← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي]ـ المؤلف: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة تفاسير]

стр. 2

- ط - مقدمة الطبعة الثانية (بسم الله الرحمن الرحيم) مقدمة الطبعة الثانية لعلنا في غير حاجة إلى تعريف القراء بهذا التفسير العظيم، بعد ان عرفوه في طبعته الاولى فأقبلوا عليه إقبالا منقطع النظير. إذ لم يكد يخرج منه جزء حتى تهافت عليه الجمهور، ممن عرفوا فضل القرطبي وعلمه وأدبه، ودقته في تأويل كتاب الله تعالى، وعرض اقوال الأئمة من جهابذة المحققين، وأولي البصر بكتاب الله من أعلام المجتهدين. ولقد رأى القراء حين طلع عليهم تفسير القرطبي مبلغ ما بذله مؤلفه من جهد كبير، وعناية فائقة، يدلان على عمقه في البحث، ومقدرته على فهم كتاب الله، وإلمامه بأصول علوم الشريعة وفروعها، من لغة وأدب وبلاغة. يتجلى كل أولئك في استنباطه الأحكام الشرعية من نصوص الآيات الكريمة، حتى ليكاد يستغني به القارئ عن دراسة كتب الفقه، ثم في استشهاده بكثير من النصوص الأدبية من لغة العرب شعرها ونثرها، مما يشهد له بطول البيع وسعة الأفق. وإن أخذ عليه شي فليس إلا هنات يسيرة، لا تنقص من مقداره، ولا تغض من قيمته، فقد ينبو الحسام، وقد يكبو الجواد. فمن ذلك أنه خالف أحيانا ما اشترطه على نفسه في مقدمة كتابه إذ يقول:" ... وَأَضْرِبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَصَصِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَخْبَارِ الْمُؤَرِّخِينَ، إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا غنى عنه للتبيين ... "

стр. 3

- ي - فليس مما لا بد منه أو لا غنى عنه ما ينقله عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ:" أَنَّ إِبْلِيسَ تَغَلْغَلَ إِلَى الْحُوتِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهِ الْأَرْضُ كُلُّهَا، فَأَلْقَى فِي قَلْبِهِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا عَلَى ظَهْرِكَ يَا لُوثِيَا «١» مِنَ الْأُمَمِ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَابِّ وَالنَّاسِ وَالْجِبَالِ! لَوْ نَفَضْتَهُمْ أَلْقَيْتَهُمْ عَنْ ظَهْرِكَ أَجْمَعَ. قَالَ: فَهَمَّ لُوثِيَا بِفِعْلِ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ دَابَّةً فَدَخَلَتْ فِي مَنْخَرِهِ، فَعَجَّ إِلَى الله منها فخرجت «٢» .... ". وليس مما لا بد منه:" أَنَّ الْحَيَّةَ كَانَتْ خَادِمَ آدَمَ ﵇ فِي الْجَنَّةِ فَخَانَتْهُ بِأَنْ مَكَّنَتْ عَدُوَّ اللَّهِ من نفسها وأظهرت له العداوة هناك، فلما هبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب «٣» ". وليس مما لا بد منه ما يرويه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" سَأَلَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرَّعْدِ مَا هو؟ قال: ملك من الملائكة مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حيث شاء الله «٤» ". وليس مما لا بد منه ما ذكره عن كلب اصحاب الكهف والاختلاف في لونه وفي اسمه «٥». ولا ما يرويه عن الزهري في قوله تعالى" جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ": أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَ إِسْرَافِيلَ إِنَّ لَهُ لَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ، مِنْهَا جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ، وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ، وَإِنَّ الْعَرْشَ لَعَلَى كَاهِلِهِ، وَإِنَّهُ فِي الْأَحَايِينِ لَيَتَضَاءَلُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ مِثْلَ الوصع «٦» .... ". ولا ما ذكره في قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ": أَنَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ «٧» بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سماء، وفوق ظهورهن العرش «٨» ".

стр. 4

- ك - إلى غير ذلك من الأمثلة التي ترد في مناسبات مختلفة، جارى فيها من سبقه من المفسرين الذين ينقلون عن الإسرائيليات ولا يتحرون الدقة في المعلومات الكونية، خصوصا في الكلام على خلق السموات والأرض، وتأويل الآيات التي تتعرض للظواهر الطبيعية، أو تشير إلى المسائل العلمية. وللمؤلف في ذلك كثير من العذر، لأنه- ﵀ تابع فيه ثقافة عصره، وما تجري به ألسنة العلماء في ذلك الزمان. وقد رأت الدار- بعد أن تحققت حاجة الناس إلى هذا الكتاب، ورغبة الكثير من العلماء في الأقطار الإسلامية في ذيوعه- أن تقرر إعادة طبعها تعميما للفائدة. هذا وسيرى القارئ أننا حرصنا على أن تكون هذه الطبعة موافقة لسابقتها في أجزائها وصفحاتها وأرقامها، إلا في تفاوت يسير، يستطيع القارئ أن يدركه في الصفحة التالية أو السابقة. كما أننا نبهنا في هذه الطبعة إلى أمر لم يكن في سابقتها، فعند ما يذكر المؤلف عبارة: (على ما يأتي بيانه) نوضح ذلك في الهامش، مبينين موضعه من الكتاب حتى يسهل على القارئ متابعة الدراسة، وربط الكلام بعضه ببعض، دون جهد أو عناء. ولا يفوتني أن أنوه بفضل حضرات الزملاء الذين اشتركوا معي في تصحيح هذا الكتاب في طبعته الأولى بعد جزئه الرابع، وهم السادة: الشيخ إبراهيم أطفيش، والشيخ بشندي خلف الله، والشيخ محمد محمد حسنين. والله المسئول أن ينفع بهذا التفسير الجليل، وأن يجزي مؤلفه خير الجزاء، وأن يعين القائمين بنشر التراث الإسلامي من أمثال هذا الكتاب العظيم. وأن يوفق" الدار" في تأدية رسالتها حتى تنهض بهذا العبء الكبير، وتقدم للعالم أجمع خير تراث تركه الأقدمون. وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. مصححه أحمد عبد العليم البردوني ١٦ من المحرم سنة ٦ (١٣٧٢ من أكتوبر سنة ١٩٥٢).

стр. 5

- ل - ترجمة أبي عبد الله القرطبي مؤلف هذا التفسير «١» أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي بكر بن فرح (بإسكان الراء وبالحاء المهملة)، الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة. أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. مؤلفاته- جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا، سماه كتاب" الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السنة وآي الفرقان" وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والاعراب والناسخ والمنسوخ (وهو هذا التفسير). وله كِتَابِ" الْأَسْنَى، فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى". وكتاب" التذكار، في أفصل الاذكار". وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علما. وكتاب" التذكرة، بأمور الآخرة". وكتاب" شرح التقصي". وكتاب" قَمْعُ الْحِرْصِ بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ، وَرَدُّ ذُلِّ السُّؤَالِ بالكتب والشفاعة". قال ابن فرحون: لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه. وله" أرجوزة جمع فيها أسماء النبي ﷺ ". وله تآليف وتعاليق مفيدة غير هذا. وكان مطرحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. قال صاحب نفح الطيب: إنه من الراحلين من الأندلس.

стр. 6

- م - شيوخه - سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي بعض شرحه" المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم". وحدث عن الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ محمد البكري، وحدث أيضا عن الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وغيرهما. وكان مستقرا بمنية ابن خصيب، وتوفي ودفن بها في ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة ٦٧١، ﵀ ورضي عنه.

стр. 7

الجزء الأول [المدخل] [خطبة الكتاب وفيها الكلام على علو شأن المفسرين] بسم الله الرحمن الرحيم وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. قَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن أحمد بن أبى بكر فَرَحٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُبْتَدِئُ بِحَمْدِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَهُ حَامِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّبُّ الصَّمَدُ الْوَاحِدُ، الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْمَوَاهِبِ الْعِظَامِ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ، وَالْخَالِقُ لِلْإِنْسَانِ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ، وَالْمُرْسِلُ رَسُولَهُ بِالْبَيَانِ، مُحَمَّدًا ﷺ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَوَانِ «١»، وَتَعَاقَبَ الْجَدِيدَانِ، أَرْسَلَهُ بِكِتَابِهِ الْمُبِينِ، الْفَارِقِ بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ، الَّذِي أَعْجَزَتِ الْفُصَحَاءَ مُعَارَضَتُهُ، وَأَعْيَتِ الْأَلِبَّاءَ مُنَاقَضَتُهُ، وَأَخْرَسَتِ الْبُلَغَاءَ مُشَاكَلَتُهُ، فَلَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. جَعَلَ أَمْثَالَهُ عِبَرًا لِمَنْ تَدَبَّرَهَا، أوامره هُدًى لِمَنِ اسْتَبْصَرَهَا، وَشَرَحَ فِيهِ وَاجِبَاتِ الْأَحْكَامِ، وَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَكَرَّرَ فِيهِ الْمَوَاعِظَ وَالْقِصَصَ لِلْأَفْهَامِ، وَضَرَبَ فِيهِ الْأَمْثَالَ، وَقَصَّ فِيهِ غَيْبَ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ تَعَالَى" مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٢» ". وخاطب بِهِ أَوْلِيَاءَهُ فَفَهِمُوا، وَبَيَّنَ لَهُمْ فِيهِ مُرَادَهُ فَعَلِمُوا. فَقَرَأَةُ الْقُرْآنِ حَمَلَةُ سِرِّ اللَّهِ الْمَكْنُونِ، وَحَفَظَةُ عِلْمِهِ الْمَخْزُونِ، وَخُلَفَاءُ أَنْبِيَائِهِ وَأُمَنَاؤُهُ، وَهُمْ أَهْلُهُ وَخَاصَّتُهُ وَخِيرَتُهُ وَأَصْفِيَاؤُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَّا «٣» " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ:" هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ. فَمَا أَحَقَّ مَنْ عَلِمَ كِتَابَ اللَّهِ أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر

стр. 8

مَا شُرِحَ لَهُ فِيهِ، وَيَخْشَى اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ، ويراقبه ويستحييه. فانه حُمِّلَ أَعْبَاءَ الرُّسُلِ، وَصَارَ شَهِيدًا فِي الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «١» ". أَلَا وَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَأَغْفَلَهُ، أَوْكَدُ مِنْهَا عَلَى مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ وَجَهِلَهُ. وَمَنْ أُوتِيَ عِلْمَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ، وَزَجَرَتْهُ نَوَاهِيهِ فَلَمْ يَرْتَدِعْ، وَارْتَكَبَ مِنَ الْمَآثِمِ قَبِيحًا، وَمِنَ الْجَرَائِمِ فَضُوحًا، كَانَ الْقُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَخَصْمًا لَدَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِحِفْظِ كِتَابِهِ أَنْ يَتْلُوَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَيَتَدَبَّرَ حَقَائِقَ عِبَارَتِهِ، وَيَتَفَهَّمَ عَجَائِبَهُ، وَيَتَبَيَّنَ غَرَائِبَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ «٢» ". وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «٣» ". جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ يَرْعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ، وَيَتَدَبَّرُهُ حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفي بِشَرْطِهِ، وَلَا يَلْتَمِسُ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، وَهَدَانَا لِأَعْلَامِهِ الظَّاهِرَةِ، وَأَحْكَامِهِ الْقَاطِعَةِ الْبَاهِرَةِ، وَجَمَعَ لَنَا بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ. ثُمَّ جَعَلَ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ بَيَانَ مَا كَانَ مِنْهُ مُجْمَلًا، وَتَفْسِيرَ مَا كَانَ مِنْهُ مُشْكِلًا، وَتَحْقِيقَ مَا كَانَ مِنْهُ مُحْتَمَلًا، لِيَكُونَ لَهُ مَعَ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ظُهُورُ الِاخْتِصَاصِ بِهِ، وَمَنْزِلَةِ التَّفْوِيضِ إليه، قال اله تَعَالَى:" وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٤» ". ثُمَّ جَعَلَ إِلَى الْعُلَمَاءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتِنْبَاطَ مَا نَبَّهَ على معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فِيهِ إِلَى عِلْمِ الْمُرَادِ، فَيَمْتَازُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَيَخْتَصُّوا بِثَوَابِ اجْتِهَادِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ «٥» ". فَصَارَ الْكِتَابُ أَصْلًا وَالسَّنَةُ لَهُ بَيَانًا، وَاسْتِنْبَاطُ الْعُلَمَاءِ لَهُ إِيضَاحًا وَتِبْيَانًا. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ صُدُورَنَا أَوْعِيَةَ كِتَابِهِ، وَآذَانَنَا مَوَارِدَ سُنَنِ نَبِيِّهِ، وَهِمَمَنَا مَصْرُوفَةً إِلَى تَعَلُّمِهِمَا وَالْبَحْثِ عَنْ مَعَانِيهِمَا وَغَرَائِبِهِمَا، طَالِبِينَ بِذَلِكَ رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمُتَدَرِّجِينَ بِهِ إِلَى عِلْمِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ. (وَبَعْدُ فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع عُلُومِ الشَّرْعِ، الَّذِي اسْتَقَلَّ بِالْسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ، وَنَزَلَ بِهِ أَمِينُ السَّمَاءِ إِلَى أَمِينِ الْأَرْضِ، رَأَيْتُ أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ

стр. 9

فيه منتي «١»، بأن أكتب تَعْلِيقًا وَجِيزًا، يَتَضَمَّنُ نُكَتًا مِنَ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَاتِ، وَالْإِعْرَابِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَاتِ، وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةً شَاهِدَةً لِمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَنُزُولِ الْآيَاتِ، جَامِعًا بَيْنَ مَعَانِيهِمَا، وَمُبَيِّنًا مَا أَشْكَلَ مِنْهُمَا، بِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْخَلَفِ. وَعَمِلْتُهُ تَذْكِرَةً لِنَفْسِي، وَذَخِيرَةً لِيَوْمِ رَمْسِي، وَعَمَلًا صَالِحًا بَعْدَ مَوْتِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ «٢» ". وَقَالَ تَعَالَى:" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ «٣» ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". وَشَرْطِي فِي هَذَا الْكِتَابِ: إِضَافَةُ الْأَقْوَالِ إِلَى قَائِلِيهَا، وَالْأَحَادِيثِ إِلَى مُصَنِّفِيهَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْ يُضَافَ الْقَوْلُ إِلَى قَائِلِهِ. وَكَثِيرًا مَا يجئ الْحَدِيثُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ مُبْهَمًا، لَا يَعْرِفُ مَنْ أَخْرَجَهُ إِلَّا مَنَ اطَّلَعَ عَلَى كتب الحديث، فيبقى من لأخبره لَهُ بِذَلِكَ حَائِرًا، لَا يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ عِلْمٌ جَسِيمٌ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَا الِاسْتِدْلَالُ حَتَّى يُضِيفَهُ إِلَى مَنْ خَرَّجَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَالثِّقَاتِ الْمَشَاهِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَأَضْرِبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَصَصِ المفسرين، وأخبار المؤرخين، إلا مالا بُدَّ مِنْهُ وَلَا غِنًى عَنْهُ لِلتَّبْيِينِ، وَاعْتَضْتُ من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تفسير عَنْ مَعْنَاهَا، وَتُرْشِدُ الطَّالِبَ إِلَى مُقْتَضَاهَا، فَضَمَّنْتُ كل آية لتضمن حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ فَمَا زَادَ، مَسَائِلَ نُبَيِّنُ فِيهَا مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالتَّفْسِيرِ الْغَرِيبِ وَالْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمًا ذَكَرْتُ مَا فِيهَا مِنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، هَكَذَا إِلَى آخَرِ الْكِتَابِ. وَسَمَّيْتُهُ بِ (الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ) جَعَلَهُ اللَّهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَوَالِدَيَّ وَمَنْ أَرَادَهُ بِمَنِّهِ، إِنَّهُ سَمِيعُ الدعاء، قريب مجيب، آمين.

стр. 10

باب ذكر جمل من فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضل طالبه وقارئه ومستمعه والعامل به اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ وَاسِعٌ كَبِيرٌ، أَلَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا كَثِيرَةً، نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ نكتا تدل على فضله، وما أعده اللَّهُ لِأَهْلِهِ، إِذَا أَخْلَصُوا الطَّلَبَ لِوَجْهِهِ. وَعَمِلُوا بِهِ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ الْمُؤْمِنُ مِنْ فَضْلِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، غَيْرُ مخلوق، كلام من ليس كمثله شي، وَصِفَةُ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نِدٌّ، فَهُوَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ أَصْوَاتُ الْقُرَّاءِ وَنَغَمَاتُهُمْ، وَهِيَ أَكَسَابُهُمُ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِهَا فِي حَالٍ إِيجَابًا فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ، وَنَدْبًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيُزْجَرُونَ «١» عَنْهَا إِذَا أَجْنَبُوا، وَيُثَابُونَ عَلَيْهَا وَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهَا. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَنَطَقَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَدَلَّ عَلَيْهَا الْمُسْتَفِيضُ من الأخبار، ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من اكتساب الْعِبَادِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَلَوْلَا أَنَّهُ- سُبْحَانَهُ- جَعَلَ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى حَمْلِهِ مَا جَعَلَهُ، لِيَتَدَّبَّرُوهُ وَلِيَعْتَبِرُوا بِهِ، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يَقُولُ- تَعَالَى جَدُّهُ- وَقَوْلُهُ الْحَقُّ:" لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٢» ". فأين قوت الْقُلُوبِ مِنْ قُوَّةِ الْجِبَالِ! وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَزَقَ عِبَادَهُ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى حَمْلِهِ مَا شَاءَ أَنْ يَرْزُقَهُمْ، فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ- فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" يَقُولُ الرَّبُّ ﵎ مَنْ شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ- قَالَ:- وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ مِثْلُ التَّوْرَاةِ، وَالْمِئُونَ مِثْلُ الْإِنْجِيلِ، وَالْمَثَانِي مِثْلُ الزَّبُورِ، وَسَائِرُ الْقُرْآنِ بعد فضل. وأسند عن الحارث

стр. 11

عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ «١» رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ ﵎ فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنَ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غيره أصله اللَّهُ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَنُورُهُ الْمُبِينُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا تَتَشَعَّبُ مَعَهُ الْآرَاءُ وَلَا يَشْبَعُ من الْعُلَمَاءُ وَلَا يَمَلُّهُ الْأَتْقِيَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا مَنْ عَلِمَ عِلْمَهُ سَبَقَ وَمَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ «٢» "." الْحَارِثُ" رَمَاهُ الشَّعْبِيُّ بِالْكَذِبِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَبِنْ مِنَ الْحَارِثِ كَذِبٌ، وَإِنَّمَا نُقِمْ عَلَيْهِ إِفْرَاطُهُ فِي حُبِّ عَلِيٍّ وَتَفْضِيلِهِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَمِنْ هَاهُنَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ، لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ يَذْهَبُ إِلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أسلم. قال أبو عمر عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَظُنُّ الشَّعْبِيَّ عُوقِبَ لِقَوْلِهِ فِي الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أحد الْكَذَّابِينَ. وَأَسْنَدَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ" الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ: رَسُولُ الله ﷺ :" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ عِصْمَةُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعيب وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ فَاتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بكل حرف عشرة حَسَنَاتٍ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ يَدَعُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَإِنَّ أَصْفَرَ الْبُيُوتِ مِنَ الْخَيْرِ الْبَيْتُ الصَّفِرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ". وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ فِي غَرِيبِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ هَذَا القرآن مأدبة

