← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

السَّادِسَةُ- وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَخْصِيصِ الرُّكُوعِ بِالذِّكْرِ فَقَالَ قَوْمٌ: جُعِلَ الرُّكُوعُ لَمَّا كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عِبَارَةً عَنِ الصَّلَاةِ قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالرُّكُوعِ وَحْدَهُ فَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الْقِرَاءَةَ [عِبَارَةً «١»] عَنِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودَ عِبَارَةً عَنِ الرَّكْعَةِ بِكَمَالِهَا فَقَالَ" وَقُرْآنَ الْفَجْرِ" أَيْ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ عَلَى الرَّكْعَةِ سَجْدَةً. وَقِيلَ إِنَّمَا خَصَّ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاتِهِمْ رُكُوعٌ. وقيل: لأنه كان أثقل عل الْقَوْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ أَظُنُّهُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : عَلَى أَلَّا أَخِرَّ إِلَّا قَائِمًا. فَمِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى أَلَّا أَرْكَعَ فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ مِنْ قَلْبِهِ اطْمَأَنَّتْ بِذَلِكَ نَفْسُهُ وَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الرُّكُوعِ السَّابِعَةُ- الرُّكُوعُ الشَّرْعِيُّ هُوَ أَنْ يَحْنِيَ الرَّجُلُ صُلْبَهُ وَيَمُدَّ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ وَيَفْتَحَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَيَقْبِضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمَ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ «٢» وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ «٣» ظَهْرَهُ الْحَدِيثَ. الثَّامِنَةُ- الرُّكُوعُ فَرْضٌ، قُرْآنًا وَسُنَّةً، وَكَذَلِكَ السُّجُودُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْحَجِّ" ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" «٤» [الحج: ٧٧]. وَزَادَتِ السُّنَّةُ الطُّمَأْنِينَةَ فِيهِمَا وَالْفَصْلَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَّا صِفَةَ الرُّكُوعِ آنِفًا. وَأَمَّا السُّجُودُ فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطُ أحدكم ذراعيه

стр. 352

انْبِسَاطَ الْكَلْبِ (. وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مَرْفِقَيْكَ). وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ- يَعْنِي جَنَّحَ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ- وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى. التَّاسِعَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي السُّجُودِ دُونَ أَنْفِهِ أَوْ أَنْفَهُ دُونَ جَبْهَتِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ السُّجُودُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ «١» وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ سَجَدَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى كُلُّهُمْ أَمَرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْزِئُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ، هَذَا قَوْلُ. عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ قَائِلٌ: إِنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَلَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ أَوْ وَضَعَ أَنْفَهُ وَلَمْ يَضَعْ جَبْهَتَهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، هَذَا قَوْلُ النُّعْمَانِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ فِي السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ- وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلَا نَكْفِتَ «٢» الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ (. وَهَذَا كُلُّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِيهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ، كَقَوْلِ عَطَاءٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى جَبْهَتِهِ.

стр. 353

الْعَاشِرَةُ- وَيُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ، وَإِنْ كَانَ طَاقَةً أَوْ طَاقَتَيْنِ مِثْلَ الثِّيَابِ الَّتِي تَسْتُرُ الرُّكَبَ وَالْقَدَمَيْنِ فَلَا بَأْسَ، وَالْأَفْضَلُ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ أَوْ مَا يُسْجَدُ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يُؤْذِيهِ أَزَالَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَمْسَحْهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مُعَيْقِيبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ (إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةٌ) وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- لما قال تعالى:" ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" [الحج: ٧٧] قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَغَيْرُهُمْ يَكْفِي مِنْهَا مَا يُسَمَّى رُكُوعًا وَسُجُودًا، وَكَذَلِكَ مِنَ الْقِيَامِ. وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الطُّمَأْنِينَةَ فِي ذَلِكَ فَأَخَذُوا بِأَقَلِّ الِاسْمِ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ فِي إِلْغَاءِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يُجْزِي رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ وَلَا وُقُوفٌ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَا جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَعْتَدِلَ رَاكِعًا وَوَاقِفًا وَسَاجِدًا وَجَالِسًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأَثَرِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ النَّظَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ بِوُجُوبِ الْفَصْلِ وَسُقُوطِ الطُّمَأْنِينَةِ وَهُوَ وَهْمٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهَا وَأَمَرَ بِهَا وَعَلَّمَهَا. فَإِنْ كَانَ لِابْنِ الْقَاسِمِ عُذْرٌ أَنْ كَانَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا فَمَا لَكُمْ أَنْتُمْ وَقَدِ انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَيْكُمْ وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِهِ عَلَيْكُمْ! رَوَى النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) وَجَعَلَ يُصَلِّي وَجَعَلْنَا نَرْمُقُ صَلَاتَهُ لَا نَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا فَلَمَّا جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ). قَالَ هَمَّامٌ «١»: فَلَا نَدْرِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثلاثا فقال له الرجل:

стр. 354

مَا أَلَوْتُ فَلَا أَدْرِي مَا عِبْتَ عَلَيَّ من صلاتي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْكَعَ فَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يقيم صلبه ويأخذ كل عظيم مأخذه ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ- قَالَ هَمَّامٌ: وَرُبَّمَا قَالَ: جَبْهَتَهُ- مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ- فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ- لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ) وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قُلْتُ: فَهَذَا بَيَانُ الصَّلَاةِ الْمُجْمَلَةِ فِي الْكِتَابِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﵇ وَتَبْلِيغِهِ إِيَّاهَا جَمِيعَ الْأَنَامِ فَمَنْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَأَخَلَّ بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِ الرَّحْمَنُ وَلَمْ يَمْتَثِلْ مَا بَلَغَهُ عَنْ نَبِيِّهِ ﵇ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى" فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ" [مريم: ٥٩] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ لَمُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ الثامنة عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَ الرَّاكِعِينَ) " مَعَ" تَقْتَضِي الْمَعِيَّةَ وَالْجَمْعِيَّةَ وَلِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْقُرْآنِ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلًا لَمْ يَقْتَضِ شُهُودَ الْجَمَاعَةِ فَأَمَرَهُمْ بِقَوْلِهِ" مَعَ" شُهُودِ الْجَمَاعَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شُهُودِ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَدْمَنَ التَّخَلُّفَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ الْعُقُوبَةُ. وَقَدْ أَوْجَبَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْتَمَعَ عَلَى تَعْطِيلِ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا مِنَ الْجَمَاعَاتِ فَإِذَا قَامَتِ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ جَائِزَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇ (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أفضل من صلاة الفذ «٢» بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله

стр. 355

عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا). وَقَالَ دَاوُدُ: الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّتِهِ كَالْجُمُعَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: (لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُرَخِّصُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي تَرْكِ إِتْيَانِهَا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ:" [هَلْ [«١»] تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ نَعَمْ قَالَ (فَأَجِبْ) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً). خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ هُوَ السَّائِلَ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (من سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِتْيَانِهِ عُذْرٌ- قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ- لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى (. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: هَذَا يَرْوِيهِ مَغْرَاءُ الْعَبْدِيُّ وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ) عَلَى أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَحَسْبُكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ صِحَّةً وَمَغْرَاءُ الْعَبْدِيُّ رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ. وَقَالَ ﵇ (بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَقَدْ رُوِّينَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ) مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ

стр. 356

اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي فَيَجْمَعُوا حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ لَهُمْ عِلَّةٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ). هَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فَرْضًا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى تَأْكِيدِ أَمْرِ شُهُودِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَلُوا قَوْلَ الصَّحَابَةِ وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ (لَا صَلَاةَ لَهُ) عَلَى الْكَمَالِ وَالْفَضْلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ لِابْنِ أُمٍّ مَكْتُومٍ (فَأَجِبْ) عَلَى النَّدْبِ. وَقَوْلُهُ ﵇ (لَقَدْ هَمَمْتُ) لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ الْحَتْمِ لِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلْ وَإِنَّمَا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ. يُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمَدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ «١» حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ (. فَبَيَّنَ ﵁ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَتَرْكَهُ ضَلَالٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي التَّمَالُؤِ عَلَى تَرْكِ ظَاهِرِ السنن، هل يقاتل عليها أولا، وَالصَّحِيحُ قِتَالُهُمْ، لِأَنَّ فِي التَّمَالُؤِ عَلَيْهَا إِمَاتَتَهَا. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا إِذَا أُقِيمَتِ السُّنَّةُ وَظَهَرَتْ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَحَّتْ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ «٢» إِلَّا الصَّلَاةُ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فَلَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بها درجة

стр. 357

وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ (. قِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْفَضْلِ الْمُضَافِ لِلْجَمَاعَةِ هَلْ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ فَقَطْ حَيْثُ كَانَتْ أَوْ إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفَضْلُ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا يُلَازِمُ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالٍ تَخْتَصُّ بِالْمَسَاجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَانِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا كان من إكثار الخطا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَقَصْدِ الْإِتْيَانِ إِلَيْهَا وَالْمُكْثِ فِيهَا فَذَلِكَ زِيَادَةُ ثَوَابٍ خَارِجٌ عَنْ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَفْضُلُ جَمَاعَةٌ جَمَاعَةً بِالْكَثْرَةِ وَفَضِيلَةِ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نَعَمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ لِينٌ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فمن صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ هَلْ يُعِيدُ صَلَاتَهُ تِلْكَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ إِنَّمَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَا أَقَلَّ وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: جَائِزٌ لِمَنْ صَلَّى فِي جماعة ووجد جماعة أُخْرَى فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ إِنْ شَاءَ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَسُنَّةٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَصِلَةَ بْنِ زُفَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. احْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ ﷺ (لَا تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا تُصَلُّوا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَاتَّفَقَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى

