلَكِنَّهُ لم يملك ذلك. (وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّبْلِيغِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ] أَجْرًا «٣» أَيْ [(مَالًا) فَيَثْقُلُ عَلَيْكُمْ. (إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ ثَوَابِي فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) سَأَلُوهُ أَنْ يَطْرُدَ الْأَرَاذِلَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، كَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَطْرُدَ الْمَوَالِيَ وَالْفُقَرَاءَ، حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَنْعَامِ" «٤» بَيَانُهُ، فَأَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْإِعْظَامِ لَهُمْ بِلِقَاءِ اللَّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَامِ، أَيْ لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَخَاصَمُونِي عِنْدَ اللَّهِ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَيُجَازِي مَنْ طَرَدَهُمْ. (وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) فِي اسْتِرْذَالِكُمْ لَهُمْ، وَسُؤَالِكُمْ طَرْدَهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ يَمْنَعُنِي مِنْ عَذَابِهِ. (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) أَيْ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ. (أَفَلا تَذَكَّرُونَ «٥») أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ. وَيَجُوزُ حَذْفُهَا فَتَقُولُ: تَذَكَّرُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أَخْبَرَ بِتَذَلُّلِهِ وَتَوَاضُعِهِ لِلَّهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ خَزَائِنِ اللَّهِ، وهي إنعامه على من يشاء

стр. 3358

مِنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) أَيْ لَا أَقُولُ إِنَّ مَنْزِلَتِي عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةُ الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ: الْفَائِدَةُ فِي الْكَلَامِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، لِدَوَامِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَاتِّصَالِ عِبَادَاتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" الْبَقَرَةِ" «١». (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أَيْ تَسْتَثْقِلُ وَتَحْتَقِرُ أَعْيُنُكُمْ، وَالْأَصْلُ تَزْدَرِيهِمْ حُذِفَتِ الْهَاءُ وَالْمِيمُ لِطُولِ الِاسْمِ. وَالدَّالُّ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَزْدَرِي تَزْتَرِي، وَلَكِنَّ التَّاءَ تُبَدَّلُ بَعْدَ الزَّايِ دَالًا، لِأَنَّ الزَّايَ مَجْهُورَةٌ وَالتَّاءُ مَهْمُوسَةٌ، فَأُبْدِلَ مِنَ التَّاءِ حَرْفٌ مَجْهُورٌ مِنْ مَخْرَجِهَا. وَيُقَالُ: أَزْرَيْتُ عَلَيْهِ إِذَا عِبْتُهُ. وَزَرَيْتُ عَلَيْهِ إِذَا حَقَّرْتُهُ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ: يُبَاعِدُهُ الصَّدِيقُ وَتَزْدَرِيهِ ... حَلِيلَتُهُ وَيَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً) أَيْ لَيْسَ لِاحْتِقَارِكُمْ لَهُمْ تَبْطُلُ أُجُورُهُمْ، أَوْ يُنْقَصُ ثَوَابُهُمْ. (اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ) فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَيُؤَاخِذُهُمْ بِهِ. (إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أَيْ إِنْ قُلْتُ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَ" إِذاً" مُلْغَاةٌ، لأنها متوسطة. [سورة هود (١١): الآيات ٣٢ الى ٣٥] قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) أَيْ خَاصَمْتَنَا فَأَكْثَرْتَ خُصُومَتَنَا وَبَالَغْتَ فِيهَا. وَالْجَدَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ المبالغة في الخصومة، مشتق من الجدل

