Полный текст (844 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العقد المنظوم
في الخصوص والعموم
للعلامة الأصولي: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (٦٢٦ - ٦٨٢ هـ)
أطروحة لنيل الدكتوراه في أصول الفقه
(جامعة أم القرى)
دراسة وتحقيق
الدكتور: أحمد الختم عبد الله
المكتبة المكية - دار الكتبي
стр. 2
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكر وتقدير
стр. 4
مقدمة
стр. 5
خطة البحث
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي ونعم الوكيل
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
الحمد لله الذي أسبغ نعمه على الخلاق عموما وخصوصا, ونوَّع للدلائل في الشرع ظواهرا ونصوصا وخصص أهل طاعته بكرامته تخصيصا, وقيد الكائنات بمشيئته فلا يجد كائن عنها محيصاً, وأطلق الخيرات لنيل الدرجات فأضحى الشيطان بإطلاقها مغصوصاً.
وصلى الله على سيدنا محمد الذي بعثه عزيزا عليه, وعلى إيمان الثقلين حريصاً, وعلى آله وصحبه الذين صار كل منهم بذروة الشرف خصيصاً, صلاةً لا نخاف معها يوم القيامة كدراً ولا تنقيصاً.
أما بعد, فإني رأيت كثيراً من الفقهاء النبلاء الذين يشتغلون بأصول الفقه ويزعمون أنهم حازوا قصب السبق لا يحقق معنى العموم والخصوص في
стр. 7
موارده حيث وجده, ويلتبس عليه العام والمطلق إذا انتقده, ولم أجد في كتب أصول الفقه وغيرها من صيغ العموم إلا نحو عشرين صيغة.
ومقتضى ذلك أن يكون ما عداها صيغة في لسان العرب والعموم, بل أكثر من ذلك يعضدها النقل والاستدلال على ما ستقف عليه, إن شاء
стр. 8
الله تعالى, ووجدت مسمى العموم في اللغة خفياً جداً على الفضلاء, حتى أني حاولت تحريره مع من تيسر لي الاجتماع به منهم, فلم أجده يجد لتحرير ذلك سبيلا, بل يدور عنده اللفظ العام بين أن يكون موضوعاً لقدر مشترك بين أفراده, فيكون مطلقاً, لا عاماً, وبين أن يكون قد تعرض الواضع فيه لخصوصيات تلك المحال, فيكون اللفظ مشتركاً, مع أن صيغ العموم ليست مشتركة على الصحيح من المذاهب ومجملة مع أنها غير مجملة عند مثبتيها, وبين أن يكون اللفظ العام موضوعاً لمجموع الأفراد من حيث هو
стр. 9
مجموع, فيتعذر الاستدلال به حالة النفي والنهي على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى, والحق في صيغ العموم وراء ذلك كله.
ووجدتهم يعدون المخصصات المتصلة أربعة في لغة العرب, ووجدتها نحو العشرة, ووجدتهم يسوون في استعمال العام والأعم بين النية المؤكدة, والنية المخصصة, وهو خطأ, ووجدتهم في حمل المطلق على المقيد يسوون بين الكلية والكلي, والأمر والنهي, والنفي والثبوت, وهو لا يصح, إلى غير ذلك من المباحث المتعلقة بالعموم والإطلاق مما يتعين تمييزه وتحريره, فأردت أن أجمع في ذلك كتاباً يقع التنبيه فيه على غوامض هذه المواضع, واستنارة فوائدها, وضبط فرائدها, بحيث يصير للواقف على هذا الكتاب ملكة جيدة في تحرير هذه القواعد, وضبط هذه المعاقد إن شاء الله تعالى.
стр. 10
وسميته العقد المنظوم في الخصوص والعموم , ورتبته على خمسة وعشرين باباً, مستعيناً بالله تعالى على خلوص النية, وحصول البغية, وحصول النفع به لأهله, فإن كل شيء هالك إلا وجه, .
نسأله بجلاله أن يجعلنا من أهل طاعته, والفائزين بكرامته, والسالمين من نقمته, بمنه وكرمه, إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
стр. 11
الباب الأول: في إطلاقات العلماء العام والأعم
اعلم أن من الناس من يسوي بين الإطلاقين, ولا يفرق بينهما, ومنهم من يفرق فيقول للعموم اللفظي: عام, وللعموم المعنوي: أعم, على وزن أفعل التفضيل, وهو أنسب من وجهين:
أحدهما: أن الأصل اختلاف الأسماء عند اختلاف المسميات, والأصل أيضا عدم الترادف.