стр. 358

هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُصَلِّي الْإِنْسَانُ الْفَرِيضَةَ ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّيَهَا ثَانِيَةً يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ مَرَّةً أُخْرَى فَأَمَّا إِذَا صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ تَطَوُّعٌ فَلَيْسَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ (إِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ (سِنًّا) مَكَانَ (سِلْمًا) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِإِسْمَاعِيلَ مَا تَكْرِمَتُهُ؟ قَالَ: فِرَاشُهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: أَحَقُّ النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ وَقَالُوا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَذَّنَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ صَاحِبُ الْبَيْتِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِّينَا عَنِ الْأَشْعَثِ ابن قَيْسٍ أَنَّهُ قَدَّمَ غُلَامًا وَقَالَ إِنَّمَا أُقَدِّمُ الْقُرْآنَ وَمِمَّنْ قَالَ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمُ ابْنُ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِهَذَا نَقُولُ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ أَعْلَمُهُمْ إِذَا كَانَتْ حَالُهُ حَسَنَةً وَإِنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَقِيهَ أَعْرَفُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الصَّلَاةِ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْأَقْرَأَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْأَفْقَهَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَقَّهُونَ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ مِنْ عُرْفِهِمُ الْغَالِبِ تَسْمِيَتُهُمُ الْفُقَهَاءَ بِالْقُرَّاءِ وَاسْتَدَلُّوا بِتَقْدِيمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ لِفَضْلِهِ وَعِلْمِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ إِنَّمَا قَدَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَتُهُ بَعْدَهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي التَّمْهِيدِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله

стр. 359

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا سَافَرْتُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَكُمْ وَإِذَا أَمَّكُمْ فَهُوَ أَمِيرُكُمْ) قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: إِمَامَةُ الصَّغِيرِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ قَارِئًا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ «١» مَمَرَّ النَّاسِ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا! أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا! فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ فَكَأَنَّمَا يُقَرُّ «٢» فِي صَدْرِي وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ «٣» بِإِسْلَامِهَا فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ حَقًّا، قَالَ: (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا). فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرْآنًا لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلِيَّ بُرْدَةٌ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّونَ «٤» عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ! فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ. وَمِمَّنْ أَجَازَ إِمَامَةَ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْبَالِغِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِذَا عَقَلَ الصَّلَاةَ وَقَامَ بِهَا لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﷺ (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ وَلِحَدِيثِ عمرو ابن سَلَمَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَؤُمُّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ وَقَدْ كَانَ قَبْلُ يَقُولُ وَمَنْ أَجْزَأَتْ إِمَامَتُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَجْزَأَتْ إِمَامَتُهُ فِي الْأَعْيَادِ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ فِيهَا إِمَامَةَ غَيْرِ الْوَالِيِّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ حَتَّى يَحْتَلِمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ لَيْسَ معهم من القرآن شي فَإِنَّهُ يَؤُمُّهُمُ الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِنَ اضْطُرُّوا إِلَيْهِ أَمَّهُمْ. وَمَنَعَ ذَلِكَ جُمْلَةً مَالِكٌ والثوري وأصحاب الرأي. السابعة عشرة- الإتمام بِكُلِّ إِمَامٍ بَالِغٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَلَى اسْتِقَامَةٍ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ حُدُودَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ لَحْنًا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى مِثْلَ أَنْ يَكْسِرَ الكاف

стр. 360

من" إِيَّاكَ نَعْبُدُ" [الفاتحة: ٥] وَيَضُمَّ التَّاءَ فِي" أَنْعَمْتَ" وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى تَفْرِيقَ الطَّاءِ مِنَ الضَّادِ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا لَا تَصِحَّ إِمَامَتُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا يَخْتَلِفُ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِالْقِرَاءَةِ وَأَمَّ مِثْلَهُ وَلَا يَجُوزُ الإتمام بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا أُمِّيٍّ وَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إِمَامًا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِلَّا الْأُمِّيَّ لِمِثْلِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ مَعَ حُضُورِ الْقَارِئِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ. فَإِنْ أَمَّ أُمِّيًّا مِثْلَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا صَلَّى الْأُمِّيُّ بِقَوْمٍ يَقْرَءُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتُهُمْ كُلُّهُمْ فَاسِدَةٌ. وخالقه أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ تَامَّةٌ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ صَلَاتَهُمْ كُلُّهُمْ جَائِزَةٌ لِأَنَّ كُلًّا مُؤَدٍّ فَرْضَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمُتَيَمِّمِ يُصَلِّي بِالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ وَالْمُصَلِّي قَاعِدًا يُصَلِّي بِقَوْمٍ قِيَامٍ صَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ فِي قَوْلِ مَنْ خَالَفَنَا لان كلا مؤد فرضي نفسه. قلت: وقد يحتج لهذا القول بقول ﵇ (أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي [إِذَا صَلَّى [«١»] كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَيْسَتْ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يقول إذا كانت امرأته تقرأ كبر هي وَتَقْرَأُ هِيَ فَإِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَهِيَ خَلْفَهُ تُصَلِّي وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ قَتَادَةَ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْأَشَلِّ وَالْأَقْطَعِ وَالْخَصِيِّ وَالْعَبْدِ إِذَا كَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَالِمًا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا أَرَى أَنْ يَؤُمَّ الْأَقْطَعُ وَالْأَشَلُّ لِأَنَّهُ مُنْتَقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ وَكُرِهَتْ إِمَامَتُهُ لِأَجْلِ النَّقْصِ. وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا يَمْنَعُ فَقْدُهُ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَجَازَتِ الْإِمَامَةُ الرَّاتِبَةُ مَعَ فَقْدِهِ كَالْعَيْنِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى، (وَكَذَا الْأَعْرَجُ وَالْأَقْطَعُ وَالْأَشَلُّ وَالْخَصِيُّ قِيَاسًا وَنَظَرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَعْمَى: (وَمَا حَاجَتُهُمْ إِلَيْهِ! وكان ابن عباس وعتبان ابن مَالِكٍ يَؤُمَّانِ وَكِلَاهُمَا أَعْمَى، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ.

стр. 361

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى فَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا رَاتِبًا وَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ أَنْ يُنَصَّبَ إِمَامًا رَاتِبًا مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَجْزَأَهُ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا أَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِ أَبَوَيْهِ شي وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يَؤُمُّ لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) وقال أبو عمر ليس في شي مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي شَرْطِ الْإِمَامَةِ مَا يدل على مراعاة نسب وإنما فيها دلالة عَلَى الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاحِ فِي الدِّينِ الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ- وَأَمَّا الْعَبْدُ فَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعَصَبَةَ- مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ سالم مولى أبي حذيفة يؤو الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ في مسجد قباء فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر ابن رَبِيعَةَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَمَّ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ. وَرَخَّصَ فِي إِمَامَةِ الْعَبْدِ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو مِجْلَزٍ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَؤُمُّهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَارِئًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَحْرَارِ لَا يَقْرَءُونَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيدٍ أَوْ جُمُعَةٍ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَؤُمُّهُمْ فِيهَا وَيُجْزِئُ عِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ إِنْ صَلَّوْا وَرَاءَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْعَبْدُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ). الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رسول الله ﷺ أن أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا بِنْتَ كِسْرَى قَالَ (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ

стр. 362

امْرَأَةً (. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا قَالَ وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالشَّافِعِيُّ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ. قُلْتُ: وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ. وَرَوَى ابْنُ «١» أَيْمَنَ جَوَازَ إِمَامَتِهَا لِلنِّسَاءِ. وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَؤُمُّ الرِّجَالَ وَيَؤُمُّ النِّسَاءَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ إِمَامًا بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- الْكَافِرُ الْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يَؤُمُّ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِكُفْرِهِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يقولان لا يجزئهم ويعيدون وقاله مالك وأصحاب لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُعَاقَبُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَا يَكُونُ بِصَلَاتِهِ مُسْلِمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً إِلَى هَوَاهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَيُصَلَّى خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كُلُّ مَنْ أَخْرَجَتْهُ بِدْعَتُهُ إِلَى الْكُفْرِ لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَأَمَّا الْفَاسِقُ بِجَوَارِحِهِ كَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ صَلَّى وَرَاءَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إِلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ سَكْرَانَ. قاله

стр. 363

مَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ (لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا يَؤُمَّنَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ بَرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَا سُلْطَانٍ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا يَرْوِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْأَكْثَرُ يُضَعِّفُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تُزَكُّوا صَلَاتَكُمْ فَقَدِّمُوا خِيَارَكُمْ) فِي إِسْنَادِهِ أَبُو الْوَلِيدِ خَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قال الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ فِيهِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَحَدِيثُهُ هَذَا يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ عُمَرُ هَذَا هُوَ عِنْدِي عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ قَاضِي الْمَدَائِنِ وَسَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا مَدَائِنِيٌّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمعون) وقد اختلف العلماء فيمن وكع أَوْ خَفَضَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَامِدًا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيهَا كُلِّهَا أَوْ فِي أَكْثَرِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْوَرْدِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَأَضَعُ قَبْلَهُ فَلَمَّا سَلَّمَ الامام أخذ ابن عمر بيدي فلو اني وجذبني فقلت مالك! قَالَ مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَالَ: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ صِدْقٍ! فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ قُلْتُ: أَوَمَا رَأَيْتَنِي إِلَى جَنْبِكَ! قَالَ: قَدْ رَأَيْتُكَ تَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَتَضَعُ قَبْلَهُ وَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِيمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ رَفَعَ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ أو يسجد:

