← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ. فَهَذِهِ حَجَّةٌ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا مِنَ السُّنَّةِ. قَالُوا: وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا قَرَنَهَا فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ لَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ فقال" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ" [المزمل: ٢٠]. وَابْتَدَأَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ فَقَالَ:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ" «١» [آل عمران: ٩٧] وَلَمَّا ذَكَرَ الْعُمْرَةَ أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا لَا بِابْتِدَائِهَا، فَلَوْ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ، أَوِ اعْتَمَرَ عَشْرَ عُمَرٍ لَزِمَ الْإِتْمَامُ فِي جَمِيعِهَا، فَإِنَّمَا جَاءَتِ الْآيَةُ لِإِلْزَامِ الْإِتْمَامِ لَا لِإِلْزَامِ الِابْتِدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ عَلَى وُجُوبِهَا بِأَنْ قَالَ: عِمَادُ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةِ، وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ وُقُوفٌ، فَلَوْ كَانَتْ كَسُنَّةِ الْحَجِّ لَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي أَفْعَالِهِ، كَمَا أَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ تُسَاوِي فَرِيضَتَهَا فِي أَفْعَالِهَا. الْخَامِسَةُ- قَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو حَيْوَةَ بِرَفْعِ التَّاءِ فِي" الْعُمْرَةِ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَقَرَأَ الْجَمَاعَةٌ" الْعُمْرَةَ" بِنَصْبِ التَّاءِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ «٢» لِلَّهِ" وَرُوِيَ عَنْهُ" وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ". وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ اللَّهِ هُنَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقْصِدُ الْحَجَّ لِلِاجْتِمَاعِ وَالتَّظَاهُرِ وَالتَّنَاضُلِ وَالتَّنَافُرِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَحُضُورِ الْأَسْوَاقِ، وَكُلِّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ، وَلَا حَظَّ بِقَصْدٍ، وَلَا قُرْبَةَ بِمُعْتَقَدٍ، فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ سَامَحَ فِي التِّجَارَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي. السَّادِسَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ شَهِدَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَهُوَ لَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً- وَالْقَلَمُ جَارٍ لَهُ وَعَلَيْهِ- أَنَّ شُهُودَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا قَصْدٍ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهُ، وَأَنَّ النِّيَّةَ تَجِبُ فَرْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَتِمُّوا" وَمِنْ تَمَامِ الْعِبَادَةِ حُضُورُ النِّيَّةِ، وَهِيَ فَرْضٌ كَالْإِحْرَامِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، لِقَوْلِهِ ﵇ لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا) عَلَى مَا يَأْتِي. وَذَكَرَ الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَوْ لَبَّى رَجُلٌ وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَمْ يكن

стр. 842

حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا، وَلَوْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى قَضَى الْمَنَاسِكَ كَانَ حَجُّهُ تَامًّا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ). قَالَ: وَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلِيٌّ حِينَ أَهَلَّ عَلَى إِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ أَجْزَتْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى نِيَّةٍ لِغَيْرِهِ قَدْ تَقَدَّمَتْ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. السَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ هَذَا وَيَعْتِقُ هَذَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا سَبِيلَ لَهُمَا إِلَى رَفْضِ الْإِحْرَامِ وَلَا لِأَحَدٍ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ فَلَا يَتِمُّ حَجُّهُ وَلَا عُمْرَتُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَائِزٌ لِلصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ يُجَدِّدَ إِحْرَامًا، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى حَجِّهِ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْحَجُّ يَجْزِي عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْفَرْضُ لَازِمًا لَهُ حِينَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ لَزِمَهُ حِينَ بَلَغَ اسْتَحَالَ أَنْ يُشْغَلَ عَنْ فَرْضٍ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِنَافِلَةٍ وَيُعَطَّلُ فَرْضَهُ، كَمَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَةُ وَخَشِيَ فَوْتَهَا قَطَعَ النَّافِلَةَ وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفَ بِهَا مُحْرِمًا أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ. قَالَ: وَلَوْ عَتَقَ بِمُزْدَلِفَةَ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ بِهَا فَرَجَعَا إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ فَأَدْرَكَا الْوُقُوفَ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَمٌ، وَلَوِ احْتَاطَا فَأَهْرَاقَا «١» دَمًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي. وَاحْتُجَّ فِي إِسْقَاطِ تَجْدِيدِ الْإِحْرَامِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ الْيَمَنِ مُهِلًّا بِالْحَجِّ: (بِمَ أَهْلَلْتَ) قَالَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ نَبِيِّكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَسُقْتُ الْهَدْيَ). قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، وَلَا أَمَرَهُ بِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ لِإِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ: أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَعْتِقُ، وَالصَّبِيُّ يَبْلُغُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُحْرِمِينَ وَلَا دَمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّمُ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنَ الْمِيقَاتِ.

стр. 843

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ الْعَبْدَ الدَّمُ. وَهُوَ كَالْحُرِّ عِنْدَهُمْ فِي تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فَإِنَّهُمَا لَا يَلْزَمُهُمَا الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُمَا. فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَبَلَغَ الصبي كان حكمهما حكم المكي، ولا شي عَلَيْهِمَا فِي تَرْكِ الْمِيقَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" فيه اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ، عُضْلَةٌ مِنَ الْعُضَلِ. قُلْتُ: لَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا غَايَةَ الْبَيَانِ فَنَقُولُ: الْإِحْصَارُ هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تقصده بالعوائق جملة، ف" جملة" أَيْ بِأَيِ عُذْرٍ كَانَ، كَانَ حَصْرُ عَدُوٍّ أَوْ جَوْرُ سُلْطَانٍ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَا كَانَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْمَانِعِ هُنَا على قولين: الأول: قال علقمة وعروة ابن الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ الْمَرَضُ لَا الْعَدُوُّ. وَقِيلَ: العدو خاصة، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَنْسٌ وَالشَّافِعِيُّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا. وَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمُحَصِّلِيهَا عَلَى أَنَّ" أُحْصِرَ" عُرِّضَ لِلْمَرَضِ، وَ" حُصِرَ" نَزَلَ بِهِ الْعَدُوُّ. قُلْتُ: مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّهُ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا أَشْهَبُ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ سَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا وَقَالُوا: الْإِحْصَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَرَضُ، وَأَمَّا الْعَدُوُّ فَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ: حَصِرَ حَصْرًا فَهُوَ مَحْصُورٌ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى. وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ:" أُحْصِرَ" بِالْمَرَضِ، وَ" حُصِرَ" بِالْعَدُوِّ. وَفِي الْمُجْمَلِ لِابْنِ فَارِسٍ عَلَى الْعَكْسِ، فَحُصِرَ بِالْمَرَضِ، وَأُحْصِرَ بِالْعَدُوِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقَالُ أُحْصِرَ فِيهِمَا جَمِيعًا مِنَ الرُّبَاعِيِّ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ. قُلْتُ: وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ مَالِكٍ حَيْثُ تَرْجَمَ فِي مُوَطَّئِهِ" أُحْصِرَ" فِيهِمَا، فَتَأَمَّلْهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْمَرَضِ وَالْعَدُوِّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَادَّعَتِ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْإِحْصَارَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَدُوِّ، فَأَمَّا الْمَرَضُ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْحَصْرُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِيهِمَا. قُلْتُ: مَا ادَّعَتْهُ الشَّافِعِيَّةُ قَدْ نَصَّ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ عَلَى خِلَافِهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: حَصَرْتُ الرَّجُلَ حَصْرًا مَنَعْتُهُ وَحَبَسْتُهُ، وَأُحْصِرَ الْحَاجُّ عَنْ بُلُوغِ الْمَنَاسِكِ مِنْ مَرَضٍ أو نحوه،

стр. 844

هَكَذَا قَالَ، جُعِلَ الْأَوَّلُ ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَرْتُ، وَالثَّانِي فِي الْمَرَضِ رُبَاعِيًّا. وَعَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ إِذَا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ أَوْ مِنْ حَاجَةٍ يُرِيدُهَا. وَقَدْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ يَحْصُرُونَهُ إِذَا ضَيَّقُوا عَلَيْهِ فَأَطَافُوا بِهِ، وَحَاصَرُوهُ مُحَاصَرَةً وَحِصَارًا. قَالَ الْأَخْفَشُ: حَصَرْتُ الرَّجُلَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، أَيْ حَبَسْتُهُ. قَالَ: واحصرني بولي، واحصرني مرصي، أَيْ جَعَلَنِي أَحْصُرُ نَفْسِي. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وَأَحْصَرَنِي، أَيْ حَبَسَنِي. قُلْتُ: فَالْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ" حُصِرَ" فِي الْعَدُوِّ، وَ" أُحْصِرَ" فِي الْمَرَضِ، وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" «١» [البقرة: ٢٧٣]. وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ: وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ... عَلَيْكَ وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِحْصَارُ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَرَضِ، فَأَمَّا مِنَ الْعَدُوِّ فَلَا يُقَالُ فِيهِ إِلَّا حُصِرَ، يُقَالُ: حُصِرَ حَصْرًا، وَفِي الْأَوَّلِ أُحْصِرَ إِحْصَارًا، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْحَبْسِ، وَمِنْهُ الْحَصِيرُ لِلَّذِي يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَنِ الْبَوْحِ بِسِرِّهِ. وَالْحَصِيرُ: الْمَلِكُ لِأَنَّهُ كَالْمَحْبُوسِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ. وَالْحَصِيرُ الَّذِي يُجْلَسُ عَلَيْهِ لِانْضِمَامِ بَعْضِ طَاقَاتِ الْبَرْدِيِّ «٢» إِلَى بَعْضٍ، كَحَبْسِ الشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ- وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الْحَصْرِ الْحَبْسَ قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُحْصَرُ مَنْ يَصِيرُ مَمْنُوعًا مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَاحْتَجُّوا بِمُقْتَضَى الْإِحْصَارِ مُطْلَقًا، قَالُوا: وَذِكْرُ الْأَمْنِ فِي آخِرِ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَرَضِ، قَالَ ﷺ : (الزُّكَامُ أَمَانٌ مِنَ الْجُذَامِ)، وَقَالَ: (مَنْ سَبَقَ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ أَمِنَ مِنَ الشَّوْصِ وَاللَّوْصِ وَالْعِلَّوْصِ). الشَّوْصُ: وَجَعُ السِّنِّ. وَاللَّوْصُ: وَجَعُ الْأُذُنِ. وَالْعِلَّوْصُ: وَجَعُ الْبَطْنِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا جَعَلْنَا حَبْسَ العدل حصارا قياسا على المرض إذا كان