وثانيهما: أن المعنى هو الأصل والمقصد, واللفظ إنما هو وسيلة ووصلة إليه, فهو أخفض رتبة من المعنى, فناسب أن يكون الأعلى رتبة مسمى, فسمي بصيغة أفعل التي هي للتفضيل وعلو الرتبة, إعطاء له ما
стр. 12
يستحقه, فيقال له: أعم, وسمي العموم اللفظي بصيغة عام التي هي اسم فاعل من غير إشعار فيها بمزيد الرتبة, فيحصل حينئذ إعطاء كل منهما ما يستحقه, ويحصل التفاهم عند التخاطب على الوجه الأقرب, فمتى قيل: هذا أعم, تبادر الذهن للمعنى، ومتى قيل: عام, تبادر الذهن للفظ, ويكون قبالة لفظ: الأعم لفظ: الأخص, وقبالة لفظ: العام لفظ: الخاص, فمتى قيل: هذا أخص, انتقل الذهن إله الأخص المعنوي كالنوع من الجنس, ومتى قيل: هذا خاص, انتقل الذهن إلى اللفظ الذي هو أقل أفراداً من من لفظ آخر أو هو عام مخصوص.
стр. 13
فتميزت الحقائق حينئذ, وانتفى الَّلبْسُ عن المخاطبات, فكان ذلك أولى من إهمال هذه المزايا والخصوصيات.
стр. 14
الباب الثاني في بيان أنهم يطلقون العام والأعم على التردُدِ المتقَّدم في الباب الأول على عموم الشمول وهو الأصل , وعلى
عموم الصلاحية وهو المطلق الذي هو قسم للعام.
فيسمون المطلق عامًا, بسبب أن موارده عامة, غير منحصرة, لا أنه في نفسه عام, فقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ مطلق, والمقصود بها: القدر المشترك بين جميع الرقاب, غير أن المكلف لما كان له أن يعين هذا الاسم المفهوم المطلق المشترك في أي مورد شاء من رقبة سوداء أو بيضاء, أو طويلة أو قصيرة, أو غير ذلك من الهيئات والصفات التي لا تتناهى قيل: إن لفظ الرقبة عام, ويريدون عموم الصلاحية وعموم البدل, بمعنى: أن له أن يعتق أي رقبة شاء بدلا عن الأخرى, وكل رقبة معينة صالحة لذلك, ما لم يمنع الشرع
стр. 15
منه ولكن لا يلزم المكلف أن يجمع بين رقبتين, بل له الاقتصار على رقبة واحدة بخلاف عموم الشمول, يلزمه تتبع الأفراد حيث وجدها بذلك الحكم كقوله تعالى: ﴾ فاقتلوا المشركين كافة ﴿إذا قتل مشركا ثم وجد آخر وجب قتله, وهلم جرا, إلى غير النهاية, وكذلك قوله تعالى: ﴾ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴿إذا وجد نفسَا من النفوس وجب عليه اجتنابها, فإذا وجد أخرى بعدها وجب عليه اجتنابها أيضَا, وكذلك سائر صيغ العموم, بخلاف إعتاق الرقبة, وإخراج شاه من أربعين شاة ودفع دينار في الزكاة من أربعين دينارًا, إذا أخرج فردا من هذه الماليات لا يجب عليه إخراج آخر, بل المحَالُّ التي تعين فيها ذلك العدد غير متناهية لا أن مدلول اللفظ العام متناه, وأما العام في الشمول فغير متناهفكان عموم الشمول بإطلاق لفظ العام أولى من عموم الصلاحية.
غير أن العلماء -رضوان الله عليهم- يطلقون لفظ: العام والأعم على المعنين بطرق الأشتراك ويريدون تارة هذا وتارة ذاك, فاعلم ذلك وتأمله في موارده, ويرشدك إلى مُرَادهم قرينةُ الحال في تلك المادة, هل هي من باب الصلاحية في المحال أو من باب عموم الشمول من جهة مدلول اللفظ؟
стр. 16
الباب الثالث في بيان أن العموم من عوارض الألفاظومن عوارض المعاني
اعلم أنا كما نقول: لفظ عام أي شامل لجميع أفراده فكذلك نقول للمعنى أنه عام أيضاً, فنقول: الحيوان عام في الناطق والبهيم, والعدد عام في الزوج والفرد, واللون عام في السواد والبياض, والسعر قد يكون عاماً في البلاد وقد يكون خاصاً ببعضها, ونقول: مطر عام, وعدل عام في الرعية, وريح عامة, وهذه كلها عموماتٌ معنوية لا لفظية, فإنا نحكم بالعموم في هذه الصور على هذه المعاني عند تصورنا لها وإن جهلنا اللفظ الموضوع بإزائها هل هو عربي أو أعجمي, شامل أو غير شامل؟
стр. 17
وأما عموم اللفظ فلا نقول: هذا اللفظ عام حتى نتصور اللفظ نفسه, ونعلم من أي لغة هو, وهل وضعه أهل تلك اللغة عاماً شاملا أو غير شامل؟ فإن وجدناه في تلك اللغة شاملا سميناه عاماً, وإن وجدناه غير شامل لم نسمه عاماً عموم الشمول, وقد نسميه عاماً عموم الصلاحية.