стр. 364

لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْزِهِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِمَامِ فِيهَا بِالْأَئِمَّةِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ فَمَنْ خَالَفَهَا بَعْدَ أَنْ أَدَّى فَرْضَ صَلَاتِهِ بِطَهَارَتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَفَرَائِضِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا وَإِنْ أَسْقَطَ بَعْضَ سُنَنِهَا لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَنْفَرِدَ فَصَلَّى قَبْلَ إِمَامِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَبِئْسَ مَا فَعَلَ فِي تَرْكِهِ الْجَمَاعَةَ قَالُوا: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ فَرَكَعَ بِرُكُوعِهِ وَسَجَدَ بِسُجُودِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي رَكْعَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى فَقَدِ اقْتَدَى وَإِنْ كَانَ يَرْفَعُ قَبْلَهُ وَيَخْفِضُ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ بِرُكُوعِهِ يَرْكَعُ وَبِسُجُودِهِ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَبَعٌ لَهُ إلا أنه مسي فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ لِخِلَافِهِ سُنَّةَ الْمَأْمُومِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا. قُلْتُ: مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ يُنْبِئُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ الْحِسِّيَّ وَالشَّرْعِيَّ مَفْقُودٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ هَكَذَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَالصَّحِيحُ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ بِأَفْعَالِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً" «١» [البقرة: ١٢٤] أَيْ يَأْتَمُّونَ بِكَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ هَذَا حَقِيقَةُ الْإِمَامِ لُغَةً وَشَرْعًا فَمَنْ خَالَفَ إِمَامَهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ فَقَالَ: (إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) الْحَدِيثَ. فَأَتَى بِالْفَاءِ الَّتِي تُوجِبُ التَّعْقِيبَ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ. ثُمَّ أَوْعَدَ مَنْ رَفَعَ أَوْ رَكَعَ قَبْلُ وَعِيدًا شَدِيدًا فَقَالَ (أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) أَخْرَجَهُ الْمُوَطَّأُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) يعني مردود فَمَنْ تَعَمَّدَ خِلَافَ إِمَامِهِ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ باتباعه منهم عَنْ مُخَالَفَتِهِ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِصَلَاتِهِ وَخَالَفَ مَا أمر به فواجب ألا تجزي عَنْهُ صَلَاتُهُ تِلْكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ سَاهِيًا قَبْلَ الْإِمَامِ فَقَالَ مَالِكٌ ﵀: السُّنَّةُ فِيمَنْ سَهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي رُكُوعٍ أَوْ فِي سُجُودٍ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَيَنْتَظِرَ الْإِمَامَ وَذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ به

стр. 365

فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ على من فعله عامدا لقوله:" وذلك خطاء ممن فعله"، لان الساهي عَنْهُ مَوْضُوعٌ. السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامَ أَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَ الْمَأْمُومِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ إِنْ كَبَّرَ قَبْلَ إِمَامِهِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ- أَيْ كَمَا أَنْتُمْ- ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ). وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ) وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا عِنْدَ قوله تعالى:" وَلا جُنُباً" في" النساء «١» " [النِّسَاءِ: ٤٣] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ (اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. زَادَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ «٢» الْأَسْوَاقِ). وَقَوْلُهُ (اسْتَوُوا) أَمْرٌ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَخَاصَّةً الصَّفَّ الْأَوَّلَ وَهُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْحِجْرِ «٣» " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُنَاكَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: يُفْضِي الْمُصَلِّي بِأَلْيَتَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى، لِمَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.

стр. 366

قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ «١» الشَّيْطَانِ وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. قُلْتُ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ الْيُسْرَى. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حي: ينصب اليمنى ويقعد عَلَى الْيُسْرَى (، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى. وَقَالُوا فِي الْآخِرَةِ مِنَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ أَوِ الْعِشَاءِ كَقَوْلِ مَالِكٍ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهَرَهُ فَإِذَا رَفَعَ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنْ فَعَلَ هَذَا فَحَسَنٌ كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الْمُوفِيَةُ الثَّلَاثِينَ- مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي فَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ قُلْتُ وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ (إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فخذه اليمنى وقبض أصابعه

стр. 367

كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ (. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَا وَصَفَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ وَضْعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبْضِ أَصَابِعِ يَدِهِ تِلْكَ كُلِّهَا إِلَّا السَّبَّابَةَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِهَا وَوَضْعِ كَفِّهِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى مَفْتُوحَةً مَفْرُوجَةَ الْأَصَابِعِ، كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فِي الْجُلُوسِ في الصلاة مجمع عليه لا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَحَسْبُكَ بِهَذَا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيكِ أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى تَحْرِيكَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ فِي الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمُسْنَدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ بِمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ ثُمَّ لَقِيتُهُ فَسَمِعْتُهُ مِنْهُ وَزَادَنِي فِيهِ قَالَ (هِيَ مَذَبَّةُ الشَّيْطَانِ لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ وَيَقُولُ هَكَذَا). قُلْتُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ فَمَنَعَ مِنْ تَحْرِيكِهَا وَبَعْضُ عُلَمَائِنَا رَأَوْا أَنَّ مَدَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى دَوَامِ التَّوْحِيدِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ إِلَى تَحْرِيكِهَا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُوَالَاةِ بِالتَّحْرِيكِ عَلَى قَوْلَيْنِ تَأَوَّلَ مَنْ وَالَاهُ بِأَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ يُذَكِّرُ بِمُوَالَاةِ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ وَبِأَنَّهَا مَقْمَعَةٌ وَمَدْفَعَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَى مَا رَوَى سُفْيَانُ وَمَنْ لَمْ يُوَالِ رَأَى تَحْرِيكَهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ وَتَأَوَّلَ فِي الْحَرَكَةِ كَأَنَّهَا نُطْقٌ بِتِلْكَ الْجَارِحَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَاخْتَلَفُوا فِي جُلُوسِ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ هِيَ كَالرَّجُلِ وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ إِلَّا فِي اللِّبَاسِ وَالْجَهْرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: تَسْدُلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ كَأَيْسَرَ مَا يَكُونُ لَهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ تَقْعُدُ كَيْفَ تَيَسَّرَ لَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجْلِسُ بِأَسْتَرِ مَا يَكُونُ لها.

стр. 368

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: [بَلْ [«١»] هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في صفة الإقعاء ما هو فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِقْعَاءُ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلُ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا إِقْعَاءٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَهَذَا تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَمَّا أَهْلُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْعَاءَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ الْإِقْعَاءِ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَضْعِ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ السنة أن تمس عقبك إلى أليتك رواه إبراهيم بن مسرة عَنْ طَاوُسٍ عَنْهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ قَالَ الْقَاضِيُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَمَّوْهُ إِقْعَاءً. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْعُونَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ- لَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَبِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ أَنَّهُ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى التَّسْلِيمَتَيْنِ أَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ فَرَائِضِهَا غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنْ حُجَّةِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ فِي إِيجَابِهِ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا- وَقَوْلِهِ: إِنَّ مَنْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْأُولَى وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ- قَوْلُهُ ﷺ :" تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ التَّسْلِيمُ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ دُونَ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ ﷺ :" تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" قَالُوا: وَالتَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ يَقَعُ عليها اسم تسليم.

стр. 369

قُلْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَخْذِ بِأَقَلِّ الِاسْمِ أَوْ بِآخِرِهِ وَلَمَّا كَانَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ بِإِجْمَاعٍ فَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنَّهُ تَوَارَدَتِ «١» السُّنَنُ الثَّابِتَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ- وَهُوَ أَكْثَرُهَا تَوَاتُرًا- وَمِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ وَحَدِيثِ عَمَّارٍ وَحَدِيثٍ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ. رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وعبد العزيز ابن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ كَانَتْ؟ فَذَكَرَ التَّكْبِيرَ كُلَّمَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَكُلَّمَا خَفَضَهُ وَذَكَرَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مَدَنِيٌّ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ الْمَشْهُورُ بِالْمَدِينَةِ التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ وَهُوَ عَمَلٌ قَدْ تَوَارَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَمِثْلُهُ يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ فِي كُلِّ بَلَدٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى لِوُقُوعِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَارًا. وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا مُسْتَفِيضٌ عِنْدَهُمْ بالتسليمتين ومتوارث عندهم أَيْضًا. وَكُلُّ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي الْمُبَاحِ كَالْأَذَانِ وَكَذَلِكَ لَا يُرْوَى عَنْ عَالِمٍ بِالْحِجَازِ وَلَا بِالْعِرَاقِ وَلَا بِالشَّامِ وَلَا بِمِصْرَ إِنْكَارُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا إِنْكَارُ التَّسْلِيمَتَيْنِ بَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفٌ وَحَدِيثُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةُ وَأَنَسٌ إِلَّا أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ لَا يُصَحِّحُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ- رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفِيَ التَّشَهُّدَ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ. التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّكِيَّاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ تَشَهُّدَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ يَقُولُ: (التَّحِيَّاتُ المباركات الصلوات الطيبات

стр. 370

لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وَاخْتَارَ الثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ- فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ [لِلَّهِ [«١»] صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ بِالْأَنْدَلُسِ يَخْتَارُهُ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا نَحْوُ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهَذَا كُلُّهُ اخْتِلَافٌ فِي مباح ليس شي مِنْهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ " وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ" [البقرة: ٤٣]. وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ قوله تعالى" وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ" «٢» [البقرة: ٢٣٨]. وَيَأْتِي هُنَاكَ حُكْمُ الْإِمَامِ الْمَرِيضِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَيَأْتِي فِي" آلِ عِمْرَانَ" «٣» حُكْمُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْإِمَامِ وَيَأْتِي فِي" النِّسَاءِ" «٤» فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ حُكْمُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ وَيَأْتِي فِي سُورَةِ" مَرْيَمَ" «٥» حُكْمُ الْإِمَامِ يُصَلِّي أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَالْأَذَانِ وَالْمَسَاجِدِ وَهَذَا كُلُّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذلك. [سورة البقرة (٢): آية ٤٤] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) فيه تسع مسائل:

стр. 371

الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) هَذَا استفهام معناه التَّوْبِيخِ وَالْمُرَادُ فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَهُودُ الْمَدِينَةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِصِهْرِهِ وَلِذِي قَرَابَتِهِ وَلِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَضَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اثْبُتْ عَلَى الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ وَمَا يَأْمُرُكَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ يُرِيدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ أَمْرَهُ حَقٌّ فَكَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُونَهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كَانَ الْأَحْبَارُ يَأْمُرُونَ مُقَلِّدِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَكَانُوا يُخَالِفُونَهَا فِي جَحْدِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَانَ الْأَحْبَارُ يحضون في طَاعَةِ اللَّهِ وَكَانُوا هُمْ يُوَاقِعُونَ الْمَعَاصِيَ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ كَانُوا يَحُضُّونَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَبْخَلُونَ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَاتِ الْمَعْنَى أَتُطَالِبُونَ النَّاسَ بِحَقَائِقِ الْمَعَانِي وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَ عَنْ ظَوَاهِرِ رُسُومِهَا! الثَّانِيَةُ- فِي شِدَّةِ عَذَابِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ عَلَى نَاسٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا «١» يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ) وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إن الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ يَجُرُّونَ قَصَبَهُمْ «٢» فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الَّذِينَ كُنَّا نَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخَيْرِ وَنَنْسَى أَنْفُسَنَا). قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِينٌ، لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْخَصِيبَ بْنَ جَحْدَرٍ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَسْتَضْعِفُهُ وَكَذَلِكَ ابْنُ مَعِينٍ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيِّ وَأَبُو غَالِبٍ هُوَ فِيمَا حَكَى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَزَوَّرُ الْقُرَشِيُّ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابن أَسِيدٍ وَقِيلَ: مَوْلَى بَاهِلَةَ وَقِيلَ: مَوْلَى عَبْدِ الرحمن الحضرمي كان يختلف إلى

стр. 372

الشَّامِ فِي تِجَارَتِهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ صَالِحُ الْحَدِيثِ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ [بِالرَّحَى] «١» فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ مَا لَكَ أَلَمْ [تَكُنْ] «٢» تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ. الْقُصْبُ (بِضَمِّ الْقَافِ) الْمِعَى وَجَمْعُهُ أَقْصَابٌ. وَالْأَقْتَابُ: الْأَمْعَاءُ وَاحِدُهَا قِتْبٌ. وَمَعْنَى" فَتَنْدَلِقُ": فَتَخْرُجُ بِسُرْعَةٍ. وَرُوِّينَا" فَتَنْفَلِقُ". قُلْتُ: فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَأَلْفَاظُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَعْرُوفِ وَبِالْمُنْكَرِ وَبِوُجُوبِ الْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَشَدُّ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَهِينِ بِحُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُسْتَخِفٍّ بِأَحْكَامِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. الثَّالِثَةُ- اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخَ فِي الْآيَةِ بِسَبَبِ تَرْكِ فِعْلِ الْبِرِّ لَا بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِالْبِرِّ وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ قَوْمًا كَانُوا يَأْمُرُونَ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا وَبَّخَهُمْ بِهِ تَوْبِيخًا يُتْلَى عَلَى طُولِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ" الْآيَةَ. وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ فَأَحْسَنَ: إِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونَا ... بِالَّذِي لَا يَفْعَلُونَا لَمَجَانِينٌ وَإِنْ هُمْ ... لَمْ يَكُونُوا يُصْرَعُونَا وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: وَصَفْتَ التُّقَى حَتَّى كَأَنَّكَ ذُو تُقًى ... وَرِيحُ الْخَطَايَا مِنْ ثيابك تسطع

стр. 373

وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمٌ وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أَبِي عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ الزَّاهِدِ فَخَرَجَ وَقَعَدَ عَلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهِ لِلتَّذْكِيرِ، فَسَكَتَ حَتَّى طَالَ سُكُوتُهُ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ كَانَ يُعْرَفُ بِأَبِي الْعَبَّاسِ: تَرَى أَنْ تَقُولَ فِي سُكُوتِكَ شَيْئًا؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي وَالطَّبِيبُ مَرِيضُ قَالَ: فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ بِالْبُكَاءِ وَالضَّجِيجِ. الرَّابِعَةُ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنِّي لَأَكْرَهُ الْقَصَصَ لِثَلَاثِ آيَاتٍ، قَوْلِهِ تَعَالَى:" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ" [البقرة: ٤٤] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ:" لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ" «١» [الصف: ٢]، وَقَوْلِهِ:" وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ" «٢» [هود: ٨٨]. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ عَمْرٍو «٣»: مَا أَقْبَحَ التَّزْهِيدَ مِنْ وَاعِظٍ ... يُزَهِّدُ النَّاسَ وَلَا يَزْهَدُ لَوْ كَانَ فِي تَزْهِيدِهِ صَادِقًا ... أَضْحَى وَأَمْسَى بَيْتُهُ الْمَسْجِدُ إِنْ رَفَضَ الدُّنْيَا فَمَا بَالُهُ ... يَسْتَمْنِحُ النَّاسَ وَيَسْتَرْفِدُ وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ عَلَى مَنْ تَرَى ... يَنَالُهُ «٤» الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَقَالَ الْحَسَنُ لِمُطِّرِفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: عِظْ أَصْحَابَكَ، فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ، قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ! وَيَوَدُّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا، فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حتى لا يكون فيه شي، ما أمر

стр. 374

أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ، مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ «١» شي!. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْبِرِّ) الْبِرُّ هُنَا الطَّاعَةُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَالْبِرُّ: الصِّدْقُ. وَالْبِرُّ: وَلَدُ الثَّعْلَبِ. وَالْبِرُّ: سَوْقُ الْغَنَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ:" لَا يَعْرِفُ هِرًّا مِنْ بِرٍّ" أَيْ لَا يَعْرِفُ دُعَاءَ الْغَنَمِ مِنْ سَوْقِهَا. فَهُوَ مُشْتَرَكٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: لَا هُمَّ رَبِّ إِنَّ بِكْرًا «٢» دُونَكَا ... يَبَرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ" يَبَرُّكَ النَّاسُ": أَيْ يُطِيعُونَكَ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْبِرَّ الْفُؤَادُ فِي قَوْلِهِ: أَكُونُ مَكَانَ الْبِرِّ مِنْهُ وَدُونَهُ «٣» ... وَأَجْعَلُ مَالِي دُونَهُ وَأُوَامِرُهُ وَالْبُرُّ (بِضَمِّ الْبَاءِ) مَعْرُوفٌ، وَ (بِفَتْحِهَا) الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ، وَمِنْهُ وَلَدٌ بَرٌّ وَبَارٌّ، أَيْ يُعَظِّمُ وَالِدَيْهِ وَيُكْرِمُهُمَا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أَيْ تَتْرُكُونَ. وَالنِّسْيَانُ (بِكَسْرِ النُّونِ) يَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْكِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَفِي قوله تعالى:" نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" «٤» [التوبة: ٦٧]، وقوله:" فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ" «٥» [الانعام: ٤٤]، وقوله:" وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ" «٦» [البقرة: ٢٣٧]. وَيَكُونُ خِلَافَ الذِّكْرِ وَالْحِفْظِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: (نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ). وَسَيَأْتِي. يُقَالُ: رَجُلٌ نَسْيَانٌ (بِفَتْحِ النُّونِ): كَثِيرُ النِّسْيَانِ لِلشَّيْءِ. وَقَدْ نَسِيتُ الشَّيْءَ نِسْيَانًا، وَلَا تَقُلْ نَسَيَانًا (بِالتَّحْرِيكِ)، لِأَنَّ النَّسَيَانَ إِنَّمَا هُوَ تَثْنِيَةُ نَسَا الْعِرْقِ. وَأَنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، جَمْعُ قِلَّةٍ. وَالنَّفْسُ: الرُّوحُ، يُقَالُ: خَرَجَتْ نَفْسُهُ، قَالَ أَبُو خِرَاشٍ: نَجَا سَالِمٌ وَالنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ ... وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا جَفْنَ سَيْفٍ وَمِئْزَرًا أَيْ بِجَفْنِ سَيْفٍ وَمِئْزَرٍ. وَمِنَ الدليل في أَنَّ النَّفْسَ الرُّوحُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها" «٧» [الزمر: ٤٢] يُرِيدُ الْأَرْوَاحَ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التأويل على ما يأتي. وذلك