стр. 845

فِي حُكْمِهِ، لَا بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ حَصْرُ الْعَدُوِّ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَإِذا أَمِنْتُمْ". وَلَمْ يَقُلْ: بَرَأْتُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ- جُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ يَحِلُّ حَيْثُ أُحْصِرَ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ هَدْي وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ: يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، فَإِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ «١» صَارَ حَلَالًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: دَمُ الْإِحْصَارِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، بَلْ يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا: يَتَوَقَّفُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ نَحَرَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ. وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ. الرَّابِعَةُ- الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ سُلْطَانٍ حَبَسَهُ فِي سِجْنٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ. وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَدْي إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاقَهُ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَمِنْ حُجَّتِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَحَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ هَدْيًا قَدْ كَانَ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ «٢» حِينَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْهَدْيَ مَحِلَّهُ لِلصَّدِّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَحَرَ، لِأَنَّهُ كَانَ هَدْيًا وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَخَرَجَ لِلَّهِ فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَمْ يَنْحَرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ الصَّدِّ، فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ هَدْيٌ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ إِحْلَالِ الْمُحْصَرِ ذَبْحَ هَدْيٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَمَتَى وَجَدَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ:" فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ".

стр. 846

وَقَدْ قِيلَ: يَحِلُّ وَيُهْدِي إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَجِدُ هَدْيًا يَشْتَرِيهِ، قَوْلَانِ. الْخَامِسَةُ- قَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا: مَنْ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ فَلَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَإِنْ أَقَامَ سِنِينَ حَتَّى يُفِيقَ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَهْلُ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْآفَاقِ. قَالَ: وَإِنِ احْتَاجَ الْمَرِيضُ إِلَى دَوَاءٍ تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى وَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ لَا يحل من شي حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، فَإِذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ مَضَى إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلَّ مِنْ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ الْعَدَدِ: إِنَّهُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَهُ كَسْرٌ أَوْ بَطْنٌ مُنْخَرِقٌ. وَحُكْمُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِمَرَضِهِ، إِنْ شَاءَ مَضَى إِذَا أَفَاقَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى قَابِلٍ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يُوَاقِعْ شَيْئًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ الْحَاجُّ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. وَقَالَ فِي الْمَكِّيِّ إِذَا بَقِيَ مَحْصُورًا حَتَّى فَرَغَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ: فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّي وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَمِرُ وَيَحِلُّ، فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ حَجَّ وَأَهْدَى. وَقَالَ ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ فِي إِحْصَارٍ مَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ وَإِنْ نُعِشَ نَعْشًا. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمَالِكِيُّ فَقَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُحْصَرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْآفَاقِ مِنْ إِعَادَةِ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، لِقَوْلِ اللَّهِ :" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ". قَالَ: وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي أَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلِهِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ يُقِيمَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ يَتَعَالَجُ وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَا لَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ المشاهد وإن

стр. 847

نُعِشَ نَعْشًا لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ بِالْبَيْتِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ مَنْ مَنَعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ تفقه أَوْ إِضْلَالِ رَاحِلَةٍ أَوْ لَدْغِ هَامَةٍ فَإِنَّهُ يَقِفُ مَكَانَهُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيِهِ أَوْ بِثَمَنِ هَدْيِهِ، فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ. كَذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" الْآيَةَ. السَّادِسَةُ- قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَنْفَعُ الْمُحْرِمَ الِاشْتِرَاطُ في الحج إذا خاف الحصر يمرض أَوْ عَدُوٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ. وَالِاشْتِرَاطُ أَنْ يَقُولَ إِذَا أَهَلَّ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي مِنَ الْأَرْضِ. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ وَلَهُ شَرْطُهُ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المطلب أنها أنت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَدْتُ الْحَجَّ، أَأَشْتَرِطُ؟ قَالَ: (نَعَمْ). قَالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: (قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَنِي). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ لَمْ أَعُدْهُ، وَكَانَ مَحِلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّهُ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لضباعة بنت الزبير: (حجي واشترطي). وجه قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ، ثُمَّ وَقَفَ عَنْهُ بِمِصْرَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ. وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال: أخبرني أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ طَاوُسًا وَعِكْرِمَةَ أَخْبَرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ «١» وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أُهِلَّ؟ قَالَ: (أَهِلِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي). قَالَ: فَأَدْرَكَتْ «٢». وَهَذَا إسناد صحيح.

стр. 848

السَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: مَنْ أحصر بعدو فلا قضاء عليه لحجه وَلَا عُمْرَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورَةً «١» لَمْ يَكُنْ حَجٌّ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى حَسَبِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا فَرْضًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ. قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ كَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجَّةً وَعُمْرَةً، لِأَنَّ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَةً. وَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَضَى حَجَّةً وَعُمْرَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَةً. وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمُ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ، عَلَى مَا تقدم. واحتجوا بحديث ميمون بن مِهْرَانَ قَالَ: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَبَعَثَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونِي أَنْ أَدْخُلَ الْحَرَمَ، فَنَحَرْتُ الْهَدْيَ مَكَانِي ثُمَّ حَلَلْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَبْدِلِ الْهَدْيَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبْدِلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﵇: (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى أَوْ عُمْرَةٌ أُخْرَى). رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى). قَالُوا: فَاعْتِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ إِنَّمَا كَانَ قَضَاءً لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ، قَالُوا: وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ، وَلَا حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا قَالَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ: إِنَّ عُمْرَتِي هَذِهِ قَضَاءٌ عَنِ الْعُمْرَةِ الَّتِي حُصِرْتُ فِيهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُ. قَالُوا: وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَعُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا وَصَالَحَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَامِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْبَيْتِ وَقَصْدِهِ مِنْ قَابِلٍ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ عُمْرَةُ القضية.

стр. 849

الثَّامِنَةُ- لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ أَنَّهُ يَحِلُّ مَكَانَهُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ غَيْرُ أَبِي ثَوْرٍ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَنْ كُسِرَ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ يَحِلُّ، فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَحِلُّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَحِلُّهُ غَيْرُهُ. وَمَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: يَحِلُّ بِالنِّيَّةِ وَفِعْلِ مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ. التَّاسِعَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْإِحْصَارَ عَامٌّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا إِحْصَارَ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ لَكِنْ فِي الصَّبْرِ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ ضَرَرٌ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتِ الْآيَةُ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ أَوِ الْمَرَضُ فَلَا يَحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِنَصِ الْخَبَرِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. الْعَاشِرَةُ- الْحَاصِرُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَوْ وَثِقَ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَيَتَحَلَّلُ بِمَوْضِعِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ سَأَلَ الْكَافِرُ جُعْلًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَهْنٌ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ بِحَالٍ، وَوَجَبَ التَّحَلُّلُ، فَإِنْ طَلَبَ شَيْئًا وَيَتَخَلَّى عَنِ الطَّرِيقِ جَازَ دَفْعُهُ، وَلَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَافِ الْمُهَجِ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الدِّينَ أَسْمَحُ. وَأَمَّا بَذْلُ الْجُعْلِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِهِمَا، وَلِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا يُنْفَقُ فِيهِ الْمَالُ، فَيُعَدُّ هَذَا مِنَ النَّفَقَةِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- وَالْعَدُوُّ الْحَاصِرُ لَا يَخْلُو أَنْ يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أولا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَلَّ الْمُحْصَرُ مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مِقْدَارٌ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ زَالَ الْعَدُوُّ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ، فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَحِلُّ مَنْ حُصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرُوحَ النَّاسُ إِلَى عَرَفَةَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ هَذَا وَقْتُ يَأْسٍ مِنْ إِكْمَالِ حَجِّهِ لِعَدُوٍّ غَالِبٍ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ فِيهِ، أَصْلُ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ. ووجه

