Полный текст (7 453 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
قُلْتُ: هَذَا الْفَرْقُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الصِّحَاحِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو الْأَشْهَبِ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ" فَكِهِينَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَمَعْنَاهُ أَشِرِينَ بَطِرِينَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فكه الرجل (بالكسر) فهو فكه إذا كان طَيِّبَ النَّفْسِ مَزَّاحًا. وَالْفَكِهُ أَيْضًا الْأَشِرُ الْبَطِرُ. وقرى" وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ" أَيْ أَشِرِينَ بَطِرِينَ. و" فاكِهِينَ" أَيْ نَاعِمِينَ. الْقُشَيْرِيُّ:" فاكِهِينَ" لَاهِينَ مَازِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَفَاكِهٌ أَيْ مَزَّاحٌ. وَفِيهِ فُكَاهَةٌ أَيْ مَزْحٌ. الثَّعْلَبِيُّ: وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْحَاذِرِ وَالْحَذِرِ، وَالْفَارِهِ وَالْفَرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْفَاكِهَ هُوَ الْمُسْتَمْتِعُ بِأَنْوَاعِ اللَّذَّةِ كَمَا يَتَمَتَّعُ الْآكِلُ بِأَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ. وَالْفَاكِهَةُ: فَضَلٌ عَنِ الْقُوتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٨]
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨)
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَيُوقَفُ عَلَى" كَذلِكَ". وَقِيلَ: إِنَّ الْكَافَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلَى تَقْدِيرٍ نَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ بِمَنْ نُرِيدُ إِهْلَاكَهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ:" كَذلِكَ" أَفْعَلُ بِمَنْ عَصَانِي. وَقِيلَ:" كَذلِكَ" كَانَ أَمْرُهُمْ فَأُهْلِكُوا." وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ" يَعْنِي بَنَى إِسْرَائِيلَ، مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِيهَا مُسْتَعْبَدِينَ، فَصَارُوا لَهَا وَارِثِينَ، لِوُصُولِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ كَوُصُولِ الْمِيرَاثِ. وَنَظِيرُهُ" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا" «١» [الأعراف: ١٣٧]. الآية.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ" أَيْ لِكُفْرِهِمْ." وَما كانُوا مُنْظَرِينَ". أَيْ مُؤَخَّرِينَ بِالْغَرَقِ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنْهُمْ: بَكَتْ لَهُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَيْ عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ الْأَشْيَاءَ حَتَّى بَكَتْهُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَالرِّيحُ وَالْبَرْقُ، وَبَكَتْهُ اللَّيَالِي الشَّاتِيَاتُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 6057
فَالرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا ... وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ فِي الْغَمَامَهْ «١»
وقال آخر: «٢»
وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ ... تُبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ الليل والقمرا
وقالت الخارجية: «٣»
أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَالِكَ مُورِقًا ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ مُبَالَغَةً فِي وُجُوبِ الْجَزَعِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ هَلَكُوا فَلَمْ تَعْظُمْ مُصِيبَتُهُمْ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمْ فَقْدٌ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا بَكَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ والأرض من الملائكة، كقوله تعالى:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «٤» [يوسف: ٨٢] بَلْ سُرُّوا بِهَلَاكِهِمْ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَرَوَى يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ بَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ كَلَامُهُ وَعَمَلُهُ فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ فَبَكَيَا عَلَيْهِ- ثُمَّ تَلَا-" فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ". يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا عَلَى الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ لِأَجْلِهِ، وَلَا صَعَدَ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَبْكِي فَقْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ يَبْكِيَانِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. قَالَ أَبُو يَحْيَى: فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبُ! وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ يَعْمُرُهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ! وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ فِيهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْل!. وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ يَبْكِي عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ. وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ مَصَاعِدُ عَمَلِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مَوَاضِعُ عِبَادَتِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَفِي بُكَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ كَالْمَعْرُوفِ مِنْ بُكَاءِ الْحَيَوَانِ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ شُرَيْحٌ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة-
стр. 6058
قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ- هُمُ الَّذِينَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ صَلَحُوا- ثُمَّ قَالَ- أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ وَمَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَائِبًا عَنْهُ بِوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ- ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ"- ثُمَّ قَالَ- أَلَا إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِرِ (. قُلْتُ: وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ «١» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ إِلَّا شَهِدَتْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَكَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ يَمُوتُ. وَقِيلَ: بُكَاؤُهُمَا حُمْرَةُ أَطْرَافِهِمَا، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- ﵁ وعطاء والسدي والترمذي محمد ابن عَلِيٍّ وَحَكَاهُ عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ، وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتُهَا. وَحَكَى جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: لَمَّا قتل الحسين بن علي ابن أَبِي طَالِبٍ ﵄ احْمَرَّ لَهُ آفَاقُ السَّمَاءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. قَالَ يَزِيدُ: وَاحْمِرَارُهَا بُكَاؤُهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَخْبَرُونَا أَنَّ الْحُمْرَةَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الشَّفَقِ لَمْ تَكُنْ حَتَّى قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄. وَقَالَ سُلَيْمَانُ الْقَاضِي: مُطِرْنَا دَمًا يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ. قُلْتُ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ). وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَا: الشَّفَقُ شَفَقَانِ، الْحُمْرَةُ وَالْبَيَاضُ، فَإِذَا غَابَتِ الْحُمْرَةُ حَلَّتِ الصَّلَاةُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ. وَهَذَا يَرُدُّ مَا حَكَاهُ ابْنُ سِيرِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" سُبْحَانَ" «٢» عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مَا بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى يَحْيَى بن زكرياء وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَحُمْرَتُهَا بُكَاؤُهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: الْبُكَاءُ إِدْرَارُ الشَّيْءِ فَإِذَا أَدَرَّتِ الْعَيْنُ بِمَائِهَا قِيلَ بَكَتْ، وَإِذَا أَدَرَّتِ السَّمَاءُ بِحُمْرَتِهَا قِيلَ بَكَتْ، وَإِذَا أَدَرَّتِ الْأَرْضُ بِغَبَرَتِهَا قِيلَ بَكَتْ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ نُورٌ وَمَعَهُ نُورُ اللَّهِ، فَالْأَرْضُ مُضِيئَةٌ بِنُورِهِ وَإِنْ غَابَ عَنْ عَيْنَيْكَ، فَإِنْ فَقَدَتْ نُورَ الْمُؤْمِنِ اغْبَرَّتْ فدرت
стр. 6059
بِاغْبِرَارِهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ غَبْرَاءٌ بِخَطَايَا أَهْلِ الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا صَارَتْ مُضِيئَةً بِنُورِ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا قُبِضَ الْمُؤْمِنُ مِنْهَا دَرَّتْ بِغَبَرَتِهَا. وَقَالَ أَنَسٌ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ المدينة أضاء كل شي، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمَ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَظْلَمَ كل شي، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ مَا نَفَضْنَا الْأَيْدِي مِنْهُ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. وَأَمَّا بُكَاءُ السَّمَاءِ فَحُمْرَتُهَا كَمَا قَالَ الْحَسَنُ. وَقَالَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ: إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ حُمْرَةٌ تَظْهَرُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِدُنُوِّ السَّاعَةِ، فَتُدِرُّ بِالْبُكَاءِ لِخَلَائِهَا مِنْ أَنْوَارِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: بُكَاؤُهَا أَمَارَةٌ تَظْهَرُ مِنْهَا تَدُلُّ عَلَى أَسَفٍ وَحُزْنٍ. قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، إِذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَتِ السموات وَالْأَرْضُ تُسَبِّحُ وَتَسْمَعُ وَتَتَكَلَّمُ- كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي" سبحان ومريم وحم فُصِّلَتْ «١» "- فَكَذَلِكَ تَبْكِي، مَعَ مَا جَاءَ مِنَ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَوَابِ هَذِهِ الأقوال «٢»
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ الى ٣١]
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
يَعْنِي مَا كَانَتِ الْقِبْطُ تَفْعَلُ بِهِمْ بِأَمْرِ فِرْعَوْنَ، مِنْ قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِخْدَامِ النِّسَاءِ، وَاسْتِعْبَادِهِمْ إِيَّاهُمْ وَتَكَلُّفِهِمُ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ." مِنْ فِرْعَوْنَ" بَدَلٌ مِنَ" الْعَذابِ الْمُهِينِ" فَلَا تَتَعَلَّقُ" مِنْ" بِقَوْلِهِ:" مِنَ الْعَذابِ" لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ، وَهُوَ لَا يَعْمَلُ بَعْدَ الْوَصْفِ عَمَلَ الْفِعْلِ. وَقِيلَ: أَيْ أَنْجَيْنَاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَمِنْ فِرْعَوْنَ." إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ" أَيْ جَبَّارًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَلَيْسَ هَذَا عُلُوُّ مَدْحٍ بَلْ هُوَ عُلُوٌّ فِي الْإِسْرَافِ، كَقَوْلِهِ:" إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ" «٣» [القصص: ٤]. وَقِيلَ: هَذَا الْعُلُوُّ هُوَ التَّرَفُّعُ عَنْ عِبَادَةِ الله.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٢]
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ" يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ." عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِهِمْ لِكَثْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ." عَلَى الْعالَمِينَ" أَيْ عَالَمِي زَمَانِهِمْ، بدليل قوله لهذه الامة:"
стр. 6060
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" «١» [آل عمران: ١١٠]. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ بِمَا جُعِلَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا خَاصَّةً لَهُمْ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَيَكُونُ قَوْلُهُ:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ" أَيْ بَعْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ هَذَا الِاخْتِيَارُ إِلَى تَخْلِيصِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ وإيراثهم الأرض بعد فرعون.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ" أَيْ من المعجزات لموسى." ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ" قَالَ قَتَادَةُ: الْآيَاتُ إِنْجَاؤُهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَفَلْقُ الْبَحْرِ لَهُمْ، وَتَظْلِيلُ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى. وَيَكُونُ هَذَا الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا الْعَصَا وَالْيَدُ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ الْفَرَّاءِ. وَيَكُونُ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا إِلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ- إِنَّهُ الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهُمْ عَنْهُ وَالْخَبَرُ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَيَكُونُ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مَعًا مِنَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وبني إسرائيل. وفي قوله:" بَلؤُا مُبِينٌ" أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا- نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً" «٢» [الأنفال: ١٧]. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو»
الثاني- عذاب شديد، قاله الفراء. الثالث- اختيار يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ابْتِلَاؤُهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ" وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" «٤» [الأنبياء: ٣٥].