стр. 3359

وَهُوَ شِدَّةُ الْفَتْلِ، وَيُقَالُ لِلصَّقْرِ أَيْضًا أَجْدَلُ لِشِدَّتِهِ فِي الطَّيْرِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي" الْأَنْعَامِ" «١» بِأَشْبَعَ مِنْ هَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ" فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا" ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَالْجَدَلُ فِي الدِّينِ مَحْمُودٌ، وَلِهَذَا جَادَلَ نُوحٌ وَالْأَنْبِيَاءُ قَوْمَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقُّ، فَمَنْ قَبِلَهُ أَنْجَحَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ رَدَّهُ خَابَ وَخَسِرَ. وَأَمَّا الْجِدَالُ لِغَيْرِ الْحَقِّ حَتَّى يَظْهَرَ الْبَاطِلُ فِي صُورَةِ الْحَقِّ فَمَذْمُومٌ، وَصَاحِبُهُ فِي الدَّارَيْنِ مَلُومٌ. (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ. (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فِي قَوْلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ) أَيْ إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَكُمْ عَذَّبَكُمْ. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أَيْ بِفَائِتِينَ. وَقِيلَ: بِغَالِبِينَ بِكَثْرَتِكُمْ، لِأَنَّهُمْ أُعْجِبُوا بِذَلِكَ، كَانُوا مَلَئُوا الْأَرْضَ سَهْلًا وَجَبَلًا عَلَى مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي) أَيْ إِبْلَاغِي وَاجْتِهَادِي فِي إِيمَانِكُمْ. (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ) أَيْ لِأَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ نُصْحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" بَرَاءَةٌ" «٢» مَعْنَى النُّصْحِ لُغَةً. (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) أَيْ يُضِلَّكُمْ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ أَنْ يَعْصِيَ الْعَاصِي، وَلَا يَكْفُرَ الْكَافِرُ، وَلَا يَغْوِيَ الْغَاوِي، وَأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:" إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ". وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي" الْفَاتِحَةِ" «٣» وَغَيْرِهَا. وَقَدْ أَكْذَبُوا شَيْخَهُمُ اللَّعِينَ إِبْلِيسَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي" الْأَعْرَافِ" فِي إِغْوَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ:" فَبِما أَغْوَيْتَنِي" [الأعراف: ١٦] وَلَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْ قَوْلِ نُوحٍ ﵇:" إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ" فَأَضَافَ إِغْوَاءَهُمْ إِلَى اللَّهِ ، إِذْ هُوَ الْهَادِي وَالْمُضِلُّ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ وَالظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقِيلَ:" أَنْ يُغْوِيَكُمْ" يُهْلِكَكُمْ، لِأَنَّ الْإِضْلَالَ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ. الطَّبَرِيُّ:" يُغْوِيَكُمْ" يهلككم بعذابه، حكي عن طئ أَصْبَحَ فُلَانٌ غَاوِيًا أَيْ مَرِيضًا، وَأَغْوَيْتُهُ أَهْلَكْتُهُ، ومنه" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" «٤» [مريم: ٥٩]. (هُوَ رَبُّكُمْ) فَإِلَيْهِ الْإِغْوَاءُ، وَإِلَيْهِ الْهِدَايَةُ. (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تهديد ووعيد.

стр. 3360

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) يَعْنُونَ النَّبِيَّ ﷺ . افْتَرَى افْتَعَلَ، أَيِ اخْتَلَقَ الْقُرْآنَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، قَالَ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مِنْ مُحَاوَرَةِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ إِلَّا ذِكْرُ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، فَالْخِطَابُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ) أَيِ اخْتَلَقْتُهُ وَافْتَعَلْتُهُ، يَعْنِي الْوَحْيَ وَالرِّسَالَةَ. (فَعَلَيَّ إِجْرامِي) أَيْ عِقَابُ إِجْرَامِي، وَإِنْ كُنْتُ مُحِقًّا فِيمَا أَقُولُهُ فَعَلَيْكُمْ عِقَابُ تَكْذِيبِي. وَالْإِجْرَامُ مَصْدَرُ أَجْرَمَ، وَهُوَ اقْتِرَافُ السَّيِّئَةِ. وَقِيلَ [الْمَعْنَى «١»]: أَيْ جَزَاءُ جُرْمِي وَكَسْبِي. وَجَرَمَ وَأَجْرَمَ بِمَعْنًى، عَنِ النَّحَّاسِ وَغَيْرِهِ. قَالَ «٢»: طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ جُرْمٍ ... بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي وَمَنْ قَرَأَ" أَجْرَامِي" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ جَمْعُ جُرْمَ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ أَيْضًا. (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) أي من الكفر والتكذيب. [سورة هود (١١): الآيات ٣٦ الى ٣٧] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) " أَنَّهُ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِ" أَنَّهُ". وَ" آمَنَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ" يُؤْمِنَ" وَمَعْنَى الْكَلَامِ الْإِيَاسُ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَاسْتِدَامَةُ كُفْرِهِمْ، تَحْقِيقًا لِنُزُولِ الْوَعِيدِ بِهِمْ. قَالَ الضَّحَّاكُ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ لَمَّا أُخْبِرَ بِهَذَا فَقَالَ:" رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً" «٣» [نوح: ٢٦] الْآيَتَيْنِ. وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ حَمَلَ ابْنَهُ عَلَى كَتِفِهِ، فَلَمَّا رَأَى الصَّبِيُّ نُوحًا قَالَ لِأَبِيهِ: اعْطِنِي حَجَرًا، فَأَعْطَاهُ حَجَرًا، وَرَمَى بِهِ نُوحًا ﵇ فَأَدْمَاهُ، فَأَوْحَى الله تعالى إليه

