← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قُلْتُ: لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ صِفَةِ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ بِقَوْلِهِ:" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ «١» "، وَعَنْ جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ:" إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا «٢» " فَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَا مَوْضِعِ إِيمَانِهِمْ، وَلَا يلقيهم في ذنب يؤول إِلَى عَدَمِ الْقَبُولِ «٣»، بَلْ تُزِيلُهُ التَّوْبَةُ وَتَمْحُوهُ الْأَوْبَةُ. وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُ آدَمَ عُقُوبَةً لِمَا تَنَاوَلَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ «٤» " بَيَانُهُ. وَأَمَّا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَنْهُمْ فِي آلِ عِمْرَانَ «٥». ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ:" لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ" يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فِيمَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي تَسَلُّطِهِ تَفْرِيجُ كُرْبَةٍ وَإِزَالَةِ غُمَّةٍ، كَمَا فُعِلَ بِبِلَالٍ، إِذْ أَتَاهُ يهديه كما يهدى الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ، وَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَفَزِعُوا وَقَالُوا: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ :" لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ" فَفُرِّجَ عَنْهُمْ. (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) أَيِ الضَّالِّينَ الْمُشْرِكِينَ. أَيْ سُلْطَانُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ، دَلِيلُهُ" إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ «٦» ". الثَّانِيَةُ- وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْقَلِيلِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَشَرَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا. أَوْ يَقُولَ: عَشَرَةٌ إِلَّا تسعة. وقال أحمد ابن حَنْبَلٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى إِلَّا قَدْرَ النِّصْفِ فَمَا دُونَهُ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ. وَدَلِيلُنَا هَذِهِ الْآيَةُ، فَإِنَّ فِيهَا اسْتِثْنَاءُ" الْغاوِينَ" مِنَ الْعِبَادِ وَالْعِبَادَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَقَلِّ مِنَ الْجُمْلَةِ وَاسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مِنَ الْجُمْلَةِ جَائِزٌ. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ الى ٤٤] وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)

стр. 3747

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) يَعْنِي إِبْلِيسَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ. (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ) أَيْ أطباق، طبق فوق طبق (لِكُلِّ بابٍ) أي لكل طبقة (مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) أَيْ حَظٌّ مَعْلُومٌ. ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو هَارُونَ الْغَنَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ حِطَّانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ كَيْفَ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ؟ قُلْنَا: هِيَ مِثْلُ أَبْوَابِنَا. قَالَ لَا، هِيَ هَكَذَا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ- زَادَ الثَّعْلَبِيُّ: وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى- وَأَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْجِنَانَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالنِّيرَانَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَأَسْفَلُهَا جَهَنَّمُ، وَفَوْقَهَا الْحُطَمَةُ، وَفَوْقَهَا سَقَرُ، وَفَوْقَهَا الْجَحِيمُ، وَفَوْقَهَا لَظًى، وَفَوْقَهَا السَّعِيرُ، وَفَوْقَهَا الْهَاوِيَةُ، وَكُلُّ بَابٍ أَشَدُّ حَرًّا مِنَ الَّذِي يَلِيهِ سَبْعِينَ مَرَّةً. قُلْتُ: كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّفْسِيرُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جَهَنَّمَ أَعْلَى الدَّرَكَاتِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُصَاةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي تُخْلَى مِنْ أَهْلِهَا فَتَصْفِقُ الرِّيَاحُ أَبْوَابَهَا. ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الْحُطَمَةُ، ثُمَّ سَعِيرٌ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: فِي الدَّرْكِ الْأَعْلَى الْمُحَمَّدِيُّونَ، وَفِي الثَّانِي النَّصَارَى، وَفِي الثَّالِثِ الْيَهُودِ، وَفِي الرَّابِعِ الصَّابِئُونَ، وَفِي الْخَامِسِ الْمَجُوسُ، وَفِي السَّادِسِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَفِي السَّابِعِ الْمُنَافِقُونَ وَآلُ فِرْعَوْنَ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْمَائِدَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ"- وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّسَاءِ «١» -، وَقَالَ:" أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٢» "، وقال:" فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ «٣» ". وَقَسَّمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ الْعُلَمَاءَ السُّوءَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَقْسِيمًا عَلَى تِلْكَ الْأَبْوَابِ، ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ سَيْفَهُ عَلَى أُمَّتِي" قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ:: لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ بَابٌ مِنْهَا لِلْحَرُورِيَّةِ «٤». وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَيْنَ كُلِّ بابين مسيرة سبعين

стр. 3748

سَنَةً، كُلُّ بَابٍ أَشَدُّ حَرًّا مِنَ الَّذِي فَوْقَهُ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا كُلَّهُ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ. وَرَوَى سَلَّامٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ" جُزْءٌ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَجُزْءٌ شَكُّوا فِي اللَّهِ، وَجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللَّهِ، وَجُزْءٌ آثَرُوا شَهَوَاتِهِمْ عَلَى اللَّهِ، وَجُزْءٌ شَفَوْا غَيْظَهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ، وَجُزْءٌ صَيَّرُوا رَغْبَتَهُمْ بِحَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ، وَجُزْءٌ عَتَوْا عَلَى اللَّهِ". ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ (مِنْهَاجِ الدِّينِ) لَهُ، وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَالْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ هُمُ الثَّنَوِيَّةُ «١». وَالشَّاكُّونَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَدْرُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهًا أَوْ لَا إِلَهَ لَهُمْ، وَيَشُكُّونَ فِي شَرِيعَتِهِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ أَمْ لَا. وَالْغَافِلُونَ عَنِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَهُ أَصْلًا وَلَا يُثْبِتُونَهُ، وَهُمُ الدَّهْرِيَّةُ. وَالْمُؤْثِرُونَ شَهَوَاتِهِمْ عَلَى اللَّهِ هُمُ الْمُنْهَمِكُونَ فِي الْمَعَاصِي، لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَالشَّافُونَ غَيْظَهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ هُمُ الْقَاتِلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَسَائِرَ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، الْمُعَذِّبُونَ مَنْ يَنْصَحُ لَهُمْ أَوْ يَذْهَبُ غَيْرَ مَذْهَبِهِمْ، وَالْمُصَيِّرُونَ رَغْبَتَهُمْ بِحَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ هُمُ الْمُنْكِرُونَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، فَهُمْ يَعْبُدُونَ مَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، لَهُمْ جَمِيعُ حَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَاتُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ، بِأَنْ يَكُونَ مَا هُمْ فِيهِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَلَا يَتَفَكَّرُونَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يَسْتَدِلُّونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ ﷺ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ. وَيُرْوَى أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ ﵁ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ" وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ" فَرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الخوف لا يعقل، فجئ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُنْزِلَتْ هذه الآية" وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ"؟ فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ قَطَّعَتْ قَلْبِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ". وَقَالَ بِلَالٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَعْرَابِيَّةٌ فَصَلَّتْ خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةُ" لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ" فَخَرَّتِ الْأَعْرَابِيَّةُ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَجْبَتَهَا «٢» فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها

стр. 3749

حَتَّى أَفَاقَتْ وَجَلَسَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" يَا هَذِهِ مَالَكِ"؟ فَقَالَتْ: أَهَذَا شي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، أَوْ تَقُولُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ؟ فَقَالَ:" يَا أَعْرَابِيَّةُ، بَلْ هُوَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ" فَقَالَتْ: كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي يُعَذَّبُ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا؟ قَالَ:" يَا أَعْرَابِيَّةُ، بَلْ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ يُعَذَّبُ أَهْلُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ" فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ، مَا لِي مَالٌ، وَمَا لِي إِلَّا سَبْعَةُ أَعْبُدٍ، أُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ مِنْهُمْ عَنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ." يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَشِّرِ الْأَعْرَابِيَّةَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهَا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها". [سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ الى ٤٦] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي الذين اتقوا الفواحش والشرك. أَيْ بَسَاتِينَ." وَعُيُونٍ" هِيَ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ: مَاءٌ وَخَمْرٌ وَلَبَنٌ وَعَسَلٌ. وَأَمَّا الْعُيُونُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ" الْإِنْسَانِ «١» ": الْكَافُورُ وَالزَّنْجَبِيلُ وَالسَّلْسَبِيلُ، وَفِي" الْمُطَفِّفِينَ «٢» ": التَّسْنِيمُ، فَيَأْتِي ذِكْرُهَا وَأَهْلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَضَمُّ الْعَيْنِ مِنْ" عُيُونٍ" عَلَى الْأَصْلِ، وَالْكَسْرُ مراعاة للياء، وقرى بهما .. قرى بِهِمَا. (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" ادْخُلُوها" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَضَمِّ الْخَاءِ، مِنْ دَخَلَ يَدْخُلُ، عَلَى الْأَمْرِ. تَقْدِيرُهُ: قِيلَ ادْخُلُوهَا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" أُدْخِلُوهَا" بِضَمِّ التَّنْوِينِ وَوَصْلِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، مِنْ أَدْخَلَ. أَيْ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا. وَمَذْهَبُهُمْ كَسْرُ التَّنْوِينِ فِي مِثْلِ" بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا «٣» الْجَنَّةَ" وشبهه، إلا أنهم ها هنا أَلْقَوْا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّنْوِينِ، إِذْ هِيَ أَلِفُ قَطْعٍ، وَلَكِنْ فِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ ثُمَّ مِنْ ضَمٍّ إِلَى كَسْرٍ فَيَثْقُلُ عَلَى اللِّسَانِ." بِسَلامٍ" أَيْ بِسَلَامَةٍ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَآفَةٍ. وَقِيلَ: بِتَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ. (آمِنِينَ) أَيْ مِنَ الْمَوْتِ وَالْعَذَابِ وَالْعَزَلِ والزوال.