فقد ظهر حينئذ أن لفظ العموم يصلح للمعنى واللفظ, وهل ذلك بطريق الأشتراك أو بطريق التواطئ, لأجل معنى مشترك بينهما, لا أن اللفظ مشترك بينهما؟ يظهر في باديء الرأي أنه متزاطئ فيهما, لأن المعنى شامل لأنواعه وأفراده المندرجة.
стр. 18
تحته فاللفظ شامل لجميع أفراده, فيكون الشمول هو المعنى المشترك بينهما أو يكون اللفظ مطلقاً عليهما, لأجل هذا المعنى المشترك بينهما فيكون متواطئاً, لا مشتركا, هذا هو الذي يظهر في باديء الرأي.
وعند تحرير النظر واستيفاء الفكر, يظهر أنه مطلق عليهما باعتبار معنيين مختلفين وتقريره: أن المعنى العام هو صورة ذهنية تنطبق على أمور خارجية انطباقاً عقلياً, وهي واحدة, وليس لها ولا فيها ما يتقاضى الجمع بين فردين بل الصلاحية لفردين دون الجمع بينهما, وإذا صدقت على عدد قل أو كثر ولو ثلاثة استحقت أن يقال لها: جنس أو نوع, وأنها عامة.
واما عموم اللفظ فهو إنما يتلقَّى من جهة الأوضاع واللغات لا من جهة العقل, ولابد فيه من الشمول ولا يكتفى فيه بعدد مع إمكان غيره,
стр. 19
ومتى اقتطع فرد عن اللفظ من تلك المادة قيل فيه: بطل عمومه, وصار مخصوصاً وخولفت قاعدته وأصله, ولا كذلك في العموم المعنوي إذا قيل: حصل منه ثلاثة فقط, قيل: صدق العموم المعنوي باعتبار تلك الأفراد.
ومتى كان المراد بعموم اللفظ الشمول على وجه لا يخرج منه فرد, ولايصدق بالاقتصار على بعض أفراده, وكان المراد بعموم المعنى الاكتفاء بأي عدد كان مع قطع النظر عن استيفاء تلك المواد كان اللفظ مشتركاً لا مَحَالَةَ, لوقوع الأختلاف بين المسميين.
ويدلًّك على أن عموم المعنى يقتصر فيه على أي عدد كان قولهم في حده هو: المقول في الكثيرين, ومرادهم بلفظ (كثيرين) لفظ متكثر, فيصير كالمطلق في الجموع نحو: رجال ودراهم , يصدق بأي عدد كان, فمتى صدق عدد من الدنانير صدق الجميع مع أنه مطلق, فيصير لفظ العام موضوعاً لما هو عام شامل لما هو مطلق له عموم الصلاحية فقط, زهما متباينان فيكون اللفظ مشتركاً.
стр. 20
الباب الرابع في الفرق بين الكلي والكلية والجزء والجزئيَّة والجُزئى
اعلم أنَّا نحتاج إلى تحرير هذا الباب قبل مسمى صيغة العموم حتى ندعي أن مسماها هو أحد هذه المفهومات, دون بقيتها.
فنقول: اعلم أن الكلي هو المعنى المشترك بين شيئين فصاعداً كقولنا: حيوان, وعدد, ولون, وما أشبه ذلك, فإنا نجد كل واحد من هذه المفهومات مشتركاً أشخاصه وأنواعه وأصنافه, ويصدق بأي فرد كان, ويكفي في صدقه فرد واحد, فإذا صدق أن في الدار زيدا, صدق أن فيها حيوان وجسما, وكذلك صدق فرد من السَّواد أو العدد صدق مفهوم السواد ومفهوم العدد, فهذا ونحوه هو المراد بالكلي.
ويقابله الجزئي, أي: الشخص والفرد المعين الذي لا يقبل الشركة
стр. 21
كزيد, والفرد المعين من السواد, لا يقبل أن يكون مشتركا بين جميع أفراد السواد, فهذا ونحوه هو الجزئي, وهو قسيم الكلي, لأن الكلي هو القابل للشركة, والجزئي هو الذي لا يقبلها, وبين القابل وغير القابل تَنَافٍ وتَعَانُدٍ فكان الجزئي قسيم الكلي ومقابله, لأن هذا هو شأن القسيم.
فائدتان
الفائدة الأولى: أن الجزئي له في اصطلاح العلماء تفسيران:
الأول: ما تقدم, وضابطه: أنه الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه, كزيد ونحوه.
الثاني: أن الجزئي ما اندرج تحت كلي , وهو أعم من الأول, لأن الأول خاص بالشخص المعين كزيد, وهو مندرج تحت كلي الذي هو الأنسان والحيوان, وغير ذلك من الكليات, والثاني يصدق على الشخص, لاندراجه تحت كلي, وعلى الأجناس والأنواع المتوسطة, كالإنسان والحيوان, فإنهما مندرجان تحت كلي, الذي هو الجسم النامي وليسا بأشخاص, فهذا التفسير الثاني أعم من الأول, لأنه يصدق على الأول وبدونه.