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ الى ٣٦]
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)
стр. 6061
قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ" يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ" إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى " ابْتِدَاءٌ وخبر، مثل" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ" «١» [الأعراف: ١٥٥]،" إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا" «٢» [المؤمنون: ٣٧] " وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ" أَيْ بِمَبْعُوثِينَ." فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَوْتَى فَنُشِرُوا. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٣». وَالْمَنْشُورُونَ الْمَبْعُوثُونَ. قِيلَ: إِنَّ قَائِلَ هَذَا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَبُو جَهْلٍ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ فَابْعَثْ لَنَا رَجُلَيْنِ مِنْ آبَائِنَا، أَحَدُهُمَا- قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَادِقًا، لِنَسْأَلَهُ عَمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ مِنْ أَضْعَفِ الشُّبُهَاتِ، لِأَنَّ الْإِعَادَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَزَاءِ لَا لِلتَّكْلِيفِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي إِعَادَتِهِمْ لِلْجَزَاءِ فَأَعِدْهُمْ لِلتَّكْلِيفِ. وَهُوَ كَقَوْلِ قَائِلٍ: لَوْ قَالَ إِنْ كَانَ يَنْشَأُ بَعْدَنَا قَوْمٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ، فَلِمَ لَا يَرْجِعُ مَنْ مَضَى مِنَ الْآبَاءِ، حَكَاهُ الماوردي. ثم قيل:" فَأْتُوا بِآبائِنا" مخاطبة وللنبي ﷺ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ:" رَبِّ ارْجِعُونِ" «٤» [المؤمنون: ٩٩] قاله الفراء. وقيل: مخاطبة له ولاتباعه.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٧ الى ٣٩]
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ" هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، أَيْ إِنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْعَذَابَ، إِذْ لَيْسُوا خَيْرًا مِنْ قَوْمِ تُبَّعٍ وَالْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ، وَإِذَا أَهْلَكْنَا أُولَئِكَ فَكَذَا هَؤُلَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَهُمْ أَظْهَرُ نِعْمَةً وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ. وَقِيلَ: أَهُمْ أَعَزُّ وَأَشَدُّ وَأَمْنَعُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتُبَّعٍ رَجُلًا وَاحِدًا بَلِ الْمُرَادُ بِهِ مُلُوكُ الْيَمَنِ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ مُلُوكَهُمُ التَّبَابِعَةَ. فَتُبَّعٌ لَقَبٌ لِلْمَلِكِ مِنْهُمْ كَالْخَلِيفَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكِسْرَى لِلْفُرْسِ، وَقَيْصَرَ لِلرُّومِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم تبعا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالتَّبَابِعَةُ مُلُوكُ الْيَمَنِ، وَاحِدُهُمْ تُبَّعٌ. وَالتُّبَّعُ أَيْضًا الظِّلُّ، وَقَالَ:
стр. 6062
يَرِدُ الْمِيَاهَ حَضِيرَةً وَنَفِيضَةً ... وِرْدَ الْقَطَاةِ إِذَا اسْمَأَلَّ التُّبَّعُ «١»
وَالتُّبَّعُ أَيْضًا ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: تُبَّعٌ اسْمٌ لِكُلِّ مَلِكٍ مَلَكَ الْيَمَنَ وَالشِّحْرَ وَحَضْرَمَوْتَ، وَإِنْ مَلَكَ الْيَمَنَ وَحْدَهَا لَمْ يُقَلْ لَهُ تُبَّعٌ، قَالَهُ الْمَسْعُودِيُّ. فَمِنَ التبابعة: الحارث الرائش، هو ابْنُ هَمَّالٍ ذِي سُدَدٍ «٢». وَأَبْرَهَةُ ذُو الْمَنَارِ. وَعَمْرٌو ذُو الْأَذْعَارِ. وَشِمْرُ بْنُ مَالِكٍ، الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ سَمَرْقَنْدُ. وَأَفْرِيقِيسُ بْنُ قَيْسٍ، الَّذِي سَاقَ الْبَرْبَرَ إِلَى أَفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَبِهِ سُمِّيَتْ إِفْرِيقِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَاتِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَرَادَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ بِهَذَا الِاسْمِ أَشَدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇: (وَلَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ أَمْ لَا). ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا) فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ كان واحدا بعينه، وهووالله أعلم- أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعد ما غَزَا الْمَدِينَةَ وَأَرَادَ خَرَابَهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا لما أخبر أنهم مُهَاجَرُ نَبِيٍّ اسْمُهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ شِعْرًا أَوْدَعَهُ عِنْدَ أَهْلِهَا، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ إِلَى أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَدَّوْهُ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ: كَانَ الْكِتَابُ وَالشِّعْرُ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ. وَفِيهِ:
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ ... رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ
فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ ... لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وَابْنَ عَمْ
وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ حُفِرَ قَبْرٌ لَهُ «٣» بِصَنْعَاءَ- وَيُقَالُ بِنَاحِيَةِ حِمْيَرَ- فِي الْإِسْلَامِ، فَوُجِدَ فِيهِ امْرَأَتَانِ صَحِيحَتَانِ، وَعِنْدَ رُءُوسِهِمَا لَوْحٌ مِنْ فِضَّةٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالذَّهَبِ" هَذَا قَبْرُ حُبَّى وَلَمِيسَ" وَيُرْوَى أَيْضًا: حُبَّى وَتُمَاضِرَ، ويروى أَيْضًا: هَذَا قَبْرُ رَضْوَى وَقَبْرُ حُبَّى ابْنَتَا تُبَّعٍ، مَاتَتَا وَهُمَا يَشْهَدَانِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يُشْرِكَانِ بِهِ شَيْئًا، وَعَلَى ذلك مات الصالحون قبلهما.
стр. 6063
قُلْتُ: وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ، وَأَنَا عَلَى دِينِكَ وَسُنَّتِكَ، وَآمَنْتُ بِرَبِّكَ وَرَبِّ كُلِّ شي، وَآمَنْتُ بِكُلِّ مَا جَاءَ مِنْ رَبِّكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَدْرَكْتُكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فَاشْفَعْ لِي وَلَا تَنْسَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِّي مِنْ أُمَّتِكَ الْأَوَّلِينَ وَبَايَعْتُكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ، وَأَنَا عَلَى مِلَّتِكَ وَمِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ﵇". ثُمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ وَنَقَشَ عَلَيْهِ:" لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ" «١» [الروم: ٤]. وَكَتَبَ عَلَى عِنْوَانِهِ (إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷺ . مِنْ تُبَّعٍ الْأَوَّلِ". وَقَدْ ذَكَرْنَا بَقِيَّةَ خَبَرِهِ وَأَوَّلُهُ في" اللمع اللؤلؤية شَرْحُ الْعَشْرِ بَيِّنَاتٍ النَّبَوِيَّةِ" «٢» لِلْفَارَابِي ﵀. وَكَانَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ تُبَّعٌ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أَلْفَ سَنَةٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَوْ مَلِكًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَ تُبَّعٌ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ قَوْمُهُ كُهَّانًا وَكَانَ مَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَمَرَ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يُقَرِّبَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ قُرْبَانًا فَفَعَلُوا، فَتُقُبِّلَ قُرْبَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. وَحَكَى قَتَادَةُ أَنَّ تُبَّعًا كَانَ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرٍ، سَارَ بِالْجُنُودِ حَتَّى عَبَرَ الْحِيرَةَ وَأَتَى سَمَرْقَنْدَ فَهَدَمَهَا، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ تُبَّعٌ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانَ سَارَ بِالْجُنُودِ حَتَّى عَبَرَ الْحِيرَةَ. وَبَنَى سَمَرْقَنْدَ وَقَتَلَ وَهَدَمَ الْبِلَادَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تُبَّعٌ هُوَ أَبُو كَرْبٍ أسعد بن ملكيكرب، وَإِنَّمَا سُمِّيَ تُبَّعًا لِأَنَّهُ تَبِعَ مَنْ قَبْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي كَسَا الْبَيْتَ الْحِبَرَاتَ «٣». وَقَالَ كَعْبٌ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ، وَضَرَبَ بِهِمْ لِقُرَيْشٍ مِثْلًا لِقُرْبِهِمْ مِنْ دَارِهِمْ وَعِظَمِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ قَبْلَهُمْ- لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ- كَانَ مَنْ أَجْرَمَ مَعَ ضَعْفِ الْيَدِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ أَحْرَى بِالْهَلَاكِ. وَافْتَخَرَ أَهْلُ الْيَمَنِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، إِذْ جَعَلَ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ خَيْرًا مِنْ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَ أَوَّلُهُمْ تُبَّعًا لِأَنَّهُ اتَّبَعَ قَرْنَ الشَّمْسِ وَسَافَرَ فِي الشَّرْقِ مَعَ العساكر.