стр. 3750

[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٧ الى ٤٨] وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ تُعْرَضُ لَهُمْ عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْعَيْنَ الْأُخْرَى فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا فَتُشْرِقُ أَلْوَانُهُمْ وَتَصْفُو وُجُوهَهُمْ، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، وَنَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالصَّحَابَةِ، يَعْنِي مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْغِلِّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ وَالْعَدَاوَةُ، يُقَالُ مِنْهُ: غَلَّ يَغِلُّ. وَيُقَالُ: مِنَ الْغُلُولِ وَهُوَ السَّرِقَةُ مِنَ الْمَغْنَمِ: غَلَّ يَغُلُّ. وَيُقَالُ مِنَ الْخِيَانَةِ: أَغَلَّ يُغِلُّ. كَمَا قَالَ «١»: جَزَى اللَّهُ عَنَّا حَمْزَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ... جَزَاءَ مُغِلٍّ بِالْأَمَانَةِ كَاذِبِ وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ «٢». (إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) أَيْ لَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى قَفَا بَعْضٍ تَوَاصُلًا وَتَحَابُبًا، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْأَسِرَّةُ تَدُورُ كَيْفَمَا شَاءُوا، فَلَا يَرَى أَحَدٌ قَفَا أَحَدٍ. وَقِيلَ:" مُتَقابِلِينَ" قَدْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمُ الْأَزْوَاجُ وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِنَّ بِالْوُدِّ. وَسُرَرٍ جَمْعُ سَرِيرٍ، مِثْلُ جَدِيدٍ وَجُدُدٍ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ السُّرُورِ، فَكَأَنَّهُ مَكَانٌ رَفِيعٌ مُمَهَّدٌ لِلسُّرُورِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى سُرَرٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ، السَّرِيرُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ «٣» إِلَى الْجَابِيَةِ وَمَا بين عدن إلى أيلة. و" إِخْواناً " نصب على الحال من" الْمُتَّقِينَ"

стр. 3751

أَوْ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي" ادْخُلُوها"، أَوْ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي" آمِنِينَ" أَوْ يَكُونُ حَالًا مُقَدَّرَةً مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي" صُدُورِهِمْ". (لَا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ) أَيْ إِعْيَاءٌ وَتَعَبٌ. (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، وَأَنَّ أَهْلَهَا فِيهَا بَاقُونَ." أُكُلُها «١» دائِمٌ"." إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ «٢» مِنْ نَفادٍ". [سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٩ الى ٥٠] نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) هَذِهِ الْآيَةُ وِزَانُ قَوْلِهِ ﵇:" لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَةِ «٣». وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُذَكِّرَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ فَيُخَوِّفُ وَيُرَجِّي، وَيَكُونُ الْخَوْفُ فِي الصِّحَّةِ أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ:" أَتَضْحَكُونَ وَبَيْنَ أَيْدِيكُمُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ" فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ. وَلَفْظُ الثَّعْلَبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اطَّلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو شَيْبَةَ وَنَحْنُ نضحك فقال:" ما لكم تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ" ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْحِجْرِ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَقَالَ لَنَا:" إِنِّي لَمَّا خَرَجْتُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي" نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ". فَالْقُنُوطُ إِيَاسٌ، وَالرَّجَاءُ إهمال، وخير الأمور أوساطها. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ الى ٥٤] وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)

стр. 3752

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) ضَيْفُ إِبْرَاهِيمَ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِالْوَلَدِ وَبِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ «١». وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يُكْنَى أَبَا الضِّيفَانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ لِكَيْلَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ. وَسُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا لِإِضَافَتِهِ إِلَيْكَ وَنُزُولِهِ عَلَيْكَ. وَقَدْ مَضَى مِنْ حُكْمِ الضَّيْفِ فِي" هُودٍ» " مَا يَكْفِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) جَمَعَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الضَّيْفَ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ كَالْمَصْدَرِ. ضَافَهُ وَأَضَافَهُ أَمَالَهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ" حِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ"، وَضَيْفُوفَةُ «٣» السَّهْمِ، وَالْإِضَافَةُ والنحوية. (فَقالُوا سَلاماً) أَيْ سَلَّمُوا سَلَامًا. (قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أَيْ فَزِعُونَ خَائِفُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بَعْدَ أَنْ قَرَّبَ الْعِجْلَ وَرَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي هُودٍ «٤». وَقِيلَ: أَنْكَرَ السَّلَامَ وَلَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِهِمْ رَسْمُ السَّلَامِ. (قالُوا لَا تَوْجَلْ) أَيْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَا تَخَفْ. (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) أَيْ حَلِيمٍ «٥»، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: عَالِمٌ. وَهُوَ إِسْحَاقُ. (قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) " أَنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ عَلَى مَسِّ الْكِبَرِ إِيَّايَ وزوجتي، وقد تقدم في هود وإبراهيم «٦»، حيث يقول: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ. وَقِيلَ: اسْتِفْهَامٌ حَقِيقِيٌّ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ" تُوجَلُ" بِضَمِ التَّاءِ. وَالْأَعْمَشُ" بَشَّرْتُمُونِي" بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَنَافِعٌ وَشَيْبَةُ" تُبَشِّرُونِ" بِكَسْرِ النُّونِ والتخفيف، مثل،" أَتُحاجُّونِّي" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُهُ «٧». وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ" تُبَشِّرُونِّ" بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً، تَقْدِيرُهُ تُبَشِّرُونَنِي، فَأَدْغَمَ النُّونَ فِي النُّونِ. الْبَاقُونَ" تُبَشِّرُونَ" بِنَصْبِ النون بغير إضافة. [سورة الحجر (١٥): آية ٥٥] قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ) أَيْ بِمَا لَا خُلْفَ فِيهِ، وَأَنَّ الْوَلَدَ لَا بُدَّ مِنْهُ. (فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) أَيْ مِنَ الْآيِسِينَ مِنَ الْوَلَدِ، وَكَانَ قَدْ أَيِسَ مِنَ الولد لفرط

стр. 3753

الْكِبَرِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" مِنَ الْقانِطِينَ" بِالْأَلِفِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ" مِنَ الْقَنِطِينَ" بِلَا أَلِفٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو. وَهُوَ مَقْصُورٌ مِنَ" الْقانِطِينَ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ: قَنِطَ يَقْنَطُ، مِثْلَ حَذِرَ يَحْذَرُ. وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُهَا مِنْ" يَقْنَطُ" لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا. وَحُكِيَ فِيهِ" يَقْنُطُ" بِالضَّمِّ. وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ" قَنَطَ يَقْنَطُ" [وَ] مَنْ فَتَحَ النُّونَ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، فَأَخَذَ فِي الْمَاضِي بِلُغَةِ مَنْ قَالَ: قَنَطَ يَقْنِطُ، وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ بِلُغَةِ مَنْ قَالَ: قَنِطَ يقنط، ذكره المهدوي. [سورة الحجر (١٥): آية ٥٦] قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) أَيِ الْمُكَذِّبُونَ الذَّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ. يَعْنِي أَنَّهُ اسْتَبْعَدَ الْوَلَدَ لِكِبَرِ سِنِّهِ لَا أنه قنط من رحمة الله تعالى. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ الى ٦٠] قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ- إِذْ أَخْبَرُوهُ بِأَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ وَهُوَ بُشْرَاهُمْ بِالْوَلَدِ- قَالَ: فَمَا خَطْبُكُمْ؟ وَالْخَطْبُ الْأَمْرُ الْخَطِيرُ. أَيْ فَمَا أَمْرُكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَمَا الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ. (قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أَيْ مُشْرِكِينَ ضَالِّينَ. وَفِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ، أَيْ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهُمْ. (إِلَّا آلَ لُوطٍ) أَتْبَاعَهُ واهل دينه. (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" لَمُنْجُوهُمْ" بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَنْجَى. الْبَاقُونَ: بِالتَّشْدِيدِ مِنْ نَجَّى، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَالتَّنْجِيَةُ وَالْإِنْجَاءُ التَّخْلِيصُ. (إِلَّا امْرَأَتَهُ) اسْتَثْنَى مِنْ آلِ لُوطٍ امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ كَافِرَةً فَالْتَحَقَتْ بِالْمُجْرِمِينَ فِي الْهَلَاكِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ قوم لوط

стр. 3754

فِي" الْأَعْرَافِ «١» " وَسُورَةِ" هُودٍ «٢» " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) أَيْ قَضَيْنَا وَكَتَبْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ. وَالْغَابِرُ: الْبَاقِي. قَالَ «٣»: لَا تَكْسَعُ الشَّوْلَ بِأَغْبَارِهَا ... إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنِ النَّاتِجِ الْأَغْبَارُ بَقَايَا اللَّبَنِ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ" قَدَرْنَا" بِالتَّخْفِيفِ هُنَا وَفِي النَّمْلِ «٤»، وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ. الْهَرَوِيُّ: يُقَالُ قَدَّرَ وَقَدَرَ، بِمَعْنًى. الثَّانِيَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَمِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَإِذَا قَالَ رَجُلٌ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا دِرْهَمًا، ثَبَتَ الْإِقْرَارُ بِسَبْعَةٍ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ مُسْتَثْنًى مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مُثْبَتٌ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْفِيٍّ، وَكَانَتِ الْأَرْبَعَةُ مَنْفِيَّةً لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ مُوجَبٍ وَهُوَ الْعَشَرَةُ، فَعَادَ الدِّرْهَمُ إِلَى السِّتَّةِ فَصَارَتْ سَبْعَةً. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا دِرْهَمًا إِلَّا ثُلُثَيْهِ، كَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً إِلَّا سَبْعَةً، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي رَاجِعًا إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَالثَّالِثُ إِلَى الثَّانِي فَيَكُونُ عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إِثْبَاتٌ وَالثَّمَانِيَةُ إِثْبَاتٌ فَيَكُونُ مَجْمُوعُهَا ثَمَانِيَةُ عَشَرَ. وَالتِّسْعَةُ نَفْيٌ وَالسَّبْعَةُ نَفْيٌ فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ تَسْقُطُ مِنْ ثَمَانِيَةِ عَشَرَ وَيَبْقَى دِرْهَمَانِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ بِالْإِقْرَارِ لَا غَيْرَ. فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:" إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا امْرَأَتَهُ" فَاسْتَثْنَى آلَ لُوطٍ مِنَ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ قَالَ:" إِلَّا امْرَأَتَهُ" فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ آلِ لُوطٍ، فَرَجَعَتْ فِي التَّأْوِيلِ إِلَى الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ كَمَا بَيَّنَّا. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الطَّلَاقِ، لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ رَجَعَتْ إِلَى الْبَاقِي مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهِيَ الثَّلَاثُ. وَكَذَا كُلُّ ما جاء من هذا فتفهمه.