стр. 12

اللَّهِ فَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَهُوَ آمِنٌ. قَالَ: وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَثَلٌ، شَبَّهَ الْقُرْآنَ بِصَنِيعٍ صَنَعَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ، لَهُمْ فِيهِ الخير وَمَنَافِعٌ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ. يُقَالُ: مَأْدُبَةٌ وَمَأْدَبَةٌ، فَمَنْ قَالَ: مَأْدُبَةٌ، أَرَادَ الصَّنِيعَ يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ فَيَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ. وَمَنْ قَالَ: مَأْدَبَةٌ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْأَدَبِ، يَجْعَلُهُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْأَدَبِ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ الْآخَرِ:" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدَبَةُ اللَّهِ فَتَعْلَّمُوا مِنْ مَأْدَبَتِهِ". وكان الأحمر يجعلها لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا غَيْرَهُ. [قَالَ:] وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيَّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طِيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ". وَفِي رِوَايَةٍ:" مَثَلُ الْفَاجِرِ" بَدَلُ الْمُنَافِقِ". وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ ... " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحَلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ «١»، ح. وَأَنْبَأَنَا إِدْرِيسُ حَدَّثَنَا خَلَفٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ: أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ

стр. 13

السُّلَمِيَّ كَانَ إِذَا خَتَمَ عَلَيْهِ الْخَاتِمُ الْقُرْآنَ أَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ! فَمَا أَعْرِفُ أَحَدًا خَيْرًا مِنْكَ إِنْ عَمِلْتَ بِالَّذِي عَلِمْتَ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ وَهْبٍ الذِّمَارِيِّ قَالَ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ وَمَاتَ على طاعة، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السَّفَرَةِ وَالْأَحْكَامِ. قَالَ سَعِيدٌ «١»: السَّفَرَةُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْأَحْكَامُ «٢» الْأَنْبِيَاءُ. وَرَوَى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". التَّتَعْتُعُ: التَّرَدُّدُ فِي الْكَلَامِ عِيًّا وَصُعُوبَةً، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ مِنْ حَيْثُ التِّلَاوَةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَشَقَّةِ، وَدَرَجَاتُ الْمَاهِرِ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ الْقُرْآنُ مُتَعْتَعًا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَقَّى عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ شُبِّهَ بِالْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلْفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ". قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ:" أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِي مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ «٣» فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ:" أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ «٤» أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يسر الله عليه

стр. 14

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ الله له شريقا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أبطأ به علمه لم يسره بِهِ نَسَبُهُ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول:" الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال:" يجئ القرآن «١» يوم القيامة فيقول يا رَبِّ حُلَّةً فَيَلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ فَيَلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ فَيُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَ وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةٌ". قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارَتْقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخَرَ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخَرَ شي مَعَهُ". وَأَسْنَدَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحِمْصِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ أُعْطِيَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَدْ أُعْطِيَ ثُلُثَ النُّبُوَّةِ وَمَنْ أُعْطِيَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ أُعْطِي ثُلُثَيِ النُّبُوَّةِ وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَقَدْ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اقْرَأْ وَارْقَ فَيَقْرَأُ آيَةً وَيَصْعَدُ دَرَجَةً حَتَّى يُنْجِزَ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَيَقْبِضُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَتَدْرِي مَا فِي يَدَيْكَ فَإِذَا فِي يَدِهِ الْيُمْنَى الْخُلْدُ وَفِي الْيُسْرَى النَّعِيمُ". حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ تَمَّامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ أَخَذَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَعَمِلَ به فقد أخذ ثلث النبوة ومن أخذ

стр. 15

نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نِصْفِ النُّبُوَّةِ وَمَنْ أَخَذَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَقَدْ أَخَذَ النُّبُوَّةَ كُلَّهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ سَعْدَانَ حدثنا الحسن بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَفْصٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زياد عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَلَاهُ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلٌّ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النار". وقالت أو الدرداء: دخلت على عائشة رضى الله عنه فَقُلْتُ لَهَا: مَا فَضْلُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْرَأْهُ مِمَّنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ فقالت عائشة رضى الله عنه: إِنْ عَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى عَدَدِ دَرَجِ الْجَنَّةِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَفْضَلَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ" فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى «١» ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخرة وذكره مَكِّيٌّ أَيْضًا. وَقَالَ اللَّيْثُ يُقَالُ مَا الرَّحْمَةُ إِلَى أَحَدٍ بِأَسْرَعَ مِنْهَا إِلَى مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٢» ". وَ" لَعَلَّ" مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَهُوَ أَوَّلُ مُسْنَدٍ «٣» أُلِّفَ فِي الْإِسْلَامِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المقنطرين" والآثار في معنى هذ الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للهداية.

стр. 16

باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك روى البخاري عن قتادة قال: سألت رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا [إِذَا] قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" ثُمَّ يَقِفُ" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ثم يقف، وكان يقرؤها" ملك يوم الدين". قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا مَنْ إِذَا قَرَأَ رَأَيْتَهُ «١» يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى". وَرُوِيَ عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ أَنَّهُ جَاءَ مَعَ الْقُرَّاءِ إِلَى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ. فرقع صَوْتَهُ وَطَرَّبَ، وَكَانَ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَكَشَفَ أَنَسٌ عَنْ وَجْهِهِ، وَكَانَ عَلَى وَجْهِهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ: يَا هَذَا، مَا هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ! وَكَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ كَشَفَ الْخِرْقَةَ عن وجهه. وروى عن قيس بن عبادة أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ. وَمِمَّنْ رُوِىَ عَنْهُ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عند قراءة القرآن سعيد ين الْمُسَيَّبِ وَسَعِيد بْنُ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَرِهَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، كُلُّهُمْ كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ. بِالْقُرْآنِ وَالتَّطْرِيبَ فِيهِ. رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَؤُمُّ النَّاسَ فَطَرَّبَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَعِيدٌ يَقُولُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! إِنَّ الْأَئِمَّةَ لَا تَقْرَأُ هَكَذَا. فَتَرَكَ عُمَرُ التَّطْرِيبَ بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَطَرَّبَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ وَقَالَ يَقُولُ اللَّهُ :" وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢» " الْآيَةَ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّبْرِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْكَرَ وَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَأَنْكَرَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الألحان في الصلاة

стр. 17

فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ غِنَاءٌ يَتَغَنَّوْنَ بِهِ لِيَأْخُذُوا عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ. وَأَجَازَتْ طَائِفَةٌ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّطْرِيبَ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا حَسُنَ الصَّوْتُ بِهِ كَانَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَسْمَعَ فِي الْقُلُوبِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇:" زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السالم:" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَبِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. وَبِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ" الْفَتْحِ" عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنظر بْنُ شُمَيْلٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيَأْتِي. وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ، أَيْ زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَذَا فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ، وَقَالُوا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ، كَمَا قَالُوا: عَرَضْتُ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ. قَالَ: وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ، فَقَدَّمَ الْأَصْوَاتَ عَلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ صحيح. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَرَوَاهُ طَلْحَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" أَيِ الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا بِهِ أَصْوَاتَكُمْ. اتخذوه شِعَارًا وَزِينَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدُّءُوبُ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ". وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:" حَسِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ". قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يرجع قوله عيلة السلام:" وليس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" أَيْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِ مُلَيْكَةَ. قَالَ عبد الجبار ابن الْوَرْدِ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ: مَرَّ بِنَا أَبُو لُبَابَةَ فَاتَّبَعْنَاهُ

стр. 18

حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ،" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". قَالَ فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ. ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِي لَحَسَّنْتُ صَوْتِيَّ بالقرآن، وزينته ورتلته. وهذا يدل [على] أَنَّهُ كَانَ يَهُذُّ «١» فِي قِرَاءَتِهِ مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ. وَالتَّحْبِيرُ: التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْمَعُهُ لَمَدَّ فِي قِرَاءَتِهِ وَرَتَّلَهَا، كَمَا كَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي حُسْنِ صَوْتِهِ بِالْقِرَاءَةِ. وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إن يَقُولَ: إِنَّ الْقُرْآنَ يُزَيَّنُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ هَذَا فَقَدْ وَاقَعَ أَمْرًا عَظِيمًا أَنْ يُحْوِجَ الْقُرْآنَ إِلَى مَنْ يُزَيِّنُهُ، وَهُوَ النُّورُ وَالضِّيَاءُ وَالزَّيْنُ الْأَعْلَى لِمَنْ أُلْبِسَ بَهْجَتَهُ وَاسْتَنَارَ بِضِيَائِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّزْيِينِ اكْتِسَابُ الْقِرَاءَاتِ وَتَزْيِينُهَا بِأَصْوَاتِنَا وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ، أَيْ زينو الْقِرَاءَةَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَيَكُونُ الْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، كَمَا قال تعال" وَقُرْآنَ الْفَجْرِ «٢» " أَيْ قِرَاءَةَ الْفَجْرِ، وَقَوْلِهِ:" فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ «٣» " أَيْ قِرَاءَتَهُ. وَكَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ ﵇، وَيُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا، أَيْ قِرَاءَةً. وَقَالَ الشَّاعِرُ «٤» فِي عُثْمَانَ ﵁: ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ «٥» عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا أَيْ قِرَاءَةً فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ صَحِيحًا إِلَّا أَنْ يُخْرِجَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي هِيَ التِّلَاوَةُ عَنْ حَدِّهَا- عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ- فَيُمْتَنَعُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى بِهِ، يَسْتَغْنِي بِهِ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الِافْتِقَارِ، لَا مِنَ الغناء، يقال: تغنيت وتغانيت بنعنى استغنيت. وفي الصحاح: تغنى