الفائدة الثانية: أن ضابط الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه , ومعنى هذا الكلام أن تصوره معزول عن إثبات الشركة
стр. 22
ونفيها ولا يلزم من عزله عن ذلك أن يكون قابلا للشركة, ولا أنها ممتنعة عليه, فقد يقبلها في بعض الموارد, وقد لا يقبلها في بعضها.
تنبيه: المعنى بالمثلين أن في الذهن صورة تنطبق عليهما من حيث ذاتيهما دون عوارضهما , وإلا فوجود مثلين في الخارج محال قطعا, لأنهما إن أخذا بقيد عوارضهما, وما وقع به تعينهما فهما خلافان, بل ضدان من هذا الوجه, لأن ما به تعيين أحدهما مخالف لما وقع به تعيين الآخر, فهما مختلفان من هذا الوجه, ويمتنع اجتماعهما, وهذا هو ضابط الضدين, وإن قطع النظر عما وقع به تعيينهما لم يبق إلا المشترك بينهما, والمشترك بينهما واحد, والواحد ليس بمثلين, فالمثلان على هذا التقدير حقيقتهما مستحيلة, وإنما الواقع ضدان أو واحد ليس بمثلين.
وأما إذا فسر المثلانبانطباق صورة ذهنية عليهما من حيث ذاتيهما دون
стр. 23
عوارضهما تصور المثلان.
وقولي: من حيث ذاتيهما احتراز من الضدين, والخلافين, فإن الصورة الذهنية تنطبق عليهما باعتبار أمر مشترك بينهما هو الضدية, أو اللونية, أو غير ذلك من الأمور المشتركة بينهما, من غير أن يكون ذلك كمال الحقيقة, بل للحقيقة ذاتيان غير تلك الصورة, فتأمل هذا الوضع فهو نفيس, زمنه يستفاد استحالة الوضع لمثلين عقلاَ, وإن كنا نتصور العقلين مثلا بسبب أن الواضع إن وضع لتلك الصورة الذهنية فهي واحدة, والواحد ليس بمثلين, وإن وضع اللفظ للمتناقضين الخارجين مثلا من حيث تعينهما, فهما ضدان كما تقدم, لا مثلان, كما تقدم بيانه, أولهما مع قطع النظر عن تعينهما, فهما واحد, والواحد ليس بمثلين, فعلم أن وضع لفظ لمثلين مستحيلٌ عقلاً.
فإن قلت: إن كان تصورهما ممكن أمكن الوضع لهما, لأن ما أمكن تصوره أمكن الوضع له, وإن كان تصورهما غير ممكن فيكون من قبيل المستحيلات وهو خلاف إجماع العقلاء فإن لنا مثلين في الخارج قطعًا كالبياض والحركتين والجوهرين وذلك لا يعد ولا يحصى.
стр. 24
قلت: تصورهما ممكن بما ذكرته من التفسير من انطباق صورة واحدة في الذهن عليهما, وليس في الذهن مثلان ولا في الخارج مثلان, بل الواقع في الخارج مختلفان, وفي الذهن شيء واحد, والواضع إما لما في الذهن أو لنا في الخارج, ولا مثلين فيهما إلا بالتفسير الذي ذكرته.
فإن قلت: نجوزُ اجتماع صورتين للبياض مثلا, فيقع الوضع لتلك الصورتين وهما مثلان.
قلت: الصورتان في الذهن إنما يتصوران إذا قلنا: النفس ذات جواهر, لستحالة حصول المثلين أو العلمين فيث محل واحد, فإن التصور عام, وإذا كانت النفس ذات جواهر كان حصول الصورتين في محلين منهما, لحصول البياضين في الخارج في محلين, فيفتقران إلى تعين كل واحد منهما, فإن أُخذا بقيد يعينهما, فهما ضدان, كما تقدم, وبغير تعينهما فهما واحد كما تقدم, فيستحيل الوضع لمثلين أيضا على هذا التقدير, فظهر استحالة الوضع لمثلين مع إمكان تصورهما ولكن بما ذكرته من التفسير, فتأمله.
стр. 25
وفي الكلي مباحث كثيرة لا يليق ذكرها هنا, نحو: قبوله للوجود الخارجي, وعدم قبوله, وانقسامه للكلي المنطقي, والطبيعي, والعقلي وأقسامة, وكيفية حصولع في النفس, إلى غير ذلك من المباحث المقررة في علم المنطق.
وأما الكلية: فهي عبارة عن الحكم على كل فرد فرد من أفراد تلك المادة حتى لا يبقى منها فرد, فهي جزئية لا كلية, ويقابلها الجزئية وهي: القضاء على بعض تلك الأفراد, إما واحد كزيد, وإما عدد متناه كالمائة ونحوها من أفراد الإنسان أو عدد غير متناه كالرجال بالنسبة إلى أفراد الإنسان, فإن قولنا: كل إنسان حيوان كلية, وقولنا: كل رجل إنسان هو كلية في نفسه, وهو جزئية بالقياس إلى تلك الكلية, فهذا تحرير الكلية والجزئية.