стр. 3755

[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ الى ٦٥] فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أَيْ لَا أَعْرِفُكُمْ. وَقِيلَ: كَانُوا شَبَابًا وَرَأَى جَمَالًا فَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْنَةِ قَوْمِهِ، فَهَذَا هُوَ الْإِنْكَارُ. (قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أَيْ يَشُكُّونَ أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ، وَهُوَ الْعَذَابُ. (وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ) أَيْ بِالصِّدْقِ. وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ. (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) أَيْ فِي هَلَاكِهِمْ. (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) " تقدم في هود «١». (وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ) أَيْ كُنْ مِنْ وَرَائِهِمْ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَيَنَالَهُ الْعَذَابُ. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) نُهُوا عَنْ الِالْتِفَاتِ لِيَجِدُّوا فِي السَّيْرِ وَيَتَبَاعَدُوا عَنِ الْقَرْيَةِ قَبْلَ أَنْ يُفَاجِئَهُمُ الصُّبْحُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَتَخَلَّفُ. (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشَّامَ. مُقَاتِلٌ: يَعْنِي صَفَدَ، قَرْيَةً مِنْ قُرَى لُوطٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَضَى إِلَى أَرْضِ الْخَلِيلِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الْيَقِينُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْيَقِينُ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا خَرَجَتِ الرُّسُلُ شَيَّعَهُمْ، فَقَالَ لِجِبْرِيلَ: مِنْ أَيْنَ يُخْسَفُ بِهِمْ؟ قَالَ:" مِنْ هَاهُنَا" وَحَدَّ لَهُ حَدًّا، وَذَهَبَ جِبْرِيلُ، فَلَمَّا جَاءَ لُوطٌ. جَلَسَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ وَارْتَقَبَا ذَلِكَ الْعَذَابَ، فَلَمَّا اهْتَزَّتِ الْأَرْضُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ:" أَيْقَنْتُ بالله" فسمى اليقين. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٦ الى ٧١] وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١)

стр. 3756

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ) أَيْ أَوْحَيْنَا إِلَى لُوطٍ. (ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) نَظِيرُهُ" فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا «١» "." مُصْبِحِينَ" أَيْ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٢». (وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أَيْ أَهْلُ مَدِينَةِ لُوطٍ (يَسْتَبْشِرُونَ) مُسْتَبْشِرِينَ بِالْأَضْيَافِ طَمَعًا مِنْهُمْ فِي رُكُوبِ الفاحشة. (إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي) أَيْ أَضْيَافِي. (فَلا تَفْضَحُونِ) أَيْ تُخْجِلُونِ. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخِزْيِ وَهُوَ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ، ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الحياء وَالْخَجَلُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هُودٍ «٣». (قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ) أَيْ عَنْ أَنْ تُضِيفَ أَحَدًا لِأَنَّا نُرِيدُ مِنْهُمُ الْفَاحِشَةَ. وَكَانُوا يَقْصِدُونَ بِفِعْلِهِمُ الْغُرَبَاءُ، عَنِ الْحَسَنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الأعراف «٤». وقيل: أو لم نَنْهَكَ عَنْ أَنْ تُكَلِّمَنَا فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِذَا قَصَدْنَاهُ بِالْفَاحِشَةِ. (قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أَيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الْحَرَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي هود «٥». [سورة الحجر (١٥): آية ٧٢] لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَجْمَعِهِمْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى ها هنا بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ، أَنَّ قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وَفِي حَيْرَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. قُلْتُ: وَهَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَجْمَعَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذَا أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ ﷻ بِمُدَّةِ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَأَصْلُهُ ضَمُّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَمْرُ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَمَعْنَاهُ وَبَقَائِكَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: وَحَيَاتِكَ. وَهَذَا نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَغَايَةُ الْبِرِّ وَالتَّشْرِيفِ. قَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَرِيَّةِ عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" مَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بحياة لوط ويبلغ به من التشريف

стр. 3757

مَا شَاءَ، وَكُلُّ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لِلُوطٍ مِنْ فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَيْهِ مِنْ شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، لِأَنَّهُ أَكْرَمُ على الله منه، أو لا تَرَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَى إِبْرَاهِيمَ الْخُلَّةَ وَمُوسَى التَّكْلِيمَ وَأَعْطَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ، فَإِذَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ لُوطٍ فَحَيَاةُ مُحَمَّدٍ أَرْفَعُ. وَلَا يُخْرَجُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ". قُلْتُ: مَا قَالَهُ حَسَنٌ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ قَسَمُهُ سُبْحَانَهُ بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَلَامًا مُعْتَرِضًا فِي قِصَّةِ لُوطٍ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، أَيْ كَانُوا فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَقِيلَ: لَمَّا وَعَظَ لُوطٌ قَوْمَهُ وَقَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا لُوطُ،" لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" وَلَا يَدْرُونَ مَا يَحِلُّ بِهِمْ صَبَاحًا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَقْسَمَ تَعَالَى بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ، فَمَا فِي هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: مَا من شي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَا يَدْخُلُ فِي عِدَادِهِ، فَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِمَّنْ هُوَ فِي عِدَادِهِ. وَالْعُمْرُ وَالْعَمْرُ (بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا) لُغَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَسَمِ إِلَّا بِالْفَتْحِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَتَقُولُ: عَمَّرَكَ اللَّهُ، أَيْ أسأل الله تعميرك. و" لَعَمْرُكَ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفُ. الْمَعْنَى لَعَمْرُكَ مِمَّا أُقْسِمُ بِهِ. الثَّانِيَةُ- كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ لَعَمْرِي، لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَحَيَاتِي. قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لَعَمْرِي، لِأَنَّهُ حَلِفٌ بِحَيَاةِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ضَعْفَةِ الرِّجَالِ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُؤَنَّثِينَ يُقْسِمُونَ بِحَيَاتِكَ وَعَيْشِكَ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الذُّكْرَانِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْسَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَذَلِكَ بَيَانٌ لِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ لِمَكَانِهِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ" لَعَمْرُكَ" فِي الْكَلَامِ لِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَبِهِ أَقُولُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَطَعَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَرَدَّ الْقَسَمَ إِلَيْهِ. قُلْتُ. الْقَسَمُ بِ" لَعَمْرُكَ وَلَعَمْرِي" وَنَحْوِهُ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَفَصِيحِ كلامها كثير.

стр. 3758

قَالَ النَّابِغَةُ: لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الْأَقَارِعُ «١» آخَرُ: لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأَ الْفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ «٢» آخَرُ: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ آخَرُ: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: لَا يَجُوزُ هَذَا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلَّهِ عَمْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَالَى أَزَلِيٌّ. ذَكَرَهُ الزَّهْرَاوِيُّ. الثَّالِثَةُ- قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيمَا يُحْلَفُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ فِي" الْمَائِدَةِ «٣» "، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ أَقْسَمَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: مَنْ جَوَّزَ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَجُوزُ تَعْظِيمُهُ بِحَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ فَلَيْسَ يَقُولُ إِنَّهَا يَمِينٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَّارَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَنْ قَصَدَ الْكَذِبَ كَانَ مَلُومًا، لِأَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ مُسْتَخِفٌّ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْظِيمُهُ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ تَعَالَى" لَعَمْرُكَ" أَيْ وَحَيَاتِكَ. وَإِذَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ نَبِيِّهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ لَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَحْلِفَ بِحَيَاتِهِ. وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مَعْنَى قوله:" لَعَمْرُكَ" و" التِّينِ وَالزَّيْتُونِ «٤» "" وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ «٥» "" وَالنَّجْمِ إِذا هَوى "" وَالشَّمْسِ وَضُحاها «٦» "" لَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ. وَوالِدٍ وَما وَلَدَ" «٧». كُلُّ هَذَا مَعْنَاهُ: وَخَالِقِ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَبِرَبِّ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَبِرَبِّ الْبَلَدِ الَّذِي حَلَلْتَ بِهِ، وَخَالِقِ عَيْشِكَ وَحَيَاتِكَ، وَحَقِّ مُحَمَّدٍ، فَالْيَمِينُ وَالْقَسَمُ حَاصِلٌ بِهِ سُبْحَانَهُ لَا بِالْمَخْلُوقِ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَمَنْ جَوَّزَ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَأَوَّلَ قَوْلَهُ ﷺ :" لَا تحلفوا

стр. 3759

بِآبَائِكُمْ" وَقَالَ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ الْكُفَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ لَمَّا حَلَفُوا بِآبَائِهِمْ::" لَلْجَبَلُ عِنْدَ اللَّهِ أَكْرَمُ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ". وَمَالِكٌ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ جَرَتْ مُنْذُ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنْ يَحْلِفُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا إِذَا حَاكَمَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ قَالَ: احْلِفْ لِي بِحَقِّ مَا حَوَاهُ هَذَا الْقَبْرُ، وَبِحَقِّ سَاكِنِ هَذَا الْقَبْرِ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ بِالْحَرَمِ وَالْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ، وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَالْمِحْرَابِ وَمَا يُتْلَى فيه «١». [سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ الى ٧٤] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ وَقْتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. يُقَالُ: أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ أَيْ أَضَاءَتْ، وَشَرَقَتْ إِذَا طَلَعَتْ. وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى. وَأَشْرَقَ الْقَوْمُ أَيْ دَخَلُوا فِي وَقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ. مِثْلَ أَصْبَحُوا وَأَمْسَوْا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ شُرُوقَ الْفَجْرِ. وَقِيلَ: أَوَّلُ الْعَذَابِ كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ وَامْتَدَّ إِلَى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَانَ تَمَامُ الْهَلَاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أعلم. و" الصَّيْحَةُ" العذاب. وتقدم ذكر" سجيل «٢» " [سورة الحجر (١٥): آية ٧٥] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" لِلْمُتَفَرِّسِينَ" وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَرَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله

стр. 3760

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ- ثُمَّ قَرَأَ-" إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلْمُتَفَكِّرِينَ. الضَّحَّاكُ: لِلنَّظَّارِينَ. قَالَ الشَّاعِرُ «١»: أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ ... بَعَثُوا إلى عريفهم يتوسموا وَقَالَ قَتَادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ، قَالَ زُهَيْرٌ: وَفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَدِيقِ وَمَنْظَرٌ ... أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ الْمُتَوَسِّمِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الحكيم من حديث ثابت عن أنس ابن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: التَّوَسُّمُ تَفَعُّلٌ مِنَ الْوَسْمِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَطْلُوبٍ غَيْرِهَا. يُقَالُ: تَوَسَّمْتُ فِيهِ الْخَيْرَ إِذَا رَأَيْتُ مِيسَمَ ذَلِكَ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الْخَيْرَ أَعْرِفُهُ ... والله يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَرِ آخَرُ: تَوَسَّمْتُهُ لَمَّا رَأَيْتُ مَهَابَةً ... عَلَيْهِ وَقُلْتُ الْمَرْءُ مِنْ آلِ هَاشِمِ وَاتَّسَمَ الرَّجُلُ إِذَا جَعَلَ لِنَفْسَةِ عَلَامَةً يعرف بها. وتوسم الرجل طلب كلا الوسمي. وَأَنْشَدَ: وَأَصْبَحْنَ كَالدَّوْمِ النَّوَاعِمِ غُدْوَةً ... عَلَى وِجْهَةٍ مِنْ ظَاعِنٍ مُتَوَسِّمِ وَقَالَ ثَعْلَبُ: الْوَاسِمُ النَّاظِرُ إِلَيْكَ مِنْ فَرْقِكَ إِلَى قَدَمِكَ. وَأَصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتِ وَالتَّفَكُّرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بحديدة في جلد البعير وغيره، وذاك يَكُونُ بِجَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ. زَادَ غَيْرُهُ: وَتَفْرِيغُ الْقَلْبِ مِنْ حَشْوِ الدُّنْيَا، وَتَطْهِيرُهُ مِنْ أَدْنَاسِ الْمَعَاصِي وَكُدُورَةِ الْأَخْلَاقِ وَفُضُولِ الدُّنْيَا. رَوَى نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" لِلْمُتَوَسِّمِينَ" قَالَ: لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ. وَزَعَمَتِ الصُّوفِيَّةُ أَنَّهَا كرامة. وقيل: بل هي استدلال بالعلامات،

стр. 3761

وَمِنَ الْعَلَامَاتِ مَا يَبْدُو ظَاهِرًا لِكُلِّ أَحَدٍ وَبِأَوَّلِ نَظْرَةٍ، وَمِنْهَا مَا يَخْفَى فَلَا يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ وَلَا يُدْرَكُ بِبَادِئِ النَّظَرِ. قَالَ الْحَسَنُ: الْمُتَوَسِّمُونَ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَسَّمُونَ الْأُمُورَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَهْلَكَ قَوْمَ لُوطٍ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ الْكُفَّارَ، فَهَذَا مِنَ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عن شي إِلَّا عَرَفْتُ أَفَقِيهٌ هُوَ أَوْ غَيْرُ فَقِيهٍ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَرَجُلٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَرَاهُ نَجَّارًا «١»، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ حدادا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فَقَالَ: كُنْتُ نَجَّارًا «٢» وَأَنَا الْيَوْمَ حَدَّادٌ. وَرُوِيَ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَوَقَفَ فَقَالَ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ. فَقُلْنَا لَهُ: كَأَنَّكَ عَرَّضْتَ بِهَذَا الرَّجُلِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَقْرَأُ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ الْيَوْمَ وَيَخْرُجُ غَدًا حَرُورِيًّا، فَكَانَ رَأْسُ الْحَرُورِيَّةِ، وَاسْمُهُ مِرْدَاسٌ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ فِتْيَانِ الْبَصْرَةِ إِنْ لَمْ يُحْدِثْ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مِنَ الْقَدَرِ مَا كَانَ، حَتَّى هَجَرَهُ عَامَّةُ إِخْوَانِهِ. وَقَالَ لِأَيُّوبَ: هَذَا سَيِّدُ فِتْيَانِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِدَاوُدَ الْأَزْدِيِّ وَهُوَ يُمَارِيهِ: إِنَّكَ لَا تَمُوتُ حَتَّى تُكْوَى فِي رَأْسِكَ، وَكَانَ كَذَلِكَ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ مِذْحَجٍ فِيهِمُ الْأَشْتَرُ، فَصَعَّدَ فِيهِ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ وَقَالَ: أَيُّهُمْ هَذَا؟ قَالُوا: مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ. فَقَالَ: مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ! إِنِّي لَأَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ. يَوْمًا عَصِيبًا، فَكَانَ مِنْهُ فِي الْفِتْنَةِ مَا كَانَ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِالسُّوقِ فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ عُثْمَانُ: يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَيَّ وَفِي عَيْنَيْهِ أثر الزنى فقال له أنس: أو حيا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ بُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ وَصِدْقٌ (. وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أجمعين. الثَّانِيَةُ- قَالَ (الْقَاضِي «٣» أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ:" إِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَسُّمَ وَالتَّفَرُّسَ مِنْ مَدَارِكِ الْمَعَانِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ مَوْسُومٌ وَلَا مُتَفَرَّسٌ. وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّامِيُّ الْمَالِكِيُّ بِبَغْدَادَ أَيَّامَ كَوْنِي بِالشَّامِ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَامِ، جَرْيًا على طريق إياس

стр. 3762

ابن مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ كَانَ قَاضِيًا، وَكَانَ شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ صَنَّفَ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ وَأَعْطَانِيهِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَدَاركَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا مُدْرَكَةٌ قطعا وليست الفراسة منها. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٦ الى ٧٩] وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّها) يَعْنِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ. (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أَيْ عَلَى طَرِيقِ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الشَّامِ. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ لَعِبْرَةٌ لِلْمُصَدِّقِينَ. (وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ) يُرِيدُ قَوْمَ شُعَيْبٍ، كَانُوا أَصْحَابَ غِيَاضٍ وَرِيَاضٍ وَشَجَرٍ مُثْمِرٍ. وَالْأَيْكَةُ: الْغَيْضَةُ، وَهِيَ جَمَاعَةُ الشَّجَرِ، وَالْجَمْعُ الْأَيْكُ. وَيُرْوَى أَنَّ شَجَرَهُمْ كَانَ دَوْمًا وَهُوَ الْمُقْلُ. قَالَ النَّابِغَةُ: تَجْلُو بِقَادِمَتَيْ حَمَامَةِ أَيْكَةٍ ... بَرَدًا أُسِفُّ لِثَاتُهُ بِالْإِثْمِدِ وَقِيلَ: الْأَيْكَةُ اسْمُ الْقَرْيَةِ. وَقِيلَ اسْمُ الْبَلْدَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَيْكَةُ وَلَيْكَةُ مَدِينَتُهُمْ، بِمَنْزِلَةِ بَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. وَتَقَدَّمَ خَبَرُ شُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ «١». (وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) أَيْ بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ فِي نَفْسِهِ، يَعْنِي مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ وَبُقْعَةَ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ يَعْتَبِرُ بِهِمَا من يمر عليهما. [سورة الحجر (١٥): آية ٨٠] وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) الْحِجْرُ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا حِجْرُ الْكَعْبَةِ. وَمِنْهَا الْحَرَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَحِجْراً مَحْجُوراً" «٢» أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا. وَالْحِجْرُ الْعَقْلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" لِذِي حِجْرٍ «٣» " وَالْحِجْرُ حِجْرُ الْقَمِيصِ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ. وَالْحِجْرُ الْفَرَسُ الْأُنْثَى. وَالْحِجْرُ دِيَارُ ثَمُودَ، وَهُوَ الْمُرَادُ هنا،

стр. 3763

أي المدينة، قال الْأَزْهَرِيُّ. قَتَادَةُ: وَهِيَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَتَبُوكَ، وَهُوَ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ ثَمُودُ. الطَّبَرِيُّ: هِيَ أَرْضٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهُمْ قَوْمُ صَالِحٍ. وَقَالَ:" الْمُرْسَلِينَ" وَهُوَ صَالِحٌ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ، لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ فِي الْأُصُولِ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: كَذَّبُوا صَالِحًا وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ رَوَى الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَلَّا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا. فَقَالُوا: قَدْ عُجْنَا وَاسْتَقَيْنَا. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُهْرِيقُوا الْمَاءَ وَأَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي تَرِدُهَا النَّاقَةُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ثُمَّ زَجَرَ» فَأَسْرَعَ. قُلْتُ: فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي بَيَّنَ الشَّارِعُ حُكْمَهَا وَأَوْضَحَ أَمْرَهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ، اسْتَنْبَطَهَا الْعُلَمَاءُ وَاخْتَلَفَ فِي بَعْضِهَا الْفُقَهَاءُ، فَأَوَّلُهَا- كَرَاهَةُ دُخُولِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ، وَعَلَيْهَا حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ دُخُولَ مَقَابِرِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ دَخَلَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَالْمَقَابِرِ فَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالْخَوْفِ وَالْإِسْرَاعِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" لَا تَدْخُلُوا أَرْضَ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ". مَسْأَلَةٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِهَرْقِ مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِ ثَمُودَ وَإِلْقَاءِ مَا عُجِنَ وَخُبِزَ بِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَاءُ سُخْطٍ، فَلَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِرَارًا مِنْ سخط الله. وقال" اعلفوه الإبل".