стр. 19

الرَّجُلُ بِمَعْنَى اسْتَغْنَى، وَأَغْنَاهُ اللَّهُ. وَتَغَانَوْا أَيِ اسْتَغْنَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حبناء التميمي: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... وَنَحْنُ إِذَا مُتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، أَيْ يُسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ لِإِتْبَاعِهِ التَّرْجَمَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ «١» ". والمراد الاسستغناء بِالْقُرْآنِ عَنْ عِلْمِ أَخْبَارِ الْأُمَمِ، قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى بِهِ، يَتَحَزَّنُ بِهِ، أَيْ يَظْهَرُ عَلَى قَارِئِهِ الْحُزْنُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ السُّرُورِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَتِلَاوَتِهِ، وَلَيْسَ مِنَ الْغَنِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْغَنِيَّةِ لَقَالَ: يَتَغَانَى بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ يَتَغَنَّى بِهِ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مِنْهُمُ الإمام أبو محمد ابن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ. الْأَزِيزُ (بِزَايَيْنِ): صَوْتُ الرَّعْدِ وَغَلَيَانِ الْقِدْرِ. قَالُوا: فَفِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ التَّحَزُّنُ، وَعَضَّدُوا هَذَا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" اقْرَأْ عَلِيَّ" فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ" النِّسَاءِ" حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ" فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً" «٢» فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ تَأْوِيلَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ وَالتَّرْجِيعِ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ :" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تُولَعُ بِالْغِنَاءِ وَالنَّشِيدِ فِي أَكْثَرِ أَقْوَالِهَا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ هِجِّيرَاهُمْ «٣» مَكَانَ الْغِنَاءِ، فَقَالَ:" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". التَّأْوِيلُ الْخَامِسُ- مَا تَأَوَّلَهُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى التَّرْجِيعِ وَالتَّطْرِيبِ، فَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ: ذَكَرْتُ لِأَبِي عاصم النبيل تأول ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ:" يَتَغَنَّ" يَسْتَغْنِى، فَقَالَ:

стр. 20

لم يضع ابن عيينة شيئا. وسيل الشَّافِعِيُّ عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: نَحْنُ أعلم بهذا، ولو أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ الِاسْتِغْنَاءَ لقال: من لم يستغن، ولكن قَالَ" يَتَغَنَّ" عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ التَّغَنِّي. قَالَ الطَّبَرَيُّ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ التَّغَنِّي إِنَّمَا هُوَ الْغِنَاءُ الَّذِي هُوَ حُسْنُ الصَّوْتِ بِالتَّرْجِيعِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَغَنَّ بِالشِّعْرِ مَهْمَا كُنْتَ قَائِلَهُ ... إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ قَالَ: وَأَمَّا ادِّعَاءُ الزَّاعِمِ أَنَّ تَغَنَّيْتُ بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْتُ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، وَلَا نعلم أحد مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَهُ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِقَوْلِ الأعشى: وكنت امرأ زَمِنًا بِالْعِرَاقِ ... عَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنْ وَزَعْمَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاءَ فَإِنَّهُ غَلَطٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَنَى الْأَعْشَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْإِقَامَةَ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: غَنِيَ فَلَانٌ بِمَكَانِ كَذَا أَيْ أَقَامَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا «١» " وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِهِ: وَنَحْنُ إِذَا مُتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا فَإِنَّهُ إِغْفَالٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّغَانِيَ تَفَاعُلٌ مِنْ نَفْسَيْنِ إِذَا اسْتَغْنَى كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، كَمَا يُقَالُ: تَضَارَبَ الرَّجُلَانِ، إِذَا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. وَمَنْ قَالَ هَذَا فِي فِعْلِ الِاثْنَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ مَثْلَهُ فِي الْوَاحِدِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: تَغَانَى زَيْدٌ وَتَضَارَبَ عَمْرٌو، وَكَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى. قُلْتُ: مَا ادَّعَاهُ الطَّبَرَيُّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ صِيغَةَ فَاعَلَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ جَاءَتْ مِنْ وَاحِدٍ في ما ضيع كَثِيرَةٍ، مِنْهَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: طَارَقْتُ النَّعْلَ وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ وَدَاوَيْتُ الْعَلِيلَ، وَهُوَ كَثِيرٌ، فَيَكُونُ تَغَانَى مِنْهَا. وَإِذَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ ﵊:" يَتَغَنَّ" الْغِنَاءَ وَالِاسْتِغْنَاءَ فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأُولَى مِنَ الْآخَرِ، بَلْ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا تَأْوِيلٌ غيره، لأنه مروي عن

стр. 21

صَحَابِيٍّ كَبِيرٍ كَمَا ذَكَرَ سُفْيَانُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي حَقِّ سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ رَأَى الشَّافِعِيَّ وَعَاصَرَهُ. وَتَأْوِيلٌ سَادِسٌ- وَهُوَ مَا جَاءَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" مَا أَذِنَ اللَّهُ «١» لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". قَالَ الطَّبَرَيُّ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ حَسَنِ الصَّوْتِ وَالْجَهْرِ بِهِ مَعْنًى. قُلْنَا قَوْلَهُ:" يَجْهَرُ بِهِ" لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَفِيهِ بُعْدٌ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّطْرِيبِ وَالتَّرْجِيعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يُطَرِّبُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَجْهَرُ بِهِ: أَيْ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ لِلَّذِي سَمِعَهُ وَقَدْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ:" أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا «٢» عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا .... " الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي. وكذلك إِنْ كَانَ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَا رَامُوهُ، وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا التَّأْوِيلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فَقَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ رَفْعَ صَوْتَهُ وَوَالَى بِهِ غَانِيًا، وَفِعْلَهُ ذَلِكَ غِنَاءً وَإِنْ لَمْ يُلَحِّنْهُ بِتَلْحِينِ الْغِنَاءِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا فسره الصحابي، وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد احتج أبو الحسن لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: وَقَدْ رَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وغنوا به واكتبوه فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا «٣» مِنَ الْمَخَاضِ من العقل". قال علمائنا: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ صَحَّ سَنَدُهُ فَيَرُدُّهُ مَا يعلم على القطع والبتات من قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بَلَغَتْنَا مُتَوَاتِرَةً عَنْ كَافَّةِ الْمَشَايِخِ، جِيلًا فَجِيلًا إِلَى الْعَصْرِ الْكَرِيمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِيهَا تلحين

стр. 22

وَلَا تَطْرِيبٌ، مَعَ كَثْرَةِ الْمُتَعَمِّقِينَ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَفِي الْمَدِّ وَالْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقِرَاءَاتِ. ثُمَّ إِنَّ فِي التَّرْجِيعِ وَالتَّطْرِيبِ هَمْزُ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ وَمَدُّ مَا ليس بممدود، فترجيع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبه «١» الْوَاحِدَةُ شُبَهَاتٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ مَوْضِعَ نَبْرٍ وَهَمْزٍ صَيَّرُوهَا نَبْرَاتٍ وَهَمْزَاتٍ، وَالنَّبْرَةُ حَيْثُمَا وَقَعَتْ مِنَ الْحُرُوفِ فَإِنَّمَا هِيَ هَمْزَةٌ وَاحِدَةٌ لأغير، إِمَّا مَمْدُودَةٌ وَإِمَّا مَقْصُورَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ" الْفَتْحِ" عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ فِي صِفَةِ التَّرْجِيعِ: آء آء آء، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قُلْنَا: ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إِشْبَاعِ الْمَدِّ فِي مَوْضِعِهِ، ويحتمل أن يكون صَوْتِهِ عِنْدَ هَزِّ الرَّاحِلَةِ، كَمَا يَعْتَرِي رَافِعَ صوته إذا كان راكبا من اضغاط صَوْتِهِ وَتَقْطِيعِهِ لِأَجْلِ هَزِّ الْمَرْكُوبِ، وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ حديث قتادة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدَّ لَيْسَ فِيهَا تَرْجِيعٌ وَرَوَى ابن جريح عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" إِنَ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِذَا كَانَ أَذَانُكَ سَمْحًا سَهْلًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ فَأَحْرَى أَلَّا يُجَوِّزَهُ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي حَفِظَهُ الرَّحْمَنُ، فَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ:" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٢» ". وَقَالَ تَعَالَى:" لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٣» ". قُلْتُ: وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِتَرْدِيدِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ، فإن زاد الأمر على ذلك لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْقُرَّاءُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ أَمَامَ الْمُلُوكِ وَالْجَنَائِزِ، وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجُورَ وَالْجَوَائِزَ، ضل سعيهم، وخاب

стр. 23

عملهم، فسيحتلون بِذَلِكَ تَغْيِيرَ كِتَابِ اللَّهِ، وَيُهَوِّنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الِاجْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَزِيدُوا فِي تَنْزِيلِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، جَهْلًا بِدِينِهِمْ، وَمُرُوقًا عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَرَفْضًا لِسَيْرِ الصَّالِحِينَ فِيهِ مِنْ سَلَفِهِمْ، وَنُزُوعًا إِلَى مَا يُزَيِّنُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَبِكِتَابِ اللَّهِ يَتَلَاعَبُونَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لكن أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ . ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْحُسَيْنِ رَزِينٌ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي" نَوَادِرِ الْأُصُولِ" مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلَحَوْنَ أَهْلِ الْعِشْقِ وَلَحَوْنَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَسَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ والنوح لا يجاوز جناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ". اللُّحُونُ: جَمْعُ لَحْنٍ، وَهُوَ التَّطْرِيبُ وَتَرْجِيعُ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ. قَالَ علمائنا: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ قُرَّاءُ زَمَانِنَا بَيْنَ يَدَيِّ الْوُعَّاظِ وَفِي الْمَجَالِسِ مِنَ اللُّحُونِ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي يَقْرَءُونَ بِهَا، مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والترجيع في القراءة: ترديد الحرف كَقِرَاءَةِ النَّصَارَى. وَالتَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ التَّأَنِّي فِيهَا وَالتَّمَهُّلُ وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالثَّغْرِ الْمُرَتَّلِ، وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِنُورِ الْأُقْحُوَانِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «١» ". وَسُئِلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته! [كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح «٢»]، ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعِتُ قِرَاءَةً مفسرة حرفا حرفا. أخرجه النسائي وأبو دائد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً" «٣». وقال تعالى:" فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً" «٤». روى مسلم عن أبي هريرة