стр. 3361

" أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أَيْ فَلَا تَغْتَمَّ بِهَلَاكِهِمْ حَتَّى تَكُونَ بَائِسًا، أَيْ حَزِينًا. وَالْبُؤْسُ الْحُزْنُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَكَمْ مِنْ خَلِيلٍ أَوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ أَبْتَئِسْ وَالرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلٌ يُقَالُ: ابْتَأَسَ الرَّجُلُ إذا بلغه شي يَكْرَهُهُ. وَالِابْتِئَاسُ حُزْنٌ فِي اسْتِكَانَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) أَيِ اعْمَلِ السَّفِينَةَ لِتَرْكَبَهَا أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ مَعَكَ." بِأَعْيُنِنا" أَيْ بِمَرْأًى مِنَّا وَحَيْثُ نَرَاكَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: بِحِفْظِنَا إِيَّاكَ حِفْظَ مَنْ يَرَاكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: (بِحِرَاسَتِنَا)، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالْأَعْيُنِ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ بِهَا. وَيَكُونُ جَمْعُ الْأَعْيُنِ لِلْعَظَمَةِ لَا للتكثير، كما قال تعالى:" فَنِعْمَ الْقادِرُونَ" «١» [المرسلات: ٢٣] " فَنِعْمَ الْماهِدُونَ"" وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" «٢» [الذاريات: ٤٧]. وَقَدْ يَرْجِعُ مَعْنَى الْأَعْيُنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا إِلَى مَعْنَى عَيْنٍ، كَمَا قَالَ:" وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" «٣» وَذَلِكَ كُلُّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِدْرَاكِ وَالْإِحَاطَةِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَوَاسِّ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ، لَا رَبَّ غَيْرَهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى" بِأَعْيُنِنا" أَيْ بِأَعْيُنِ مَلَائِكَتِنَا الَّذِينَ جَعَلْنَاهُمْ عُيُونًا عَلَى حِفْظِكَ وَمَعُونَتِكَ، فَيَكُونُ الْجَمْعُ عَلَى هَذَا التَّكْثِيرِ عَلَى بَابِهِ. وَقِيلَ:" بِأَعْيُنِنا" أَيْ بِعِلْمِنَا، قَالَهُ مُقَاتِلٌ: وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَسُفْيَانُ:" بِأَعْيُنِنا" بِأَمْرِنَا. وَقِيلَ: بِوَحْيِنَا. وَقِيلَ: بِمَعُونَتِنَا لَكَ عَلَى صُنْعِهَا." وَوَحْيِنا" أَيْ عَلَى مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، مِنْ صَنْعَتِهَا. (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم. [سورة هود (١١): الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)

стр. 3362

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أَيْ وَطَفِقَ يَصْنَعُ. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَكَثَ نُوحٌ ﷺ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ الشَّجَرَ وَيَقْطَعُهَا وَيُيَبِّسُهَا، وَمِائَةَ سَنَةٍ يَعْمَلُهَا. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بلغني أن قوم نوح ملوا الأرض، حتى ملوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَصْعَدُوا إِلَى هَؤُلَاءِ فَمَكَثَ نُوحٌ يَغْرِسُ الشَّجَرَ مِائَةَ عَامٍ لِعَمَلِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ جَمَعَهَا يُيَبِّسُهَا مِائَةَ عَامٍ، وَقَوْمُهُ يَسْخَرُونَ، وَذَلِكَ لِمَا رَأَوْهُ يَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِيهِمْ مَا كَانَ. وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَمِلَ نُوحٌ سَفِينَتَهُ بِبِقَاعِ دِمَشْقَ، وَقَطَعَ خَشَبَهَا مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ. وَقَالَ، الْقَاضِي أَبُو بكر بن العرابي: لَمَّا اسْتَنْقَذَ اللَّهَ مَنْ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ." أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ"" وَاصْنَعِ الْفُلْكَ" قَالَ: يَا رَبِّ مَا أَنَا بِنَجَّارٍ، قَالَ:" بَلَى فَإِنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي" فَأَخَذَ الْقَدُومَ فَجَعَلَهُ بِيَدِهِ، وَجَعَلَتْ يَدَهُ لَا تُخْطِئُ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَارَ نَجَّارًا، فَعَمِلَهَا فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اتَّخَذَ نُوحٌ السَّفِينَةَ فِي سَنَتَيْنِ. زَادَ الثَّعْلَبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الْفُلْكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعْهَا كَجُؤْجُؤِ الطَّائِرِ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَنَاهَا فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَهْدَوِيُّ: وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَصْنَعُهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي طُولِهَا وَعَرْضِهَا، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا خَمْسُونَ، وَسُمْكُهَا ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ. وَكَذَا قَالَ الْكَلْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ كَانَ طولها ثلاثمائة ذراع، والذراع إلى المنكب. قال سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ طُولَ السَّفِينَةِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ. وَرَوَى عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ﵇: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ يُحَدِّثُنَا عَنْهَا، فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ، قَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟

стр. 3363

قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: [هَذَا كَعْبُ «١» حَامِ بْنِ نُوحٍ [قَالَ فَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ «٢» مِنْ رَأْسِهِ، وَقَدْ شَابَ «٣»، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَهَكَذَا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا بَلْ مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها السا فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ. قَالَ: أَخْبِرْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ؟ قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَتْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، طَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوَحْشُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ. وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ «٤» عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ فِيمَا حَكَاهُ النَّقَّاشُ: وَدَخَلَ الْمَاءُ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، بَابٌ فِيهِ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ، وَبَابٌ فِيهِ الْوَحْشُ، وَبَابٌ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. ابْنُ عَبَّاسٍ جَعَلَهَا ثَلَاثَ بُطُونٍ، الْبَطْنُ الْأَسْفَلُ لِلْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ، وَالْأَوْسَطُ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَرَكِبَ هُوَ فِي الْبَطْنِ الْأَعْلَى، وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ ﵇ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ دَفَنَهُ بَعْدُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَهُمْ فِي الْكَوْثَلِ «٥». وَقِيلَ: جَاءَتِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ لِدُخُولِ السَّفِينَةِ فَقَالَ نُوحٌ: لَا أَحْمِلُكُمَا، لِأَنَّكُمَا سَبَبُ الضَّرَرِ وَالْبَلَاءِ، فَقَالَتَا: احْمِلْنَا فَنَحْنُ نَضْمَنُ لَكَ أَلَّا نَضُرَّ أَحَدًا ذَكَرَكَ، فَمَنْ قَرَأَ حِينَ يَخَافُ مَضَرَّتَهُمَا" سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ" «٦» [الصافات: ٧٩] لَمْ تَضُرَّاهُ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ لَهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي صَلَّى اللَّهُ عَلَى نُوحٍ وَعَلَى نُوحٍ السَّلَامُ لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ". قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلَّما) ظَرْفٌ. (مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ). قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ يُقَالُ: سَخِرْتُ بِهِ وَمِنْهُ. وَفِي سُخْرِيَتِهِمْ مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ يَبْنِي سَفِينَتَهُ فِي الْبَرِّ، فَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجَّارًا. الثَّانِي- لَمَّا رَأَوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ وَلَمْ يُشَاهِدُوا قَبْلَهَا سَفِينَةً بُنِيَتْ قالوا: يا نوح

стр. 3364

مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، فَعَجِبُوا مِنْ قَوْلِهِ وَسَخِرُوا مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الطُّوفَانِ نَهْرٌ وَلَا بَحْرٌ، فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنْهُ، وَمِيَاهُ الْبِحَارِ هِيَ بَقِيَّةُ الطُّوفَانِ. (قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا) أَيْ مِنْ فِعْلِنَا الْيَوْمَ عِنْدَ بناء السفينة. (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) غَدًا عِنْدَ الْغَرَقِ. وَالْمُرَادُ بِالسُّخْرِيَةِ هُنَا الِاسْتِجْهَالُ، ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) تهديد، و" مَنْ" متصلة ب" فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" وَ" تَعْلَمُونَ" هُنَا مِنْ بَابِ التَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ، أَيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي يَأْتِيهِ الْعَذَابُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" مَنْ" اسْتِفْهَامِيَّةً، أَيْ أَيُّنَا يَأْتِيهِ الْعَذَابُ؟. وَقِيلَ:" مَنْ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَ" يَأْتِيهِ" الْخَبَرُ، وَ" يُخْزِيهِ" صِفَةٌ لِ" عَذابٌ". وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: سَوْ تَعْلَمُونَ، وَقَالَ مَنْ قَالَ:" سَتَعْلَمُونَ" أَسْقَطَ الْوَاوَ وَالْفَاءَ جَمِيعًا. وَحَكَى الْكُوفِيُّونَ: سَفْ «١» تَعْلَمُونَ، وَلَا يَعْرِفُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا سَوْفَ تَفْعَلُ، وَسَتَفْعَلُ لُغَتَانِ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ بِهِ. (عَذابٌ مُقِيمٌ) أَيْ دَائِمٌ، يُرِيدُ عَذَابَ الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ) اخْتُلِفَ فِي التَّنُّورِ عَلَى أَقْوَالٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّهُ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي وَجْهَ الْأَرْضِ تَنُّورًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَارْكَبْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ. الثَّانِي- أَنَّهُ تَنُّورُ الْخُبْزِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وَكَانَ تَنُّورًا مِنْ حِجَارَةٍ، وَكَانَ لِحَوَّاءَ حَتَّى صَارَ لِنُوحٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فَارْكَبْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. وَأَنْبَعَ اللَّهُ الْمَاءَ مِنَ التَّنُّورِ، فَعَلِمَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَا نُوحُ فَارَ الْمَاءُ مِنَ التَّنُّورِ، فَقَالَ: جَاءَ وَعْدُ ربي حقا. وهذا قول الحسن، وقال مُجَاهِدٌ وَعَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثَّالِثُ- أَنَّهُ