стр. 3764

قُلْتُ: وَهَكَذَا حُكْمُ الْمَاءِ النَّجِسِ وَمَا يُعْجَنُ بِهِ. وَثَانِيهَا: قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ مَا لَا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أتعلفه الْإِبِلُ وَالْبَهَائِمُ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ، فِي الْعَسَلِ النَّجِسِ: إِنَّهُ يُعْلَفَهُ النَّحْلُ. وَثَالِثُهَا- أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلْفِ مَا عُجِنَ بِهَذَا الْمَاءِ الْإِبِلَ، ولم يأمر بطرحه كما أمر لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْحُمُرِ أَشَدُّ. فِي التَّحْرِيمِ وَأَغْلَظُ فِي التَّنْجِيسِ. وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَسْبِ الْحَجَّامِ أَنْ يُعْلَفَ النَّاضِحَ «١» وَالرَّقِيقَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِ وَلَا تَنْجِيسٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ، لِأَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ فِيهِ كَمَا تُعُبِّدَ فِي نَفْسِهِ. وَرَابِعُهَا- فِي أَمْرِهِ ﷺ بِعَلَفِ الْإِبِلِ الْعَجِينَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَمْلِ الرَّجُلِ النَّجَاسَةَ إِلَى كِلَابِهِ لِيَأْكُلُوهَا، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ: تُطْلَقُ الْكِلَابُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْمِلَهَا إِلَيْهِمْ. وَخَامِسُهَا- أَمْرُهُ ﷺ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ دَلِيلٌ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ تَقَادَمَتْ أَعْصَارُهُمْ وَخَفِيَتْ آثَارُهُمْ، كَمَا أَنَّ فِي الْأَوَّلِ دَلِيلًا على بعض أَهْلِ الْفَسَادِ وَذَمِّ دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ. هَذَا، وَإِنْ كَانَ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ غَيْرُ مُؤَاخَذَاتٍ، لَكِنَّ الْمَقْرُونَ بِالْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، وَالْمَقْرُونَ بِالْمَكْرُوهِ الْمَبْغُوضِ مَبْغُوضٌ، كما كُثَيِّرٌ: أُحِبُّ لِحُبِّهَا السُّودَانَ حَتَّى ... أُحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلَابِ وَكَمَا قَالَ آخَرُ: أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى ... أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا وَمَا تِلْكَ «٢» الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي ... وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا وَسَادِسُهَا- مَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الصَّلَاةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا لِأَنَّهَا دَارُ سُخْطٍ وَبُقْعَةُ غَضَبٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَتْ هَذِهِ الْبُقْعَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِ ﷺ :" جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا وَلَا الْوُضُوءُ مِنْ مَائِهَا وَلَا الصَّلَاةُ

стр. 3765

فِيهَا. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَفَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ تُكَلِّمُ فِي زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وَقَدْ زَادَ عُلَمَاؤُنَا: الدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ وَالْكَنِيسَةَ وَالْبِيعَةَ وَالْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَالْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ أَوْ مَوْضِعًا تَسْتَقْبِلُ فِيهِ نَائِمًا أَوْ وَجْهَ رَجُلٍ أَوْ جِدَارًا عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَا مُنِعَ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْ لِغَلَبَتِهَا، فَمَا مُنِعَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ إِنْ فُرِشَ فِيهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ كَالْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ فِيهَا أَوْ إِلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ. وَفَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ، وَبَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهَا دَارُ عَذَابٍ وَبُقْعَةُ سُخْطٍ كَالْحِجْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَإِنْ فَرَشَ ثَوْبًا، كَأَنَّهُ رَأَى لَهَا عِلَّتَيْنِ: الِاسْتِتَارَ «١» بِهَا وَنِفَارَهَا فَتُفْسِدُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً «٢» فَلَا بَأْسَ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ، فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إِلَّا من ضرورة. وكره ابن الصَّلَاةَ إِلَى الْقِبْلَةِ فِيهَا تَمَاثِيلُ، وَفِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا تُجْزِئُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَذَلِكَ عِنْدِي بِخِلَافِ الْأَرْضِ. فَإِنَّ الدَّارَ لَا تُدْخَلُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَالْأَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا فَإِنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ فِيهَا قَائِمَةٌ لَا يُبْطِلُهَا الْمِلْكُ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ جَائِزَةٌ صَحِيحَةٌ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ :" إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ" وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: وَاخْرُجُوا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ. وَقَوْلُ عَلِيٍّ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُصَلِّي بِأَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ. وَقَوْلُهُ عليه

стр. 3766

السَّلَامُ حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ مِنْ ثَمُودَ:" لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ" وَنَهْيُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَالدَّلَائِلِ الصَّحِيحِ مَجِيئُهَا. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ وَغَيْرَهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ جَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كُلُّهَا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنِ اعْتَلَّ بِأَنَّ مَوْضِعَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ، وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ لَا يَجِبُ أَنْ تُقَامَ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَكُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَبِأَرْضِ بَابِلَ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ وَمَدْفُوعٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كلها مسجدا وطهور"، وَقَوْلُهُ ﷺ مُخْبِرًا: إِنَّ ذلك من فضائله ومما خصى بِهِ، وَفَضَائِلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا التَّبْدِيلُ وَلَا النَّقْصُ. قَالَ ﷺ :" أُوتِيتُ خَمْسًا- وَقَدْ رُوِيَ سِتًّا، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَزْيَدَ مِنْ تِسْعٍ «١»، قَالَ فِيهِنَّ-" لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُوتِيتُ الشَّفَاعَةَ وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَبَيْنَا أنا نائم أتيت بِمَفَاتِيحِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ. وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ" رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ بَعْضَهَا، وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ، وَهِيَ صِحَاحٌ كُلُّهَا. وَجَائِزٌ عَلَى فَضَائِلِهِ الزِّيَادَةُ وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهَا النُّقْصَانُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ثُمَّ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ. وَقَالَ:" مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ" ثُمَّ نَزَلَتْ" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» ". وسمع رجلا يقوله: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ:" ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ" وَقَالَ:" لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" وَقَالَ:" السَّيِّدُ يُوسُفُ بْنِ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈" ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ:" أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ". فَفَضَائِلُهُ ﷺ لم تزل

стр. 3767

تَزْدَادُ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ، فَمِنْ هَاهُنَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا النُّقْصَانُ وَجَائِزٌ فِيهَا الزِّيَادَةُ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ :" جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" أَجَزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا مِنَ الْأَنْجَاسِ. وَقَالَ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ:" حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ" ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِعٍ. وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرَةَ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا إِلَّا بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ. وَقَدْ كَتَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ لَا أَعْلَمَ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ نَافِعٍ إِلَّا قَدْ قَالَ عَلَيْهِ الْبَاطِلُ. ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ اللَّيْثِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَانِي حَبِيبِي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مُجْتَمِعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو صَالِحٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ، بَصْرِيٌّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَمَنْ دُونَهُ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، رَوَاهُ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَنْبَسِ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا سُورِيَّا وَقَعَ بِأَرْضِ بَابِلَ، قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسَيْتَ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدًا. قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ أَمْسَيْتَ. قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ لَا أُصَلِّي فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. وَحُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ

стр. 3768

يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَكَأَنَّهُ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْمُرْسَلَ حُجَّةً، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: أَنَّ الْمَقْبَرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أُرِيدَ بِهَا مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَقْبَرَةٍ دُونَ مَقْبَرَةٍ أَوْ حَمَّامٍ دُونَ حَمَّامٍ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ عَلَيْهِ، فَهُوَ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا خَبَرٍ صَحِيحٍ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ. وَلَا يَخْلُو تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْكُفَّارِ إِلَيْهَا بِأَقْدَامِهِمْ فَلَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمَقْبَرَةِ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ بِأَجْسَامِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ. أَوْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بُقْعَةُ سُخْطٍ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَبْنِيَ مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْبِشَهَا وَيُسَوِّيَهَا وَيَبْنِي عَلَيْهَا، وَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْمَقَامِ مَقْبَرَةً لِلصَّلَاةِ فِيهَا لَكَانَتْ مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى بِالْخُصُوصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَكُلُّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَخُصَّ مَقْبَرَةً مِنْ مَقْبَرَةٍ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى مَعْهُودٍ، وَلَوْ كَانَ بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لنبيه ﷺ وَلَمْ يُهْمِلْهُ، لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا. وَلَوْ سَاغَ لِجَاهِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَقْبَرَةُ كَذَا لَجَازَ لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ: حَمَّامُ كَذَا، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ، غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: مَزْبَلَةٌ كَذَا وَلَا مَجْزَرَةٌ كَذَا وَلَا طَرِيقٌ كَذَا، لِأَنَّ التَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا طَاهِرًا نَظِيفًا جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ جَائِزَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُورَةِ" بَرَاءَةٌ" «١». وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَنِيسَةَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ بُقْعَةَ سُخْطٍ مِنَ المقبرة،

стр. 3769

لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ يُعْصَى اللَّهُ وَيُكْفَرُ بِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْبَرَةُ. وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِاتِّخَاذِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ مَسَاجِدَ. رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ:" فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا (. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَوَاغِيتُهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" بَرَاءَةٌ" «١». وَحَسْبُكَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَبْنِيًّا فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِيهَا. وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ سَوَاءٌ كانت لمسلمين أو مشركين الثوري أَجْزَأَهُ إِذَا صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ، لِلْأَحَادِيثِ الْمَعْلُومَةِ فِي ذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"، وَلِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا". وَهَذَانِ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا مُحْتَمِلَانِ لِلتَّأْوِيلِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا. وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ خَطَلِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُشْتَغَلُ بِمِثْلِهِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي نَظَرٍ وَلَا فِي صَحِيحِ أَثَرٍ. وَثَامِنُهَا «٢» - الْحَائِطُ يُلْقَى فِيهِ النَّتْنُ وَالْعَذِرَةُ لِيُكْرَمَ فَلَا يُصَلَّى فِيهِ حَتَّى يُسْقَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَائِطِ يُلْقَى فِيهِ الْعَذِرَةُ وَالنَّتْنُ قَالَ:" إِذَا سُقِيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَلِّ فِيهِ". وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْحِيطَانِ الَّتِي تُلْقَى فِيهَا الْعَذُرَاتِ وَهَذَا الزِّبْلُ، أَيُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ: إِذَا سُقِيَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَلِّ فِيهَا. رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . اختلفا في الاسناد، والله أعلم.