стр. 24

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العلم ليقال علام وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأعطاه من أنصاف الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النار". يقال التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ:" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَبُو هُرَيْرَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ: كُنِّيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِأَنِّي حَمَلْتُ هِرَّةً فِي كُمِّي، فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ:" مَا هَذِهِ"؟ قُلْتُ: هِرَّةٌ، فَقَالَ:" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ بِعَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" مَنْ طَلَبِ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رَقَائِقِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ وَحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﵎ ثُمَّ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَإِذَا قَرَءُوهُ قَالُوا مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا" ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:" هَلْ تَرَوْنَ فِي أُولَئِكُمْ مِنْ خَيْرٍ" قَالُوا: لَا. قَالَ:" أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى به وجه لله لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". يَعْنِي رِيحَهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ

стр. 25

حَسَنٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ:" وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يدخله؟ قال:" القراء المراءون بأعملهم" قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي كِتَابِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا إِنَّ جهنم لتتعوذ من ذَلِكَ الْوَادِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْوَادِي لَجُبًّا إِنَّ جَهَنَّمَ وَذَلِكَ الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب وإن فط الْجُبِّ لَحَيَّةً وَإِنَّ جَهَنَّمَ وَالْوَادِيَ وَالْجُبَّ لَيَتَعَوَّذُونَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ تِلْكَ الْحَيَّةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْأَشْقِيَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يَعْصُونَ اللَّهَ". فَيَجِبُ عَلَى حَامِلِ الْقُرْآنِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَيُخْلِصَ العمل لله، فإن كان تقدم له شي مما يكره فليبادر التوبة التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب. عمله. فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ لَهُ من الأجر ما ليس لغيره. وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" أنزل اله فِي بَعْضِ الْكُتُبِ- أَوْ أَوْحَى- إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِلَّذِينِ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخر يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ «١» الْكِبَاشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ لِأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ". وَخَرَّجَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" لَا تُخَادِعِ الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخَادِعُ اللَّهَ؟ قَالَ:" تَعْمَلُ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَتَطْلُبُ بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ الشِّرْكُ وَإِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ القيامة على رءوس الْأَشْهَادِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا يَا كَافِرُ يَا خَاسِرُ يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ ضَلَّ عملك وبطل

стр. 26

أَجْرُكَ فَلَا خَلَاقَ لَكَ الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ. وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كيف أنتم! لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ الْكَبِيرُ، وَتُتَّخَذُ سُنَّةً مُبْتَدَعَةً يَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غير منها شي قيل: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ. قِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم. قل فقهائكم، وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقُلْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ وَمَا ينبغي لأحبهم الله، ولكن ي لبوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمُ اللَّهُ، وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" فَكُبْكِبُوا «١» فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ" قَالَ: قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَخَالَفُوهُ إلى غيره .. سيأتي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ إن شاء الله تعالى. باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ يُخْلِصَ فِي طَلَبِهِ لِلَّهِ كما ذكرنا، وَأَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لئلا ينساه. وروى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ وَإِذَا قام صاحب القرآن فقرأه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَامِدًا، وَلِنِعَمِهِ شَاكِرًا، وَلَهُ ذَاكِرًا، وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا، وَبِهِ مستعينا وإليه راغبا، وبه معتصما، وللموت مُسْتَعِدًّا. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ، رَاجِيًا عَفْوَ رَبِّهِ، وَيَكُونَ الْخَوْفُ فِي صحته أغلب عليه، إذا لَا يَعْلَمُ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَيَكُونَ الرَّجَاءُ عِنْدَ حُضُورِ أَجْلِهِ أَقْوَى فِي نَفْسِهِ، لِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ". أَيْ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَغْفِرُ لَهُ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، مُتَحَفِّظًا مِنْ سُلْطَانِهِ، سَاعِيًا فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ، وَنَجَاةِ مُهْجَتِهِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَرَضِ دُنْيَاهُ، مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يكون أهم أموره عنده الْوَرَعِ فِي دِينِهِ، وَاسْتِعْمَالُ تَقْوَى اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ فيما أمره به ونهاه عنه.

стр. 27

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَنْبَغِي لِقَارِئِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا الناس مستيقضون، وببكائه إذ النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُضُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَخُوضَ مَعَ مَنْ يَخُوضُ، وَلَا يَجْهَلُ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ لِحَقِّ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ فِي جَوْفِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالتَّصَاوُنِ عَنْ طُرُقِ الشُّبُهَاتِ، وَيُقِلَّ الضَّحِكَ وَالْكَلَامَ فِي مَجَالِسِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالْحِلْمِ وَالْوَقَارِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْفُقَرَاءِ، وَيَتَجَنَّبَ التَّكَبُّرَ وَالْإِعْجَابَ، وَيَتَجَافَى عَنِ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ، وَيَتْرُكَ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ، وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالرِّفْقِ والأدب. وينبغي له أن يكون ممن يؤن شَرُّهُ، وَيُرْجَى خَيْرُهُ وَيُسْلَمُ مِنْ ضَرِّهِ، وَأَلَّا يَسْمَعَ مِمَّنْ نَمَّ عِنْدَهُ، وَيُصَاحِبَ مَنْ يُعَاوِنُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَيَدُلُّهُ عَلَى الصِّدْقِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيُزَيِّنُهُ وَلَا يَشِينُهُ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ، فَيَفْهَمَ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ وَمَا فَرَضَ عَلَيْهِ، فَيَنْتَفِعَ بِمَا يَقْرَأُ وَيَعْمَلَ بِمَا يَتْلُو، فَكَيْفَ يَعْمَلُ بِمَا لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَمَا أَقْبَحَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ فِقْهِ مَا يَتْلُوهُ وَلَا يَدْرِيهِ، فَمَا مَثَلُ مَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ إِلَّا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكِّيَّ مِنَ الْمَدَنِيِّ لِيُفَرِّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ مَا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَمَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ، وَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ فِي آخِرِهِ. فَالْمَدَنِيُّ هُوَ النَّاسِخُ لِلْمَكِّيِّ فِي أَكْثَرِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَخَ الْمَكِّيُّ الْمَدَنِيَّ، لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي النُّزُولِ قَبْلَ النَّاسِخِ لَهُ. وَمِنْ كَمَالِهِ أَنْ يَعْرِفَ الْإِعْرَابَ وَالْغَرِيبَ، فَذَلِكَ مِمَّا يُسَهِّلُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ مَا يَقْرَأُ، وَيُزِيلُ عَنْهُ الشَّكَّ فِيمَا يَتْلُو. وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ سَمِعْتُ الْجَرْمِيَّ يَقُولُ: أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أُفْتِي النَّاسَ فِي الْفِقْهِ مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُمَرَ الْجَرْمِيَّ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، فَلَمَّا عَلِمَ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ تَفَقَّهَ فِي الْحَدِيثِ، إِذْ كَانَ كِتَابُ سِيبَوَيْهِ يُتَعَلَّمُ منه النظر والتفسير. ثم فِي السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 28

فيما يصل إِلَى مُرَادِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ وَهِيَ تَفْتَحُ لَهُ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ فَتْحًا، وَقَدْ قَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ «١» ". قَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أن يكون فقيها. وذكر ابن أبي الجوزي قَالَ: أَتَيْنَا فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ، فَوَقَفْنَا عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا بِالدُّخُولِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنْ كَانَ خَارِجًا لِشَيْءٍ فَسَيَخْرُجُ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَأَمَرْنَا قَارِئًا فَقَرَأَ فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مِنْ كُوَّةٍ، فَقُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، فَقُلْنَا: كَيْفَ أَنَتَ يَا أَبَا عَلِيٍّ، وَكَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: أَنَا مِنَ اللَّهِ فِي عَافِيَةٍ وَمِنْكُمْ فِي أَذًى، وَإِنَّ مَا أَنْتُمْ فيه حديث فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! مَا هَكَذَا كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَأْتِي الْمَشْيَخَةَ فَلَا نَرَى أَنْفُسَنَا أَهْلًا لِلْجُلُوسِ مَعَهُمْ، فَنَجْلِسُ دُونَهُمْ وَنَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَإِذَا مَرَّ الْحَدِيثُ سَأَلْنَاهُمْ إِعَادَتَهُ وَقَيَّدْنَاهُ، وَأَنْتُمْ تَطْلُبُونَ الْعِلْمَ بِالْجَهْلِ، وَقَدْ ضَيَّعْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَوْ طَلَبْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ لَوَجَدْتُمْ فِيهِ شِفَاءً لِمَا تُرِيدُونَ، قَالَ: قُلْنَا قَدْ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، قَالَ: إِنَّ فِي تَعَلُّمِكُمُ الْقُرْآنَ شُغْلًا لِأَعْمَارِكُمْ وَأَعْمَارِ أَوْلَادِكُمْ، قُلْنَا: كَيْفَ يَا أَبَا عَلِيٍّ؟ قَالَ: لَنْ تعلموا القرآن حتى تعرف. اإعرابه، ومحكمه من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ اسْتَغْنَيْتُمْ عَنْ كَلَامِ فُضَيْلٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ،، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «٢» ". قُلْتُ: فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ كَانَ مَاهِرًا بِالْقُرْآنِ، وَعَالِمًا بِالْفُرْقَانِ، وَهُوَ قَرِيبٌ عَلَى مَنْ قَرَّبَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حَتَّى يُخْلِصَ النِّيَّةَ فِيهِ لِلَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ أَوْ بَعْدَ طَلَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَقَدْ يَبْتَدِئُ الطَّالِبُ لِلْعِلْمِ يُرِيدُ بِهِ الْمُبَاهَاةَ وَالشَّرَفَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَزَالُ بِهِ فَهْمُ الْعِلْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خَطَأٍ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ وَيُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ وَيَحْسُنَ حَالُهُ. قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إلى الآخرة. وقاله سفيان الثوري. وقال بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ نِيَّةٌ ثُمَّ جَاءَتِ النِّيَّةُ بَعْدُ.