стр. 6064
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ"" الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعِ عَطْفٍ عَلَى" قَوْمُ تُبَّعٍ"." أَهْلَكْناهُمْ" صِلَتُهُ. وَيَكُونُ" مِنْ قَبْلِهِمْ" مُتَعَلِّقًا بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" مِنْ قَبْلِهِمْ" صِلَةَ" الَّذِينَ" وَيَكُونُ فِي الظَّرْفِ عَائِدٌ إِلَى الْمَوْصُولِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ" أَهْلَكْناهُمْ" عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ مَعَهُ" قَدْ" فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. أَوْ يُقَدَّرُ حَذْفٌ مَوْصُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: قَوْمٌ أَهْلَكْنَاهُمْ. وَالتَّقْدِيرُ أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ أَنَّا إِذَا قَدَرْنَا عَلَى إِهْلَاكِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ قَدَرْنَا عَلَى إِهْلَاكِ الْمُشْرِكِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" ابْتِدَاءٌ خَبَرُهُ" أَهْلَكْناهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى" تُبَّعٍ" كَأَنَّهُ قَالَ: قَوْمُ تُبَّعٍ الْمُهْلِكِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ" أَهْلَكْناهُمْ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ" أَيْ غَافِلِينَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وقيل: لاهين، وهو قول الكلبي." وما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ" أَيْ إِلَّا بِالْأَمْرِ الْحَقِّ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: إِلَّا لِلْحَقِّ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ والحسن. وقيل: إلا لإقامة الحق وإظهاره مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْتِزَامِ طَاعَتِهِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي" الْأَنْبِيَاءِ" «١»." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ" يَعْنِي أكثر الناس." لا يَعْلَمُونَ" ذلك.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)
" يَوْمَ الْفَصْلِ" هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ" «٢» [الممتحنة: ٣]. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ" «٣» [الروم: ١٤]. فَ" يَوْمَ الْفَصْلِ" مِيقَاتُ الْكُلِّ، كَمَا قَالَ تعالى:" إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً" «٤» [النبأ: ١٧] أَيِ الْوَقْتُ الْمَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ الْمُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ، وَالْفَصْلِ بَيْنَهُمَا: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحْذِيرِ وَالْوَعِيدِ. وَلَا خلاف بين القراء في رفع
стр. 6065
" مِيقاتُهُمْ" عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ" إِنَّ" وَاسْمُهَا" يَوْمَ الْفَصْلِ". وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ نَصْبَ" مِيقَاتُهُمْ". بِ" إِنَّ" وَ" يَوْمَ الْفَصْلِ" ظَرْفٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ" إِنَّ"، أَيْ إِنَّ مِيقَاتَهُمْ يَوْمَ الْفَصْلِ.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]
يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً"" يَوْمَ" بَدَلٌ مِنْ" يَوْمَ" الْأَوَّلِ. وَالْمَوْلَى: الْوَلِيُّ وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ وَالنَّاصِرُ. أَيْ لَا يَدْفَعُ ابْنُ عَمٍّ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ، وَلَا قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبِهِ، وَلَا صَدِيقٌ عَنْ صَدِيقِهِ." وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ" أَيْ لَا يَنْصُرُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ لِقَرَابَتِهِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ" وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً" «١» [البقرة: ٤٨] الْآيَةَ." إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ"" مَنْ" رُفِعَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي" يُنْصَرُونَ"، كَأَنَّكَ قُلْتَ: لَا يَقُومُ أَحَدٌ إِلَّا فُلَانٌ. أَوْ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فَمَغْفُورٌ لَهُ، أَوْ فَيُغْنِي عَنْهُ وَيَشْفَعُ وَيَنْصُرُ. أَوْ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ" مَوْلًى" الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُغْنِي إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ. وَهُوَ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ لَا يَنَالُهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى مَنْ يُغْنِيهِمْ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، أَيْ لَا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي شَفَاعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ." إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" أَيِ الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ الرَّحِيمُ بِأَوْلِيَائِهِ، كما قال" شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ" «٢» [غافر: ٣] فقرن الوعد بالوعيد.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الى ٤٦]
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ" كُلُّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ الشَّجَرَةِ فَالْوَقْفُ عَلَيْهِ بِالْهَاءِ، إلا حرفا واحدا في صورة الدُّخَانِ" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ"، قَالَهُ
стр. 6066
ابن الأنباري. و" الْأَثِيمِ" الْفَاجِرُ، قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ. وَكَذَلِكَ قَرَأَ هُوَ وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُقْرِئُ رَجُلًا" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ" وَالرَّجُلُ يَقُولُ: طَعَامُ الْيَتِيمِ، فَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ قَالَ لَهُ:" طَعَامُ الْفَاجِرِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَوْنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ" فَقَالَ الرَّجُلُ: طَعَامُ الْيَتِيمِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ الصَّوَابَ وَأَعَادَ الرَّجُلُ الْخَطَأَ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ لِسَانَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الصَّوَابِ قَالَ لَهُ: أَمَا تُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ طَعَامُ الْفَاجِرِ؟ قَالَ بَلَى، قَالَ فَافْعَلْ. وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِلْجُهَّالِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ، أَنَّهُ يَجُوزُ إِبْدَالُ الْحَرْفِ مِنَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ تَقْرِيبًا لِلْمُتَعَلِّمِ، وَتَوْطِئَةً مِنْهُ لَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى الصَّوَابِ، وَاسْتِعْمَالُ الْحَقِّ وَالتَّكَلُّمِ بِالْحَرْفِ عَلَى إِنْزَالِ اللَّهِ وَحِكَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:" وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ إِبْدَالَ كَلِمَةٍ مَكَانَ كَلِمَةٍ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْنَاهَا. وَمِنْهُ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى شَرِيطَةِ، وَهِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْقَارِئُ الْمَعَانِي عَلَى كَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرِمَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ تَشْهَدُ أَنَّهَا إِجَازَةٌ كَلَا إِجَازَةٍ، لِأَنَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خُصُوصًا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مُعْجِزٌ بِفَصَاحَتِهِ وَغَرَابَةِ نَظْمِهِ وَأَسَالِيبِهِ، مِنْ لَطَائِفَ الْمَعَانِي وَالْأَغْرَاضِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِأَدَائِهِ لِسَانٌ مِنْ فَارِسِيَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَمَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُحْسِنُ الْفَارِسِيَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ تَحَقُّقٍ وَتَبَصُّرٍ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبَيْهِ فِي إِنْكَارِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ". وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ: الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِي جَهَنَّمَ وَسَمَّاهَا الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ، فَإِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ الْتَجَئُوا إِلَيْهَا فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَغَلِيَتْ فِي بُطُونِهِمْ كَمَا يَغْلِي الْمَاءُ الْحَارُّ. وَشَبَّهَ مَا يَصِيرُ مِنْهَا إِلَى بُطُونِهِمْ بِالْمُهْلِ، وَهُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" تَغْلِي" بِالتَّاءِ حَمْلًا عَلَى الشَّجَرَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" يَغْلِي" بِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى الطَّعَامِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الشَّجَرَةِ. وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُهْلِ لِأَنَّهُ
стр. 6067
ذكر للتشبيه. و" الْأَثِيمِ" الآثم، من أثم يأثم إثما، قاله الْقُشَيْرِيُّ وَابْنُ عِيسَى. وَقِيلَ هُوَ الْمُشْرِكُ الْمُكْتَسِبُ لِلْإِثْمِ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: وقد أَثِمَ الرَّجُلُ (بِالْكَسْرِ) إِثْمًا وَمَأْثَمًا إِذَا وَقَعَ في الإثم، فهو آثم وأثيم أَيْضًا. فَمَعْنَى" طَعامُ الْأَثِيمِ" أَيْ ذِي الْإِثْمِ الْفَاجِرِ، «١» وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أَنَّ فِي جَهَنَّمَ الزَّقُّومَ، وَإِنَّمَا هُوَ الثَّرِيدُ بِالزُّبْدِ وَالتَّمْرُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ خِلَافَ مَا قَالَهُ. وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ أَبُو جَهْلٍ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِي سُورَةِ" الصَّافَّاتِ وَسُبْحَانَ" «٢» أيضا.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٧ الى ٤٨]
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" خُذُوهُ" أَيْ يُقَالُ لِلزَّبَانِيَةِ خُذُوهُ، يَعْنِي الْأَثِيمَ." فَاعْتِلُوهُ" أَيْ جُرُّوهُ وَسُوقُوهُ. وَالْعَتْلُ: أَنْ تَأْخُذَ بِتَلَابِيبِ الرَّجُلِ فَتَعْتِلُهُ، أَيْ تَجُرُّهُ إِلَيْكَ لِتَذْهَبَ بِهِ إِلَى حَبْسٍ أَوْ بَلِيَّةٍ. عَتَلْتُ الرَّجُلَ أَعْتِلُهُ وَأَعْتُلُهُ عَتْلًا إِذَا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا. وَرَجُلٌ، مِعْتَلٌ (بِالْكَسْرِ). وَقَالَ يَصِفُ فَرَسًا:
نَفْرَعُهُ فَرْعًا وَلَسْنَا نَعْتِلُهُ «٣»
وَفِيهِ لُغَتَانِ: عَتَلَهُ وَعَتَنَهُ (بِاللَّامِ وَالنُّونِ جَمِيعًا)، قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو عَمْرٍو" فَاعْتِلُوهُ" بِالْكَسْرِ. وَضَمَّ الْبَاقُونَ." إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ" وَسَطَ الْجَحِيمِ." ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ" قَالَ مُقَاتِلٌ: يَضْرِبُ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِ أَبِي جَهْلٍ بِمَقْمَعٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ عن دماغه، فيجري دماغه عل جسده،
стр. 6068
ثُمَّ يَصُبُّ الْمَلَكُ فِيهِ مَاءً حَمِيمًا قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ فَيَقَعُ فِي بَطْنِهِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: ذق العذاب. ونظيره" يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ" «١» [الحج: ١٩].
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَجْمَعَتِ الْعَوَامُّ عَلَى كَسْرِ" إِنَّ". وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵀" ذُقْ إِنَّكَ" بِفَتْحِ" أَنَّ"، وَبِهَا قَرَأَ الْكِسَائِيُّ. فَمَنْ كَسَرَ" إِنَّ" وَقَفَ عَلَى" ذُقْ". وَمَنْ فَتَحَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَى" ذُقْ"، لِأَنَّ الْمَعْنَى ذُقْ لِأَنَّكَ وَبِأَنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا فِيهَا أَعَزُّ مِنِّي وَلَا أَكْرَمُ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْتَقَى النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو جَهْلٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) فَقَالَ: بِأَيِ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي! وَاللَّهِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ وَلَا رَبُّكَ أَنْ تَفْعَلَا بِي شَيْئًا، إِنِّي لَمِنْ أَعَزِّ هَذَا الْوَادِي وَأَكْرَمِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَذَلَّهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. أَيْ يَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِخْفَافِ وَالتَّوْبِيخِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالْإِهَانَةِ وَالتَّنْقِيصِ، أَيْ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَنْتَ الذَّلِيلُ الْمُهَانُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ قَوْمُ شعيب لشعيب:" إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ «٢» الرَّشِيدُ" [هود: ٨٧] يَعْنُونَ السَّفِيهَ الْجَاهِلَ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ «٣». وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ." إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ" أَيْ تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ تشكون فيه في الدنيا.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ الى ٥٣]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣)
стр. 6069
قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ" لَمَّا ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ الْكَافِرِينَ وَعَذَابَهُمْ ذَكَرَ نُزُلَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَعِيمَهُمْ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ" فِي مُقَامٍ" بِضَمِّ الْمِيمِ. الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمُقَامُ الْمَكَانُ، وَالْمُقَامُ الْإِقَامَةُ، كَمَا قَالَ:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا «١»
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَمَّا الْمَقَامُ وَالْمُقَامُ فَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَوْضِعِ الْقِيَامِ، لِأَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَهُ مِنْ قَامَ يَقُومُ فَمَفْتُوحٌ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ فَمَضْمُومٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ إذا جاوز الثلاثة فَالْمَوْضِعُ مَضْمُومُ الْمِيمِ، لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِبَنَاتِ الْأَرْبَعَةِ، نَحْوُ دَحْرَجَ وَهَذَا مُدَحْرِجُنَا. وَقِيلَ: الْمَقَامُ (بِالْفَتْحِ) الْمَشْهَدُ وَالْمَجْلِسُ، وَ (بِالضَّمِّ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَكَانُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَيُقَدَّرُ فِيهِ الْمُضَافُ، أَيْ فِي مَوْضِعِ إِقَامَةٍ." أَمِينٌ" يؤمن فيه من الآفاتِ ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
" بدل" فِي مَقامٍ أَمِينٍ"." يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ" لَا يَرَى بَعْضُهُمْ قَفَا بَعْضٍ، مُتَوَاجِهِينَ يَدُورُ بِهِمْ مَجْلِسُهُمْ حَيْثُ دَارُوا. وَالسُّنْدُسُ: مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاجِ. وَالْإِسْتَبْرَقُ: مَا غَلُظَ مِنْهُ. وقد مضى في" الكهف" «٢».