стр. 3770

[سورة الحجر (١٥): آية ٨١] وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآتَيْناهُمْ آياتِنا) أَيْ بِآيَاتِنَا كَقَوْلِهِ:" آتِنا غَداءَنا «١» " أي بغذائنا. وَالْمُرَادُ النَّاقَةُ، وَكَانَ فِيهَا آيَاتٌ جَمَّةٌ: خُرُوجُهَا مِنَ الصَّخْرَةِ، وَدُنُوُّ نِتَاجِهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا، وَعِظَمُهَا حَتَّى لَمْ تُشْبِهْهَا نَاقَةٌ، وَكَثْرَةُ لَبَنِهَا حَتَّى تَكْفِيَهُمْ جَمِيعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لِصَالِحٍ آيَاتٌ أخر سوى الناقة، كالبئر وغيره. (فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) أي لم يعتبروا. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٢ الى ٨٤] وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) النَّحْتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْبَرْيُ وَالنَّجْرُ. نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ (بِالْكَسْرِ «٢» نَحْتًا أَيْ بَرَاهُ. وَالنُّحَاتَةُ الْبُرَايَةُ. وَالْمِنْحَتُ مَا يُنْحَتُ بِهِ. وَفِي التَّنْزِيلِ" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ «٣» " أَيْ تَنْجُرُونَ وَتَصْنَعُونَ. فَكَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا لِأَنْفُسِهِمْ بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ. (آمِنِينَ) أَيْ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ أَوْ تَخْرَبَ. وَقِيلَ: آمِنِينَ مِنَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: مِنَ الْعَذَابِ. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) أَيْ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ فِي هُودٍ وَالْأَعْرَافِ «٤». (فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ) مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحُصُونِ فِي الْجِبَالِ، وَلَا مَا أُعْطَوْهُ مِنَ الْقُوَّةِ. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)

стр. 3771

(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) أَيْ لِلزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ. وَقِيلَ: أَيْ لِأُجَازِيَ الْمُحْسِنَ وَالْمُسِيءَ، كَمَا قَالَ:" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا «١» بِالْحُسْنَى". (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) أَيْ لَكَائِنَةٌ فَيُجْزَى كُلٌّ بِعَمَلِهِ. (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) مِثْلُ" وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا «٢» " أي تجاوز عنهم يا محمد، وأعفو عَفْوًا حَسَنًا، ثُمَّ نُسِخَ بِالسَّيْفِ. قَالَ قَتَادَةُ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ:" فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ «٣» ". وَأَنَّ النبي ﷺ فال لَهُمْ:" لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ وَبُعِثْتُ بِالْحَصَادِ «٤» وَلَمْ أُبْعَثْ بِالزِّرَاعَةِ"، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: لَيْسَ بمنسوخ، وأنه أمر بالصفح في نَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ. وَالصَّفْحُ: الْإِعْرَاضُ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ) أَيِ الْمُقَدِّرُ لِلْخَلْقِ وَالْأَخْلَاقِ «٥». الْعَلِيمُ بِأَهْلِ الْوِفَاقِ وَالنِّفَاقِ. [سورة الحجر (١٥): آية ٨٧] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي، فَقِيلَ: الْفَاتِحَةُ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبَى طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ، مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ «٦». وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا نَصٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَةِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: نَشَدْتُكُمْ بِمُنَزِّلِ الْقُرْآنِ ... أُمِّ الْكِتَابِ السَّبْعِ مِنْ مَثَانِي وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَالْأَنْفَالُ وَالتَّوْبَةُ مَعًا، إِذْ ليس بينهما التسمية. روى النسائي

стр. 3772

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : (سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ: وَسُمِّيَتْ مَثَانِي لِأَنَّ الْعِبَرَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ ثُنِّيَتْ فِيهَا. وَأَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا وَقَالُوا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِمَكَّةَ، ولم ينزل من الطول شي إِذْ ذَاكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ القرآن إلى السماء الدنيا ثم أنزله مِنْهَا نُجُومًا: فَمَا أَنْزَلَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَكَأَنَّمَا آتَاهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ بَعْدُ. وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ. وَقَالَ جَرِيرٌ: جَزَى اللَّهُ الْفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي ... مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ وَالْمَثَانِي وَقِيلَ: الْمَثَانِي الْقُرْآنُ كُلُّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" كِتاباً مُتَشابِهاً «١» مَثانِيَ". هذا قول الضحاك وطاوس وأبو مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ لَهُ: مَثَانِي، لِأَنَّ الْأَنْبَاءَ وَالْقَصَصَ ثُنِّيَتْ فِيهِ. وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَرْثِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعًا يهتدى به ... يخص بتنزيل المثاني الْمُعَظَّمِ أَيِ الْقُرْآنَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي أَقْسَامُ الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَتَعْدِيدِ نِعَمٍ وَأَنْبَاءِ قُرُونٍ، قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ نَصٌّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَثَانِي مَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَةِ غَيْرِهَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَثَبَتَ عَنْهُ نص في شي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَانَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: وَهُوَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٢» فِي الْفَاتِحَةِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ مُقْحَمَةٌ، التَّقْدِيرُ: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ: إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ:" حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «٣» ".

стр. 3773

[سورة الحجر (١٥): آية ٨٨] لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) الْمَعْنَى: قَدْ أَغْنَيْتُكَ بِالْقُرْآنِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، أَيْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ يَغْنَى بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَطْمَحَ بَصَرُهُ إِلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَعِنْدَهُ مَعَارِفُ الْمَوْلَى. يُقَالُ: إِنَّهُ وَافَى سَبْعَ قوافل من البصرة وَأَذْرِعَاتَ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فِيهَا الْبُرُّ وَالطِّيبُ وَالْجَوْهَرُ وَأَمْتِعَةُ الْبَحْرِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمْوَالُ لَنَا لَتَقَوَّيْنَا بِهَا وَأَنْفَقْنَاهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي" أَيْ فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْقَوَافِلِ السَّبْعِ، فَلَا تَمُدُّنَّ أَعْيُنَكُمْ إِلَيْهَا. وَإِلَى هَذَا صَارَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَوْرَدَ قَوْلُهُ ﵇:" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَيْ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أول «١» الكتاب. ومعنى (أَزْواجاً مِنْهُمْ) أَيْ أَمْثَالًا فِي النِّعَمِ، أَيِ الْأَغْنِيَاءِ بَعْضُهُمْ أَمْثَالُ بَعْضٍ فِي الْغِنَى، فَهُمْ أَزْوَاجٌ. الثَّانِيَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي الزَّجْرَ عَنِ التَّشَوُّفِ إِلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا عَلَى الدَّوَامِ، وَإِقْبَالَ الْعَبْدِ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ. وَمِثْلُهُ" وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ «٢» فِيهِ" الْآيَةَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ «٣» النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ". وَكَانَ ﵊ يَتَشَاغَلُ بِالنِّسَاءِ، جِبِلَّةَ الْآدَمِيَّةِ وَتَشَوُّفَ الْخِلْقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الطِّيبِ، وَلَا تَقَرُّ لَهُ عَيْنٌ إِلَّا فِي الصَّلَاةِ لَدَى مُنَاجَاةِ الْمَوْلَى، وَيَرَى أَنَّ مُنَاجَاتَهُ أَحْرَى مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى. وَلَمْ يَكُنْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ الرَّهْبَانِيَّةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بالكلية «٤» كما كان في دين عيسى،

стр. 3774

وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً خَالِصَةً عَنِ الْحَرَجِ خَفِيفَةً عَلَى الْآدَمِيِّ، يَأْخُذُ مِنَ الْآدَمِيَّةِ بِشَهَوَاتِهَا وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وراي الفراء وَالْمُخْلِصُونَ مِنَ الْفُضَلَاءِ الِانْكِفَافَ عَنِ اللَّذَّاتِ وَالْخُلُوصَ لرب الأرض والسموات الْيَوْمَ أَوْلَى، لِمَا غَلَبَ عَلَى الدُّنْيَا مِنَ الْحَرَامِ، وَاضْطُرَّ الْعَبْدُ فِي الْمَعَاشِ إِلَى مُخَالَطَةِ مَنْ لَا تَجُوزُ مُخَالَطَتُهُ وَمُصَانَعَةِ مَنْ تَحْرُمُ مُصَانَعَتُهُ، فَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ، وَالْفِرَارُ عَنِ الدُّنْيَا أَصْوَبُ لِلْعَبْدِ وَأَعْدَلُ، قَالَ ﷺ :" أتى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ «١» الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أَيْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَحْزَنْ عَلَى مَا مُتِّعُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا فَلَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقِيلَ: لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَارُوا إِلَى الْعَذَابِ فَهُمْ أَهْلُ الْعَذَابِ. (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ أَلِنْ جَانِبَكَ لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَتَوَاضَعْ لَهُمْ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الطَّائِرَ إِذَا ضَمَّ فَرْخَهُ إِلَى نَفْسِهِ بَسَطَ جَنَاحَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى الْفَرْخِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ وَصْفًا لِتَقْرِيبِ الْإِنْسَانِ أَتْبَاعَهُ. وَيُقَالُ: فُلَانٌ خَافِضُ الْجَنَاحِ، أَيْ وَقُورٌ سَاكِنٌ. وَالْجَنَاحَانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ جَانِبَاهُ، وَمِنْهُ" وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ «٢» " وَجَنَاحُ الطَّائِرِ يَدُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَحَسْبُكَ فِتْيَةٌ لِزَعِيمِ قَوْمٍ ... يَمُدُّ عَلَى أَخِي سَقَمٍ جَنَاحَا أي تواضعا ولينا. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٩ الى ٩٠] وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ عَذَابًا، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، إِذْ كَانَ الْإِنْذَارُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:" أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ «٣» وَثَمُودَ". قيل: الْكَافُ زَائِدَةٌ، أَيْ أَنْذَرْتُكُمْ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين، كقوله:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٤» " أنذرتكم

стр. 3775

مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا بِالْمُقْتَسِمِينَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، أَيْ مِنَ الْعَذَابِ وَكَفَيْنَاكَ المستهزئين، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن وقيل الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَغَوْا، فَإِنَّا كَفَيْنَاكَ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ كُنْتَ تَلْقَى مِنْهُمْ مَا تَلْقَى. وَاخْتُلِفَ فِي" الْمُقْتَسِمِينَ" عَلَى أَقْوَالٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ- قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْفَرَّاءُ: هُمْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ فَاقْتَسَمُوا أَعْقَابَ «١» مَكَّةَ وَأَنْقَابَهَا وَفِجَاجَهَا يَقُولُونَ لِمَنْ سَلَكَهَا: لَا تَغْتَرُّوا بِهَذَا الْخَارِجِ فِينَا يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا سَاحِرٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا شَاعِرٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا كَاهِنٌ. وَسُمُّوا الْمُقْتَسِمِينَ لِأَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا هَذِهِ الطُّرُقَ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ شَرَّ مِيتَةٍ، وَكَانُوا نَصَّبُوا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَكَمًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَدَقَ أُولَئِكَ. الثَّانِي- قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ اقْتَسَمُوا كِتَابَ اللَّهِ فَجَعَلُوا بَعْضَهُ شِعْرًا، وَبَعْضَهُ سِحْرًا، وَبَعْضَهُ كِهَانَةً، وَبَعْضَهُ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ. الثَّالِثُ- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ آمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ السُّورَةُ لِي وَهَذِهِ السُّورَةُ لَكَ. وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّابِعُ. الْخَامِسُ- قَالَ قَتَادَةُ: قَسَّمُوا كِتَابَهُمْ فَفَرَّقُوهُ وَبَدَّدُوهُ وَحَرَّفُوهُ. السَّادِسُ- قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْمُرَادُ قَوْمُ صَالِحٍ، تَقَاسَمُوا عَلَى قَتْلِهِ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ» ". السَّابِعُ- قَالَ الْأَخْفَشُ: هُمْ قَوْمٌ اقْتَسَمُوا أَيْمَانًا تَحَالَفُوا عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُمُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومنبه بن الحجاج، ذكره الماوردي. [سورة الحجر (١٥): آية ٩١] الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) هَذِهِ صِفَةُ الْمُقْتَسِمِينَ. وقيل: هو مبتدأ وخبره" لَنَسْئَلَنَّهُمْ". وَوَاحِدُ الْعِضِينَ عِضَةٌ، مِنْ عَضَّيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً أَيْ فَرَّقْتُهُ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ عِضَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت في الأصل