стр. 850

قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ حُكْمِ الْإِحْرَامِ بِمَا يُمْكِنُهُ [وَالْتِزَامِهِ «١» لَهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لِلْحَاجِّ التَّحَلُّلُ بِمَا يُمْكِنُهُ] الْإِتْيَانُ بِهِ [فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ [«٢»]. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ"" مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ فَالْوَاجِبُ أَوْ فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نصب، أي فانحروا أو فاهدوا. و" فَمَا اسْتَيْسَرَ" عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ شَاةٌ. وَقَالَ ابن عمر وعائشة وابن الزبير:" فَمَا اسْتَيْسَرَ" جَمَلٌ دُونَ جَمَلٍ، وَبَقَرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَعْلَى الْهَدْيِ بَدَنَةٌ، وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وَأَخَسُّهُ شَاةٌ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِقَوْلِهِ:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" مِنَ الْهَدْيِ" الْهَدْيُ وَالْهَدِيُّ لُغَتَانِ. وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كَمْ هَدِيُّ بَنِي فُلَانٍ، أَيْ كَمْ إِبِلُهُمْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سُمِّيَتْ هَدْيًا لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَسُمِّيَتْ بِمَا يَلْحَقُ بَعْضُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ" «٣». [النساء: ٢٥]. أَرَادَ فَإِنْ زَنَى الْإِمَاءُ فَعَلَى الْأَمَةِ مِنْهُنَّ إِذَا زَنَتْ نِصْفُ مَا عَلَى الْحُرَّةِ الْبِكْرِ إِذَا زَنَتْ، فَذَكَرَ اللَّهُ الْمُحْصَنَاتِ وَهُوَ يُرِيدُ الْأَبْكَارَ، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يَكُونُ فِي أَكْثَرِهِنَّ فَسُمِّينَ بِأَمْرٍ يُوجَدُ فِي بَعْضِهِنَّ. وَالْمُحْصَنَةُ مِنَ الْحَرَائِرِ هِيَ ذَاتُ الزَّوْجِ، يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّجْمُ إِذَا زَنَتْ، وَالرَّجْمُ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَمَةِ نِصْفُهُ، فَانْكَشَفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ يُرَادُ بِهِنَّ الْأَبْكَارُ لَا أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الحجاز وبنو أسد يخفون الْهَدْيَ، قَالَ: وَتَمِيمٌ وَسُفْلَى قَيْسٍ يُثَقِّلُونَ فَيَقُولُونَ: هَدِيُّ. قَالَ الشَّاعِرُ: حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمُصَلَّى ... وَأَعْنَاقِ الْهَدْيِّ مُقَلَّدَاتِ قَالَ: وَوَاحِدُ الْهَدْيِ هَدْيَةٌ. وَيُقَالُ فِي جَمْعِ الْهَدْيِ: أَهْدَاءٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" فِيهَ سَبْعُ مَسَائِلَ:

стр. 851

الاولى- قوله تعالى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" الْخِطَابُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ: مُحْصَرٌ وَمُخَلًّى. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَاهَا لِلْمُحْصَرِينَ خَاصَّةً، أَيْ لَا تَتَحَلَّلُوا مِنَ الْإِحْرَامِ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيَ. وَالْمَحِلُّ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ. فَالْمَحِلُّ فِي حَصْرِ الْعَدُوِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: مَوْضِعُ الْحَصْرِ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى:" وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ" «١» [الفتح: ٢٥] قِيلَ: مَحْبُوسًا إِذَا كَانَ مُحْصَرًا مَمْنُوعًا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَحِلُّ الْهَدْيِ فِي الْإِحْصَارِ: الْحَرَمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" «٢» [الحج: ٣٣]. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ الْآمِنُ الَّذِي يَجِدُ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ. فَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَخَارِجٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" بِدَلِيلِ نَحْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ هَدْيَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْحَرَمِ. وَاحْتَجُّوا مِنَ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ نَاجِيَةَ ابن جُنْدُبٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْعَثْ مَعِيَ الْهَدْيَ فَأَنْحَرُهُ بِالْحَرَمِ. قَالَ: (فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ) قَالَ: أُخْرِجُهُ فِي الْأَوْدِيَةِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَأَنْطَلِقُ بِهِ حَتَّى أَنْحَرَهُ فِي الْحَرَمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يَنْحَرُ حَيْثُ حَلَّ، اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﵇ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ تَابِعٌ لِلْمُهْدِي، وَالْمُهْدِي حَلَّ بِمَوْضِعِهِ، فَالْمُهْدَى أَيْضًا يَحِلُّ مَعَهُ. الثَّانِيَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْمُحْصَرِ هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يَحِلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَقَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، قَالَ اللَّهُ تعالى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِذَا حَلَّ الْمُحْصَرُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ هديه فعليه دم، ويعود حراما كَمَا كَانَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ. وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ لَا يَحِلُّ أَبَدًا حَتَّى يَنْحَرَ أَوْ يُنْحَرُ عَنْهُ. قَالُوا: وَأَقَلُّ مَا يُهْدِيهِ شَاةٌ، لَا عَمْيَاءَ وَلَا مَقْطُوعَةَ الْأُذُنَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُمْ مَوْضِعُ صِيَامٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ ضَعْفٌ وَتَنَاقُضٌ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ لِمُحْصَرٍ بِعَدُوٍّ وَلَا مرض أن يحل

стр. 852

حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ. وَإِذَا أَجَازُوا لِلْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدَ حَامِلَهُ يَوْمًا يَنْحَرُهُ فِيهِ فَيَحِلَّ وَيَحْلِقَ فَقَدْ أَجَازُوا لَهُ أَنْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ وَبُلُوغِهِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْإِحْلَالِ بِالظُّنُونِ. وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لزمه شي مِنْ فَرَائِضِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِالظَّنِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ قَوْلُهُمْ: لَوْ عَطِبَ ذَلِكَ الْهَدْيُ أَوْ ضَلَّ أَوْ سُرِقَ فَحَلَّ مُرْسِلُهُ وَأَصَابَ النِّسَاءَ وَصَادَ أَنَّهُ يَعُودُ حَرَامًا وَعَلَيْهِ جَزَاءُ مَا صَادَ، فَأَبَاحُوا لَهُ فَسَادَ الْحَجِّ وَأَلْزَمُوهُ مَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ. وَهَذَا مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَضَعْفُ الْمَذَاهِبِ، وَإِنَّمَا بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ هَذَا كُلَّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي خِلَافِ غَيْرِهِ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا أَعْسَرَ بِالْهَدْيِ: فِيهِ قَوْلَانِ: لَا يَحِلُّ أَبَدًا إِلَّا بِهَدْيٍ. وَالْقَوْلِ الْآخَرِ: أَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فإن لم يقدر على شي كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: يَحِلُّ مَكَانَهُ وَيَذْبَحُ إِذَا قَدَرَ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَذْبَحَ إِلَّا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ذَبَحَ حَيْثُ قَدَرَ. قَالَ وَيُقَالُ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا هَدْيٌ. وَيُقَالُ: إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا كَانَ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ أَوِ الصِّيَامُ. وَإِنْ لَمْ يجد واحدا من هذه الثَّلَاثَةِ أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا إِذَا قَدَرَ. وَقَالَ فِي الْعَبْدِ: لَا يُجْزِيهِ إِلَّا الصَّوْمُ، تُقَوَّمُ لَهُ الشَّاةُ دَرَاهِمَ ثُمَّ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفُوا إِذَا نَحَرَ الْمُحْصَرُ هَدْيَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ لَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّسُكُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِحْصَارِ جَمِيعُ الْمَنَاسِكِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ- وَذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ مِنْ إِحْرَامِهِ- سَقَطَ عَنْهُ سَائِرُ مَا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُحْصَرٌ. وَمِمَّنِ احْتَجَّ بِهَذَا وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا: لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ تَقْصِيرَ وَلَا حِلَاقَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يحلق المقصر، فإن لم يحلق فلا شي عَلَيْهِ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْحِلَاقَ، وَالتَّقْصِيرُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحِلَاقَ لِلْمُحْصَرِ مِنَ النُّسُكِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَالْآخَرُ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالْحُجَّةُ

стр. 853

لِمَالِكٍ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمُحْصَرُ وَقَدْ صُدَّ عَنْهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ مَا قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. وَأَمَّا الْحِلَاقُ فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ، وَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ فَهُوَ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِلَاقَ بَاقٍ عَلَى الْمُحْصَرِ كَمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مَنْ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ سَوَاءٌ قوله تعالى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"، وَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً. وَهُوَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ وَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلَى هذا ذهب مالك وأصحابه. الحلاق عِنْدَهُمْ نُسُكٌ عَلَى الْحَاجِّ الَّذِي قَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَعَلَى مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ. الرَّابِعَةُ- رَوَى الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (وَالْمُقَصِّرِينَ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَفِي دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ" الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْ تُقَصِّرُوا. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ عَنِ الرِّجَالِ، إِلَّا شي ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحَلْقَ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ يَحُجُّهَا الْإِنْسَانُ. الْخَامِسَةُ- لَمْ تَدْخُلِ النِّسَاءُ فِي الْحَلْقِ، وَأَنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ). خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَرَأَتْ جَمَاعَةٌ أَنَّ حَلْقَهَا رَأْسَهَا مِنَ الْمُثْلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا تُقَصِّرُ مِنْ رأسها، فكان ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يَقُولُونَ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ مِثْلَ الْأُنْمُلَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَقْبُوضَةٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تُقَصِّرُ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ. وَفَرَّقَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَعَدَتْ فَتَأْخُذُ الرُّبُعَ، وَفِي الشَّابَّةِ أَشَارَتْ بِأُنْمُلَتِهَا تَأْخُذُ وَتُقَلِّلُ. وَقَالَ مَالِكٌ: تَأْخُذُ مِنْ جَمِيعِ قُرُونِ رَأْسِهَا، وما أخذت