стр. 26
وأما الكل والجزء: فالكل عبارة عن مجموع من حيث هو مجموع نحو العشرة, والمائة والألف وميمات حميع ألفاظ الأعداد, ويظهر الفرق بينه وبين الكلية بالمثال وتباين الأحكام, فإذا قلنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالباً, صدق ذلك باعتبار الكلية, وهي القضاء على كل فرد فرد عبى حياله, وكذبت باعتبار الكل الذي هو المجموع, فإن مجموع الناس لا يشبعه رغيفان ولا ألف قنطار, وإذا قلنا: رجل يشيل هذه الضخرة العظيمة, صدق هذا الحكم باعتبار الكل, وكذب باعتبار الكلية, فإن الأفراد بستحيل على كل واحد منهم شيل هذه الضخرة العظيمة, أما مجموع الناس فيجوز عليهم ذلك وأكثر منه.
فبهذه المثل وهذه الأحكام, يظهر الفرق بين الكل والكلية , وأن معنى الكلية القضاء على كل فرد فرد من غير تعرض للجمع بين فردين ولا أكثر, وأن الكل معناه المجموع من حيث هو مجموع, ولا يتعرض المتكلم لثبوت الحكم لفرد ألبته, ثم الحكم بعد ذلك قد يثبت للفرد وقد لا يثبت, ذلك يختلف باختلاف المواد.
стр. 27
فإذا قلنا: مجموع الزنج أسود, صدق هذا الحكم للمجموع ولكل فرد أنه كذلك وكذلك مجموع الجبال صخر, يصدق أيضا باعتبار الأفراد أنها كذلك, ونظائرة كثيرة لا تعد كثرة ولا تحصى, بخلاف ما إذا حكمنا على مجموع من الماء بالإرواء, لا يثبت ذلك لكل قطرة منه, أو على مجموع من الخبز أنه مشبع, لا يلزم أن يثبت ذلك لكل لبابة منه, أو على مجموع الجيش أن يهزم العدو ولا يثبت ذلك لكل فارس منه, ونظائرة أيضا لا تُتحصى كثرة, لكن الحكم في القسمين إنما كان ثابتاً بالذات للمجموع من حيث هو مجموع, وثبوته للفرد إنما جاء من خصوص المادة لا في قصد الحكم في الرتبة الأولى.
وإذا عرفت حقيقة الكل, فاعلم أنه إنما يصدق إذا كان مركباً من شيئين فصاعداً فكل واحد من تلك الأفراد هو الجزء والجزء مقول بالقياس إلى الكل كما أن الجزئية مقولة بالقياس إلى الكلية, والجزئي مقول بالقياس إلى الكلي, ثم الفرق بينهما أ، الجزئي هو الكلي مع زيادة التشخيص, فالكلي بعض الجزئي كالإنسان هو جزء من زيد الجزئي, لأن
стр. 28
زيداً هو مفهوم الإنسان مع خصوصيات زيد من طوله وبياضه وغير ذلك من خصائصه, والجزء بعض الكل, والجزئية بعض الكلية, فالجزئي عكس الجزئية والجزء, من جهة أن الجزئي كل, والجزئية والجزء بعض, وكما صدق حكم باعتبار الكلية دون الكل, وباعتبار الكلية دون الكل, وباعتبار الكل دون الكلية كما تقدم تمثيله, وكذلك يصدق الحكم باعتبار الكلية دون الكلية والكل نحو قولنا: الإنسان نوع, والحيوان جنس, فالجنسية والنوعية لا يصدقان باعتبار الكل ولا باعتبار الكلية, لأن من شرط النوع أو الجنس أن يكون مقولاً على ما تحته من الأفراد, والكلية لا يمكن أن تصدق على كل فرد من أفرادها, وكذلك الكل لا يصدق على شيء من أفراده, لأن الكل لو صدق على الجزء لكان الجزء مساوياً للكل وهو محال, فالجنسية والنوعية والخاصية نحو قولنا: الضاحك خاصة والعرض العام نحو قولنا: الماشي, عرض عام لا يصدق إلا على معنى كلي لا على كل, ولا على كلية من حيث هما كذلك غير أنه قد يعرض للكلي أن يكون كلاً, بأن يكون مركبا من جزئين, كالإنسان, كلي, وهو مركب من الحيوان والناطق, فمجموعهما كل, وهو كلي, وكذلك الحيوان, كل وكلي, لأنه مركب من جنسه الذي هو النامي, وفصله الذي هو الحساس, ألحق بذلك ما في معناه.