[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٤]
كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" كَذلِكَ" أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَيُوقَفُ عَلَى" كَذلِكَ". وَقِيلَ: أَيْ كَمَا أَدْخَلْنَاهُمُ الْجَنَّةَ وَفَعَلْنَا بِهِمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ حُورًا عِينًا. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْعِينِ فِي" وَالصَّافَّاتِ" «٣». وَالْحُورُ: الْبِيضُ، فِي قَوْلِ قَتَادَةَ وَالْعَامَّةِ، جَمْعُ حَوْرَاءَ. وَالْحَوْرَاءُ: الْبَيْضَاءُ الَّتِي يُرَى سَاقُهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا، وَيَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي كَعْبِهَا، كَالْمِرْآةِ مِنْ دِقَّةِ الْجِلْدِ وَبَضَاضَةِ الْبَشَرَةِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ. وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهَا فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ" بِعِيسٍ «٤» عِينٍ". وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحسين قال حدثنا حسين
стр. 6070
قَالَ حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ فَقَرَأَ فِي" حم" الدُّخَانِ" بِعِيسٍ عِينٍ. لَا يَذُوقُونَ طَعْمَ الْمَوْتِ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى". وَالْعِيسُ: الْبِيضُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْإِبِلِ الْبِيضِ: عِيسٌ، وَاحِدُهَا بَعِيرٌ أَعْيَسُ وَنَاقَةٌ عيساء. قال امرؤ القيس: ي
رعن إِلَى صَوْتِي إِذَا مَا سَمِعْنَهُ ... كَمَا تَرْعَوِي عِيطٌ إِلَى صَوْتِ أَعْيَسَا «١»
فَمَعْنَى الْحُورِ هُنَا: الْحِسَانُ الثَّاقِبَاتُ «٢» الْبَيَاضِ بِحُسْنٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ لَيُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَمِنْ تَحْتِ سَبْعِينَ حُلَّةً، كَمَا يُرَى الشَّرَابُ الْأَحْمَرُ فِي الزُّجَاجَةِ الْبَيْضَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْحُورُ حُورًا لِأَنَّهُنَّ يَحَارُ الطَّرْفِ فِي حُسْنِهِنَّ وَبَيَاضِهِنَّ وَصَفَاءِ لَوْنِهِنَّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُنَّ حُورٌ لِحَوَرِ أَعْيُنِهِنَّ. وَالْحَوَرُ: شِدَّةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ فِي شِدَّةِ سَوَادِهَا. امْرَأَةٌ حَوْرَاءُ بَيِّنَةُ الْحَوَرِ. يُقَالُ: احْوَرَّتْ عَيْنُهُ احْوِرَارًا. وَاحْوَرَّ الشَّيْءُ ابْيَضَّ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا أَدْرِي مَا الْحَوَرُ فِي الْعِينِ؟ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْحَوَرُ أَنْ تَسْوَدَّ الْعَيْنُ كُلُّهَا مِثْلَ أَعْيُنِ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ حَوَرٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلنِّسَاءِ: حُورُ الْعِينِ لِأَنَّهُنَّ يُشَبَّهْنَ بِالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ:
بِأَعْيُنٍ مُحَوَّرَاتٍ حُورِ «٣»
يَعْنِي الْأَعْيُنَ النَّقِيَّاتِ الْبَيَاضِ الشَّدِيدَاتِ سَوَادِ الْحَدْقِ. وَالْعِينُ جَمْعُ عَيْنَاءَ، وَهِيَ الْوَاسِعَةُ الْعَظِيمَةُ الْعَيْنَيْنِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ قَبَضَاتُ التَّمْرِ وَفِلَقُ الْخُبْزِ). وَعَنْ أَبِي قِرْصَافَةَ «٤» سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ). وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 6071
قَالَ: (كَنْسُ الْمَسَاجِدِ مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ ﵀. وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا مُفْرَدًا فِي (كِتَابِ التَّذْكِرَةِ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَاخْتُلِفَ أَيُّمَا أَفْضَلُ فِي الْجَنَّةِ، نِسَاءُ الْآدَمِيَّاتِ أَمِ الْحُورُ؟ فَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أَبِي جَبَلَةَ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَ الْآدَمِيَّاتِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُنَّ الْجَنَّةَ فُضِّلْنَ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ بِمَا عَمِلْنَ فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِنَّ (الآدميات أفضل من الحور العين سبعين أَلْفِ ضِعْفٍ). وَقِيلَ: إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ ﵇ فِي دُعَائِهِ: (وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ" بِحُورِ عِينٍ" مُضَافٌ. وَالْإِضَافَةُ وَالتَّنْوِينُ فِي" بِحُورٍ عين" سواء.
[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٥]
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)
قَالَ قَتَادَةُ:" آمِنِينَ" مِنَ الْمَوْتِ وَالْوَصَبِ وَالشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: آمِنِينَ مِنَ انْقِطَاعِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، أَوْ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ مِنْ أَكْلِهَا أَذًى أو مكروه.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧]
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " أَيْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ الْبَتَّةَ لِأَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ:" إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، أَيْ لَكِنَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى قَدْ ذَاقُوهَا فِي الدُّنْيَا. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
مَنْ كَانَ أَسْرَعَ فِي تَفَرُّقِ فَالِجٍ ... فَلَبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وَأَغَدَّتِ»
стр. 6072
ثُمَّ اسْتَثْنَى بِمَا لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ فَقَالَ:
إِلَّا كَنَاشِرَةِ الَّذِي ضَيَّعْتُمُ ... كَالْغُصْنِ فِي غُلَوَائِهِ الْمُتَنَبَّتِ
وَقِيلَ: إِنَّ" إِلَّا" بِمَعْنَى بَعْدُ، كَقَوْلِكَ: مَا كَلَّمْتُ رَجُلًا الْيَوْمَ إِلَّا رَجُلًا عِنْدَكَ، أَيْ بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ. وَقِيلَ:" إِلَّا" بِمَعْنَى سِوَى، أَيْ سِوَى الْمَوْتَةِ الَّتِي مَاتُوهَا فِي الدُّنْيَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ" «١» [النساء: ٢٢]. وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: مَا ذُقْتُ الْيَوْمَ طَعَامًا سِوَى مَا أَكَلْتُ أَمْسِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ:" إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ اسْتَقْبَلَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَيَلْقَى الرَّوْحَ وَالرَّيْحَانَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي الْجَنَّةِ لِاتِّصَافِهِ بِأَسْبَابِهَا، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ. وَالْمَوْتُ عَرَضٌ لَا يُذَاقُ، وَلَكِنْ جُعِلَ كَالطَّعَامِ الَّذِي يُكْرَهُ ذَوْقُهُ، فَاسْتُعِيرَ فِيهِ لَفْظُ الذَّوْقِ." وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ" أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ. فَ" فَضْلًا" مَصْدَرٌ عَمَلَ فِيهِ" يَدْعُونَ". وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ" وَوَقاهُمْ". وَقِيلَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، إِذْ وَفَّقَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَعْمَالٍ يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ." ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أَيِ السَّعَادَةُ وَالرِّبْحُ الْعَظِيمُ وَالنَّجَاةُ الْعَظِيمَةُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِكَ فَازَ بِكَذَا، أي ناله وظفر به.
[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٨ الى ٥٩]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
قوله تعالى:" فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ" يَعْنِي الْقُرْآنَ، أَيْ سَهَّلْنَاهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وَعَلَى مَنْ يَقْرَؤُهُ. (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أَيْ يَتَّعِظُونَ وَيَنْزَجِرُونَ. وَنَظِيرُهُ" وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"
«٢» [القمر: ١٧] فَخَتَمَ السُّورَةَ بِالْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، كَمَا قَالَ فِي مُفْتَتَحِ السورة:" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ" «٣» [الدخان: ٣]،" إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" [الْقَدْرِ: ١] عَلَى مَا تَقَدَّمَ." فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ" أَيِ انْتَظِرْ مَا وَعَدْتُكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ إنهم منتظرون لك الموت، حكاه
стр. 6073
النَّقَّاشُ. وَقِيلَ: انْتَظِرِ الْفَتْحَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ بِزَعْمِهِمْ قَهْرَكَ. وَقِيلَ: انْتَظِرْ أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ بِكَ رَيْبَ الْحَدَثَانِ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَقِيلَ: ارْتَقِبْ مَا وَعَدْتُكَ مِنَ الثَّوَابِ فَإِنَّهُمْ كَالْمُنْتَظِرِينَ لِمَا وَعَدْتُهُمْ مِنَ الْعِقَابِ. وَقِيلَ: ارْتَقِبْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ الْفَصْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا وُقُوعَ الْقِيَامَةِ، جُعِلُوا كَالْمُرْتَقِبِينَ لِأَنَّ عَاقِبَتَهُمْ ذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[تفسير سُورَةُ الْجَاثِيَةِ -]
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَجَابِرٍ وَعِكْرِمَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا آيَةً، هِيَ:" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" «١» [الجاثية: ١٤] نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَالنَّحَّاسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُمَرَ ﵁، شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. فَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ " قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" [الجاثية: ١٤] ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" «٢» [التوبة: ٥]. فَالسُّورَةُ كُلُّهَا مَكِّيَّةٌ عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَهِيَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً. وَقِيلَ سِتٌّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" حم" مُبْتَدَأٌ وَ" تَنْزِيلُ" خَبَرُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:" حم" اسْمُ السُّورَةِ. وَ" تَنْزِيلُ الْكِتابِ" مُبْتَدَأٌ. وَخَبَرُهُ" مِنَ اللَّهِ". والكتاب القرآن. و" الْعَزِيزِ" الْمَنِيعُ." الْحَكِيمِ" فِي فِعْلِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ جميع هذا «٣».