стр. 29

باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربا قال أبو بكر الْأَنْبَارِيِّ: جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ من تفضيل إعراب القرآن، والحصن عَلَى تَعْلِيمِهِ، وَذَمِّ اللَّحْنِ وَكَرَاهِيَتِهِ مَا وَجَبَ بِهِ عَلَى قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَنْ يَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ فِي تَعَلُّمِهِ. مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يعني ابن سعيد قال حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ". حَدَّثَنِي أبي قال حدثنا إبراهيم ابن الهيثم قال حدثنا آدم يعني ابن إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُعْرِبْهُ وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ يَكْتُبُ لَهُ كَمَا أُنْزِلَ بِكُلِّ حِرَفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ فَإِنْ أَعْرَبَ بَعْضَهُ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرِينَ حَسَنَةً فَإِنْ أَعْرَبَهُ وُكَّلَ بِهِ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ يَكْتُبُونَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً". وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قال قال عبد الله ابن مَسْعُودٍ: جَوِّدُوا الْقُرْآنَ وَزَيَّنُوهُ بِأَحْسَنِ الْأَصْوَاتِ، وَأَعْرِبُوهُ فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْرَبَ بِهِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَعْرِبُوا القرآن. وعن محمد بن عبد الرحمن ابن زَيْدٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄: لَبَعْضُ إِعْرَابِ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ حِفْظِ حُرُوفِهِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵀: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرُ شَهِيدٍ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: بَلَغَنِي أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِإِعْرَابٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ ضِعْفَانِ مِمَّنْ قَرَأَ بِغَيْرِ إعراب. وروى ابن جريح عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ لِأَنِّي عَرَبِيٌّ وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ". وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حمزة قال قيل للحسين في قوم يتعلمون العربية قال: أحسنوا، يتعلموا لُغَةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ . وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ لَنَا إِمَامًا يُلْحِنُ، قَالَ: أَخِّرُوهُ.

стр. 30

وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: مَنْ يُقْرِئُنِي مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَقْرَأَهُ رجل" براءة"، فقال:" أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ". بِالْجَرِّ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَوَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنْ رَسُولِهِ؟ فَإِنْ يَكُنِ اللَّهُ برئ من رس. له فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ، فَبَلَغَ عُمَرَ مَقَالَةُ الْأَعْرَابِيِّ: فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ أَتَبْرَأُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ يَا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولأعلم لِي بِالْقُرْآنِ، فَسَأَلْتُ مَنْ يُقْرِئُنِي، فَأَقْرَأَنِي هَذَا سورة" براءة" فقال:" أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورسوله"، فقلت أو قد بَرِئَ اللَّهُ مِنْ رَسُولِهِ، إِنْ يَكُنِ اللَّهُ بَرِئَ مِنْ رَسُولِهِ فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَكَذَا يَا أَعْرَابِيُّ، قَالَ: فَكَيْفَ هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ" أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ" فقال الأعرابي: وأنا أَبْرَأُ مِمَّا بَرِئَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ، فَأَمَرَ عمر ابن الْخَطَّابِ ﵁ أَلَّا يُقْرِئَ النَّاسَ إِلَّا عَالَمٌ بِاللُّغَةِ، وَأَمَرَ أَبَا الْأَسْوَدِ «١» فَوَضَعَ النَّحْوَ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: مَثَلُ صَاحِبِ الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ مَثَلُ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ لَا عَلَفَ فِيهَا. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: مَنْ طلب الحديث ولم يعلم النَّحْوَ أَوْ قَالَ الْعَرَبِيَّةَ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ تُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ لَيْسَ فِيهَا شَعِيرٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِعْرَابُ الْقُرْآنِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّ بِذَلِكَ تُقَوِّمُ مَعَانِيهِ الَّتِي هِيَ الشَّرْعُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَجَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَابِعِيهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى غَرِيبِ الْقُرْآنِ وَمُشْكِلِهِ بِاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ مَا بَيَّنَ صِحَّةَ مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ فِي ذَلِكَ، وَأَوْضَحَ فَسَادَ مَذْهَبِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن عبد الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ فَرُّوخٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا سَأَلْتُمُونِي عَنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ فَالْتَمِسُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ الْعَرَبِ. وَحَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا خَلْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَيُوسُفَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُولَانِ: سَمِعْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ يُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ بِالْقُرْآنِ، فَيَقُولُ فِيهِ هَكَذَا وَهَكَذَا، أَمَا سَمِعْتُمُ الشَّاعِرَ يقول كذا وكذا. وعن عكرمة

стр. 31

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ الله :" وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «١» " قَالَ: لَا تَلْبَسُ ثِيَابَكَ عَلَى غَدْرٍ، وَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ: فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ سَوْءَةٍ أَتَقَنَّعُ «٢» وَسَأَلَ رَجُلٌ عِكْرِمَةَ عَنِ الزَّنِيمِ قَالَ: هُوَ وَلَدُ الزِّنَى، وَتَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ: زَنِيمٌ لَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبَوْهُ ... بَغِيِّ الْأُمِّ ذُو حَسَبٍ لئيم وعنه أيضا الزنيم: الداعي الْفَاحِشُ اللَّئِيمُ، ثُمَّ قَالَ: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً ... كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ «٣». وَعَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" ذَواتا أَفْنانٍ «٤» " قَالَ: ذَوَاتَا ظِلٍّ وَأَغْصَانٍ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ: مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَنِ الْغُصُونِ حَمَامًا تَدْعُو أَبَا فَرْخَيْنِ صَادَفَ طَائِرًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قَطَامًا وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ «٥» " قَالَ: الْأَرْضُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ،" عِنْدَهُمْ «٦» لَحْمُ بَحْرٍ وَلَحْمُ سَاهِرَةٍ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالرُّوَاةُ يَرْوُونَ هَذَا الْبَيْتَ: وَفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرٍ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ وَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أخبرني عن قول الله :" لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ" مَا السِّنَةُ؟ قَالَ: النُّعَاسُ، قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى: لا سنة في طول اللَّيْلِ تَأْخُذُهُ ... وَلَا يَنَامُ وَلَا فِي أَمْرِهِ فند «٧»

стр. 32

باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّفْسِيرِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ذَكَرَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَوَصْفَهُ بِالْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: جُعِلْتُ فداءك! تصف جابر بِالْعِلْمِ وَأَنْتَ أَنْتَ! فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «١» ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُهُمْ بِمَا أُنْزِلَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُعْلَمَ فيما أنزلت وما يعني بها. وقال الشهبي: رَحَلَ مَسْرُوقٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَ الَّذِي يُفَسِّرُهَا رَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ: فَتَجَهَّزَ وَرَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى عَلِمَ تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ :" وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» " طلبت اسم هذا الرجل [الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله «٣»] أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى وَجَدْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَسَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَكَثْتُ سَنَتَيْنِ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رسول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا مَهَابَتُهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَثَلُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ، كَمَثَلِ قَوْمٍ جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ مَلِكِهِمْ لَيْلًا وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِصْبَاحٌ، فَتَدَاخَلَتْهُمْ رَوْعَةٌ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَابِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَعْرِفُ التَّفْسِيرَ كَمَثَلِ رَجُلٍ جَاءَهُمْ بِمِصْبَاحٍ فَقَرَءُوا ما في الكتاب. باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو، وفي من عاداه قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا لِينٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" مِنْ تَعْظِيمِ جَلَالِ اللَّهِ إِكْرَامُ ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ". وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ هُمُ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَالْعَامِلُونَ بِمَا فِيهِ. وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال:" القرآن أفضل من كل شي فَمَنْ وَقَّرَ الْقُرْآنَ فَقَدْ وَقَّرَ اللَّهَ وَمَنَ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَمَلَةُ الْقُرْآنِ هُمُ الْمَحْفُوفُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ الْمُعَظِّمُونَ كَلَامَ الله الملبسون نور الله فمن والهم فَقَدْ وَالَى اللَّهَ وَمَنْ عَادَاهُمْ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بحق الله تعالى".

стр. 33

باب ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ:" فَمِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَلَّا يَمَسَّهُ إلا طاهرا. ومن حرمته أن يقرأه على طهارة. ومن حرمته أن يستاك ويتحلل فَيُطَيِّبَ فَاهُ، إِذْ هُوَ طَرِيقُهُ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ مِنْ طُرُقِ الْقُرْآنِ، فَطَهِّرُوهَا وَنَظِّفُوهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَتَلَبَّسَ «١» كَمَا يَتَلَبَّسُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأَمِيرِ لِأَنَّهُ مُنَاجٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِقِرَاءَتِهِ. وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ اعْتَمَّ وَلَبِسَ وَارْتَدَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ كُلَّمَا تَنَخَّعَ «٢». رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَوْرٌ «٣» إِذَا تَنَخَّعَ مَضْمَضَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الذِّكْرِ، وَكَانَ كُلَّمَا تَنَخَّعَ مضمض. ومن حرمته إذا تثائب أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ إِذَا قَرَأَ فَهُوَ مُخَاطِبٌ رَبَّهُ وَمُنَاجٍ، وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا تَثَاءَبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَمْسِكْ عَنِ الْقُرْآنِ تَعْظِيمًا حَتَّى يَذْهَبَ تَثَاؤُبُكَ. وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ. يُرِيدُ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ إِجْلَالًا لِلْقُرْآنِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ لِلْقِرَاءَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَيَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إن كان ابتدأ قِرَاءَتِهِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَوْ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْطَعْهَا سَاعَةً فَسَاعَةً بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَخْلُوَ بِقِرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يَقْطَعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِكَلَامٍ فَيَخْلِطُهُ بِجَوَابِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ زَالَ عَنْهُ سُلْطَانُ الِاسْتِعَاذَةِ الَّذِي اسْتَعَاذَ فِي الْبِدْءِ. وَمِنْ حرمته أن يراه عَلَى تُؤَدَةٍ وَتَرْسِيلٍ وَتَرْتِيلٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ ذِهْنَهُ وَفَهْمَهُ حَتَّى يَعْقِلَ مَا يُخَاطَبُ بِهِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَقِفَ عَلَى آيَةِ الْوَعْدِ فَيَرْغَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى آيَةِ الْوَعِيدِ فَيَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ مِنْهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَقِفَ على أمثاله فيتمثلها. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَلْتَمِسَ غَرَائِبَهُ «٤». وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ لِكُلِّ حَرْفِ حَقَّهُ مِنَ الْأَدَاءِ حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا انْتَهَتْ قِرَاءَتُهُ أَنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ، وَيَشْهَدَ بِالْبَلَاغِ