стр. 29
إذا أحطت علما بالفرق بين الستة, فاعلم أنه قد وجد في الأوضاع العربية ألفاظ موضوعة للستة, فأسماء الأعداد كلها موضوعة لما هو كل ومجموع كالعشرة لمجموع الخمستين, والمائة لمجموع العشرات, والألف لمجموع المئيم العشرة, وكذلك بقيتها.
وصيغ العموم موضوعة لما هو كلية على ما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى فأسماء الأجناس كالحيوان, والألوان, والطعوم, والروائح, وغيرها, ألفاظ موضوعة لما هو كلي نحو: سواد, وبياض, وحلاوة وعطر ونحو ذلك, وأسماء الأعلام في البلاد نحو: مكة, والجبال نحو: ثبير, وأحد, والملائكة نحو: جبريل, والآدميين نحو: زيد, وأما اسم لبعض الكل, والبعض موضوع لما هو جزئية أو جزئي, يصدق على
стр. 30
كليهما أنه بعض, فالجزئية بعض الكلية, والجزء بعض الكل, فلفظ البعض شامل لهما, بخلاف لفظ الجزء خاص بما يقابل الكل.
стр. 31
الباب الخامس في حقيقة مسمى العموم وحده
اعلم أن مسمى العموم في غاية الغموض والخفاء, ولقد طالبت بتحقيقه مجموعة من الفضلاء فعجزوا عن ذلك.
وتحرير الإشكال فيه وبيان غموضه بأن أقول: صيغة العموم بين أفرادها قدر مشترك, ولكل فرد منها خصوص يختص به كالمشتركين مثلا, كلهم اشتركوا في مفهوم المشترك, وامتاز هذا بطوله وهذا بقصره, وغير ذلك مما وقع به تميز الأفراد.
فنقول: الصيغة: إما أن تكون موضوعة للقدر المشترك بينها, أو لخصوصيتها أو المجموع المركب منها في كل فرد, أو تكون موضوعة لمجموعة الأفراد, أو للقدر المشترك بقيد العدد, أو للقدر المشترك بقيد سلب النهاية, فهذه الاحتمالات الستة هي التي أمكن إن وصل إليها توهم الفضلاء الذين وقع معهم البحث في تحقيق مسمى صيغ العموم وهي كلها باطلة.
أما الاحتمال الأول: وهو أن يكون اللفظ موضوعا للقدر المشترك فلا يمكن أن يمون مسمى العموم, لأنه لو كان مسمى العموم لكان اللفظ مطلقا متواطئا يقتصر بحكمه على فرد من أفراده, لأنا لا نعني بالمطلق
стр. 32
إلا لفظا موضوعا لمشترك كقوله تعالى (فتحرير رقبة) يقتصر وجوب الإعتاق على رقبة واحدة, ولا يلزم ثبوت الحكم في رقبة أخرى, واللفظ العام هو قسيم المطلق ولا يقتصر بحكمه على فرد من أفراده, بل إذا قتلنا مشركاً مثلا ثم وجدنا أخر وجب قتله كلأول, ثم كذلك إلى غير النهاية, فظهر حينئذ أن لفظ العموم لا يكون موضوعاً للقدر المشترك بين أفراده.
الاحتمال الثاني: أن يقال: إنه موضوع للخصوصيا التي تميز بها كل فرد من أفراد العموم نحو: الطول, والقصر, والسواد, والبياض, وغير ذلك مما وقع به التمييز, وهذا أيضا باطل, لأن الخصوصيات لما كانت مختلفة متنافية كان وضع لفظ واحد لها يقتضي أن ذلك اللفظ مشترك, لآنا لا نعني باللفظ المشترك إلا اللفظا الموضوع للكل من أمور مختلفة, لكن صيغة العموم ليست مشتركة, وأعني: أنها ليست موضوعة بطريق الاشتراك لأفراد تلك العموم لوجوه:
стр. 33
أحدها: أن المشترك لا تكون مسمياته غير متناهية, لأن الوضع فرع التصور, وجميع ما يتصوره الواضع متناه, والاستقراء أيضا دل على ذلك, لكن خصوصيات أفراد العام غير متناهية, فلا يكون اللفظ موضوعاً لها بطريق الاشتراك.
فإن قلت جاز أن يكون الحق هو مذهب التوقيف في اللغات, وأن الله نعالى واضعها, وعلمه تعالى محيط بما لا يتناهى, ولا يتوقف وضعه تعالى على التصور كما هو في حق البشر , بل علمه تعالى محيط أزلي التعلق, وعموم تعلقه أزلي, فأمكن أن يضع تعالى لفظا واحداً لما لا يتناهى, لأنه تعالى عالم بذلك العدد الذي ليس بمتناه عن التفصيل من غير استئناف في الإحاطة به, فصح الوضع, واندفع الإشكال.