стр. 854

مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ يَكْفِيهَا، وَلَا يُجْزِي عِنْدَهُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ بَعْضِ الْقُرُونِ وَتُبْقِيَ بَعْضًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُجْزِي مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ تَقْصِيرٍ، وَأَحْوَطُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ الْقُرُونِ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. السَّادِسَةُ- لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحِلَاقِ. وَالْأَصْلُ فِي ذلك قوله تعالى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَدَأَ فَنَحَرَ هَدْيَهُ ثُمَّ حَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدَّمَ الْحِلَاقَ قَبْلَ النَّحْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَدِّمَهُ خَطَأً وَجَهْلًا أَوْ عمدا وقصدا، فإن كان الأول فلا شي عَلَيْهِ، رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحَلْقِ عَلَى النَّحْرِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: (لَا حَرَجَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَقَالَ: (لَا حَرَجَ). السَّابِعَةُ- لَا خِلَافَ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ فِي الْحَجِّ نُسُكٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَفِي غَيْرِ الْحَجِّ جَائِزٌ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُثْلَةٌ، وَلَوْ كَانَ مُثْلَةً مَا جَازَ فِي الْحَجِّ وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَدْ حَلَقَ رُءُوسَ بَنِي جَعْفَرٍ بَعْدَ أَنْ أَتَاهُ قَتْلُهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الْحَلْقُ مَا حَلَقَهُمْ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَحْلِقُ رَأْسَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَبْسِ الشَّعْرِ وَعَلَى إِبَاحَةِ الْحَلْقِ. وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" فيه تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً" اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْعَدُوُّ لَا الْمَرَضُ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ" فَحَلَقَ" فَفِدْيَةٌ" أَيْ فعليه فدية، وإذا كان هذا وَارِدًا فِي الْمَرَضِ

стр. 855

بِلَا خِلَافٍ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ وَرَدَ فِيمَنْ وَرَدَ فِيهِ وَسَطَهَا وَآخِرَهَا، لِاتِّسَاقِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَانْتِظَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَرُجُوعِ الْإِضْمَارِ فِي آخِرِ الْآيَةِ إِلَى مَنْ خُوطِبَ فِي أَوَّلِهَا، فَيَجِبُ حَمْلٌ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُدُولِ عَنْهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، رَوَى الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ:" عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ) قَالَ نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا «١» بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا. فَقَوْلُهُ:" وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَصْرِ الْعَدُوِّ لَهُمْ، فَإِذَا الْمُوجِبُ لِلْفِدْيَةِ الْحَلْقُ لِلْأَذَى وَالْمَرَضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ- قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمُحْرِمِ يُصِيبُهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ: إِنَّهُ يُجْزِيهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْفِدْيَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" إِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِقَ، وَمَنْ قَدَرَ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ، فَلَا يَفْتَدِي حَتَّى يَحْلِقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ- قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كُلُّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِشَاةٍ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ وعكرمة ونافع أنهم قَالُوا: الصَّوْمُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَالْإِطْعَامُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهَذَا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَلَا أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ جاء من رواية أبي الزبير عن

стр. 856

مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ أَهَلَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّهُ قَمِلَ رَأْسُهُ فَأَتَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: (كَأَنَّكَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ). فَقَالَ أَجَلْ. قَالَ: (احْلِقْ وَاهْدِ هَدْيًا). فَقَالَ: مَا أَجِدُ هَدْيًا. قَالَ: (فَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ). فَقَالَ: مَا أَجِدُ. قَالَ: (صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ الِاخْتِيَارَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، وَعَامَّةُ الْآثَارِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَلُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَفَتْوَاهُمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الرَّابِعَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِطْعَامِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمُ: الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ «١» النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ. وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِدْيَةِ: مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ صَاعٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا مِثْلَهُ، جَعَلَ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ عَدْلَ صَاعِ تَمْرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (أَنْ تَصَّدَّقَ بِثَلَاثَةِ أُصُوعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ). وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَرَّةً كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَمَرَّةً قَالَ: إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ. الْخَامِسَةُ- وَلَا يُجْزِي أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ وَيُعَشِّيَهُمْ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِيهِ أَنْ يُغَدِّيَهِمْ وَيُعَشِّيَهِمْ. السَّادِسَةُ- أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ شَعْرِهِ وَجَزِّهِ وَإِتْلَافِهِ بِحَلْقٍ أَوْ نَوْرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا فِي حَالَةِ الْعِلَّةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ بِغَيْرِ عُذْرٍ عَامِدًا، فَقَالَ مَالِكٌ: بِئْسَ مَا فَعَلَ! وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ الْعَمْدُ فِي ذَلِكَ وَالْخَطَأُ، لِضَرُورَةٍ وَغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَقَالَ أَبُو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور:

стр. 857

لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ" فَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ عَامِدًا أَوْ لَبِسَ عَامِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَا غَيْرَ. السَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا، فَقَالَ مَالِكٌ ﵀: الْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَإِسْحَاقَ. وَالثَّانِي- عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَمَسِّ الطِّيبِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ أَوِ اطَّلَى، أَوْ حَلَقَ مَوَاضِعَ الْمَحَاجِمِ. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ فِي الْكُحْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ. وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَكْتَحِلَ بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ. وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْفِدْيَةُ إِذَا غَطَّتْ وَجْهَهَا أَوْ لَبِسَتِ الْقُفَّازَيْنِ، وَالْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالْجَهْلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَبَعْضُهُمْ يجعل عليهما دما في كل شي من ذلك. وقال داود: لا شي عَلَيْهِمَا فِي حَلْقِ شَعْرِ الْجَسَدِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ العلماء في موضع الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الدَّمَ بِمَكَّةَ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَالشَّافِعِيُّ: الْإِطْعَامُ وَالدَّمُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّ الصِّيَامَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سبحانه" هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" «١» [المائدة: ٩٥] رِفْقًا لِمَسَاكِينَ جِيرَانِ بَيْتِهِ، فَالْإِطْعَامُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِخِلَافِ الصِّيَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْنَ شَاءَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَالذَّبْحُ هُنَا عِنْدَ مَالِكٍ نُسُكٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ لِنَصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالنُّسُكُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، وَالْهَدْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ. وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي مُوَطَّئِهِ، وَفِيهِ: فَأَمَرَ علي بن أبي طالب ﵁ بِرَأْسِهِ- يَعْنِي رَأْسَ حُسَيْنٍ «٢» - فَحَلَقَ ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا «٣» فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا. قَالَ مَالِكٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ حُسَيْنٌ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ فِي سَفَرِهِ [ذَلِكَ «٤»] إِلَى مَكَّةَ. ففي هذا

стр. 858

أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ إِذَا نَحَرَ فِي الْحَرَمِ أَنْ يعطاه غير أهل الحرم، لان البغية في إِطْعَامُ مَسَاكِينَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَمَّا جَازَ الصَّوْمُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ بِغَيْرِ الْحَرَمِ جَازَ إِطْعَامُ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرَمِ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً" الْآيَةَ، أَوْضَحَ الدَّلَالَةَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ:" فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" لَمْ يَقُلْ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيْثُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ:" أَوْ نُسُكٍ" فسقى مَا يُذْبَحُ نُسُكًا، وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ وَلَمْ يُسَمِّهِ هَدْيًا، فَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَرُدَّهُ قِيَاسًا عَلَى الْهَدْيِ، وَلَا أَنْ نَعْتَبِرَهُ بِالْهَدْيِ مَعَ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ كَعْبًا بِالْفِدْيَةِ مَا كَانَ فِي الْحَرَمِ، فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ يَكُونُ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا فِي وَجْهٍ بَعِيدٍ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَوْ نُسُكٍ" النُّسُكُ: جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وَهِيَ الذَّبِيحَةُ يَنْسُكُهَا الْعَبْدُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى نِسَائِكَ. وَالنُّسُكُ: الْعِبَادَةُ فِي الْأَصْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَرِنا مَناسِكَنا" «١» [البقرة: ١٢٨] أَيْ مُتَعَبَّدَاتِنَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَ النُّسُكِ فِي اللُّغَةِ الْغُسْلُ، وَمِنْهُ نَسَكَ ثَوْبَهُ إِذَا غَسَلَهُ، فَكَأَنَّ الْعَابِدَ غَسَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ بِالْعِبَادَةِ. وَقِيلَ: النُّسُكُ سَبَائِكُ الْفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنْهَا نَسِيكَةٌ، فَكَأَنَّ الْعَابِدَ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِنْ دَنَسِ الْآثَامِ وَسَبَكَهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" فيه ثلاث عشرة مسألة: الا اولى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَإِذا أَمِنْتُمْ" قِيلَ: مَعْنَاهُ بَرَأْتُمْ مِنَ الْمَرَضِ. وَقِيلَ: مِنْ خَوْفِكُمْ مِنَ الْعَدُوِّ الْمُحْصِرِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. وَهُوَ أَشْبَهُ بِاللَّفْظِ إِلَّا أَنْ يَتَخَيَّلَ الْخَوْفَ مِنَ الْمَرَضِ فَيَكُونُ الْأَمْنُ مِنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ" الْآيَةَ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَنِ الْمُخَاطَبِ بِهَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ: الْآيَةُ فِي الْمُحْصَرِينَ دُونَ الْمُخَلَّى سَبِيلُهُمْ. وَصُورَةُ الْمُتَمَتِّعِ عِنْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنْ يُحْصَرَ الرَّجُلُ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، ثُمَّ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ

стр. 859

فَيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَقْضِيَ الْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ، فَهَذَا قَدْ تَمَتَّعَ بِمَا بَيْنَ الْعُمْرَةِ إِلَى حَجِّ الْقَضَاءِ. وَصُورَةُ الْمُتَمَتِّعِ الْمُحْصَرِ عِنْدَ غَيْرِهِ: أَنْ يُحْصَرَ فَيَحِلُّ دُونَ عُمْرَةٍ وَيُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَأْتِيَ مِنْ قَابِلٍ فَيَعْتَمِرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَحُجُّ مِنْ عَامِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ: الْآيَةُ فِي الْمُحْصَرِينَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ خُلِّيَ سَبِيلَهُ. الثانية- لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ التَّمَتُّعَ جَائِزٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَأَنَّ الْإِفْرَادَ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ جَائِزٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَضِيَ كُلًّا وَلَمْ يُنْكِرْهُ فِي حَجَّتِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، بَلْ أَجَازَهُ لَهُمْ وَرَضِيَهُ مِنْهُمْ، ﷺ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا كَانَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا فِي حَجَّتِهِ وَفِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ مَالِكٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُفْرِدًا، وَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ. قَالَ: وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أُرَادَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ) وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَهُوَ حُجَّةٌ مَنْ قَالَ بِالْإِفْرَادِ وَفَضْلِهِ. وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَمِلَا بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَا الْآخَرَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا عَمِلَا بِهِ. وَاسْتَحَبَّ أَبُو ثَوْرٍ الْإِفْرَادَ أَيْضًا وَفَضَّلَهُ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، قَالُوا: وَذَلِكَ أَفْضَلُ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: اخْتَرْتُ الْإِفْرَادَ، وَالتَّمَتُّعُ حَسَنٌ لَا نَكْرَهُهُ. احْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ التَّمَتُّعَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ

стр. 860

قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ- يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ- وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ [آيَةَ «١»] مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ بَعْدَ مَا شَاءَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وقاص والضحاك ابن قَيْسٍ عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضحاك ابن قَيْسٍ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قلت يا ابن أَخِي! فَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَسَأَلَهُ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ ابْنِ عُمَرَ: حَسَنٌ جَمِيلٌ. قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا. فَقَالَ: وَيْلَكَ! فَإِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِهِ، أَفَبِقَوْلِ أَبِي آخُذُ، أَمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ !؟ قُمْ عَنِّي. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ. وَرُوِيَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ. حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ لَيْثٍ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَهُوَ لَيْثُ ابن أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ وَضَرَبَ عَلَيْهَا فَسْخَ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ. فَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَلَا. وَزَعَمَ مَنْ صَحَّحَ نَهْي عُمَرُ عَنِ التَّمَتُّعِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِيُنْتَجَعَ الْبَيْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي الْعَامِ حَتَّى تَكْثُرَ عِمَارَتُهُ بِكَثْرَةِ الزُّوَّارِ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْسِمِ، وَأَرَادَ إِدْخَالَ الرِّفْقِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ بِدُخُولِ النَّاسِ تَحْقِيقًا لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ:" فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ" «٢» [إبراهيم: ٣٧]. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ مَالُوا إِلَى التَّمَتُّعِ لِيَسَارَتِهِ وَخِفَّتِهِ، فَخَشِيَ أن يضيع

стр. 861

الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ فِي اخْتِيَارِهِ التَّمَتُّعَ بِقَوْلِهِ ﷺ : (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً). أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْقِرَانُ أَفْضَلُ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: لِأَنَّهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. قَالَ إِسْحَاقُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِنًا، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَاحْتَجَّ مَنِ اسْتَحَبَّ الْقِرَانَ وَفَضَّلَهُ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ «١» يَقُولُ: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ). وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالْإِفْرَادُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَفْضَلُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَلَ، لِأَنَّ الْآثَارَ أَصَحُّ عَنْهُ فِي إِفْرَادِهِ ﷺ ، وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَكْثَرُ عَمَلًا ثُمَّ الْعُمْرَةُ عَمَلٌ آخَرُ. وَذَلِكَ كُلُّهُ طَاعَةٌ وَالْأَكْثَرُ مِنْهَا أَفْضَلُ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْمُفْرِدُ أَكْثَرُ تَعَبًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ، لِإِقَامَتِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ وَذَلِكَ أَعْظَمُ لِثَوَابِهِ. وَالْوَجْهُ فِي اتِّفَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَمَرَنَا بِالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقرن، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ:" وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ" «٢» [الزخرف: ٥١]. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: رَجَمْنَا وَرَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرَّجْمِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي حَجَّتِهِ ﵇ الْقِرَانُ، وَأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، لِحَدِيثِ عُمَرَ وَأَنْسٍ الْمَذْكُورَيْنِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا) «٣». قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: لَبِّي بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٍ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بعمرة

стр. 862

وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِنًا، وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَقَدْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، وَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ مَنْ رَآهُ: تَمَتَّعَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ. فَقَالَ مَنْ رَآهُ: أَفْرَدَ ثُمَّ قَالَ: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ). فَقَالَ مَنْ سَمِعَهُ: قَرَنَ. فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَفْرَدْتُ الْحَجَّ وَلَا تَمَتَّعْتُ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (قَرَنْتُ) كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: (كَيْفَ صَنَعْتَ) قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِكَ. قَالَ (فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ). قَالَ وَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي كَمَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ وَلَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ (. وَثَبَتَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ النَّاسِ قَدْ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ وَلَمْ تَحْلِلَّ أَنْتَ؟ قَالَ:) إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ (. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَفْرَدْتُ الْحَجَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ: (وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلَّ بِالْحَجِّ). وَهَذَا مَعْنَاهُ: فَأَنَا أُفْرِدُ الْحَجَّ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَأَنَا أُهِلُّ بِالْحَجِّ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ: وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَلَمْ يَبْقَ فِي قَوْلِهِ: (فَأَنَا أُهِلُّ بِالْحَجِّ) دَلِيلٌ عَلَى الْإِفْرَادِ. وَبَقِيَ قَوْلُهُ ﵇: (فَإِنِّي قَرَنْتُ). وَقَوْلُ أَنَسٍ خَادِمِهِ إِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا) نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْقِرَانِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجٍّ بَعْدَهَا. الرَّابِعَةُ- وَإِذَا مَضَى الْقَوْلُ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ فَالتَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، مِنْهَا وَجْهٌ وَاحِدٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، وَالثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ

стр. 863

فِيهَا. فَأَمَّا الْوَجْهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فَهُوَ التَّمَتُّعُ المراد بقول اللَّهِ :" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" وَذَلِكَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ- عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهَا- وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ أَقَامَ حَلَالًا «١» بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ، أَوْ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِيقَاتِ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَذَلِكَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يَذْبَحُهُ وَيُعْطِيهِ لِلْمَسَاكِينَ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ- عَلَى مَا يَأْتِي- وَلَيْسَ لَهُ صِيَامُ يَوْمِ النَّحْرِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا يَأْتِي. فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُتْعَةِ، وَرَابِطُهَا ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. الثَّانِي- فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ. الثَّالِثُ- فِي عَامٍ وَاحِدٍ. الرَّابِعُ- فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. الْخَامِسُ- تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ. السَّادِسُ- أَلَّا يَمْزُجَهَا، بَلْ يَكُونُ إِحْرَامُ الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ. السَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ. الثَّامِنُ- أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ تَجِدْهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ: الْقِرَانُ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَيُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرهَا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا، فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا، عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ، وَهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، لحديث. وَفِيهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ ﷺ لِعَائِشَةَ يَوْمَ النَّفْرِ «٢» وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَحَاضَتْ: (يَسَعُكِ طَوَافُكِ لحجك وعمرتك) في رواية:

стр. 864

(يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ- أَوْ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ، عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَبُو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن ابن صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ. أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَضَعَّفَهَا كُلَّهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ، لِأَنَّ الْقَارِنَ يَتَمَتَّعُ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ، مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى، وَيَتَمَتَّعُ بِجَمْعِهِمَا، ولم يحرم لكل واحدة مِنْ مِيقَاتِهِ، وَضَمَّ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِ اللَّهِ :" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ". وَهَذَا وَجْهُ مِنَ التَّمَتُّعِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ إِلَّا بِسِيَاقِ الْهَدْيِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ بَدَنَةٌ لَا يَجُوزُ دُونَهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ تَمَتُّعٌ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ، وَتَلَا قول الله :" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" فَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَلَا تَمَتُّعٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَا سَمِعْتُ أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: إِذَا قَرَنَ الْمَكِّيُّ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الدَّمَ وَالصِّيَامَ فِي التَّمَتُّعِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ التَّمَتُّعِ: هُوَ الَّذِي تَوَعَّدَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ هَذَا بَعْدُ هَلُمَّ «١» جَرَّا، وَذَلِكَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ حَجَّهُ فِي عُمْرَةٍ، ثُمَّ حَلَّ وَأَقَامَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ «٢». فَهَذَا هو الوجه الذي