стр. 34

لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَيَشْهَدَ عَلَى ذلك أنه حق، فيقول: صدقت رب وَبَلَّغْتَ رُسُلُكَ، وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ شُهَدَاءِ الْحَقِّ، الْقَائِمِينَ بِالْقِسْطِ، ثُمَّ يَدْعُو بِدَعَوَاتٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا قَرَأَهُ أَلَّا يَلْتَقِطَ الْآيَ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ فَيَقْرَأَهَا، فَإِنَّهُ رُوِيَ لَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ مَرَّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا أَوْ كَمَا قَالَ ﵇. وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا وَضَعَ الْمُصْحَفَ أَلَّا يَتْرُكَهُ مَنْشُورًا، وَأَلَّا يَضَعَ فَوْقَهُ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ حَتَّى يَكُونَ أَبَدًا عَالِيًا لِسَائِرِ الْكُتُبِ، عِلْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ إِذَا قَرَأَهُ أَوْ على شي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَضَعَهُ بِالْأَرْضِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَمْحُوَهُ مِنَ اللَّوْحِ بِالْبُصَاقِ وَلَكِنْ يَغْسِلُهُ بالماء. ومن حرمته إذا غسل بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع، والماقع الَّتِي تُوطَأُ، فَإِنَّ لِتِلْكَ الْغُسَالَةِ حُرْمَةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَشْفِي بِغُسَالَتِهِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَتَّخِذَ الصَّحِيفَةَ إِذَا بَلِيَتْ وَدَرَسَتْ وِقَايَةً لِلْكُتُبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَفَاءٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ يَمْحُوهَا بِالْمَاءِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُخَلِّيَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً، وَكَانَ أَبُو مُوسَى يَقُولُ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَلَّا أَنْظُرَ كُلَّ يَوْمٍ فِي عَهْدِ رَبِّي مَرَّةً. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يُعْطِيَ عَيْنَيْهِ حظهما من، فإن العين نؤدي إِلَى النَّفْسِ، وَبَيْنَ النَّفْسِ وَالصَّدْرِ حِجَابٌ، وَالْقُرْآنُ فِي الصَّدْرِ، فَإِذَا قَرَأَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَإِنَّمَا يُسْمِعُ أُذُنَهُ فَتُؤَدِّي إِلَى النَّفْسِ، فَإِذَا نَظَرَ فِي الْخَطِّ كَانَتِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ قَدِ اشْتَرَكَتَا فِي الْأَدَاءِ وَذَلِكَ أَوْفَرُ لِلْأَدَاءِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَتِ الْعَيْنُ حَظَّهَا كَالْأُذُنِ. رَوَى زَيْدُ ابن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" أَعْطُوا أَعْيُنَكُمْ حَظَّهَا مِنَ الْعِبَادَةِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَظُّهَا مِنَ الْعِبَادَةِ؟ قَالَ:" النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ وَالِاعْتِبَارُ عِنْدَ عَجَائِبِهِ". وَرَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ نَظَرًا". وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَتَأَوَّلَهُ عند ما يعرض له شي من أمر أدنيا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زِيَادٍ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قال: كان يكره أن يتأول شي من القرآن عند ما يعرض له شي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَالتَّأْوِيلُ مِثْلُ قَوْلِكَ لِلرَّجُلِ إذا جاءك: جِئْتَ عَلى قَدَرٍ

стр. 35

يا مُوسى ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:" كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ «١» " هَذَا عِنْدَ حُضُورِ الطعام وأشباه هذا. وو من حُرْمَتِهِ أَلَّا يُقَالَ: سُورَةُ كَذَا، كَقَوْلِكَ: سُورَةُ النحل وسورة البقرة والنساء، وَلَكِنْ يُقَالُ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا. قُلْتُ: هَذَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ :" الْآيَتَانِ مِنْ آخَرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. و. من حُرْمَتِهِ أَلَّا يُتْلَى مَنْكُوسًا كَفِعْلِ مُعَلِّمِي الصِّبْيَانِ، يَلْتَمِسُ أَحَدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يُرِىَ الْحِذْقَ مِنْ نَفْسِهِ وَالْمَهَارَةَ، فَإِنَّ تِلْكَ مُخَالَفَةٌ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُقَعِّرَ فِي قِرَاءَتِهِ كَفِعْلِ هَؤُلَاءِ الْهَمْزِيِّينَ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُتَنَطِّعِينَ فِي إِبْرَازِ الْكَلَامِ مِنْ تِلْكَ الْأَفْوَاهِ الْمُنْتِنَةِ تَكَلُّفًا، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ أَلْقَاهُ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَقَبِلُوهُ عَنْهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يقرأه بألحان الغناء لحون أَهْلِ الْفِسْقِ، وَلَا بِتَرْجِيعِ النَّصَارَى وَلَا نَوْحِ الرَّهْبَانِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ زَيْغٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يُجِلَّلَ تَخْطِيطَهُ إِذَا خَطَّهُ. وَعَنْ أَبِي حُكَيْمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ بِالْكُوفَةِ، فَمَرَّ عَلِيٌّ ﵁ فَنَظَرَ إِلَى كِتَابَتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَجِلَّ قَلَمَكَ، فَأَخَذْتُ الْقَلَمَ فَقَطَطْتُهُ مِنْ طَرَفِهِ قَطًّا، ثُمَّ كَتَبْتُ وعلي رضى الله قَائِمٌ يَنْظُرُ إِلَى كِتَابَتِي، فَقَالَ: هَكَذَا، نَوِّرْهُ كَمَا نَوَّرَهُ اللَّهُ . وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَجْهَرَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ فَيُفْسِدَ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِ مَا يَسْمَعُ وَيَكُونَ كَهَيْئَةِ الْمُغَالَبَةِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُمَارِيَ وَلَا يُجَادِلَ فِيهِ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَلَا يَقُولَ لِصَاحِبِهِ: لَيْسَ هَكَذَا هُوَ، وَلَعَلَّهُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ صَحِيحَةً جَائِزَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونَ قَدْ جَحَدَ كِتَابَ اللَّهِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَقْرَأَ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا فِي مَوَاطِنِ اللَّغَطِ وَاللَّغْوِ وَمَجْمَعِ السُّفَهَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عِبَادَ الرَّحْمَنِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، هَذَا لِمُرُورِهِ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ إِذَا مَرَّ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تِلَاوَةً بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ أَهْلِ اللَّغْوِ وَمَجْمَعِ السُّفَهَاءِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَتَوَسَّدَ الْمُصْحَفَ وَلَا يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْمِي بِهِ إِلَى صَاحِبِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُصَغِّرَ الْمُصْحَفَ، رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا يُصَغَّرُ الْمُصْحَفُ. قُلْتُ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أنه رأى مصحفا فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: مَنْ كَتَبَهُ؟ قَالَ: أَنَا، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: عَظِّمُوا الْقُرْآنَ. وَرُوِيَ عن رسول

стр. 36

اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَالَ: مُسَيْجِدٌ أَوْ مُصَيْحِفٌ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ ألا يخلي فيه مليس مِنْهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُحَلَّى بِالذَّهَبِ وَلَا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنية: وَرَوَى مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحَلَّى الْمُصْحَفُ أَوْ يُكْتَبَ بِالذَّهَبِ أَوْ يعلم عند رءوس الْآيِ أَوْ يُصَغَّرَ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" إِذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ فَالدَّبَارُ «١» عَلَيْكُمْ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ رَأَى مُصْحَفًا زُيِّنَ بِفِضَّةٍ: تُغْرُونَ بِهِ السَّارِقَ وَزِينَتُهُ فِي جَوْفِهِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُكْتَبَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا عَلَى حَائِطٍ كَمَا يُفْعَلُ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمُحْدَثَةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّقِيقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُحَدِّثُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ في أرض، فقال لشاب من أهل هُذَيْلٍ:" مَا هَذَا: قَالَ: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَتَبَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ:" لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا لَا تَضَعُوا كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا مَوْضِعَهُ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ: رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنًا لَهُ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ عَلَى حَائِطٍ فَضَرَبَهُ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنَّهُ إِذَا اغْتَسَلَ بِكِتَابَتِهِ مُسْتَشْفِيًا مِنْ سَقَمٍ أَلَّا يَصُبَّهُ عَلَى كُنَاسَةٍ، وَلَا فِي مَوْضِعِ نَجَاسَةٍ، وَلَا عَلَى مَوْضِعٍ يُوطَأُ، وَلَكِنْ نَاحِيَةً مِنَ الْأَرْضِ فِي بُقْعَةٍ لَا يَطَؤُهُ النَّاسُ، أَوْ يَحْفُرُ حُفَيْرَةً فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ حَتَّى يَنْصَبَّ مِنْ جَسَدِهِ فِي تِلْكَ الْحُفَيْرَةِ ثُمَّ يَكْبِسُهَا، أَوْ فِي نهر كبير يختلط بمائه فيجري. ومن حزمته أَنْ يَفْتَتِحَهُ كُلَّمَا خَتَمَهُ حَتَّى لَا يَكُونَ كَهَيْئَةِ الْمَهْجُورِ، وَلِذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَتَمَ يَقْرَأُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ قَدْرَ خَمْسِ آيَاتٍ، لِئَلَّا يَكُونَ فِي هَيْئَةِ الْمَهْجُورِ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:" عَلَيْكَ بِالْحَالِّ الْمُرْتَحِلِ" قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ:" صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَهُ ثُمَّ يَضْرِبُ في أوله كلما حل ار تحل". قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ أَنْ يجمع أهله. وذكر أبو بكر لأنباري أنبأنا إدريس حدثنا حلف حدثنا وكع عم معسر عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ إذا ختم القرآن جمع.