قلت: هذا المذهب, ولو قلنا به لأمتنع الوضع للخصويات أيضاً, والسبب في ّلك أن الله تعالى إذا وضع لفظا لما لا يتناهى عن التفصيل, فإما أن يقال: إن الله تعالى أعلم عباده بذلك, أم لا؟
стр. 34
والقسم الأول باطل وهو أنه تعالى أعلم عباده, لأن إعلامهم بلك يتوقف على تصورهم لذلك المعلموم على التفصيل, إذ لو علموما البعض, وجهلوا البعض, لم يصدق أن الله تعالى أعلمهم بمسميات هذا اللفظ, بل ببعضه, وإذا كان البعض مجهولا, لم يحصل لهم بمسميات هذا الفظ علم, لكن علمهم بذلك محال, لاستحالة تصورهم لما لا يتناهى, وما هو مستحيل في حق العباد عقلا, يستحيل تحصيله لهم, فلا يصح القول بأن الله تعالى أعلم عباده بذلك.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى ما أعلم عبداه بذلك.
فنقول هذا شيء استأثر الله تعالى بعلمه, وليس هو من معلومنا, فبطل هذا السؤال على التقديرين.
وثانيهما أن المشترك لا يستعمل في كل أفراده على قول جماعة من
стр. 35
القائلين بالعموم, والعام يستعمل في جميع أفراده باتفاق القائلين بصيغ العموم, وإذا اختلفت اللوازم ولفظ العموم, فلا يكون اللفظ العام مشتركا, عملا باختلاف اللوازم.
وثالثها: أن اللفظ المشترك مجمل, يفتقر في حمله على شيء إلى قرينه تضاف إليه, فتعين تلك القرينة المراد به, وعند عدم تلك القرينة يجب التوقف في حمل اللفظ على شيء, واللفظ العام عند القائلين بالعموم غير مجمل, ولا يفتقر في حمله على قرينة البتة, بل هو صريح عندهم في الاستقراء من جهة الوضع, والوضع كاف فيه.
الاحتمال الثالث: وهو أن يكون اللفظ موضوعاً للمشترك مع الخصوص في كل فرد , مثل أن يكون موضوعاً لمفهوم المشترك مثلا في زيد مع وصف طوله, والمفهوم المشترك في عمرو مع وصف قصره, وكذلك إلى غير النهاية, فيحصل في كل شخص مجموع مركب من خصوصية والقدر المشترك, وذلك المجموع مخالف للمجموع الحاصل في غيره, فيلزم أن يكون اللفظ موضوعاً لحقائق مختلفة غير متناهية, لأن أفراد المشركين غير متناهية, فتكون المجموعات غير متناهية, وقد تقدم أن اللفظ يستحيل أن يكون مشتركاً بين أفراد ومسميات غير متناهية بالوجوه الثلاثة المتقدمة.
وأما الاحتمال الرابع: وهو أن يكون لفظ العموم موضوعاً لمجموع
стр. 36
الأفراد المركب من جميع المشركين مثلا, فهو باطل أيضاً, بسبب أن صيغة العموم لو كانت موضوعة لمجموع الأفراد ويكون مسماها كلاًّ, لتعذر الأستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها حالة النهي أو النفي, بخلاف الأمر وخبر الثبوت, لأنه يكفي في نفي المجموع فرد من أفراده, وإذا نفي عنه خرج ن عهدته بفرد من أفراده, لأن معنى النهي ألا يغير المجموع الموجود, فإذا ترك منه فرد لم يغير المجموع الموجود, فعلى هذا إذا قال الله تعالى: ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)) وهي صيغة عموم, يكون معنها لا تقتلوا مجموع النفوس المذكورة, فمن قتل ألفاً من النفوس لا يصدق عليه أنه قتل مجموع النفوس فلا يكون عاصيا, لأنه لم يقتل المجموع, فظهر أنه لو كان المجموع هي مسمى العموم لم يمكن الاستدلال به على ثبوت حكمه لفرد من أفراده, لكن العام هو الذي يستدل به على ثبوت الحكم لأي فرد شئنا من أفراده, فلا يكون لنا لفظ على هذا التقدير للعموم, على تقدير كونه للعموم, هذا خلف.
стр. 37
وهذا بخلاف الأمر بالمجموع, والإخبارعن ثبوت المجموع, لأن وجوب المجموع يقتضي وجوب كل فرد من أراده, والإخبار عن ثبوته إخبار عن ثبوت جميع أفراده, فظهر الفرق بين النهي , والنفي, والأمر, وخبر الثبوت, فلذلك يثبت الإلزام في الأولين دون الآخرين.
الاحتمال الخامس: أن تكون صيغة العموم موضوعة للمشترك بين أفراده بقيد العدد , وهو أيضاً باطل, لأن مفهوم العدد أمر كلي, ومفهوم المشترك أمر أيضاً كلي, والقاعدة العقلية: أن إضافة الكلي إلى الكلي يكون المجموع المركب منها كلياً, فيكون الموضوع له كلياً, فيكون اللفظ مطلقاً يقتصر بحكمه على فرد من أفراده, لأن هذا هو شأن المطلق, والمطلق كان هو فهو كلي, وكون العام مطلقاً يقتصر به على فرد من أفراده باطل لما تقدم.