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣ الى ٥]
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) стр. 6074
قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" أَيْ فِي خَلْقِهِمَا" لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ" يَعْنِي الْمَطَرَ." فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ مُسْتَوْفًى فِي" الْبَقَرَةِ" وَغَيْرِهَا «١». وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ"" وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" بِالرَّفْعِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ التَّاءِ فِيهِمَا. وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى اسْمِ" إِنَّ" وَخَبَرِهَا" فِي السَّماواتِ". وَوَجْهُ الْكَسْرِ فِي" آيَاتٍ" الثَّانِي الْعَطْفُ على ما عملت فيه، التقدير: وإن فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ. فَأَمَّا الثَّالِثُ فَقِيلَ: إِنَّ وَجْهَ النَّصْبِ فِيهِ تَكْرِيرُ" آيَاتٌ" لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ، كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا زَيْدًا «٢». وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى مَا عَمِلَتْ فِيهِ" إِنَّ" عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ" فِي"، التَّقْدِيرُ: وَفِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ آيَاتٌ. فَحُذِفَتْ" فِي" لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في الحذف:
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ «٣»
نَارَا فَحَذَفَ" كُلَّ" الْمُضَافَ إِلَى نَارٍ الْمَجْرُورَةِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ. وَلَمْ يُجِزْهُ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَهُ الْأَخْفَشُ وجماعة من الكوفيين، فعطف" اختلاف" عَلَى قَوْلِهِ: (وَفِي خَلْقِكُمْ) ثُمَّ قَالَ: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ) فَيَحْتَاجُ إِلَى الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ، وَالْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ قَبِيحٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ حُرُوفَ الْعَطْفِ تَنُوبُ مَنَابَ الْعَامِلِ، فَلَمْ تَقْوَ أَنْ تَنُوبَ مَنَابَ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إِذْ لَوْ نَابَ مَنَابَ رَافِعٍ وَنَاصِبٍ لَكَانَ رَافِعًا نَاصِبًا فِي حَالٍ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الرَّفْعِ فَحَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ" إِنَّ" مَعَ مَا عَمِلَتْ فِيهِ. وَقَدْ أَلْزَمَ النَّحْوِيُّونَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْعَطْفَ عَلَى عاملين، لأنه عطف على" وَاخْتِلَافِ" عَلَى" وَفِي خَلْقِكُمْ"، وَعَطَفَ" آياتٌ" عَلَى مَوْضِعِ" آياتٌ" الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ يُقَدَّرُ عَلَى تَكْرِيرِ" فِي". ويجوز أن يرفع
стр. 6075
عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا قَبْلَهُ فَيُرْفَعُ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا قَبْلُهُ خَبَرُهُ، وَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ. وحكى الفراء رفع" اختلاف" وَ" آياتٌ" جَمِيعًا، وَجَعَلَ الِاخْتِلَافَ هُوَ الْآيَاتُ.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" تِلْكَ آياتُ اللَّهِ" أَيْ هَذِهِ آيَاتُ اللَّهِ، أَيْ حُجَجُهُ وَبَرَاهِينُهُ الدَّالَّةُ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَقُدْرَتِهِ." نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ" أَيْ بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا باطل ولا كذب فيه. وقرى" يتلوها" بالياء." فبأي حديث بعد اللَّهِ «١» " وَقِيلَ بَعْدَ قُرْآنِهِ" وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ" وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ" تُؤْمِنُونَ" بالتاء على الخطاب.
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ الى ٨]
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ"" وَيْلٌ" وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. تَوَعَّدَ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ بِآيَاتِهِ. وَالْأَفَّاكُ: الْكَذَّابُ. وَالْإِفْكُ الْكَذِبُ. (أَثِيمٍ) أَيْ مُرْتَكِبٌ لِلْإِثْمِ. وَالْمُرَادُ فِيمَا رَوَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْحَارِثُ بْنُ كَلْدَةَ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّهُ أَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ." يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ" يَعْنِي آيَاتِ الْقُرْآنِ." ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً" أَيْ يَتَمَادَى عَلَى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيَادِ، مَأْخُوذٌ مِنْ صَرَّ الصُّرَّةَ إِذَا شَدَّهَا. قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنْ إِصْرَارِ الْحِمَارِ عَلَى الْعَانَةِ «٢»، وَهُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْهَا صَارًّا أُذُنَيْهِ. وَ" أَنْ" مِنْ" كَأَنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَالضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم «٣»
стр. 6076
وَمَحَلُّ الْجُمْلَةِ النَّصْبُ، أَيْ يُصِرُّ مِثْلُ غَيْرِ السَّامِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ" لُقْمَانَ" الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ «١». وَتَقَدُّمَ مَعْنَى" فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ" في" البقرة" «٢».
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٩ الى ١٠]
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً" نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الزَّقُّومِ: إِنَّهُ الزُّبْدُ وَالتَّمْرُ، وَقَوْلُهُ فِي خَزَنَةِ جَهَنَّمَ: إِنْ كَانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ فَأَنَا أَلْقَاهُمْ وَحْدِي." أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ" مُذِلٌّ مُخْزٍ." مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ" أَيْ مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّكَبُّرِ عَنِ الْحَقِّ جَهَنَّمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ" أَيْ أَمَامَهُمْ، نَظِيرُهُ" مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ" «٣» [إبراهيم: ١٦] أَيْ مِنْ أَمَامِهِ. قَالَ:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... أَدُبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ
" وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً" أَيْ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، نَظِيرُهُ" لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً" «٤» [آل عمران: ١٠] أَيْ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ «٥»." وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ" يَعْنِي الْأَصْنَامَ." وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ" أي دائم مؤلم.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]
هَذَا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" هَذَا هُدىً" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ." وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ" أي جحدوا دلائله.
стр. 6077
" لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ" الرِّجْزُ الْعَذَابُ، أَيْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ" «١» [البقرة: ٥٩] أَيْ عَذَابًا. وَقِيلَ: الرِّجْزُ الْقَذَرُ مِثْلُ الرِّجْسِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ" «٢» [إبراهيم: ١٦] أَيْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ تَجَرُّعِ الشَّرَابِ الْقَذِرِ. وَضَمَّ الرَّاءَ مِنَ الرِّجْزِ ابْنُ مُحَيْصِنٍ حَيْثُ وَقَعَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحَفْصٌ" أَلِيمٌ" بِالرَّفْعِ، عَلَى مَعْنَى لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز.
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ الى ١٣]
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" ذَكَرَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَتَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِمَنَافِعِهِمْ." وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ" يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ وَإِحْسَانٌ مِنْهُ وَإِنْعَامٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجَحْدَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا" جَمِيعاً مِنْهُ" بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَنْوِينِ الْهَاءِ، مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ يَقْرَؤُهَا" مِنَّةً" أَيْ تَفَضُّلًا وَكَرَمًا. وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ أَيْضًا" جَمِيعًا مَنُّهُ" عَلَى إِضَافَةِ الْمَنِّ إِلَى هَاءِ الْكِنَايَةِ. وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ مِنْهُ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ ظَاهِرَةٌ." إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"
[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٤]
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا" جُزِمَ عَلَى جَوَابِ" قُلْ" تَشْبِيهًا بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِكَ: قُمْ تُصِبْ خَيْرًا. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ اللام. وقيل: على معنى قل
стр. 6078
لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا، فَهُوَ جَوَابُ أَمْرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَنَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا لَمْ يَصِحْ. وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَإِنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا" الْمُرَيْسِيعُ" فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ غُلَامَهُ لِيَسْتَقِيَ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: غُلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَعَدَ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ، فَمَا تَرَكَ أَحَدًا يَسْتَقِي حَتَّى مَلَأَ قِرَبَ النَّبِيِّ ﷺ وَقِرَبَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَلَأَ لِمَوْلَاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَمَا قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. فَبَلَغَ عُمَرَ ﵁ قَوْلُهُ، فَاشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. هَذِهِ رِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى عَنْهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ" مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً" «١» [البقرة: ٢٤٥] قَالَ يَهُودِيٌّ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصٌ: احْتَاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ! قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بِذَلِكَ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ وَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ). وَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ وَخَرَجَ فِي طَلَبِ الْيَهُودِيِّ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: (يَا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقْتَ. أَشْهَدُ أَنَّكَ أُرْسِلْتَ بِالْحَقِّ. قَالَ: (فَإِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) قَالَ: لَا جَرَمَ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَرَى الْغَضَبَ فِي وَجْهِي. قُلْتُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَالنَّحَّاسُ فَهُوَ رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْقُرَظِيِّ وَالسُّدِّيِّ، وَعَلَيْهِ يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ فِي الْآيَةِ. وَعَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ أَوْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. وَمَعْنَى" يَغْفِرُوا": يَعْفُوا وَيَتَجَاوَزُوا. وَمَعْنَى" لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ": أَيْ لَا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَخَافُونَ بَأْسَ اللَّهِ وَنِقَمَهُ. وَقِيلَ: الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ، كَقَوْلِهِ:" ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً" «٢» [نوح: ١٣] أَيْ لَا تَخَافُونَ لَهُ عَظَمَةً. وَالْمَعْنَى: لَا تخشون «٣»
стр. 6079
مِثْلَ عَذَابِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَالْأَيَّامُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْوَقَائِعِ. وَقِيلَ: لَا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَإِيقَاعِهِ بِأَعْدَائِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ." لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ" قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" لِيَجْزِيَ" بِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ" لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْرَجُ وَشَيْبَةُ" لِيُجْزَى" بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ الزَّايِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ،" قَوْماً" بِالنَّصْبِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهَذَا لَحْنٌ ظَاهِرٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ لِيَجْزِيَ الْجَزَاءَ قَوْمًا، نَظِيرُهُ" وَكَذَلِكَ نُجِّيَ الْمُؤْمِنِينَ" عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ فِي سُورَةِ" الْأَنْبِيَاءِ" «١». قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الْجَرْوِ الْكِلَابَا «٢»
أَيْ لَسُبَّ السَّبَّ.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٥]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)
تقدم «٣».