стр. 865

تَوَارَدَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَسُقْهُ وَقَدْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ الْآثَارِ بِذَلِكَ عَنْهُ ﷺ وَلَمْ يَدْفَعُوا شَيْئًا مِنْهَا، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ لِعِلَلٍ فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا، لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ خُصُوصٌ خَصَّ بِهَا رَسُولُ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: (كَانَتِ الْمُتْعَةُ لَنَا فِي الْحَجِّ خَاصَّةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:) لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَمُتْعَةَ الْحَجِّ (. وَالْعِلَّةِ فِي الْخُصُوصِيَّةِ وَوَجْهُ الْفَائِدَةِ فِيهَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ:) كَانُوا «١» يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ «٢» الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرُ، وَعَفَا الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ. فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ «٣» مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ «٤»؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ لِأَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحَجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْوَبَرُ، وَبَرَّأَ الدَّبَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ. فَقَدْ كَانُوا يُحْرِمُونَ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجَّةِ، فَمَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ إِلَّا لِيُنْقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنما فَسَخَ الْحَجَّ فِي الْعُمْرَةِ لِيُرِيَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهَا. وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كل من

стр. 866

دَخَلَ فِيهَا أَمْرًا مُطْلَقًا، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُخَالِفَ ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا إِلَى مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ مِنْ كِتَابٍ نَاسِخٍ أَوْ سُنَّةٍ مُبَيَّنَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَبِحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُسِخَ الْحَجُّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: (بَلْ لَنَا خَاصَّةً). وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ والعراق والشام، إلا شي يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرُدُّ تِلْكَ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ الصِّحَاحَ فِي فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ بِحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ وَبِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى مَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَلَوْ أَجْمَعُوا كَانَ حُجَّةً، قَالَ: وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبَا ذَرٍّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ خُصُوصًا. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي الْحَجِّ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأبد؟ فشك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: (دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الحج- مرتين «١» - لا بل لا بد أَبَدٍ) لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَإِلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَالَ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ تَرْجَمَ" بَابَ مَنْ لَبَّى بِالْحَجِّ وَسَمَّاهُ" وَسَاقَ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِحْلَالِ كَانَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ. وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ ذَلِكَ الْوَجْهَ، وَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانُوا فَرَضُوا الْحَجَّ أَوَّلًا، بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُهِلُّوا مُطْلَقًا وَيَنْتَظِرُوا مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَهَلَّ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ. وَكَذَلِكَ كَانَ إِحْرَامُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) فَكَأَنَّهُ خَرَجَ يَنْتَظِرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقَالَ قُلْ حَجَّةً فِي عُمْرَةٍ).

стр. 867

وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتْعَةِ: مُتْعَةُ الْمُحْصَرِ وَمَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ، ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ وَاللَّهُ لَيْسَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كَمَا تَصْنَعُونَ، وَلَكِنِ التَّمَتُّعُ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ حَاجًّا فَيَحْبِسُهُ عَدُوٌّ أَوْ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَتَمَتَّعُ بِحِلِّهِ إِلَى الْعَامِ الْمُسْتَقْبِلِ ثُمَّ يَحُجُّ وَيُهْدِي. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْمُحْصَرِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مُبَيِّنًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَحِلُّ وَلَكِنَّهُ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يُذْبَحَ عَنْهُ الْهَدْي يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَحْلِقُ وَيَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَقْدَمَ مَكَّةَ فَيَتَحَلَّلُ مِنْ حَجِّهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى:" فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" بَعْدَ قَوْلِهِ:" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" وَلَمْ يَفْصِلْ فِي حُكْمِ الْإِحْصَارِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حِينَ أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ حَلُّوا وَحَلَّ، وَأَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا لِمَ سُمِّيَ الْمُتَمَتِّعُ مُتَمَتِّعًا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِكُلِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ فِعْلُهُ مِنْ وَقْتِ حِلِّهِ فِي الْعُمْرَةِ إِلَى وَقْتِ إِنْشَائِهِ الْحَجَّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْعُمْرَةِ أَنْ تُقْصَدَ بِسَفَرٍ، وَحَقَّ الْحَجِّ كَذَلِكَ، فَلَمَّا تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ هَدْيًا، كَالْقَارِنِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَعَمُّ، فَإِنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ لِلْحَلَالِ أَنْ يفعله، وسقط عنه السفر لحجه مِنْ بَلَدِهِ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِهِ فِي الْحَجِّ. وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي كَرِهَهُ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَا أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: يَأْتِي أَحَدُكُمْ مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ هَذَا. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا كَرِهَهُ عُمَرُ لِأَنَّهُ أَحَبُّ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي الْحَجِّ، وَمَرَّةً فِي الْعُمْرَةِ. وَرَأَى الْإِفْرَادَ أَفْضَلَ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِهِ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ

стр. 868

وَيَنْهَى عَنْ غَيْرِهِ اسْتِحْبَابًا، وَلِذَلِكَ قَالَ: افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ و [أتم «١»] لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. الْخَامِسَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَمَنْزِلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ. قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ، رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ: لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ. وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ" حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ" وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَحَجَّتُهُ ظاهر الكتاب قوله :" فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ" وَلَمْ يَسْتَثْنِ: رَاجِعًا إِلَى أَهْلِهِ وَغَيْرَ رَاجِعٍ، وَلَوْ كَانَ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ مُرَادٌ لَبَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ . وقد روي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَهِيَ مُتْعَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ قَوْلَانِ هُمَا أَشَدُّ شُذُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى دَخَلَ وَقْتَ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ، وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَذَلِكَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ شُهُورَ الْحَجِّ أَحَقُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْعُمْرَةِ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جَائِزَةٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَالْحَجُّ إِنَّمَا مَوْضِعُهُ شُهُورٌ مَعْلُومَةٌ، فَإِذَا جَعَلَ أَحَدٌ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَدْ جَعَلَهَا فِي مَوْضِعٍ كَانَ الْحَجُّ أَوْلَى بِهِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَخَّصَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رسوله ﷺ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ وَلِلْقَارِنِ وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْرِدَهَا، رَحْمَةً مِنْهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ قَالَهُ فِي الْمَكِّيِّ إِذَا تَمَتَّعَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهَذَا لَمْ يُعَرَّجْ عَلَيْهِ، لِظَاهِرِ قوله تعالى:" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" وَالتَّمَتُّعُ الْجَائِزُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مَا أَوْضَحْنَاهُ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَبِاللَّهِ توفيقنا.

стр. 869

السَّادِسَةُ- أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ لَوْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَحَجَّ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ. وَأَجْمَعُوا فِي المكي يجئ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يُنْشِئُ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَأَهْلُهُ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَسْكُنْ سِوَاهَا أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَكَنَ غَيْرَهَا وَسَكَنَهَا وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَهْلٌ وَفِي غَيْرِهَا. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنِ انْتَقَلَ مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِهِ ثُمَّ قَدِمَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. السَّابِعَةُ- وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ لِعُمْرَتِهِ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعَلَيْهِ بَعْدُ أَيْضًا طَوَافٌ آخَرُ لِحَجِّهِ وَسَعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا طَوَافُ الْقَارِنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَنْشَأَ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ عَمِلَ لَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ، يُرِيدُ إِنْ كَانَ حَلَ مِنْهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَإِنْ كَانَ حَلَ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَكْمُلُ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى كَمَالِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: عُمْرَتُهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فيه، وروي معنى ذلك عن جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ طَاوُسٌ: عُمْرَتُهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْحَرَمَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ طَافَ لَهَا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ، وَأَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي شَوَّالَ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. وَإِنْ طَافَ فِي رَمَضَانَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، وَفِي شَوَّالٍ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا دَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَسَوَاءٌ أَطَافَ لَهَا فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: عُمْرَتُهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فِيهِ.

стр. 870

التَّاسِعَةُ- أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا الْحَجُّ مَا لَمْ يَفْتَتِحِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَيَكُونُ قَارِنًا بِذَلِكَ، يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْقَارِنَ الذي أنشأ الحج والعمرة معا. واختلقوا فِي إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنِ افْتَتَحَ الطَّوَافَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ قارنا ما لم يتم طَوَافَهُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا قَبْلَ الْأَخْذِ فِي الطَّوَافِ، وَقَدْ قِيلَ: لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ. وَكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. فَإِذَا طاف المعتمر شوطا واحد لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ صَارَ قَارِنًا، وَسَقَطَ عَنْهُ بَاقِي عُمْرَتِهِ وَلَزِمَهُ دَمُ الْقِرَانِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي أَضْعَافِ طَوَافِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يُكْمِلِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا كُلُّهُ شُذُوذٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِذَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا وَاحِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَارِنًا، وَمَضَى عَلَى عُمْرَتِهِ حَتَّى يُتِمَّهَا ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. الْعَاشِرَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ: لَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ عَلَى الْحَجِّ، وَمَنْ أَضَافَ الْعُمْرَةَ إِلَى الْحَجِّ فَلَيْسَتِ الْعُمْرَةُ بِشَيْءٍ، قَالَهُ مَالِكٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ بِمِصْرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يَصِيرُ قَارِنًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْقَارِنِ مَا لَمْ يَطُفْ بِحَجَّتِهِ شَوْطًا وَاحِدًا، فَإِنْ طَافَ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الْحَجِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِقَوْلِ مَالِكٍ أَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا لِلْعُمْرَةِ وهو متمتع لم يجزه ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِمُتْعَتِهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا إِذَا أَنْشَأَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ: لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إِنْ قَدِمَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ الْعَشْرِ طَافَ وَسَعَى وَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَنْحَرْ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ وَسَعَى، سَاقَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَسُقْهُ.