стр. 37

اهله ودعا. وأخبرنا إدريس حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: كان مجاهد وعبدة بن لُبَابَةَ وَقَوْمٌ يَعْرِضُونَ الْمَصَاحِفَ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِمُوا وَجَّهُوا إِلَيْنَا: احْضُرُونَا، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ. وَأَخْبَرَنَا إِدْرِيسُ حَدَّثَنَا خَلَفٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ خَتَمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، قَالَ: فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَخْتِمُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يَكْتُبَ التَّعَاوِيذَ مِنْهُ ثُمَّ يَدْخُلَ بِهِ فِي الْخَلَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غُلَافٍ مِنْ أَدَمٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ فِي صَدْرِكَ وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا كَتَبَهُ وَشَرِبَهُ سَمَّى اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَفَسٍ وَعَظَّمَ النِّيَّةَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤْتِيهِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ. رَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكْتُبَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَسْقِيهِ الْمَرِيضَ. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسَاوَةً فَلْيَكْتُبْ" يس" فِي جَامٍ بِزَعْفَرَانٍ ثُمَّ يَشْرَبُهُ. قُلْتُ: وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُقَالَ: سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَكَرِهَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ يُقَالَ: سُورَةٌ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ وَقَالَ لِمَنْ سَمِعَهُ قَالَهَا: أَنْتَ أَصْغَرُ مِنْهَا، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَكُلُّهُ عَظِيمٌ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ﵀. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مَا يعارض هذا من حديث عمر بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قال: مأمن الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة. باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأى، والجرأة على ذلك، ومراتب المفسرين رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ: عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ جِبْرِيلُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُغَيَّبَاتِ الْقُرْآنِ، وَتَفْسِيرِ مجمله ونحوا هَذَا، مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ جُمْلَةِ مُغَيَّبَاتِهِ مَا لَمْ يُعْلِمِ اللَّهُ بِهِ، كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَسْتَقْرَى مِنْ أَلْفَاظِهِ، كَعَدَدِ

стр. 38

النفخات في الصور، وكربته خلق خلق السموات وَالْأَرْضِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اتَّقَوْا الْحَدِيثَ عَلِيَّ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : من قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَتَكَلَّمَ فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ «١». وَزَادَ رَزِينٌ: وَمَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ فَأَخْطَأَ فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ: فُسِّرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَنْ قَالَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِسَخَطِ اللَّهِ. وَالْجَوَابُ الْآخَرُ وَهُوَ أَثْبَتُ القولين وأصحهما معنى: من قال الْقُرْآنِ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَعْنَى يَتَبَوَّأُ: يَنْزِلُ وَيَحِلُّ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِهَا ... فَتَمَّ فِي قَوْمِهَا مُبَوَّؤُهَا «٢» وَقَالَ فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ: فَحَمَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الرَّأْيَ مَعْنِيٌّ بِهِ الْهَوَى، مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يُوَافِقُ هَوَاهُ، لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ، لِحُكْمِهِ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ، وَلَا يقف على مذهب أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّقْلِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ عَنْ مَعْنًى فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَتَسَوَّرُ «٣» عَلَيْهِ بِرَأْيِهِ دُونَ نَظَرٍ فِيمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَاقْتَضَتْهُ قَوَانِينُ الْعِلْمِ كَالنَّحْوِ وَالْأُصُولِ، وَلَيْسَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُفَسِّرَ اللُّغَوِيُّونَ لُغَتَهُ وَالنَّحْوِيُّونَ نَحْوَهُ وَالْفُقَهَاءَ مَعَانِيَهُ، وَيَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاجْتِهَادِهِ الْمَبْنِيِّ عَلَى قَوَانِينِ عِلْمٍ وَنَظَرٍ، فَإِنَّ الْقَائِلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ قَائِلًا بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ".

стр. 39

قُلْتُ: هَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ بِمَا سَنَحَ فِي وَهْمِهِ وَخَطَرَ عَلَى بَالِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ بِالْأُصُولِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَإِنَّ مَنِ اسْتَنْبَطَ مَعْنَاهُ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى مَعْنَاهَا فَهُوَ مَمْدُوحٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ التَّفْسِيرَ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" «١» وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى النَّقْلِ وَالْمَسْمُوعِ وَتَرْكَ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَمْرًا آخَرَ. وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَلَّا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى وُجُوهٍ، وَلَيْسَ كُلَّ مَا قَالُوهُ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ كَانَ التَّأْوِيلُ مَسْمُوعًا كَالتَّنْزِيلِ فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ! وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ" النِّسَاءِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا النَّهْيُ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّيْءِ رَأْيٌ، وَإِلَيْهِ مَيْلٌ مِنْ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ، فَيَتَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ وَهَوَاهُ، لِيَحْتَجَّ عَلَى تَصْحِيحِ غَرَضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الرَّأْيُ وَالْهَوَى لَكَانَ لَا يَلُوحُ لَهُ مِنَ الْقُرْآنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَهَذَا النَّوْعُ يَكُونُ تَارَةً مَعَ الْعِلْمِ كَالَّذِي يَحْتَجُّ بِبَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى تَصْحِيحِ بِدَعَتِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يُلَبِّسَ عَلَى خَصْمِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ الْجَهْلِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْآيَةُ مُحْتَمَلَةً فَيَمِيلُ فَهْمُهُ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوَافِقُ غَرَضَهُ، وَيُرَجِّحُ ذَلِكَ الْجَانِبَ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ، فَيَكُونُ قَدْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ أَيْ رَأْيُهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، وَلَوْلَا رَأْيُهُ لَمَا كَانَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْوَجْهُ. وَتَارَةً يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَيَطْلُبُ لَهُ دَلِيلًا مِنَ الْقُرْآنِ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ، كَمَنْ يَدْعُو إِلَى مُجَاهَدَةِ الْقَلْبِ الْقَاسِي فَيَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى " «٢» وَيُشِيرُ إِلَى قلبه، ويومئ الى انه المراد بفرعون، هذا الْجِنْسُ قَدْ يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ الْوُعَّاظِ فِي الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ وَتَرْغِيبًا لِلْمُسْتَمِعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وقد تستعمله

стр. 40

الْبَاطِنِيَّةُ فِي الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ لِتَغْرِيرِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى مَذَاهِبِهِمُ الْبَاطِلَةِ، فَيُنَزِّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ عَلَى أُمُورٍ يَعْلَمُونَ قَطْعًا أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ. فَهَذِهِ الْفُنُونُ أَحَدُ وَجْهَيِ الْمَنْعِ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ. الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَتَسَارَعَ إِلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِظْهَارٍ بِالسَّمَاعِ وَالنَّقْلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَرَائِبِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُبْهَمَةِ وَالْمُبْدَّلَةِ «١»، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِصَارِ وَالْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَمَنْ لَمْ يُحْكِمْ ظَاهِرَ التَّفْسِيرِ وَبَادَرَ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي بِمُجَرَّدِ فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ كَثُرَ غَلَطُهُ، وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِالرَّأْيِ، والنقل والسماع لا بدله مِنْهُ فِي ظَاهِرِ التَّفْسِيرِ أَوَّلًا لِيَتَّقِيَ بِهِ مَوَاضِعَ الْغَلَطِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ الْفَهْمُ وَالِاسْتِنْبَاطُ. وَالْغَرَائِبُ الَّتِي لَا تُفْهَمُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ كثيرة، ولا مطمع في الوصل إِلَى الْبَاطِنِ قَبْلَ إِحْكَامِ الظَّاهِرِ، أَلَّا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:" وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها" «٢» مَعْنَاهُ آيَةً مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِقَتْلِهَا، فَالنَّاظِرُ إِلَى ظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ يَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ان الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظَلَمُوا، وَأَنَّهُمْ ظَلَمُوا غَيْرَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، فَهَذَا مِنَ الْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ، وَأَمْثَالُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَتَطَرَّقُ النَّهْيُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" وَكَانَ جِلَّةٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا يُعَظِّمُونَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ وَيَتَوَقَّفُونَ عَنْهُ تَوَرُّعًا وَاحْتِيَاطًا لِأَنْفُسِهِمْ مَعَ إِدْرَاكِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَقَدْ كَانَ الْأَئِمَّةُ مِنَ السَّلَفِ الْمَاضِي يَتَوَرَّعُونَ عَنْ تَفْسِيرِ الْمُشْكِلِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَبَعْضٌ يُقَدِّرُ أَنَّ الَّذِي يُفَسِّرُهُ لَا يُوَافِقُ مُرَادَ اللَّهِ فَيُحْجِمُ عَنِ الْقَوْلِ. وَبَعْضٌ يُشْفِقُ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ فِي التَّفْسِيرِ إِمَامًا يُبْنَى عَلَى مَذْهَبِهِ وَيُقْتَفَى طَرِيقُهُ. فَلَعَلَّ مُتَأَخِّرًا أَنْ يُفَسِّرَ حَرْفًا بِرَأْيِهِ وَيُخْطِئَ فِيهِ وَيَقُولَ: إِمَامِي فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ ﵁ عَنْ تَفْسِيرِ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي! وأين أذهب! كيف أَصْنَعُ! إِذَا قُلْتُ فِي حَرْفٍ مِنْ كِتَابِ الله بغير ما أراد ﵎.
следующие страницы →