стр. 375

بَيِّنٌ فِي قَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخَذَ بِنَفْسِي يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. وَقَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا). رَوَاهُمَا مَالِكٌ وَهُوَ أَوْلَى مَا يُقَالُ بِهِ. وَالنَّفْسُ أَيْضًا الدَّمُ يُقَالُ سَالَتْ نَفْسُهُ قَالَ الشَّاعِرُ «١»: تسيل على حد السيوف «٢» نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ. وَالنَّفْسُ أَيْضًا الْجَسَدُ قَالَ الشَّاعِرُ «٣»: نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أَدْخَلُوا ... أَبْيَاتَهُمْ تَامُورَ نَفْسِ الْمُنْذِرِ وَالتَّامُورُ أَيْضًا: الدَّمُ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ) تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لِمَنْ فَهِمَ." وتَتْلُونَ": تَقْرَءُونَ." الْكِتابَ": التَّوْرَاةَ. وَكَذَا مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ كَانَ مِثْلَهُمْ وَأَصْلُ التِّلَاوَةِ الِاتِّبَاعُ وَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِي الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ يُتْبِعُ بَعْضَ الْكَلَامِ بِبَعْضٍ فِي حُرُوفِهِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى نَسَقِهِ يُقَالُ: تَلَوْتُهُ إِذَا تَبِعْتُهُ تُلُوًّا وَتَلَوْتُ الْقُرْآنَ تِلَاوَةً. وَتَلَوْتُ الرَّجُلَ تُلُوًّا إِذَا خَذَلْتُهُ. وَالتَّلِيَّةُ وَالتُّلَاوَةُ (بِضَمِّ التَّاءِ): الْبَقِيَّةُ يُقَالُ: تَلِيَتْ لِي مِنْ حَقِّي تُلَاوَةٌ وَتَلِيَّةٌ أَيْ بَقِيَتْ. وَأَتْلَيْتُ: أَبْقَيْتُ. وَتَتَلَّيْتُ حَقِّي إِذَا تَتَبَّعْتُهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَلَّى الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بِآخِرِ رمق. الثامنة- قوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أَيْ أَفَلَا تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ مُوَاقَعَةِ هَذِهِ الْحَالِ الْمُرْدِيَةِ لَكُمْ. وَالْعَقْلُ: الْمَنْعُ وَمِنْهُ عِقَالُ الْبَعِيرِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ الْحَرَكَةِ وَمِنْهُ الْعَقْلُ لِلدِّيَةِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ عَنْ قَتْلِ الْجَانِي وَمِنْهُ اعْتِقَالُ الْبَطْنِ وَاللِّسَانِ وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْحِصْنِ: مَعْقِلٌ. وَالْعَقْلُ. نَقِيضُ الْجَهْلِ وَالْعَقْلُ ثَوْبٌ أَحْمَرُ تَتَّخِذُهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ تُغَشِّي بِهِ الْهَوَادِجُ قَالَ عَلْقَمَةُ: عَقْلًا وَرَقْمًا تَكَادُ الطَّيْرُ تَخْطَفُهُ ... كَأَنَّهُ مِنْ دَمِ الْأَجْوَافِ مَدْمُومُ

стр. 376

الْمَدْمُومُ (بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ) الْأَحْمَرُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَالْمَدْمُومُ الْمُمْتَلِئُ شَحْمًا مِنَ الْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ وَيُقَالُ: هُمَا ضَرْبَانِ مِنَ الْبُرُودِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالْعَقْلُ مِنْ شِيَاتِ الثِّيَابِ مَا كَانَ نَقْشُهُ طُولًا وَمَا كَانَ نَقْشُهُ مُسْتَدِيرًا فَهُوَ الرَّقْمُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَاقِلُ مَنْ عَمِلَ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَهُوَ جَاهِلٌ. التَّاسِعَةُ- اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ كَائِنٌ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِقَدِيمٍ وَلَا مَعْدُومٍ لِأَنَّهُ لو كان معدوما لما اختص بالإنصاف بِهِ بَعْضُ الذَّوَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُ فَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِقِدَمِهِ، إِذِ الدَّلِيلُ قَدْ قَامَ عَلَى أَنْ لَا قَدِيمَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ صَارَتِ الْفَلَاسِفَةُ إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ قَدِيمٌ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى أَنَّهُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ فِي الْبَدَنِ يَنْبَثُّ شُعَاعُهُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ السِّرَاجِ فِي الْبَيْتِ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ أَيْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَحَلَّهُ الدِّمَاغُ لِأَنَّ الدِّمَاغَ مَحَلُّ الْحِسِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَحَلَّهُ الْقَلْبُ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَعْدِنُ الْحَيَاةِ وَمَادَّةُ الْحَوَاسِّ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْعَقْلِ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ فَلَوْ كَانَ جَوْهَرٌ عَقْلًا لَكَانَ كُلُّ جَوْهَرٍ عَقْلًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْمُدْرِكُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقَائِقِ الْمَعَانِي. وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبُ مِمَّا قَبْلَهُ فَيَبْعُدُ عَنِ الصَّوَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِدْرَاكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ وَالْعَقْلُ عَرَضٌ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُلْتَذًّا وَمُشْتَهِيًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَقْلُ هُوَ الْعِلْمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ عَقَلْتُ وَمَا عَلِمْتُ أَوْ عَلِمْتُ وَمَا عَقَلْتُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْمَعَالِي فِي الْإِرْشَادِ وَاخْتَارَ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ صِفَةٌ يَتَأَتَّى بِهَا دَرْكُ الْعُلُومِ وَاعْتَرَضَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي وَاسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِهِ وَحُكِيَ فِي الْبُرْهَانِ عَنِ الْمُحَاسِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ وَحَكَى الأستاذ

стр. 377

أَبُو بَكْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا الْعَقْلُ آلَةُ التَّمْيِيزِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ قُوَّةُ التَّمْيِيزِ وَحُكِيَ عَنِ الْمُحَاسِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ أَنْوَارٌ وَبَصَائِرُ ثُمَّ رَتَّبَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَحَمَلَهَا عَلَى مَحَامِلَ فَقَالَ وَالْأَوْلَى أَلَّا يَصِحَّ هَذَا النَّقْلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّ الْآلَةَ إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْآلَةِ الْمُثْبَتَةِ «١» وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَعْرَاضِ مَجَازٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُوَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَّا الْقُدْرَةُ وَالْقَلَانِسِيُّ أَطْلَقَ مَا أَطْلَقَهُ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَاتِ وَكَذَلِكَ الْمُحَاسِبِيُّ. وَالْعَقْلُ لَيْسَ بِصُورَةٍ وَلَا نُورٍ وَلَكِنْ تُسْتَفَادُ بِهِ الْأَنْوَارُ وَالْبَصَائِرُ وَسَيَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانُ فَائِدَتِهِ فِي آيَةِ «٢» التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ الله تعالى. [سورة البقرة (٢): آية ٤٥] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) فِيهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) الصَّبْرُ: الْحَبْسُ فِي اللُّغَةِ وَقُتِلَ فُلَانٌ صَبْرًا أَيْ أُمْسِكَ وَحُبِسَ حَتَّى أُتْلِفَ وَصَبَّرْتُ نَفْسِي عَلَى الشَّيْءِ حَبَسْتُهَا. وَالْمَصْبُورَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْمَحْبُوسَةُ عَلَى الْمَوْتِ وَهِيَ الْمُجَثَّمَةُ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ الثَّانِيَةُ- أَمَرَ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَنِ الْمُخَالَفَةِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ" وَاصْبِرُوا" يُقَالُ فُلَانٌ صَابِرٌ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِذَا صَبَرَ عَنِ الْمَعَاصِي فَقَدْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا يُقَالُ لِمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ: صَابِرٌ إِنَّمَا يُقَالُ صَابِرٌ عَلَى كَذَا. فَإِذَا قُلْتَ صَابِرٌ مُطْلَقًا فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٣» " [الزمر: ١٠] الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَالصَّلاةِ" خَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا وَكَانَ ﵇ إِذَا حَزَبَهُ «٤» أَمْرٌ فَزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ

стр. 378

ابن عَبَّاسٍ نُعِيَ لَهُ أَخُوهُ قُثَمُ- وَقِيلَ بِنْتٌ لَهُ- وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: عَوْرَةٌ سترها الله، ومئونة كَفَاهَا اللَّهُ، وَأَجْرٌ سَاقَهُ اللَّهُ. ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ وَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ:" وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" (فَالصَّلَاةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هِيَ الشَّرْعِيَّةُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الدُّعَاءُ عَلَى عُرْفِهَا فِي اللُّغَةِ فَتَكُونُ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُشْبِهَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى" إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ" [الأنفال ٤٥] لِأَنَّ الثَّبَاتَ هُوَ الصَّبْرُ وَالذِّكْرَ هُوَ الدُّعَاءُ وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الصَّوْمُ وَمِنْهُ قِيلَ لِرَمَضَانَ شَهْرُ الصَّبْرِ فَجَاءَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ مُتَنَاسِبًا فِي أَنَّ الصِّيَامَ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَتَخَشُّعٌ وَيُقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنُ الَّذِي يُذَكِّرُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى وَالطَّاعَاتِ مِنْ بَابِ جِهَادِ النَّفْسِ وَقَمْعِهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا وَمَنْعِهَا مِنْ تَطَاوُلِهَا وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ الصَّبْرُ أَلَّا تَتَمَنَّى حَالَةً سِوَى مَا رَزَقَكَ اللَّهُ وَالرِّضَا بِمَا قَضَى اللَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَصَدَقَ عَلِيٌّ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ فَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِيمَانَ بِالْإِطْلَاقِ. فَالصَّبْرُ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّرَائِعِ نَظِيرُ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي لَا تَمَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ. الْخَامِسَةُ- وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى جَزَاءَ الْأَعْمَالِ وَجَعَلَ لَهَا نِهَايَةً وَحَدًّا فَقَالَ" مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها" «١» [الانعام ١٦٠] وَجَعَلَ جَزَاءَ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوْقَ هَذَا فَقَالَ" مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ" «٢» [البقرة: ٢٦١] الْآيَةَ. وَجَعَلَ أَجْرَ الصَّابِرِينَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَمَدَحَ أَهْلَهُ فَقَالَ" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ " [الزمر: ١٠] وَقَالَ" وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" «٣» [الشورى: ٤٣] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالصَّابِرِينَ فِي قَوْلِهِ" إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ" [الزمر: ١٠] أَيِ الصَّائِمُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) فَلَمْ يَذْكُرْ ثَوَابًا مُقَدَّرًا كَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الصَّبْرِ. وَاللَّهُ أعلم.