стр. 3365

مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ فِي السَّفِينَةِ، عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. الرَّابِعُ- أَنَّهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَنُورُ الصُّبْحِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الْفَجْرُ تَنْوِيرًا، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. الْخَامِسُ- أَنَّهُ مَسْجِدُ الْكُوفَةِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب أيضا، وقال مُجَاهِدٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ نَاحِيَةَ التَّنُّورِ بِالْكُوفَةِ. وَقَالَ: اتَّخَذَ نُوحٌ السَّفِينَةَ فِي جَوْفِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ التَّنُّورُ عَلَى يَمِينِ الدَّاخِلِ مِمَّا يَلِي كِنْدَةَ. وَكَانَ فَوَرَانُ الْمَاءِ مِنْهُ عَلَمًا لِنُوحٍ، وَدَلِيلًا عَلَى هَلَاكِ قَوْمِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ أُمَيَّةَ: فَارَ تَنُّورُهُمْ وَجَاشَ بِمَاءٍ ... صَارَ فَوْقَ الْجِبَالِ حَتَّى عَلَاهَا السَّادِسُ أَنَّهُ أَعَالِي الْأَرْضُ، وَالْمَوَاضِعُ الْمُرْتَفِعَةُ مِنْهَا، قَالَهُ قَتَادَةَ. السَّابِعُ- أَنَّهُ الْعَيْنُ الَّتِي بِالْجَزِيرَةِ" عَيْنُ الْوَرْدَةِ" رَوَاهُ عِكْرِمَةُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ ذَلِكَ تَنُّورُ آدَمَ، وَإِنَّمَا كَانَ بِالشَّامِ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ:" عَيْنُ وَرْدَةٍ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: فَارَ تَنُّورُ آدَمَ بِالْهِنْدِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَتْ بِمُتَنَاقِضَةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَاءَ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ:" فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً" «١» [القمر: ١٢ - ١١]. فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَجْتَمِعُ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَامَةً. وَالْفَوَرَانُ الْغَلَيَانُ. وَالتَّنُّورُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ الْعَرَبُ، وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ فَعَّلَ، لِأَنَّ أَصْلَ بِنَائِهِ تَنَّرَ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ نُونٌ قَبْلَ رَاءٍ «٢». وَقِيلَ: مَعْنَى" فارَ التَّنُّورُ" «٣» التَّمْثِيلُ لِحُضُورِ الْعَذَابِ، كَقَوْلِهِمْ: حَمِيَ الْوَطِيسُ إِذَا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ. وَالْوَطِيسُ التَّنُّورُ. وَيُقَالُ: فَارَتْ قِدْرُ الْقَوْمِ إِذَا اشْتَدَّ حَرْبُهُمْ، قَالَ شَاعِرُهُمْ: تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى، لِبَقَاءِ أَصْلِ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفَانِ. وَقَرَأَ حَفْصٌ" مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" بِتَنْوِينِ" كُلٍّ" أَيْ مِنْ كُلِّ شي زَوْجَيْنِ. وَالْقِرَاءَتَانِ تَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ: [شَيْءٌ] «٤» مَعَهُ آخَرُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ. وَيُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ: هُمَا زَوْجَانِ، فِي كُلِّ اثْنَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجًا يُقَالُ: لَهُ زَوْجَا نَعْلٍ إِذَا كَانَ لَهُ نَعْلَانِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ زَوْجَا حمام، وعليه زوجا
следующие страницы →