стр. 3776

عِضْوَةٌ فَنُقِصَتِ الْوَاوُ، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ عِضِينَ، كَمَا قَالُوا: عِزِينَ فِي جَمْعِ عِزَةٍ، وَالْأَصْلُ عِزْوَةٌ. وَكَذَلِكَ ثِبَةٌ وَثِبِينَ. وَيَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُقْتَسِمِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: فَرَّقُوا أَقَاوِيلَهُمْ فِيهِ فَجَعَلُوهُ كَذِبًا وَسِحْرًا وَكِهَانَةً وَشِعْرًا. عَضَوْتُهُ أَيْ فَرَّقْتُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ- هُوَ رُؤْبَةُ-: وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى أَيْ بِالْمُفَرَّقِ. وَيُقَالُ: نُقْصَانُهُ الْهَاءُ وَأَصْلُهُ عِضْهَةٌ، لِأَنَّ الْعِضَهَ وَالْعِضِينَ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ السِّحْرُ. وَهُمْ يَقُولُونَ لِلسَّاحِرِ: عَاضِهٌ وَلِلسَّاحِرَةِ عَاضِهَةٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: أَعُوَذُ بِرَبِّي مِنَ النَّافِثَا ... تَ فِي عَقْدِ الْعَاضِهِ الْمُعْضِهِ وَفِي الْحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَاضِهَةَ وَالْمُسْتَعْضِهَةَ، وَفُسِّرَ: السَّاحِرَةَ وَالْمُسْتَسْحِرَةَ. وَالْمَعْنَى: أَكْثَرُوا الْبَهْتَ عَلَى الْقُرْآنِ وَنَوَّعُوا الْكَذِبَ فِيهِ، فَقَالُوا: سِحْرٌ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّهُ مُفْتَرًى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَنَظِيرُ عِضَةٍ فِي النُّقْصَانِ شَفَةٌ، وَالْأَصْلُ شَفَهَةٌ. كَمَا قَالُوا: سَنَةٌ، وَالْأَصْلُ سَنَهَةٌ، فَنَقَصُوا الْهَاءَ الْأَصْلِيَّةَ وَأُثْبِتَتْ هَاءُ الْعَلَامَةِ وَهِيَ لِلتَّأْنِيثِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعِضَهِ وَهِيَ النَّمِيمَةُ. وَالْعَضِيهَةُ الْبُهْتَانُ، وَهُوَ أَنْ يَعْضَهَ الْإِنْسَانُ وَيَقُولَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ. يُقَالُ عَضَهَهُ عَضْهًا رَمَاهُ بِالْبُهْتَانِ. وَقَدْ أَعْضَهْتَ أَيْ جِئْتَ بِالْبُهْتَانِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْعِضَةُ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ، وَجَمْعُهَا عِضُونَ، مِثْلَ عِزَةٌ وَعِزُونَ، قَالَ تَعَالَى:" الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ". وَيُقَالُ: عَضُّوهُ أَيْ آمَنُوا بِمَا أَحَبُّوا منه وكفروا بالباقي، فأحب كُفْرُهُمْ إِيمَانَهُمْ. وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَضَاةِ، وَهِيَ شَجَرُ الْوَادِي وَيَخْرُجُ كالشوك. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ الى ٩٣] فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) قوله تعالى: (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أَيْ لَنَسْأَلَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَرَى ذِكْرُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا. وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَقَالَ عدة من أهل العلم في قوله:" فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ" عَنْ لَا إِلَهَ إلا الله.

стр. 3777

قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، رَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قوله:" فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ" قَالَ:" عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ عِنْدَنَا عَنْ صِدْقِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَوَفَائِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي تَنْزِيلِهِ الْعَمَلَ فَقَالَ:" عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ" وَلَمْ يَقُلْ عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ أَيْضًا عَمَلُ اللِّسَانِ، فَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ بِهِ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلٌ وَالْعَمَلَ عَمَلٌ. وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَيْ عَنِ الْوَفَاءِ بِهَا وَالصِّدْقِ لِمَقَالِهَا. كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ. وَلِهَذَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِخْلَاصُهَا؟ قَالَ:" أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ". رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيَّ أَلَّا يَأْتِيَنِي أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يَخْلِطُ بِهَا شَيْئًا إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الَّذِي يُخْلَطُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ:" حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَجَمْعًا لَهَا وَمَنْعًا لَهَا، يَقُولُونَ قَوْلَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الْجَبَابِرَةِ". وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَمْنَعُ الْعِبَادَ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ مَا لَمْ يُؤْثِرُوا صَفْقَةَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَةَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ثُمَّ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ اللَّهُ كَذَبْتُمْ". أَسَانِيدُهَا فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. قُلْتُ: وَالْآيَةُ بِعُمُومِهَا تَدُلُّ عَلَى سُؤَالِ الْجَمِيعِ وَمُحَاسَبَتِهِمْ كَافِرِهِمْ وَمُؤْمِنِهِمْ، إِلَّا مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ). فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ يُسْأَلُ الْكَافِرُ وَيُحَاسَبُ؟ قُلْنَا: فِيهِ خِلَافٌ وَذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَةِ. وَالَّذِي يظهر سؤال، للآية وقوله:" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ «١» " وَقَوْلُهُ:" إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ «٢» ". فإن قيل: فقد قال تعالى:

стр. 3778

" وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ «١» " وقال:" فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ «٢» "، وَقَالَ:" وَلا يُكَلِّمُهُمُ «٣» اللَّهُ"، وَقَالَ:" إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ «٤» ". قُلْنَا: الْقِيَامَةُ مَوَاطِنُ، فَمَوْطِنٌ يَكُونُ فِيهِ سؤال وكلام، موطن لَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: الْقِيَامَةُ مَوَاطِنُ، يُسْأَلُ فِي بَعْضِهَا وَلَا يُسْأَلُ فِي بَعْضِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّ الله عالم بكل شي، وَلَكِنْ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ فَيَقُولُ لَهُمْ: لِمَ عَصَيْتُمُ الْقُرْآنَ وَمَا حُجَّتُكُمْ فِيهِ؟ وَاعْتَمَدَ قطرب هذا القول. وقيل:" لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ «٥» ". وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ أولى كما ذكر. والله أعلم. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٤ الى ٩٥] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) أَيْ بِالَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ، أَيْ بَلِّغْ رِسَالَةَ اللَّهِ جَمِيعَ الْخَلْقِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِذَلِكَ. وَالصَّدْعُ: الشَّقُّ. وَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ أَيْ تَفَرَّقُوا، وَمِنْهُ" يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ «٦» " أَيْ يَتَفَرَّقُونَ. وَصَدَعْتُهُ فَانْصَدَعَ أَيِ انْشَقَّ. أَصْلُ الصَّدْعِ الْفَرْقُ وَالشَّقُّ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ الْحِمَارَ وَأُتُنَهُ: وَكَأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وَكَأَنَّهُ ... يَسَرٌ يُفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ «٧» أي يفرق ويشق. فقوله:" فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ" قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ فَاصْدَعْ بِالْأَمْرِ، أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ، فَ" مَا" مَعَ الْفِعْلِ عَلَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَعْنَى اصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ، أَيِ اقْصِدْ. وَقِيلَ:" فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ" أَيْ فَرِّقْ جَمْعَهُمْ وَكَلِمَتَهُمْ بِأَنْ تَدْعُوَهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ فَإِنَّهُمْ يَتَفَرَّقُونَ بِأَنْ يُجِيبَ الْبَعْضُ، فَيَرْجِعُ الصَّدْعُ عَلَى هَذَا إِلَى صدع جماعة الكفار.