стр. 379

السَّادِسَةُ- مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (ليس أحد أو ليس شي أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّبْرِ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْمِ وَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِالْحِلْمِ هُوَ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا وَوَصْفُهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ لَمْ يَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَتَأَوَّلَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحِلْمِ قَالَهُ ابْنُ فُورَكَ وَغَيْرُهُ. وَجَاءَ فِي أَسْمَائِهِ" الصَّبُورُ" لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِلْمِ عَمَّنْ عَصَاهُ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) اخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ:" وَإِنَّها"، فَقِيلَ: عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهَا خَاصَّةً لِأَنَّهَا تَكْبُرُ عَلَى النُّفُوسِ مَا لَا يَكْبُرُ الصَّوْمُ وَالصَّبْرُ هُنَا: الصَّوْمُ فَالصَّلَاةُ فِيهَا سِجْنُ النُّفُوسِ وَالصَّوْمُ إِنَّمَا فِيهِ مَنْعُ الشَّهْوَةِ فَلَيْسَ مَنْ مَنَعَ شَهْوَةً وَاحِدَةً أَوْ شَهْوَتَيْنِ كَمَنْ مَنَعَ جَمِيعَ الشَّهَوَاتِ. فَالصَّائِمُ إِنَّمَا مَنَعَ شَهْوَةَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثُمَّ يَنْبَسِطُ فِي سَائِرِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ وَالنَّظَرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُلَاقَاةِ الْخَلْقِ فَيَتَسَلَّى بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ عَمَّا مُنِعَ. وَالْمُصَلِّي يَمْتَنِعُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَجَوَارِحُهُ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِالصَّلَاةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَتِ الصَّلَاةُ أَصْعَبَ عَلَى النَّفْسِ وَمُكَابَدَتُهَا أَشَدَّ فَلِذَلِكَ قَالَ" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ" وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ كَنَّى عَنِ الْأَغْلَبِ وَهُوَ الصَّلَاةُ كَقَوْلِهِ" وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ" «١» [التوبة: ٣٤] وَقَوْلُهُ:" وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها" «٢» [الجمعة: ١١] فَرَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْفِضَّةِ لِأَنَّهَا الْأَغْلَبُ وَالْأَعَمُّ وَإِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا الْأَفْضَلُ وَالْأَهَمُّ وَقِيلَ: إِنَّ الصبر لما كان داخل فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ" وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ" «٣» [التوبة: ٦٢] وَلَمْ يَقُلْ: يُرْضُوهُمَا لِأَنَّ رِضَا الرَّسُولِ دَاخِلٌ في رضا الله ومنه قول الشاعر «٤»: إن شرخ الشَّبَابِ وَالشَّعْرَ الْأَسْ ... وَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كان جنونا

стр. 380

وَلَمْ يَقُلْ يُعَاصَيَا رَدٌّ إِلَى الشَّبَابِ لِأَنَّ الشَّعْرَ دَاخِلٌ فِيهِ. وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ حُذِفَ اخْتِصَارًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «١» " [المؤمنون: ٥٠] ولم يقل آيتين ومنه قول الشاعر «٢»: فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بها لغريب وقال آخر «٣»: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَهْ ... وَالصُّبْحُ وَالْمُسْيُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ أَرَادَ: لَغَرِيبَانِ، لَا فَلَاحَ معهم وَقِيلَ: عَلَى الْعِبَادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا بِالْمَعْنَى ذِكْرُ الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ وَهِيَ الِاسْتِعَانَةُ الَّتِي يَقْتَضِيهَا قَوْلُهُ" وَاسْتَعِينُوا" وَقِيلَ عَلَى إِجَابَةِ مُحَمَّدٍ ﵇ لِأَنَّ الصَّبْرَ وَالصَّلَاةَ مِمَّا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ وَقِيلَ عَلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ إِلَيْهَا" وَكَبِيرَةٌ" مَعْنَاهُ ثَقِيلَةٌ شَاقَّةٌ خَبَرُ" إِنَّ" وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ: وَإِنَّهُ لَكَبِيرَةٌ" إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ" فَإِنَّهَا خَفِيفَةٌ عَلَيْهِمْ. قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي إِلَّا عَلَى مَنْ أُيِّدَ فِي الْأَزَلِ بِخَصَائِصِ الِاجْتِبَاءِ وَالْهُدَى. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى الْخاشِعِينَ) الْخَاشِعُونَ جَمْعُ خَاشِعٍ وَهُوَ الْمُتَوَاضِعُ. وَالْخُشُوعُ: هَيْئَةٌ فِي النَّفْسِ يَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْجَوَارِحِ سُكُونٌ وَتَوَاضُعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ الْخَوْفُ وَغَضُّ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْخَاشِعُ الَّذِي يُرَى أَثَرُ الذُّلِّ وَالْخُشُوعِ عَلَيْهِ كَخُشُوعِ الدَّارِ بَعْدَ الْإِقْوَاءِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ قَالَ النَّابِغَةُ: رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أُبَيِّنُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ وَمَكَانٌ خَاشِعٌ: لَا يُهْتَدَى لَهُ. وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ أَيْ سَكَنَتْ. وَخَشَعَتْ خَرَاشِيُّ صَدْرِهِ إِذَا أَلْقَى بُصَاقًا لَزِجًا. وَخَشَعَ بِبَصَرِهِ إِذَا غَضَّهُ. وَالْخُشْعَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ رَخْوَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ: (كَانَتْ خُشْعَةً عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْدُ «٤» وَبَلْدَةٌ خَاشِعَةٌ: مُغْبَرَّةٌ لَا مَنْزِلَ

стр. 381

بِهَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ سَأَلْتُ الْأَعْمَشَ عَنِ الْخُشُوعِ فَقَالَ يَا ثَوْرِيُّ أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ إِمَامًا لِلنَّاسِ وَلَا تَعْرِفُ الْخُشُوعَ! سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْخُشُوعِ فَقَالَ: أُعَيْمِشُ! تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ إِمَامًا لِلنَّاسِ وَلَا تَعْرِفُ الْخُشُوعَ! لَيْسَ الْخُشُوعُ بِأَكْلِ الْخَشِنِ وَلُبْسِ الْخَشِنِ وَتَطَأْطُؤِ الرَّأْسِ! لَكِنَّ الْخُشُوعَ أَنْ تَرَى الشَّرِيفَ وَالدَّنِيءَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً وَتَخْشَعُ لِلَّهِ فِي كُلِّ فَرْضٍ افْتُرِضَ عَلَيْكَ وَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَابٍّ قَدْ نَكَسَ رَأْسَهُ فَقَالَ يَا هَذَا! ارْفَعْ رَأَسَكَ فَإِنَّ الْخُشُوعَ لَا يَزِيدُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ، وَأَنْ تُلِينَ كَفَّيْكَ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ وَأَلَّا تَلْتَفِتَ فِي صَلَاتِكَ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ" «١» [المؤمنون: ٢ - ١] فَمَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ خُشُوعًا فَوْقَ مَا فِي قلبه فإنما أظهر نفاقا علو نِفَاقٍ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَكُونُ خَاشِعًا حَتَّى تَخْشَعَ كُلُّ شَعْرَةٍ عَلَى جَسَدِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎" تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ" «٢» [الزمر: ٢٣]. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْخُشُوعُ الْمَحْمُودُ لِأَنَّ الْخَوْفَ إِذَا سَكَنَ الْقَلْبَ أَوْجَبَ خُشُوعَ الظَّاهِرِ فَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُهُ دَفْعَهُ فَتَرَاهُ مُطْرِقًا مُتَأَدِّبًا مُتَذَلِّلًا وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَجْتَهِدُونَ فِي سَتْرِ مَا يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَذْمُومُ فَتَكَلُّفُهُ وَالتَّبَاكِي وَمُطَأْطَأَةُ الرَّأْسِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ لِيُرَوْا بِعَيْنِ الْبِرِّ وَالْإِجْلَالِ وَذَلِكَ خَدْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلٌ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ. رَوَى الْحَسَنُ أَنَّ رَجُلًا تَنَفَّسَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَأَنَّهُ يَتَحَازَنُ فَلَكَزَهُ عُمَرُ أَوْ قَالَ لَكَمَهُ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ وَكَانَ نَاسِكًا صِدْقًا وَخَاشِعًا حَقًّا وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الْخَاشِعُونَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. [سورة البقرة (٢): آية ٤٦] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) " الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى النَّعْتِ لِلْخَاشِعِينَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ. وَالظَّنُّ هُنَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى" إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" «٣» [الحاقة: ٢٠] وقوله:" فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها" «٤» [الكهف: ٥٣]. قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد

стр. 382

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ ... وَغُيُوبٍ كَشَفْتَهَا بِظُنُونِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الظَّنَّ فِي الْآيَةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ وَيُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ بِذُنُوبِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ يَتَوَقَّعُونَ لِقَاءَهُ مُذْنِبِينَ ذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا تَعَسُّفٌ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَقَعُ بِمَعْنَى الْكَذِبِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ الْبَصْرِيُّونَ. وَأَصْلُ الظَّنِّ وَقَاعِدَتُهُ الشَّكُّ مَعَ مَيْلٍ إِلَى أَحَدِ مُعْتَقَدَيْهِ وَقَدْ يُوقَعُ مَوْقِعَ الْيَقِينِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّهُ لَا يُوقَعُ فِيمَا قَدْ خَرَجَ إِلَى الْحِسِّ لَا تَقُولُ الْعَرَبُ فِي رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حَاضِرٍ أَظُنُّ هَذَا إِنْسَانًا وَإِنَّمَا تَجِدُ الِاسْتِعْمَالَ فِيمَا لَمْ يَخْرُجْ إلى الحس بمعنى كَهَذِهِ الْآيَةِ وَالشِّعْرِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى" فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها" وقد يجئ الْيَقِينُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ السُّورَةِ وَتَقُولُ سُؤْتُ بِهِ ظَنًّا وَأَسَأْتُ بِهِ الظَّنَّ يُدْخِلُونَ الْأَلِفَ إِذَا جَاءُوا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. ومعنى (مُلاقُوا رَبِّهِمْ) جَزَاءَ رَبِّهِمْ. وَقِيلَ: جَاءَ عَلَى الْمُفَاعَلَةِ وَهُوَ مِنْ وَاحِدٍ، مِثْلَ عَافَاهُ اللَّهُ. (وَأَنَّهُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ" وَإِنَّهُمْ" بِكَسْرِهَا عَلَى الْقَطْعِ. (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى رَبِّهِمْ وَقِيلَ إِلَى جَزَائِهِ. (راجِعُونَ) إِقْرَارٌ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ والعرض على الملك الأعلى. [سورة البقرة (٢): آية ٤٧] يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) تقدم «١» و (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) يُرِيدُ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، وَأَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ. وَقِيلَ: عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ بِمَا جُعِلَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم. [سورة البقرة (٢): آية ٤٨] وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)