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ الى ١٧]
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ" يَعْنِي التَّوْرَاةَ." وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ" الْحُكْمُ: الْفَهْمُ فِي الْكِتَابِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ عَلَى النَّاسِ والقضاء. و" النُّبُوَّةَ" يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَقْتِ يُوسُفَ ﵇ إِلَى زَمَنِ عِيسَى ﵇." وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ" أي الحلال
стр. 6080
مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ وَالْأَطْعِمَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالشَّامِ. وَقِيلَ: يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فِي التِّيهِ." وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ" أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي" الدُّخَانِ" «١» بَيَانُهُ" وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَشَوَاهِدَ نُبُوَّتِهِ بِأَنَّهُ يُهَاجِرُ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى يَثْرِبَ، وَيَنْصُرُهُ أَهْلُ يَثْرِبَ. وَقِيلَ: بَيِّنَاتُ الْأَمْرِ شَرَائِعُ وَاضِحَاتٌ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمُعْجِزَاتٌ." فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ" يُرِيدُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ بَعْضُهُمْ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَقِيلَ:" إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ" نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا." بَغْياً بَيْنَهُمْ" أَيْ حَسَدًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ مَعْنَاهُ الضحاك. وقيل: مَعْنَى" بَغْياً" أَيْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَطْلُبُ الْفَضْلَ وَالرِّيَاسَةَ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، فَكَذَا مُشْرِكُو عَصْرِكَ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ أَعْرَضُوا عَنْهَا لِلْمُنَافَسَةِ فِي الرِّيَاسَةِ." إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ" أَيْ يَحْكُمُ وَيَفْصِلُ." يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" في الدنيا.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٨]
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ" الشَّرِيعَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمَذْهَبُ وَالْمِلَّةُ. وَيُقَالُ لِمَشْرَعَةِ الْمَاءِ- وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ-: شَرِيعَةُ. وَمِنْهُ الشَّارِعُ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى الْمَقْصِدِ. فَالشَّرِيعَةُ: مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الدِّينِ، وَالْجَمْعُ الشَّرَائِعُ. وَالشَّرَائِعُ فِي الدِّينِ: الْمَذَاهِبُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِخَلْقِهِ. فَمَعْنَى" جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ" أَيْ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاضِحٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ يَشْرَعُ بِكَ إِلَى الْحَقِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" عَلى شَرِيعَةٍ" أَيْ عَلَى هُدًى مِنَ الْأَمْرِ. قَتَادَةُ: الشَّرِيعَةُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْحُدُودُ والفرائض. مقاتل: البينة، لأنها
стр. 6081
طَرِيقٌ إِلَى الْحَقِّ. الْكَلْبِيُّ: السُّنَّةُ، لِأَنَّهُ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. ابْنُ زَيْدٍ: الدِّينُ، لِأَنَّهُ طَرِيقُ النَّجَاةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْأَمْرُ يَرِدُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا- بِمَعْنَى الشَّأْنِ كَقَوْلِهِ:" فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ" «١» [هود: ٩٧]. وَالثَّانِي- أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ الَّذِي يُقَابِلُهُ النَّهْيُ. وكلاهما يصح أن يكون مرادا ها هنا، وَتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى طَرِيقَةٍ «٢» مِنَ الدِّينِ وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" «٣» [النحل: ١٢٣]. وَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَ الشَّرَائِعِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَكَارِمِ وَالْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَهُمَا فِي الْفُرُوعِ حَسْبَمَا عَلَّمَهُ سُبْحَانَهُ. الثانية- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْرَدَ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمَّتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَرِيعَةٍ، وَلَا نُنْكِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمَّتَهُ مُنْفَرِدَانِ بِشَرِيعَةٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ هَلْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ. وَعَنْهُ: نَزَلَتْ لَمَّا دَعَتْهُ قُرَيْشٌ إِلَى دِينِ آبائه.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٩]
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً" أَيْ إِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ لَا يَدْفَعُونَ عَنْكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا." وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ" أَيْ أَصْدِقَاءٌ وَأَنْصَارٌ وَأَحْبَابٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَوْلِيَاءُ الْيَهُودِ." وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ" أَيْ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ. وَالْمُتَّقُونَ هُنَا: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمعاصي.
стр. 6082
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٠]
هَذَا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" هَذَا بَصائِرُ لِلنَّاسِ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ هَذَا الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ بَرَاهِينُ وَدَلَائِلُ ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرى" هذه بصائر" أي هذه الآيات." هُدىً" أَيْ رُشْدٌ وَطَرِيقٌ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ." وَرَحْمَةٌ" فِي الْآخِرَةِ" لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ"
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
" أي اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة «١»." أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"
قَالَ الْكَلْبِيُّ:" الَّذِينَ اجْتَرَحُوا"
عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا ربيعة والوليد بن عتبة. و" كَالَّذِينَ آمَنُوا"
عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ- ﵃ حِينَ بَرَزُوا إِلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلُوهُمْ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرًا مِمَّا يُعْطَاهُ الْمُؤْمِنُ، كَمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ:" وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى " «٢» [فصلت: ٥٠]. وَقَوْلُهُ" أَمْ حَسِبَ"
اسْتِفْهَامٌ مَعْطُوفٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ. وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ إِذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا لِلْخِطَابِ. وَقَوْمٌ يَقُولُونَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أَفَيَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ أَمْ حَسِبُوا أَنَّا نُسَوِّي بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: هِيَ أَمِ الْمُنْقَطِعَةُ، وَمَعْنَى الْهَمْزَةِ فِيهَا إِنْكَارُ الْحُسْبَانِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" سَواءً
" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مُقَدَّمٌ، أَيْ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَوَاءٌ. وَالضَّمِيرُ فِي" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ"
يَعُودُ عَلَى الْكُفَّارِ، أَيْ مَحْيَاهُمْ مَحْيَا سُوءٍ وَمَمَاتُهُمْ كَذَلِكَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَعْمَشُ" سَوَاءَ" بِالنَّصْبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عبيد قال: معناه
стр. 6083
نَجْعَلُهُمْ سَوَاءً. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ" وَمَماتُهُمْ"
بِالنَّصْبِ، عَلَى مَعْنَى سَوَاءٍ فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ، فَلَمَّا أُسْقِطَ الْخَافِضُ انْتَصَبَ. وَيَجُوزُ أن يكون" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
" بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي نَجْعَلُهُمْ، الْمَعْنَى: أَنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ سَوَاءً كَمَحْيَا الَّذِينَ آمَنُوا وَمَمَاتِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ"
لِلْكَفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا وَيُبْعَثُ مُؤْمِنًا، وَالْكَافِرُ يَمُوتُ كَافِرًا وَيُبْعَثُ كَافِرًا. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الضحا عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مَقَامُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ أَوْ قَرُبَ أَنْ يُصْبِحَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَبْكِي" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"
الْآيَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ بَشِيرٌ: بِتُّ عِنْدَ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَمَكَثَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ لَمْ يَعْدُهَا بِبُكَاءٍ شَدِيدٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: كَثِيرًا مَا رَأَيْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يُرَدِّدُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَنَظِيرَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي! مِنْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟ وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تُسَمَّى مَبْكَاةُ الْعَابِدِينَ لأنها محكمة.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ" أَيْ بِالْأَمْرِ الْحَقِّ." وَلِتُجْزى " أَيْ وَلِكَيْ تُجْزَى." كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" أَيْ فِي الْآخِرَةِ." وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ".
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ذَلِكَ الْكَافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ مَا يَهْوَاهُ، فَلَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَفَرَأَيْتَ مَنْ جَعَلَ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ مَا يَهْوَاهُ أَوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإِذَا اسْتَحْسَنَ
стр. 6084
شَيْئًا وَهَوِيَهُ اتَّخَذَهُ إِلَهًا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا رَأَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ رَمَى بِهِ وَعَبَدَ الْآخَرَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ أَحَدُ الْمُسْتَهْزِئِينَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا عَبَدُوا الْحِجَارَةَ لِأَنَّ الْبَيْتَ حِجَارَةٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَنْقَادُ لِهَوَاهُ وَمَعْبُودِهِ تَعْجِيبًا لِذَوِي الْعُقُولِ مِنْ هَذَا الْجَهْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، مَجَازُهُ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ هَوَاهُ إِلَهَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى] هَوًى [لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا ذَكَرَ اللَّهُ هَوًى فِي الْقُرْآنِ إِلَّا ذَمَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ"»
[الأعراف: ١٧٦]. وَقَالَ تَعَالَى:" وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" «٢» [الكهف: ٢٨]. وَقَالَ تَعَالَى" بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ «٣» اللَّهُ" [الروم: ٢٩]. وَقَالَ تَعَالَى:" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ" «٤» [القصص: ٥٠]. وَقَالَ تَعَالَى:" وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" «٥» [ص: ٢٦]. وقال عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :" لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ". وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:" مَا عُبِدَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَهٌ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْهَوَى". وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْفَاجِرُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ (. وَقَالَ ﵇:" إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ". وَقَالَ ﷺ :" ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ فَالْمُهْلِكَاتُ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ. وَالْمُنْجِيَاتُ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ". وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ اجْتَمَعَ هَوَاهُ وَعَمَلُهُ وَعِلْمُهُ، فَإِنْ كان عمله
стр. 6085
تَبَعًا لِهَوَاهُ فَيَوْمُهُ يَوْمُ سُوءٍ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِعِلْمِهِ فَيَوْمُهُ يَوْمٌ صَالِحٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ:
إِنَّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُلِبَ اسْمُهُ ... فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقَيْتَ هَوَانَا
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ عَنِ الْهَوَى فَقَالَ: هوان سرقت نونه، فأخذه شام فَنَظَمَهُ وَقَالَ:
نُونُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ ... فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوَانَا
وَقَالَ آخَرُ:
إِنَّ الْهَوَى لَهْوَ الْهَوَانُ بِعَيْنِهِ ... فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ كَسَبْتَ هَوَانَا
وَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ تَعَبَّدَكَ الْهَوَى ... فَاخْضَعْ لِحُبِّكَ كَائِنًا مَنْ كَانَا
وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ:
وَمِنَ الْبَلَايَا لِلْبَلَاءِ عَلَامَةٌ ... أَلَّا يُرَى لَكَ عَنْ هَوَاكَ نُزُوعُ
الْعَبْدُ عَبْدُ النَّفْسِ فِي شَهَوَاتِهَا ... وَالْحُرُّ يَشْبَعُ تَارَةً وَيَجُوعُ
وَلِابْنِ دُرَيْدٍ:
إِذَا طَالَبَتْكَ النَّفْسُ يَوْمًا بِشَهْوَةٍ ... وَكَانَ إِلَيْهَا لِلْخِلَافِ طَرِيقُ
فَدَعْهَا وَخَالِفْ مَا هَوِيَتْ فَإِنَّمَا ... هَوَاكَ عَدُوٌّ وَالْخِلَافُ صَدِيقُ
وَلِأَبِي عُبَيْدٍ الطُّوسِيِّ:
وَالنَّفْسُ إِنْ أَعْطَيْتَهَا مُنَاهَا ... فَاغِرَةٌ نَحْوَ هَوَاهَا فَاهَا
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَوَجَدْتُهُ نَحِيفًا فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ عَلِيلٌ. قَالَ نَعَمْ. قُلْتُ مُذْ كَمْ؟ قَالَ: مُذْ عَرَفْتُ نَفْسِي! قُلْتُ فَتَدَاوِي؟ قَالَ: قَدْ أَعْيَانِي الدَّوَاءُ، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْكَيِّ. قُلْتُ وَمَا الْكَيُّ؟ قَالَ: مُخَالَفَةُ الْهَوَى. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هَوَاكَ دَاؤُكَ، فَإِنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُكَ. وَقَالَ وَهْبٌ: إِذَا شَكَكْتَ فِي أَمْرَيْنِ وَلَمْ تَدْرِ خَيْرَهُمَا فَانْظُرْ أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ.