وأما الاحتمال السادس: أن يكون مسمى لفظ العموم هو القدر المشترك بقيد سلب النهاية فهو باطل أيضاً, لأن المعنى حينئذ يكون في مثل قوله تعالى: ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)) , لا تقتلوا النفوس بقيد سلب النهاية, فمن قتل ألفا لم يخالف ها النهي, فيؤول البحث إلى عدم الاستدلال به على ثبوت حكمه لفرد من أفراده في النفي والنهي, دون الأمر وخبر الثبوت, وقد تقدم إبطاله.
стр. 38
وعلى هذا بطلت هذه الاحتمالات كلها التي يمكن أن تتوهم في مسمى العموم, وأشكل حينئذ مسمى العموم غاية الإشكال, وظهر أن اللازم فيها حينئذ أحد ثلاثة أمور: الاشتراك, أو الإطلاق, أو تعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لرد من أفرادها في النفي والنهي, وأن جميع ما يتخيل من هذه الأمور لا يخرج عن الثلاثة, وكل واحد منها ينافي صيغة العموم, وحينئذ يتعين كشف الغطاءعن المعنى الذي وضعت له صيغ العموم, فأقول: إن صيغة العموم موضوعة للقدر المشترك مع قيد يتبعه بحكمه في جميع موارده.
فبقولي: للقدر المشترك, خرجت الأعلام, لأن ألفاظها موضوعة بإزاء أمور جزئية لا كلية كزيد وعمرو ونحوهما, كل واحد من هذه المسميات لا يقبل الشركة, فليس كلياً, وأعني بالعلم هاهنا علم الشخص, دون علم الجنس, فإن علم الجنس مسماه, على ما نقرره في شرح المحصول وغيره
стр. 39
وخرج بقولي: بقيد يتبعه بحكمه في جميع موارده: المطلقات, لأن المطلق يقتصر بحكمه على فرد من أفراده, ولا يتبع موارده, كإعتاق الرقبه, إذا حصل في مورد لا يلزم إعتاق إخرى, والعموم حيث وجد فرد من أفراده وجب أن يثبت له ذلك الحكم وإن تقدم أمثاله, كما إن قتلنا مشركاً وآلافاً من المشركين ثم وجدنا أمثاله وجب قتلهم أيضا.
وأعني بقولي: إنه يتبع بحكمه: القدر المشترك بين الأمر والنهي والاستفهام والترجي والتمني والخبر, وغير ذلك من الأحكام, لا أخصه بحكم معين, بل كل حكم يقصد في تركيب اللفظ, وعلى هذا التقدير لا يلزم واحد من تلك المفاسد الثلاثة فلا يلزم الاشتراك, لأن الاشتراك لابد فيه من تعدد المسمى, وها هنا االمسمى واحد وهو المشترك بوصف التتبع, فالمسمى مركب من هذين القيدين, وهو واحد, ولا يكون اللفظ مطلقا, لأن المطلق لا يتبع, وها هنا يتبع, ويستدل به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده, لأن هذا معنى التتبع, فاندفعت جميع الإشكالات بهذا التحرير, فتأمله, وهو صعب الإشكال, وصعب التحرير, ويمكبك أن تجعل العبارة المتقدمة حدا لصيغة العموم, فإنها جامعة مانعة.
وهأنا أورد لك حدود الجماعة, لتنظر فيها, وتحيط بها, وتطلع على فاسدها من صحيحها, فأقول:
стр. 40
الحد الأول: قال الإمام فخر الدين في المحصول: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد, كقولنا: الرجال, فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له, ولا يدخل عليه النكرات كقولهم: رجل, لأنه يصلح لكل واحد من الرجال ولا يستغرقهم, ولا التثنية ولا الجمع, لأن لفظ: رجلين ورجال يصلح لكل اثنين وثلاثة, ولا يفيد الاستغراق, ولا ألفاظ العدد كقولنا: خمسة, لأنه صالح لكل خمسة ولا يستغرقها, وقولنا: بحسب وضع واحد احترازا من اللفظ المشترك, أو الذي له حقيقة, ومجاز, فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معاَ, هذا كلامه.
ويرد عليه أن يقال: ما المراد بقولكم: المستغلاق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد, الوضع أو ما هو أعم منه؟ فإن كان المراد بالصلاحية الوضع, صار معنى الكلام: المستغرق لجميع ما وضع له, ولا شك أن ألفاظ العدد كذلك كلها, فإن لفظ المائة والألف وضع لعشرة من العشرات, أو المئين, وهو عند الإطلاق يتناولها جميعاً, فلا يبقى من العشرات التي وضع لها لفظ المائة والألف شيء حتى يتناوله, لاسيما وقد قيل إنها نصوص لا
следующие страницы →