стр. 383

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي التَّقْوَى «١»." يَوْماً" يُرِيدُ عَذَابَهُ وَهَوْلَهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَانْتَصَبَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِ"- اتَّقُوا" وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ يَوْمَ لَا تَجْزِي عَلَى الْإِضَافَةِ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ اخْتِلَافٌ. قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: التَّقْدِيرُ يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئا ثم حذف فيه كما قال: يوما شَهِدْنَاهُ سُلَيْمًا وَعَامِرًا «٢» أَيْ شَهِدْنَا فِيهِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هَذَا خَطَأٌ لَا يَجُوزُ حَذْفُ" فِيهِ" وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِيهِ نَفْسٌ ثُمَّ حَذَفَ الْهَاءَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ حَذْفُ الْهَاءِ لِأَنَّ الظُّرُوفَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُهَا قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ هَذَا رَجُلًا قَصَدْتُ وَلَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَرْغَبُ وَأَنْتَ تُرِيدُ قَصَدْتُ إِلَيْهِ وَأَرْغَبُ فِيهِ قَالَ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ الَّذِي تَكَلَّمْتُ زَيْدٌ بِمَعْنَى تَكَلَّمْتُ فِيهِ زَيْدٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ يَجُوزُ أَنْ تُحْذَفَ الْهَاءُ وَفِيهِ وَحَكَى الْمَهْدَوِيُّ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَائِزَانِ عِنْدَ سيبويه والأخفش والزجاج وَمَعْنَى" لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً": أَيْ لَا تُؤَاخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ أُخْرَى وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا شَيْئًا تَقُولُ جَزَى عَنِّي هَذَا الْأَمْرُ يَجْزِي كَمَا تَقُولُ قَضَى عَنِّي وَاجْتَزَأْتُ بِالشَّيْءِ اجْتِزَاءً إِذَا اكْتَفَيْتُ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ: فَإِنَّ الْغَدْرَ فِي الْأَقْوَامِ عَارٌ ... وَإِنَّ الْحُرَّ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ أَيْ يَكْتَفِي بِهَا. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ (إِذَا أَجْرَيْتُ الْمَاءَ عَلَى الْمَاءِ جَزَى عَنْكَ) يُرِيدُ إِذَا صَبَبْتَ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْأَرْضِ فَجَرَى عَلَيْهِ طَهُرَ الْمَكَانُ وَلَا حَاجَةَ بِكَ إِلَى غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَتَنْشِيفِ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ: (لَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) أَيْ لَنْ تُغْنِيَ فَمَعْنَى لَا تَجْزِي: لَا تَقْضِي وَلَا تُغْنِي وَلَا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني

стр. 384

بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا مِنْ حَسَنَاتِهَا مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أو شي فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ (. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ فِي الْمُفْلِسِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَةِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ «١». وقرى" تُجْزِئُ" بِضَمِّ التَّاءِ وَالْهَمْزِ. وَيُقَالُ: جَزَى وَأَجْزَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَوْمٌ فَقَالُوا جَزَى بِمَعْنَى قَضَى وَكَافَأَ وَأَجْزَى بِمَعْنَى أَغْنَى وَكَفَى أَجْزَأَنِي الشَّيْءُ يُجْزِئُنِي أَيْ كَفَانِي قَالَ الشَّاعِرُ: وَأَجْزَأْتَ أَمْرَ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَكُنْ ... لِيُجْزِئَ إِلَّا كَامِلٌ وَابْنُ كَامِلِ الثَّالِثَةُ «٢» - قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) الشَّفَاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ وَهُمَا الِاثْنَانِ تَقُولُ كَانَ وَتْرًا فَشَفَعْتُهُ شَفْعًا وَالشُّفْعَةُ مِنْهُ لِأَنَّكَ تَضُمُّ مِلْكَ شَرِيكِكَ إِلَى مِلْكِكَ. وَالشَّفِيعُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ وَصَاحِبُ الشَّفَاعَةِ وَنَاقَةٌ شَافِعٌ إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا حَمْلٌ وَوَلَدٌ يَتْبَعُهَا تَقُولُ مِنْهُ: شَفَعَتِ النَّاقَةُ شَفْعًا وَنَاقَةٌ شَفُوعٌ وَهِيَ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ مِحْلَبَيْنِ فِي حَلَبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاسْتَشْفَعْتُهُ إِلَى فُلَانٍ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَشْفَعَ لِي إِلَيْهِ. وَتَشَفَّعْتُ إِلَيْهِ فِي فُلَانٍ فَشَفَّعَنِي فِيهِ فَالشَّفَاعَةُ إِذًا ضَمُّ غَيْرِكَ إِلَى جَاهِكَ وَوَسِيلَتِكَ فَهِيَ عَلَى التَّحْقِيقِ إِظْهَارٌ لِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ عِنْدَ الْمُشَفَّعِ وَإِيصَالُ مَنْفَعَتِهِ لِلْمَشْفُوعِ. الرَّابِعَةُ- مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَخَلَّدُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النَّارَ فِي الْعَذَابِ. وَالْأَخْبَارُ مُتَظَاهِرَةٌ بِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْعُصَاةِ الْمُذْنِبِينَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أُمَمِ النَّبِيِّينَ هُمُ الَّذِينَ تَنَالُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَقَدْ تَمَسَّكَ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ فِي الرَّدِّ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ فِي الْمَعْنَى. وَالثَّانِي الْإِجْمَاعُ مِنَ السَّلَفِ عَلَى تَلَقِّي هَذِهِ الْأَخْبَارِ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يبد من

стр. 385

أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ نَكِيرٌ فَظُهُورُ رِوَايَتِهَا وَإِطْبَاقُهُمْ عَلَى صِحَّتِهَا وَقَبُولُهُمْ لَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى صِحَّةِ عَقِيدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَفَسَادِ دِينِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنْ قَالُوا قَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ مِنَ الْكِتَابِ بِمَا يُوجِبُ رَدَّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِثْلُ قَوْلِهِ" مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ" [غافر: ١٨]. قَالُوا: وَأَصْحَابُ الْكَبَائِرِ ظَالِمُونَ. وَقَالَ:" مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ" «١» [النساء: ١٢٣] " وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ" [البقرة: ٤٨] قُلْنَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَامَّةً فِي كُلِّ ظَالِمٍ وَالْعُمُومُ لَا صِيغَةَ لَهُ فَلَا تَعُمُّ هَذِهِ الْآيَاتُ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ سُوءًا وَكُلَّ نَفْسٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْكَافِرُونَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ شَفَاعَةً لِأَقْوَامٍ وَنَفَاهَا عَنْ أَقْوَامٍ فَقَالَ فِي صِفَةِ الْكَافِرِينَ" فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ" «٢» [المدثر: ٤٨] وقال" وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى " «٣» [الأنبياء: ٢٨] وَقَالَ" وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ" «٤» [سبأ: ٢٣]. فَعَلِمْنَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ " النَّفْسُ الْكَافِرَةُ لَا كُلُّ نَفْسٍ. وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِعُمُومِ الْعَذَابِ لِكُلِّ ظَالِمٍ عَاصٍ فَلَا نَقُولُ إِنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا بِدَلِيلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِّينَاهَا وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ" وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ" «٥» [النساء: ٤٨] وَقَوْلِهِ" إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ" [يوسف: ٨٧]. فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى" وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى " وَالْفَاسِقُ غَيْرُ مُرْتَضًى قُلْنَا لَمْ يَقُلْ لِمَنْ لَا يَرْضَى وَإِنَّمَا قَالَ" لِمَنِ ارْتَضى " وَمَنَ ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِلشَّفَاعَةِ هُمُ الْمُوَحِّدُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ" لَا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً «٦» " [مريم ٨٧]. وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا عَهْدُ اللَّهِ مَعَ خَلْقِهِ قَالَ (أَنْ يُؤْمِنُوا وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَإِنْ قَالُوا الْمُرْتَضَى هُوَ التَّائِبُ الَّذِي اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ اسْتَغْفَرُوا لَهُمْ وَقَالَ" فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ" [غافر: ٧] وَكَذَلِكَ شَفَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ التَّوْبَةِ دُونَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا: عِنْدَكُمْ يجب على الله تعالى قبول التوبة

стр. 386

فَإِذَا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الْمُذْنِبِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ وَلَا إِلَى الِاسْتِغْفَارِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ" فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ" وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ" أَيْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ. سَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ مَا دُونَ الشِّرْكِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ" [النساء: ٤٨] فَإِنْ قَالُوا جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَرْغَبُونَ فِي شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ كَانَتْ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ خَاصَّةً بَطَلَ سُؤَالُهُمْ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَطْلُبُ كُلُّ مُسْلِمٍ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ وَيَرْغَبُ إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ تَنَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ سالم من الذنوب ولا قاسم لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِكُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مُعْتَرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّقْصِ فَهُوَ لِذَلِكَ يَخَافُ الْعِقَابَ وَيَرْجُو النَّجَاةَ وَقَالَ ﷺ (لَا يَنْجُو أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقِيلَ وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ) الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا يُقْبَلُ" قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو" تُقْبَلُ" بِالتَّاءِ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ مُؤَنَّثَةٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى التَّذْكِيرِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الشَّفِيعِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: حَسُنَ التَّذْكِيرُ لِأَنَّكَ قَدْ فَرَّقْتَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ" فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ" «١» [البقرة: ٣٧] السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أَيْ فِدَاءٌ وَالْعَدْلُ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) الْفِدَاءُ وَ (بِكَسْرِهَا) الْمِثْلُ يُقَالُ عِدْلٌ وَعَدِيلٌ لِلَّذِي يُمَاثِلُكَ فِي الْوَزْنِ وَالْقَدْرِ وَيُقَالُ عَدْلُ الشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يُسَاوِيهِ قِيمَةً وَقَدْرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ وَالْعِدْلُ (بِالْكَسْرِ) هُوَ الَّذِي يُسَاوِي الشَّيْءَ مِنْ جِنْسِهِ وَفِي جِرْمِهِ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ: أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَكْسِرُ الْعَيْنَ مِنْ مَعْنَى الْفِدْيَةِ فَأَمَّا وَاحِدُ الْأَعْدَالِ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أَيْ يُعَانُونَ. وَالنَّصْرُ الْعَوْنُ وَالْأَنْصَارُ الْأَعْوَانُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ" مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ" «٢» [آل عمران: ٥٢] أَيْ مَنْ يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَتِي وَانْتَصَرَ الرَّجُلُ: انْتَقَمَ وَالنَّصْرُ: الْإِتْيَانُ يُقَالُ: نَصَرْتُ أَرْضَ بني فلان أتيتها قال الشاعر «٣»:

стр. 387

إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَوَدِّعِي ... بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ وَالنَّصْرُ الْمَطَرُ يُقَالُ نُصِرَتِ الْأَرْضُ مُطِرَتْ وَالنَّصْرُ الْعَطَاءُ قَالَ: إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا ... لَقَائِلٌ يَا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرَا وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَبْنَاءُ أَنْبِيَائِهِ وَسَيَشْفَعُ لَنَا آبَاؤُنَا فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ قيه الشَّفَاعَاتُ وَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ فِدْيَةٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّفَاعَةَ وَالْفِدْيَةَ وَالنَّصْرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي اعْتَادَهَا بَنُو آدَمَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْوَاقِعَ فِي الشِّدَّةِ لَا يَتَخَلَّصُ إِلَّا بِأَنْ يشفع له أو ينصر أو يفتدي. [سورة البقرة (٢): آية ٤٩] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) فِيهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) " إِذْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفٌ عَلَى" اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ". وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ النِّعَمِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ أَيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي بِإِنْجَائِكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَجَعْلِ الْأَنْبِيَاءِ فِيكُمْ وَالْخِطَابُ لِلْمَوْجُودِينَ وَالْمُرَادُ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْآبَاءِ كَمَا قَالَ" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ " «١» [الحاقة: ١١] أَيْ حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ" نَجَّيْناكُمْ" لِأَنَّ نَجَاةَ الْآبَاءِ كَانَتْ سَبَبًا لِنَجَاةِ هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودِينَ وَمَعْنَى" نَجَّيْناكُمْ" أَلْقَيْنَاكُمْ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ فَائِزٍ نَاجِيًا. فَالنَّاجِي من خرج من ضيق إلى سعة وقرى" وَإِذْ نَجَّيْتُكُمْ" عَلَى التَّوْحِيدِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) " آلُ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وَأَتْبَاعُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ. وَكَذَلِكَ آلُ الرَّسُولِ ﷺ مَنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ فِي عَصْرِهِ وَسَائِرِ الْأَعْصَارِ سَوَاءٌ كَانَ نَسِيبًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ فَلَيْسَ مِنْ آلِهِ وَلَا أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ نَسِيبَهُ وَقَرِيبَهُ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ حَيْثُ قَالَتْ إِنَّ آلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاطمة

стр. 388

وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَقَطْ. دَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى" وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ" [البقرة: ٥٠] " أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ" «١» [غافر: ٤٦] أَيْ آلَ دِينِهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَلَا بِنْتٌ وَلَا أَبٌ وَلَا عَمٌّ ولا أخ ولا عصبة. ولأنه لا خوف أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُوَحِّدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يُقَالُ إِنَّ أَبَا لَهَبٍ وَأَبَا جَهْلٍ لَيْسَا مِنْ آلِهِ وَلَا مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ قَرَابَةٌ وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ابْنِ نُوحٍ" إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" «٢» [هود: ٤٦]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ [أَلَا] «٣» إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي فُلَانًا «٤» لَيْسُوا [لِي] «٥» بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ آلُ مُحَمَّدٍ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ خَاصَّةً لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَهْلُ مَعْلُومٌ وَالْآلُ الْأَتْبَاعُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النُّحَاةُ هَلْ يُضَافُ الْآلُ إِلَى الْبُلْدَانِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ الْكِسَائِيُّ إِنَّمَا يُقَالُ آلُ فُلَانٍ وَآلُ فُلَانَةٍ وَلَا يُقَالُ فِي الْبُلْدَانِ هُوَ مِنْ آلِ حِمْصَ وَلَا مِنْ آلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْأَخْفَشُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الرَّئِيسِ الْأَعْظَمِ نَحْوَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَآلِ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ رَئِيسُهُمْ فِي الضَّلَالَةِ. قَالَ وَقَدْ سَمِعْنَاهُ فِي الْبُلْدَانِ قالوا: أهل المدينة وآل المدينة.

стр. 389

الرَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ أَيْضًا هَلْ يُضَافُ الْآلُ إِلَى الْمُضْمَرِ أَوْ لَا؟ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ النَّحَّاسُ وَالزُّبَيْدِيُّ وَالْكِسَائِيُّ فَلَا يُقَالُ إِلَّا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَلَا يُقَالُ وَآلِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَهْلِهِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ مِنْهُمُ ابْنُ السَّيِّدِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ السَّمَاعَ الصَّحِيحَ يُعَضِّدُهُ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي قَوْلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لاهمّ إن العبد يمن ... ع رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ «١» وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِي ... بِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ وَقَالَ نُدْبَةُ: أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي ... وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا الْحَقِيقَةُ (بِقَافَيْنِ): مَا يَحِقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَحْمِيَهُ أَيْ تَجِبُ عَلَيْهِ حِمَايَتُهُ. الْخَامِسَةُ- وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي أَصْلِ آلِ فَقَالَ النَّحَّاسُ أَصْلُهُ أَهْلٌ ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الْهَاءِ أَلِفًا فَإِنْ صَغَّرْتَهُ رَدَدْتَهُ إِلَى أَصْلِهِ فَقُلْتَ: أُهَيْلٌ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: أَصْلُهُ أَوْلٌ. وَقِيلَ: أَهْلٌ قُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا. وَجَمْعُهُ آلُوَنَ وَتَصْغِيرُهُ أُوَيْلٌ فِيمَا حَكَى الْكِسَائِيُّ. وحكى غيره أهيل وقد ذكرناه عَنِ النَّحَّاسِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَيْسَانَ: إِذَا جَمَعْتَ آلًا قُلْتَ آلُونَ فَإِنْ جَمَعْتَ آلًا الَّذِي هُوَ السَّرَابُ قُلْتَ آوَالٌ مِثْلَ مَالٍ وَأَمْوَالٍ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِرْعَوْنَ) " فِرْعَوْنَ" قِيلَ إِنَّهُ اسْمُ ذَلِكَ الْمَلِكِ بِعَيْنِهِ. وَقِيلَ اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْعَمَالِقَةِ مِثْلَ كِسْرَى لِلْفُرْسِ وَقَيْصَرَ لِلرُّومِ وَالنَّجَاشِيِّ لِلْحَبَشَةِ وَإِنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسَى قَابُوسٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ الكتاب. وقال وهب أسمه الوليد ابن مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ وَيُكَنَّى أَبَا مُرَّةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عِمْلِيقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ﵇. قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ الْقِبْطَ وَمِصْرَ فَهُوَ فِرْعَوْنُ. وَكَانَ فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ. قَالَ الْمَسْعُودِيُّ لَا يُعْرَفُ لِفِرْعَوْنَ تَفْسِيرٌ بِالْعَرَبِيَّةِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فِرْعَوْنُ لَقَبُ الْوَلِيدِ بْنِ مُصْعَبٍ مَلِكُ مِصْرَ وَكُلُّ عَاتٍ فِرْعَوْنُ وَالْعُتَاةُ الْفَرَاعِنَةُ وَقَدْ تفر عن

стр. 390

وَهُوَ ذُو فَرْعَنَةٍ أَيْ دَهَاءٍ وَنُكْرٍ. وَفِي الحديث (أخذنا فرعون هذه الامة)." وفرعون" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسُومُونَكُمْ) قِيلَ: مَعْنَاهُ يُذِيقُونَكُمْ وَيُلْزِمُونَكُمْ إِيَّاهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُوَلُّونَكُمْ يُقَالُ: سَامَهُ خُطَّةُ خَسْفٍ إِذَا أَوْلَاهُ إِيَّاهَا ومنه قول عمرو ابن كُلْثُومٍ: إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا ... أبينا أن نقر الخسف فِينَا وَقِيلَ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ. وَالسَّوْمُ: الدَّوَامُ وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ «١» وَإِنْ شِئْتَ كان في موضع نصب غلى الْحَالِ أَيْ سَائِمِينَ لَكُمْ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُوءَ الْعَذابِ) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِ" يَسُومُونَكُمْ" وَمَعْنَاهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى سَوْمِ الْعَذَابِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا بِمَعْنَى سَوْمًا سَيِّئًا. فَرُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا وَصَنَّفَهُمْ فِي أَعْمَالِهِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ وَصِنْفٌ يَتَخَدَّمُونَ وَكَانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فَذَلِكَ سُوءُ الْعَذَابِ التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ) ... " يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ" يَسُومُونَكُمْ" كَمَا قَالَ أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ" يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ" [البقرة: ٤٩] كَمَا تَقُولُ أَتَانِي الْقَوْمُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الْوَاوِ فِي زَيْدٍ وَنَظِيرُهُ:" وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ" «٢» [الفرقان: ٦٩ - ٦٨] وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ" وَيُذَبِّحُونَ" بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْمَعْنَى
следующие страницы →