стр. 871

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمُتَمَتِّعِ يَمُوتُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِذَلِكَ، حَكَاهُ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ يَمُوتُ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بِعَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا، أَتَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا؟ قَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُولَئِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا، وَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ. قِيلَ لَهُ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أو من الثلث؟ قال: بل من واس الْمَالِ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ" قد تقدم الكلام فيه. [سورة البقرة (٢): آية ١٩٦] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ لَمْ يَجِدْ" يَعْنِي الْهَدْيَ، إِمَّا لِعَدَمِ الْمَالِ أَوْ لِعَدَمِ الْحَيَوَانِ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ. وَالثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ فِي الْحَجِّ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، هَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَلْقَمَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَصُومُهَا فِي إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ إِحْرَامَيِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ صَوْمُ الْأَيَّامِ فِيهِ كَإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا وَأَصْحَابُهُ: يَصُومُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُنْذُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:" فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ" فَإِذَا صَامَهَا فِي الْعُمْرَةِ فَقَدْ أَتَاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فَلَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَصُومُهُنَّ مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي مُوَطَّئِهِ، لِيَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا، فَذَلِكَ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ، وَأَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي. وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: جَائِزٌ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَصُومُهُنَّ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ: يَصُومُهَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَقَالَهُ أَيْضًا مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أهل المدينة.

стр. 872

وَأَيَّامُ مِنًى هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:" الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى". وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّوْمِ مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ الْمُتَمَتِّعِ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَبْدَأٌ، إِمَّا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ مِنًى وَقْتُ الْقَضَاءِ، عَلَى مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الصِّيَامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِبْرَاءَ لِلذِّمَّةِ، وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَالْأَظْهَرُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ، كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلَ مِنْ آخِرِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَأَنَّهَا أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:" أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَوْضِعَ الْحَجِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَيَّامَ الْحَجِّ فَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ آخِرَ أَيَّامِ الْحَجِّ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ أَيَّامِ الْحَجِّ أَيَّامَ الرَّمْيِ، لِأَنَّ الرَّمْيَ عَمَلٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ خَالِصًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْكَانِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَوْضِعَ الْحَجِّ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ، وَيَقْوَى جِدًّا. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا ابْتِدَاءً إِلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ إِلَّا بِأَلَّا يَجِدُ الْهَدْي يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ: الثَّانِيَةُ- فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى، قِيلَ لَهُ: إِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ فَهُوَ عَامٌّ يُخَصَّصُ مِنْهُ الْمُتَمَتِّعُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَصُومُهَا. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْي. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ ضَعَّفَهَا. وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي صَوْمِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِهِ إِلَّا بِمِقْدَارِهَا، وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ صَامَ بَعْدَ أَيَّامِ التشريق، وقاله الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ.

стр. 873

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الْهَدْي. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَنْهُ، فَتَأَمَّلْهُ. الثَّالِثَةُ- أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِدُّ الْهَدْيَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْهَدْيِ فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ إِكْمَالِ صَوْمِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَاهُ الصِّيَامُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْضِي فِي صَوْمِهِ وَهُوَ فَرْضُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا أَيْسَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ صَوْمِهِ بَطَلَ الصَّوْمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَيْسَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ لَا يَرْجِعُ إِلَى الْهَدْيِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَحَمَّادٌ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَسَبْعَةٍ" قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالْخَفْضِ عَلَى الْعَطْفِ. وقرا زيد ابن عَلِيٍّ" وَسَبْعَةً" بِالنَّصْبِ، عَلَى مَعْنَى: وَصُومُوا سَبْعَةً. الخامسة- قوله تعالى:" إِذا رَجَعْتُمْ" يعنى إلى بلادكم، قاله ابن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء، وقال مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ: هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تعالى، فلا يجب أَحَدٍ صَوْمُ السَّبْعَةِ إِلَّا إِذَا وَصَلَ وَطَنَهُ، إِلَّا أَنْ يَتَشَدَّدَ أَحَدٌ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَصُومُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يُجْزِيهِ الصَّوْمُ فِي الطَّرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ، إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِذَا رَجَعْتُمْ مِنَ الْحَجِّ، أَيْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحِلِّ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ: إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" إِنْ كَانَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الرُّخَصِ وَتَرْكُ «١» الرِّفْقِ فِيهَا إِلَى الْعَزِيمَةِ إِجْمَاعًا. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَوْقِيتًا فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ أَرَادَ الْبِلَادَ، وَأَنَّهَا المراد في الأغلب «٢»."

стр. 874

قُلْتُ: بَلْ فِيهِ ظَاهِرٌ يَقْرُبُ إِلَى النَّصِّ، يُبَيِّنُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسُ مَنْ أَهْدَى «١» فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهدى فإنه لا يحل من شي حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) الْحَدِيثَ. وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامَ إِلَّا فِي أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَى أمصاركم «٢» " [البقرة ١٩٦] الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي. قَالَ النَّحَّاسُ: وَكَانَ هَذَا إِجْمَاعًا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ" يُقَالُ: كَمَلَ يَكْمُلُ، مِثْلَ نَصَرَ يَنْصُرُ. وَكَمُلَ يَكْمُلُ، مِثْلَ عَظُمَ يَعْظُمُ. وَكَمِلَ يَكْمَلُ، مِثْلَ حَمِدَ يَحْمَدُ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:" تِلْكَ عَشَرَةٌ" وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ التَّخْيِيرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَوْ سَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ بَدَلًا مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَسَبْعَةٌ أُخْرَى- أُزِيلَ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ مِنْ قَوْلِهِ" تِلْكَ عَشَرَةٌ" ثُمَّ قَالَ:" كامِلَةٌ". وَقَالَ الْحَسَنُ:" كامِلَةٌ" فِي الثَّوَابِ كَمَنْ أَهْدَى. وَقِيلَ:" كامِلَةٌ" فِي الْبَدَلِ عَنِ الْهَدْيِ، يَعْنِي الْعَشَرَةَ كُلَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْهَدْيِ. وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ كَمَنْ لَمْ يَتَمَتَّعْ. وَقِيلَ: لَفْظُهَا لَفْظُ الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ، أَيْ أَكْمِلُوهَا فَذَلِكَ فَرْضُهَا. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ:" عَشَرَةٌ" دَلَالَةٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْعَدَدِ، لِئَلَّا يتوهم متوهم أنه قد بقي

стр. 875

منه شي بَعْدَ ذِكْرِ السَّبْعَةِ. وَقِيلَ: هُوَ تَوْكِيدٌ، كَمَا تَقُولُ: كَتَبْتُ بِيَدَيَّ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: ثَلَاثٌ وَاثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْسٌ ... وَسَادِسَةٌ تَمِيلُ إِلَى شِمَامِي فَقَوْلُهُ" خَمْسٌ" تَأْكِيدٌ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْآخَرِ: ثَلَاثٌ بالغداة فذاك حسبي ... وَسِتٌّ حِينَ يُدْرِكُنِي الْعِشَاءُ فَذَلِكَ تِسْعَةٌ فِي الْيَوْمِ رَيِّي ... وَشُرْبُ الْمَرْءِ فَوْقَ الرِّيِّ دَاءُ وَقَوْلُهُ" كامِلَةٌ" تَأْكِيدٌ آخَرُ، فِيهِ زِيَادَةُ تَوْصِيَةٍ بِصِيَامِهَا وَأَلَّا يَنْقُصَ مِنْ عَدَدِهَا، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تَأْمُرُهُ بِأَمْرٍ ذِي بَالٍ: اللَّهَ اللَّهَ لَا تُقَصِّرْ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" أَيْ إِنَّمَا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ عَنِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ) طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: (مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيَ مَحِلَّهُ) ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ" إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تُجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ :" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ شَوَّالٌ وَذُوُ الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي. وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ.