стр. 3779

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِاسْتِهْزَائِهِمْ وَعَنِ الْمُبَالَاةِ بِقَوْلِهِمْ، فَقَدْ بَرَّأَكَ اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «١» ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ: مَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ" فَخَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ الْجَهْرَ بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ." وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" لا تبال بهم. وقال ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ). وَالْمَعْنَى: اصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَلَا تَخَفْ غَيْرَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ مِنْ أَذَاكَ كَمَا كَفَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانُوا خَمْسَةً مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ رَأْسُهُمْ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبُو زَمْعَةَ. وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْحَارِثُ بن الطلاطلة، أهلكهم الله جميعا، قيل يَوْمِ بَدْرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لِاسْتِهْزَائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَسَبَبُ هَلَاكِهِمْ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّ به الأسود ابن الْمُطَّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ فَعَمِيَ وَوُجِعَتْ عَيْنُهُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِرَأْسِهِ الْجِدَارَ. وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى بَطْنَهُ فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا. (يُقَالُ: حَبِنَ (بِالْكَسْرِ) حَبَنًا وَحُبِنَ لِلْمَفْعُولِ عَظُمَ بَطْنُهُ بِالْمَاءِ الْأَصْفَرِ، فَهُوَ أَحْبَنُ، وَالْمَرْأَةُ حَبْنَاءُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ (. وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إِلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، وَكَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ، وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَهُ «٢»، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ على شبرمة «٣» فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ. وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ

стр. 3780

فَامْتَخَطَ «١» قَيْحًا فَقَتَلَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَبِ مَوْتِهِمُ اخْتِلَافٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا. وَقِيلَ: إِنَّهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ «٢» " شَبَّهَ مَا أَصَابَهُمْ فِي مَوْتِهِمْ بِالسَّقْفِ الواقع عليهم، على ما يأتي. [سورة الحجر (١٥): آية ٩٦] الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) هَذِهِ صِفَةُ الْمُسْتَهْزِئِينَ. وَقِيلَ: هُوَ ابْتِدَاءٌ وخبره" فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ". [سورة الحجر (١٥): آية ٩٧] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ) أَيْ قَلْبُكَ، لِأَنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ الْقَلْبِ. (بِما يَقُولُونَ) أَيْ بِمَا تَسْمَعُهُ مِنْ تَكْذِيبِكَ وَرَدِّ قولك، وتناله. ويناله أصحابك من أعدائك. [سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٨ الى ٩٩] فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (فَسَبِّحْ) أَيْ فَافْزَعْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَهِيَ غَايَةُ التسبيح ونهاية التقديس. وذلك تفسير لقوله: (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) لَا خَفَاءَ أَنَّ غَايَةَ الْقُرْبِ فِي الصَّلَاةِ حَالُ السُّجُودِ، كَمَا قَالَ ﵇: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَخْلِصُوا «٣» الدُّعَاءَ). وَلِذَلِكَ خَصَّ السُّجُودَ بِالذِّكْرِ الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا السُّجُودُ نَفْسَهُ، فَرَأَى هَذَا الْمَوْضِعَ مَحَلَّ سُجُودٍ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ شَاهَدْتُ الْإِمَامَ بِمِحْرَابِ زَكَرِيَّا مِنَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ طَهَّرَهُ اللَّهُ، يَسْجُدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَسَجَدْتُ مَعَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَرَهُ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ أَنَّ هَاهُنَا سَجْدَةً عِنْدَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَيَمَانِ بن رئاب، وراي أنها واجبة

стр. 3781

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ: وَهُوَ أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتُ. أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ «١» إِذْ قَصَّرَ عِبَادُهُ فِي خِدْمَتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فائدة قول:" حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" وَكَانَ قَوْلُهُ:" وَاعْبُدْ رَبَّكَ" كَافِيًا فِي الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ. قِيلَ لَهُ: الْفَائِدَةُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ:" وَاعْبُدْ رَبَّكَ" مُطْلَقًا ثُمَّ عَبَدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مُطِيعًا، وَإِذَا قَالَ" حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" كَانَ مَعْنَاهُ لَا تُفَارِقْ هَذَا حَتَّى تَمُوتَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ سُبْحَانَهُ:" وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" وَلَمْ يَقُلْ أَبَدًا، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْيَقِينَ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ: أَبَدًا، لِاحْتِمَالِ لَفْظِ الْأَبَدِ لِلَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ وَلِجَمِيعِ الْأَبَدِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى «٢». وَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ الْعِبَادَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحِ:" وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا". وَيَتَرَكَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا، وَقَالَ: نَوَيْتُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَتْ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ. وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا حَيَاتَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتُ حَدِيثُ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" أَمَّا عُثْمَانُ- أَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ- فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَإِنِّي لَأَرْجُوُ لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ «٣». انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ ﵀! وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ النَّاسِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ، يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْيَقِينَ هُنَا الْحَقُّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ نَصْرِكَ عَلَى أعدائك، قال ابْنُ شَجَرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ لَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ".

стр. 3782

تفسير سورة النحل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّحْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَتُسَمَّى سُورَةُ النِّعَمِ بِسَبَبِ مَا عَدَّدَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَقِيلَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ «١» بِهِ" الْآيَةَ، نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ. وَغَيْرَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ «٢» ". وَغَيْرَ قَوْلِهِ:" ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا «٣» " الْآيَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:" وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا «٤» " فَمَكِّيٌّ، فِي شَأْنِ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ:" وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا- إِلَى قَوْلِهِ- بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ «٥» " [سورة النحل (١٦): آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) قِيلَ:" أَتى " بِمَعْنَى يَأْتِي، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: إِنْ أَكْرَمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ آتٍ لَا مَحَالَةَ، كَقَوْلِهِ:" وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ «٦» ". وَ" أَمْرُ اللَّهِ" عِقَابُهُ لِمَنْ أَقَامَ عَلَى الشِّرْكِ وَتَكْذِيبِ رَسُولِهِ. قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ فَرَائِضِهِ وَأَحْكَامِهِ. وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرَائِضَ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مُسْتَعْجِلُو الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ فَذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ كفار قريش

стр. 3783

وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ:" اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ" الْآيَةَ، فَاسْتَعْجِلَ الْعَذَابَ. قُلْتُ قَدْ يَسْتَدِلُّ الضَّحَّاكُ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ «١». وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْمُجَازَاةِ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:" حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ «٢» ". وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى قُرْبِهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتِ" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٣» " قَالَ الْكُفَّارُ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَأَمْسَكُوا وَانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ" اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ «٤» " الْآيَةَ. فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْبَ السَّاعَةِ، فَامْتَدَّتِ الْأَيَّامُ فَقَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ" أَتى أَمْرُ اللَّهِ" فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ وَخَافُوا، فَنَزَلَتْ:" فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ" فَاطْمَأَنُّوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ" وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا. يَقُولُ: إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقَنِي فَسَبَقْتُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ لما مر بأهل السموات مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى بَعْثِ الْأَمْوَاتِ، فَوَصَفُوهُ بِالْعَجْزِ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِهِ إِلَّا الْمَخْلُوقُ، وَذَلِكَ شِرْكٌ. وَقِيلَ:" عَمَّا يُشْرِكُونَ" أَيْ عَنْ إِشْرَاكِهِمْ. وَقِيلَ:" مَا" بِمَعْنَى الَّذِي أَيِ ارْتَفَعَ عن الذين أشركوا به.

стр. 3784

[سورة النحل (١٦): آية ٢] يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) قَرَأَ الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ" تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ" وَالْأَصْلُ تَتَنَزَّلُ، فَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ، وَالْأَعْمَشُ" تُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ" غَيْرُ مُسَمَّى الْفَاعِلِ. وَقَرَأَ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي بكر عن عاصم" تنزل الْمَلَائِكَةَ" بِالنُّونِ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، الْبَاقُونَ" يُنَزِّلُ" بِالْيَاءِ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ لِاسْمِ اللَّهِ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ" تُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ" بِالنُّونِ وَالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ" تَنْزِلُ" بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، مِنَ النُّزُولِ." الْمَلَائِكَةُ" رَفْعًا مِثْلَ" تَنَزَّلَ الْمَلَائِكَةُ «١» ". (بِالرُّوحِ) أَيْ بِالْوَحْيِ وَهُوَ النُّبُوَّةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. نَظِيرُهُ" يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ «٢» ". الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: بِكَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: هُوَ بَيَانُ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ. وَقِيلَ: أَرْوَاحُ الْخَلْقِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ رُوحٌ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ بِالرَّحْمَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: بِالْهِدَايَةِ، لِأَنَّهَا تَحْيَا بِهَا الْقُلُوبُ كَمَا تَحْيَا بِالْأَرْوَاحِ الْأَبْدَانُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الرُّوحُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ حَيَاةً بِالْإِرْشَادِ إِلَى أَمْرِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرُّوحُ هُنَا جِبْرِيلُ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ:" بِالرُّوحِ" بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِكَ: خَرَجَ بِثِيَابِهِ، أَيْ مَعَ ثِيَابِهِ. (مِنْ أَمْرِهِ) أَيْ بِأَمْرِهِ. (عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) أَيْ عَلَى الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ للنبوة. وهذا رد لقولهم:" لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٣» ". (أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) تَحْذِيرٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْإِنْذَارُ، لِأَنَّ أَصْلَهُ التَّحْذِيرُ مِمَّا يُخَافُ منه. ودل على ذلك قوله:" فَاتَّقُونِ". و" أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِأَنْ أَنْذِرُوا أَهْلَ الْكُفْرِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، ف" أن" فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ الْخَافِضِ أَوْ بِوُقُوعِ الإنذار عليه.

стр. 3785

[سورة النحل (١٦): آية ٣] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أَيْ لِلزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ. وَقِيلَ:" بِالْحَقِّ" أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَبَّدَ الْعِبَادَ بِالطَّاعَةِ وَأَنْ يُحْيِيَ الْخَلْقَ بَعْدَ الْمَوْتِ. (تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تقدر على خلق شي. [سورة النحل (١٦): آية ٤] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) لَمَّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى تَوْحِيدِهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْإِنْسَانَ وَمُنَاكَدَتَهُ وَتَعَدِّيَ طَوْرِهِ." والْإِنْسانَ" اسْمٌ لِلْجِنْسِ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ فَقَالَ: أَتَرَى يُحْيِي اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا قَدْ رَمَّ. وَفِي هَذَا أَيْضًا نَزَلَ:" أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ" أَيْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ مَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، فَنَقَّلَهُ أَطْوَارًا إِلَى أَنْ وُلِدَ وَنَشَأَ بِحَيْثُ يُخَاصِمُ فِي الْأُمُورِ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ التَّعَجُّبُ مِنَ الْإِنْسَانِ" وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ» " وقوله: (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ) أَيْ مُخَاصِمٌ، كَالنَّسِيبِ بِمَعْنَى الْمُنَاسِبِ. أَيْ يُخَاصِمُ اللَّهَ فِي قدرته. و (مُبِينٌ) أَيْ ظَاهِرُ الْخُصُومَةِ. وَقِيلَ: يُبِينُ عَنْ نَفْسِهِ الْخُصُومَةَ بِالْبَاطِلِ. وَالْمُبِينُ: هُوَ الْمُفْصِحُ عَمَّا في ضميره بمنطقه. [سورة النحل (١٦): آية ٥] وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ) لَمَّا ذَكَرَ الْإِنْسَانَ ذَكَرَ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ. وَالْأَنْعَامُ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: نَعَمٌ وَأَنْعَامٌ لِلْإِبِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَجْمُوعِ وَلَا يُقَالُ لِلْغَنَمِ مفردة. قال حسان:
следующие страницы →