стр. 6086
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ذَمِّ الْهَوَى وَمُخَالَفَتِهِ كُتُبٌ وَأَبْوَابٌ أَشَرْنَا إِلَى مَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْهُ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى " «١» [النازعات: ٤١ - ٤٠]. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ مِنْهُ. وَقِيلَ: أَضَلَّهُ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ عَلَى عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَيَضِلُّ. مُقَاتِلٌ: عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ ضَالٌّ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَقِيلَ: عَلَى عِلْمٍ مِنْ عَابِدِ الصَّنَمِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. ثُمَّ قِيلَ:" عَلى عِلْمٍ" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: أَضَلَّهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِهِ، أَيْ أَضَلَّهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَضَلَّهُ فِي حَالِ عِلْمِ الْكَافِرِ بِأَنَّهُ ضَالٌّ." وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ" أَيْ طَبَعَ عَلَى سَمْعِهِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْوَعْظَ، وَطُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ حَتَّى لَا يَفْقَهُ الْهُدَى «٢»." وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً" أَيْ غِطَاءً حَتَّى لَا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" غَشْوَةً" بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" «٣». وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَمَا وَالَّذِي أَنَا عبد له ... يمينا ومالك أُبْدِي الْيَمِينَا
لَئِنْ كُنْتَ أَلْبَسْتِنِي غَشْوَةً ... لَقَدْ كُنْتُ أَصْفَيْتُكَ الْوُدَّ حِينَا
" فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ" أَيْ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَضَلَّهُ." أَفَلا تَذَكَّرُونَ" تَتَّعِظُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ، إِذْ هِيَ مُصَرِّحَةٌ بِمَنْعِهِمْ مِنَ الْهِدَايَةِ. ثُمَّ قِيلَ:" وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ" إِنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ" البقرة" «٤». وحكى ابن جريج أنها نزلت
стр. 6087
فِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الْغَيَاطِلَةِ «١». وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ ذَاتَ ليلة ومعه الوليد ابن الْمُغِيرَةِ، فَتَحَدَّثَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ! فَقَالَ لَهُ مَهْ! وَمَا دَلَّكَ عَلَى ذَلِكَ!؟ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، كُنَّا نُسَمِّيهِ فِي صِبَاهُ الصَّادِقَ الْأَمِينَ، فَلَمَّا تَمَّ عَقْلُهُ وَكَمُلَ رُشْدُهُ، نُسَمِّيهِ الْكَذَّابَ الْخَائِنَ!! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ! قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَدِّقَهُ وَتُؤْمِنَ بِهِ؟ قَالَ: تَتَحَدَّثُ عَنِّي بَنَاتُ قُرَيْشٍ أَنِّي قَدِ اتَّبَعْتُ يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَجْلِ كِسْرَةٍ «٢»، وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِنِ اتَّبَعْتُهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ" وَخَتَمَ عَلَى سمعه وقلبه".
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]
وَقالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا" هَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُمْ لِلْآخِرَةِ وَتَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ وَإِبْطَالٌ لِلْجَزَاءِ. وَمَعْنَى" نَمُوتُ وَنَحْيا" أي نموت نحن وتحيا أولادنا، قاله الكلبي. وقرى" وَنَحْيا" بِضَمِّ النُّونِ. وَقِيلَ: يَمُوتُ بَعْضُنَا وَيَحْيَا بَعْضُنَا. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ نَحْيَا وَنَمُوتُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ." وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ" قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ وَالْأَيَّامَ. وقال قتادة: إلا العمر، والمعنى واحد. وقرى" إِلَّا دَهْرٌ يَمُرُّ". وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: الدَّهْرُ هُوَ الَّذِي يُهْلِكُنَا وَهُوَ الَّذِي يُحْيِينَا وَيُمِيتُنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الْمَوْتُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
стр. 6088
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَيْ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا اللَّهُ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَهُوَ الَّذِي يُهْلِكُنَا وَيُمِيتُنَا وَيُحْيِينَا فَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرَ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". قُلْتُ: قَوْلُهُ" قَالَ اللَّهُ" إِلَى آخِرِهِ نَصُّ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ. وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ). وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْمًا إِنَّمَا خَرَجَ رَدًّا عَلَى الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الْفَاعِلُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ضُرٌّ أَوْ ضَيْمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى الدَّهْرِ فَقِيلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ، أَيْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُضِيفُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ فَيَرْجِعُ السَّبُّ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ هذا ما ذكرناه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ ﵎ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ... ) الْحَدِيثَ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ، وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ:
يَا عَاتِبَ الدَّهْرِ إِذَا نَابَهُ ... لَا تَلُمِ الدَّهْرَ عَلَى غَدْرِهِ
الدَّهْرُ مَأْمُورٌ، لَهُ آمِرٌ ... وَيَنْتَهِي الدَّهْرُ إِلَى أَمْرِهِ
كَمْ كَافِرٍ أَمْوَالُهُ جَمَّةٌ ... تَزْدَادُ أَضْعَافًا عَلَى كُفْرِهِ
وَمُؤْمِنٌ لَيْسَ له درهم ... يزداد إِيمَانًا عَلَى فَقْرِهِ
وَرُوِيَ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الدَّهْرَ فَزَجَرَهُ أَبُوهُ وَقَالَ: إِيَّاكَ يَا بُنَيَّ وَذِكْرَ الدَّهْرِ! وَأَنْشَدَ:
فَمَا الدَّهْرُ بِالْجَانِي لِشَيْءٍ لِحِينِهِ ... وَلَا جَالِبَ الْبَلْوَى فَلَا تَشْتُمَ الدَّهْرَا
وَلَكِنْ مَتَى مَا يَبْعَثُ اللَّهُ بَاعِثًا ... عَلَى مَعْشَرٍ يَجْعَلُ مَيَاسِيرَهُمْ عُسْرَا
стр. 6089
وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فَقَالَ: أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ:" فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ"!؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ كَانَ أَحَدٌ يَسُبُّ اللَّهَ فِي آبَادِ الدَّهْرِ، بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
إِنْ مَحِلًّا وَإِنْ مُرْتَحِلًا ... وَإِنَّ فِي السَّفَرِ إِذْ مَضَوْا مَهَلَا
اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ وَبِالْعَدْ ... لِ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يَذُمُّوا الدَّهْرَ عِنْدَ الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ، حَتَّى ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَنَسَبُوا الْأَحْدَاثَ إِلَيْهِ. قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ:
رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى ... فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامٍ
فَلَوْ أَنَّهَا نِبْلٌ إِذًا لَاتَّقَيْتُهَا ... وَلَكِنَّنِي أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَامِ
عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّةً وَعَلَى الْعَصَا ... أَنُوءُ ثَلَاثًا بَعْدَهُنَّ قِيَامِي
وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ. يُنْسِبُونَ ذَلِكَ إِلَى الدَّهْرِ وَيُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفَاعِلُ لَا رَبَّ سِوَاهُ." وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ". أي علم. و" من" زَائِدَةٌ، أَيْ قَالُوا «١» مَا قَالُوا شَاكِّينَ." إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ" أَيْ مَا هُمْ إِلَّا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصْنَافًا، مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُثْبِتُ الصَّانِعُ وَيُنْكِرُ الْبَعْثَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَشُكُّ فِي الْبَعْثِ وَلَا يَقْطَعُ بِإِنْكَارِهِ. وَحَدَّثَ فِي الْإِسْلَامِ أَقْوَامٌ لَيْسَ يُمْكِنُهُمْ إِنْكَارُ الْبَعْثِ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَأَوَّلُونَ وَيَرَوْنَ الْقِيَامَةَ مَوْتَ الْبَدَنِ، وَيَرَوْنَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إِلَى خَيَالَاتٍ تَقَعُ لِلْأَرْوَاحِ بِزَعْمِهِمْ، فَشَرُّ هَؤُلَاءِ أَضَرُّ مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُلَبِّسُونَ عَلَى الْحَقِّ، وَيُغْتَرُّ بِتَلْبِيسِهِمُ الظَّاهِرِ. وَالْمُشْرِكُ الْمُجَاهِرُ بِشِرْكِهِ يَحْذَرُهُ الْمُسْلِمُ. وَقِيلَ: نَمُوتُ وَتَحْيَا آثَارُنَا، فَهَذِهِ حَيَاةُ الذِّكْرِ. وَقِيلَ أَشَارُوا إِلَى التَّنَاسُخِ، أَيْ يَمُوتُ الرَّجُلُ فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِي موات فتحيا به.