стр. 876

الثَّامِنَةُ- اللَّامُ فِي قَوْلِهِ" لِمَنْ" بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَقَوْلِهِ ﵇: (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها" «١» [الاسراء: ٧] أَيْ فَعَلَيْهَا. وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ لِلْغَرِيبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، لَا مُتْعَةَ وَلَا قِرَانَ لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَهُمْ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ دَمُ جِنَايَةٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ تَمَتُّعٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمْ دَمُ تَمَتُّعٍ «٢» وَقِرَانٍ. وَالْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إِلَى الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ، فَلَا هَدْيَ وَلَا صِيَامَ عَلَيْهِمْ. وَفَرَّقَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَأَوْجَبَ الدَّمَ فِي الْقِرَانِ وَأَسْقَطَهُ فِي التَّمَتُّعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. التَّاسِعَةُ- وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ حَاضِرِيهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ- فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ حَضَرِيٌّ، وَمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَدْوِيٌّ، فَجَعَلَ اللَّفْظَةَ مِنَ الْحَضَارَةِ وَالْبَدَاوَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا خَاصَّةً. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: هُمْ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَهَا فَهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: هُمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَذَاهِبُ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَاتَّقُوا اللَّهَ" أَيْ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ بِالتَّقْوَى على العموم، وتحذير من شدة عقابه. [سورة البقرة (٢): آية ١٩٧] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)

стр. 877

فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ" لَمَّا ذَكَرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فِي قَوْلِهِ:" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" [البقرة: ١٩٦] بَيَّنَ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْوَقْتِ، فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَوَقْتُ الْعُمْرَةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ فَيَقَعُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَلَا يَكُونُ فِي غَيْرِ هذه الأشهر. و" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ، أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ، أَوْ وَقْتُ عَمَلِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: الْحَجُّ فِي أَشْهُرٍ. وَيَلْزَمُهُ مَعَ سُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ نَصْبُ الْأَشْهُرِ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ بِنَصْبِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَشْهُرُ رُفِعَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَسَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ يَقُولُ: إِنَّمَا الصَّيْفُ شَهْرَانِ، وَإِنَّمَا الطَّيْلَسَانُ «١» ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. أَرَادَ وَقْتَ الصَّيْفِ، وَوَقْتَ لِبَاسِ الطَّيْلَسَانِ، فَحَذَفَ. الثَّانِيَةُ- وَاخْتُلِفَ فِي الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَالرَّبِيعُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وذو العقدة وَذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ: هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرَةٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَوْلَانِ مَرْوِيَّانِ عَنْ مَالِكٍ، حَكَى الْأَخِيرَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَالْأَوَّلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَفَائِدَةُ الْفَرْقِ تَعَلُّقُ الدَّمِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ ذَا الْحَجَّةِ كُلَّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يردما فِيمَا يَقَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ يَنْقَضِي الْحَجُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَيَلْزَمُ الدَّمُ فِيمَا عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ. الثَّالِثَةُ- لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى أَشْهُرَ الْحَجِّ فِي كِتَابِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ. وَلَفْظُ الْأَشْهُرِ قَدْ يَقَعُ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ، لِأَنَّ بَعْضَ الشَّهْرِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كُلِّهِ، كَمَا يُقَالُ: رَأَيْتُكَ سَنَةَ كَذَا، أَوْ عَلَى عَهْدِ فُلَانٍ. وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا رَآهُ فِي سَاعَةٍ مِنْهَا، فَالْوَقْتُ يُذْكَرُ بَعْضُهُ بِكُلِّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَيَّامَ مِنًى ثَلَاثَةٌ). وَإِنَّمَا هِيَ يَوْمَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ. وَيَقُولُونَ: رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ، وَجِئْتُكَ الْعَامَ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ الِاثْنَانِ وَمَا فوقهما جمع «٢» قال أشهر، والله أعلم.

стр. 878

الرَّابِعَةُ- اخْتُلِفَ فِي الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ غَيْرَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرَمَ بِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ عَنْ حَجِّهِ وَيَكُونُ عُمْرَةً، كَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ لَا تُجْزِيهِ وَتَكُونُ نَافِلَةً، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذَا مَكْرُوهٌ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ جَوَازُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَا يحل حتى يقضي حجه، لقوله تعالى:" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" [البقرة: ١٨٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَصَحُّ، لِأَنَّ تِلْكَ عَامَّةٌ، وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ النَّصِّ عَلَى بَعْضِ أَشْخَاصِ الْعُمُومِ، لِفَضْلِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ على غيرها، وعليه فيكون قول مالك صحيح، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ" أَيْ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَصْدًا بَاطِنًا، وَبِالْإِحْرَامِ فِعْلًا ظَاهِرًا، وَبِالتَّلْبِيَةِ نُطْقًا مَسْمُوعًا، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي التَّلْبِيَةِ. وَلَيْسَتِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ. وَأَوْجَبَ التَّلْبِيَةَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَغَيْرُهُمْ. وَأَصْلُ الْفَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْحَزُّ وَالْقَطْعُ، وَمِنْهُ فُرْضَةُ «١» الْقَوْسِ وَالنَّهَرِ وَالْجَبَلِ. فَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ لَازِمَةٌ لِلْعَبْدِ الْحُرِّ كلزوم الخز لِلْقَدَحِ. وَقِيلَ:" فَرَضَ" أَيْ أَبَانَ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ مَنْ قَطَعَ شَيْئًا فَقَدْ أَبَانَهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَ" مَنْ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَمَعْنَاهَا الشَّرْطُ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ:" فَرَضَ"، لِأَنَّ" مَنْ" لَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: رَجُلٌ فَرْضٌ. وَقَالَ:" فِيهِنَّ" وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَقَالَ الْمَازِنِيُّ أَبُو عُثْمَانَ: الْجَمْعُ الْكَثِيرُ لِمَا لَا يَعْقِلُ يَأْتِي كَالْوَاحِدَةِ الْمُؤَنَّثَةِ، وَالْقَلِيلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، تَقُولُ: الْأَجْذَاعُ انْكَسَرْنَ، وَالْجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ" [التوبة: ٣٦] ثم قال:" مِنْها".

стр. 879

السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلا رَفَثَ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمَالِكٌ: الرَّفَثُ الْجِمَاعُ، أَيْ فَلَا جِمَاعَ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ، وَعَلَيْهِ حج قابل والهدى. وقال عبد الله ابن عُمَرَ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمُ: الرَّفَثُ الْإِفْحَاشُ لِلْمَرْأَةِ بِالْكَلَامِ، لِقَوْلِهِ: إِذَا أَحْلَلْنَا فَعَلْنَا بِكَ كَذَا، مِنْ غَيْرِ كِنَايَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا «١» فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ: أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ! فَقَالَ: إِنَّ الرَّفَثَ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الرَّفَثُ الْإِفْحَاشُ بِذِكْرِ النِّسَاءِ، كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِنَّ أَمْ لَا. وَقِيلَ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِمَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ اللَّغَا مِنَ الْكَلَامِ، وَأَنْشَدَ: وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ يُقَالُ: رَفَثَ يَرْفُثُ، بِضَمِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ" فَلَا رُفُوثَ" عَلَى الْجَمْعِ. قال ابن العربي: المراد بقوله" فَلا رَفَثَ" نَفْيُهُ مَشْرُوعًا لَا مَوْجُودًا، فَإِنَّا نَجِدُ الرَّفَثَ فِيهِ وَنُشَاهِدُهُ، وَخَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ النَّفْيُ إِلَى وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا إِلَى وُجُودِهِ مَحْسُوسًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ" «٢» [البقرة: ٢٢٨] مَعْنَاهُ: شَرْعًا لَا حِسًّا، فَإِنَّا نَجِدُ الْمُطَلَّقَاتِ لَا يَتَرَبَّصْنَ، فَعَادَ النَّفْيُ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا إِلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" «٣» [الواقعة: ٧٩] إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْآدَمِيِّينَ- وَهُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَرْعًا، فَإِنْ وُجِدَ الْمَسُّ فَعَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ هِيَ الَّتِي فَاتَتِ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا: إِنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ، فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً وَمُتَضَادَّانِ وَصْفًا. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا فُسُوقَ" يَعْنِي جَمِيعَ الْمَعَاصِي كُلَّهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَجَمَاعَةٌ: الْفُسُوقُ إِتْيَانُ مَعَاصِي اللَّهِ

стр. 880

فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَقَصِّ الظُّفْرِ وَأَخْذِ الشَّعْرِ، وَشَبَهِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ: الْفُسُوقُ الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" «١» [الانعام: ١٤٥]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفُسُوقُ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:" بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ" «٢» [الحجرات: ١١]. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا: الْفُسُوقُ السِّبَابُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ). وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ. قَالَ ﷺ : (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ لَا رَفَثَ فِيهَا وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ (. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَثْنَاءَ أَدَائِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَهُ، ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀. قُلْتُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ لَا بَعْدُهُ. قَالَ الْحَسَنُ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَسَيَأْتِي. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ" قُرِئَ" فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ" بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ فِيهِمَا. وَقُرِئَا بِالنَّصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَأَجْمَعُوا عَلَى الْفَتْحِ فِي" وَلا جِدالَ"، وَهُوَ يُقَوِّي قِرَاءَةَ النَّصْبِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّفْيُ الْعَامُّ مِنَ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ، وَلِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ فِي عُمُومِ الْمَنْفِيِّ كُلِّهِ، وَعَلَى النَّصْبِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ. وَالْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ فِي مَوْضِعِ «٣» رَفْعٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ" لَا". وَقَوْلُهُ" فِي الْحَجِّ" خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِهَا. وَوَجْهُ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ أَنَّ" لَا" بِمَعْنَى" لَيْسَ" فَارْتَفَعَ الِاسْمُ بَعْدَهَا، لِأَنَّهُ اسْمُهَا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ فِي الْحَجِّ، دَلَّ عَلَيْهِ" فِي الْحَجِّ" الثَّانِي الظَّاهِرِ وَهُوَ خَبَرٌ" لَا جِدالَ". وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: الرَّفْعُ بِمَعْنَى فَلَا يَكُونَنَّ رفث ولا فسوق، أي شي يُخْرِجُ مِنَ الْحَجِّ، ثُمَّ ابْتَدَأَ النَّفْيَ فَقَالَ: ولا جدال.
следующие страницы →