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)
стр. 6090
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ" أَيْ وَإِذْ تُقْرَأُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ آيَاتُنَا الْمُنَزَّلَةُ فِي جَوَازِ الْبَعْثِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ دَفْعٌ" مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا"" حُجَّتَهُمْ" خَبَرُ كَانَ، وَالِاسْمُ" إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا" الْمَوْتَى نَسْأَلُهُمْ عَنْ صِدْقِ مَا تَقُولُونَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ" قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ" يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِكُمْ نُطَفًا أَمْوَاتًا" ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ" كَمَا أَحْيَاكُمْ فِي الدُّنْيَا." وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. الزَّمَخْشَرِيُّ:" فَإِنْ قُلْتَ لِمَ سَمَّى قَوْلَهُمْ حُجَّةً وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ أَدْلَوْا بِهِ كَمَا يُدْلِي الْمُحْتَجُّ بِحُجَّتِهِ، وَسَاقُوهُ مَسَاقَهَا فَسُمِّيَتْ حُجَّةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. أَوْ لِأَنَّهُ فِي حُسْبَانِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ حُجَّةٌ. أَوْ لِأَنَّهُ فِي أُسْلُوبِ قَوْلِهِ:
تَحِيَّةٌ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ «١»
كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَالْمُرَادُ نَفْيَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ الْبَتَّةَ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ وَقَعَ قَوْلُهُ" قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ" جَوَابُ" ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ"؟ قُلْتُ: لَمَّا أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَحَسِبُوا أَنَّ مَا قَالُوهُ قَوْلَ مُبَكِّتٍ أُلْزِمُوا مَا هُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِيهِمْ ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، وَضَمَّ إِلَى إِلْزَامِ ذَلِكَ إِلْزَامَ مَا هُوَ وَاجِبُ الْإِقْرَارِ بِهِ إِنْ أَنْصَفُوا وَأَصْغَوْا إِلَى دَاعِي الْحَقِّ وَهُوَ جَمْعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِآبَائِهِمْ، وكان أهون شيء عليه.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٧]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" خَلْقًا وَمِلْكًا." وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ"" يَوْمٌ" الْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ بِ" يخسر" و" يومئذ" تكرير للتأكيد (هامش)
стр. 6091
أَوْ بَدَلٌ. وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَالْعَامِلُ فِي" يَوْمئِذٍ"" يَخْسَرُ"، وَمَفْعُولُ" يَخْسَرُ" مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى يَخْسَرُونَ مَنَازِلَهُمْ فِي الجنة.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٨]
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً" أَيْ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَالْأُمَّةُ هُنَا: أَهْلُ كُلِّ مِلَّةٍ. وَفِي الْجَاثِيَةِ تَأْوِيلَاتٌ خَمْسٌ: الْأَوَّلُ- قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَوْفِزَةٌ. وَقَالَ سُفْيَانُ: الْمُسْتَوْفِزُ الَّذِي لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْهُ إِلَّا رُكْبَتَاهُ وَأَطْرَافُ أَنَامِلِهِ. الضَّحَّاكُ: ذَلِكَ عِنْدَ الْحِسَابِ. الثَّانِي- مُجْتَمِعَةٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى وَتَرَى أَهْلَ كُلِّ دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. الثَّالِثُ- مُتَمَيِّزَةٌ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. الرَّابِعُ- خَاضِعَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قَالَهُ مُؤَرِّجٌ. الْخَامِسُ- بَارِكَةٌ عَلَى الرُّكَبِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالْجَثْوُ: الْجُلُوسُ عَلَى الرَّكْبِ. جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَجْثُو وَيَجْثِي جُثُوًّا وَجُثِيًّا، على فعول فيهما، وَقَدْ مَضَى فِي" مَرْيَمَ" «١»: وَأَصْلُ الْجُثْوَةِ «٢»: الْجَمَاعَةُ من كل شي. قَالَ طَرَفَةُ يَصِفُ قَبْرَيْنِ:
تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدٍ «٣»
ثم قيل: هو خاص بالكفار، قاله يحي بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ انْتِظَارًا لِلْحِسَابِ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:" كَأَنِّي أَرَاكُمْ بِالْكَوْمِ «٤» جَاثِينَ دُونَ جَهَنَّمَ" ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ سَلْمَانُ: إِنَّ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَسَاعَةٌ هِيَ عَشْرُ سِنِينَ يَخِرُّ النَّاسُ فِيهَا جُثَاةً عَلَى رُكَبِهِمْ حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِيُنَادِيَ" لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي"." كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا" قَالَ يَحْيَى ابن سَلَّامٍ: إِلَى حِسَابِهَا. وَقِيلَ: إِلَى كِتَابِهَا الَّذِي كَانَ يَسْتَنْسِخُ لَهَا فِيهِ مَا عَمِلَتْ مِنْ خير وشر،
стр. 6092
قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَقِيلَ:" كِتابِهَا" مَا كَتَبَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ كِتَابُهَا الْمُنَزَّلُ عَلَيْهَا لِيَنْظُرَ هَلْ عَمِلُوا بِمَا فِيهِ. وقيل: الكتاب ها هنا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ" كُلَّ أُمَّةٍ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ" كُلٍّ" الْأُولَى لِمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْإِيضَاحِ الَّذِي لَيْسَ فِي الْأُولَى، إِذْ لَيْسَ فِي جُثُوِّهَا شَيْءٌ مِنْ حَالِ شَرْحِ الْجَثْوِ كَمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَهُوَ اسْتِدْعَاؤُهَا إِلَى كِتَابِهَا. وَقِيلَ: انْتَصَبَ بِإِعْمَالِ" تَرَى" مُضْمَرًا. وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ." الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" من خير أو شر.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٩]
هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" هَذَا كِتابُنا" قِيلَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُمْ. وَقِيلَ مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ." يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" أَيْ يَشْهَدُ. وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ، يُقَالُ: نَطَقَ الْكِتَابُ بِكَذَا أَيْ بَيَّنَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَقْرَءُونَهُ فَيُذَكِّرُهُمُ الْكِتَابُ مَا عَمِلُوا، فَكَأَنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ:" وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لَا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها" «١» [الكهف: ٤٩]. وَفِي الْمُؤْمِنِينَ:" وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" «٢» وَقَدْ تَقَدَّمَ «٣». وَ" يَنْطِقُ" فِي، مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ ذَا، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ لِذَا، أَوْ يَكُونُ" كِتابُنا" بدلا من" هذا" و" يَنْطِقُ" الْخَبَرُ." إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" أَيْ نَأْمُرُ بِنَسْخِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَنْزِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَائِكَةً مُطَهَّرِينَ فَيَنْسَخُونَ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ فِي رَمَضَانَ كُلَّ مَا يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ فَيُعَارِضُونَ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ كُلَّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْحَفَظَةُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ مُوَافِقًا لِمَا فِي كِتَابِهِمُ الَّذِي اسْتَنْسِخُوا مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَلْ يَكُونُ النَّسْخُ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ. الْحَسَنُ: نَسْتَنْسِخُ ما كتبته الحفظة
стр. 6093
عَلَى بَنِي آدَمَ، لِأَنَّ الْحَفَظَةَ تَرْفَعُ إِلَى الْخَزَنَةِ صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ. وَقِيلَ: تَحْمِلُ الْحَفَظَةُ كُلَّ يَوْمٍ مَا كَتَبُوا عَلَى الْعَبْدِ، ثُمَّ إِذَا عَادُوا إِلَى مَكَانِهِمْ نُسِخَ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ «١»، وَلَا تُحَوَّلُ الْمُبَاحَاتُ إِلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا رَفَعَتْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ أَمَرَ بِأَنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنْهَا مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ، وَيَسْقُطُ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا لَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا عِقَابَ.
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ" أَيِ الْجَنَّةَ" ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ" أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ. وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ." فَاسْتَكْبَرْتُمْ" عَنْ قَبُولِهَا." وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ" أَيْ مُشْرِكِينَ تَكْسِبُونَ الْمَعَاصِي. يُقَالُ: فُلَانٌ جَرِيمَةُ أَهْلِهِ إِذَا كَانَ كَاسِبُهُمْ، فَالْمُجْرِمُ مَنْ أَكْسَبَ نَفْسَهُ الْمَعَاصِي. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ" «٢» [القلم: ٣٥] فَالْمُجْرِمُ ضِدُّ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الْمُذْنِبُ بِالْكُفْرِ إِذًا.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٢]
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ" أَيِ الْبَعْثُ كَائِنٌ." وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيها" وَقَرَأَ حَمْزَةُ" وَالسَّاعَةَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى" وَعْدَ". الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَوِ العطف
стр. 6094
عَلَى مَوْضِعِ" إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ". وَلَا يَحْسُنُ عَلَى الضَّمِيرِ الَّذِي فِي الْمَصْدَرِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَكِّدٍ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ إِنَّمَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ فِي الشِّعْرِ." قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ" هَلْ هِيَ حَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ." إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا" تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْمُبَرِّدِ: إِنْ نحن إلا نظن ظنا. وقيل لا التَّقْدِيرُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا أَنَّكُمْ تَظُنُّونَ ظَنًّا وَقِيلَ أَيْ وَقُلْتُمْ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا «١» " وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" أن الساعة آتية.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٣]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا" أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَاتِ مَا عَمِلُوا." وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ نَزَلَ بِهِمْ وَأَحَاطَ." مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من عذاب الله.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٤]
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ" أَيْ نَتْرُكُكُمْ فِي النَّارِ كَمَا تَرَكْتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا، أَيْ تَرَكْتُمُ الْعَمَلَ لَهُ." وَمَأْواكُمُ النَّارُ" أَيْ مَسْكَنُكُمْ وَمُسْتَقَرُّكُمْ." وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ" مَنْ ينصركم.
[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٥]
ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ" يَعْنِي الْقُرْآنَ." هُزُواً" لَعِبًا." وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا" أَيْ خَدَعَتْكُمْ بِأَبَاطِيلِهَا وَزَخَارِفِهَا، فَظَنَنْتُمْ أَنْ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهَا، وَأَنْ لَا بَعْثَ." فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْها" أَيْ مِنَ النَّارِ." وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ" يُسْتَرْضُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٢». وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" فَالْيَوْمَ لَا يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وضم الراء، لقوله تعالى:
стр. 6095
" كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها" «١» [السجدة: ٢٠] الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" رَبَّنا أَخْرِجْنا" «٢» [فاطر: ٣٧] ونحوه.
[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ" رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ" بِالرَّفْعِ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى مَعْنَى هُوَ رَبُّ." وَلَهُ الْكِبْرِياءُ" أَيِ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ وَالْبَقَاءُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَمَالُ." فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" والله أعلم.
[تفسير سُورَةُ الْأَحْقَافِ]
سُورَةُ الْأَحْقَافِ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ جميعهم. وهي أربع وثلاثون آية، وقيل خمس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)
قَوْلِهِ تَعَالَى:" حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" تَقَدَّمَ «٣» " مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ" تَقَدَّمَ أَيْضًا «٤»." وَأَجَلٍ مُسَمًّى" يَعْنِي الْقِيَامَةَ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض. وقيل: إنه هو الأجل следующие страницы →