Полный текст (844 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
العموم، وهي في هذا الضرب مفيدة للعموم، بخلاف قولنا: ما جاءني من أحد، هي مؤكدة للعموم، لا مفيدة له.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ إنما حصل العموم بلفظ (من)، ولو قال: ما تأتيهم آية، لم يكن عاما، وهو أن ما مع ذلك كله نكرة في سياق النفي، واستقراء كلام النحاة يقتضي أن النكرات الخاصة لا يحصل بها عموم في النفي، وهذا النوع عدد كثير جدا، فيخرج من هذه الدعوى وهو قولنا: النكرة في سياق النفي (تعم، ما لا يحصى كثرة، مع أن أكثر الفضلاء يستدل بالنكرة في سياق النفي) كيف وجدت.
والذي يتحقق أن العموم إنما يحصل من النكرة في سياق النفي، إذا كانت النكرة من النكرات الموضوعة للأجناس العالية نحو: شيء واحد، أو يراد بها ذلك، وأن اشتقاق اللفظ يقتضي أخص من ذلك، وقد نص ابن السكيت
стр. 352
في إصلاح المنطق، والكراع في المنتخب في اللغة (على) هذه الصيغ العامة التي تقتضي العموم في النهي، فردوها نيفا وعشرين صيغة، وهي هذه، فقالوا: ما بها أحد، ولا وابر، ولا ضافر، ولا غريب، ولا كتيع، ولا دبي، ولا دبيج ولا نافخ ضرمة،
стр. 353
ولا ديار، ولا طوري، ولا دوري، ولا تومري، ولا لاعي قرو، ولا أرم، ولا داع، ولا مجيب، ولا معرب، ولا أنيس، ولا ناهق، ولا ناصح، ولا ثاغ، ولا راغ ولا دعوي، هذا نص ابن السكيت، (وزاد الكراع على ابن الكسيت): ما بها طوي، أي ما بها أحد يطوى، وما بها آبن، وما بها أريم تامورة أي وماء، ولا عاين، ولا عين، وما لي منه بد.
стр. 354
قلت: وينبغي أن يلحق بهذه الألفاظ/ ما في معناها نحو: شيء، وموجود، ومعلوم، وما هو في هذا العموم المشار إليه، وقد تقدم في الباب العاشر أن (أحدا) (الذي يستعمل في النفي) ليس ألفه منقلبة عن واو، بخلاف (أحد) الذي يستعمل في الثبوت نحو قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾، وإن كانت الوحدة تشملهما في ظاهر الحال، وأن الاشتقاق واحدـ والواو في الوحدة أصل، فينبغي أن تكون ألف الجميع منقلبة عن واو، وهو إشكال من حيث الاشتقاق، وهنالك بسط السؤال والجواب عنه، وأن (أحدا) هذا المستعمل في النفي مباين لـ (أحد) المستعمل في الثبوت بالكلية، ولا يجوز استعمال (أحد) هذا في الثبوت ألبتة، وهنالك معرفة الفرق، وبما يتميز به أحدهما عن الآخر حتى لا يحصل الغلط في استعمال (أحد) في الثبوت، فليطالع من هنالك.
فائدة: في بيان اشتقاق هذه الألفاظ التي تقدم سردها، وبيان معناها، الوابر مثل: لابن وتامر: أي: صاحب وبر، كما أن لابن صاحب لبن، وصافر: اسم فاعل من الصفير، وعريب: فعيل بمعنى فاعل، أي معرب عما في نفسه، وكتيع: من التكتع الذي هو الاجتماع، ومنه تكتع الجلد إذا ألقيته
стр. 355
في النار واجتمع، ومنه قولهم في التأكيد: أجمعون أكتعون، أي: اجتمعوا في الفعل المشار إليه، فهو فعيل بمعنى فاعل، والدبيج: المتلون، والضرمة: النار توقد، وديار: منسوب إلى الدار كحطاب وملاح، وكل ذي حرفة ينسب بهذه الصيغة، والطوري: منسوب إلى الطور الذي هو الجبل، أي ما فيها من ينسب إلى الجبل، والتومري: منسوب إلى التامور وهو دم القلب، ولاعي قرو: وقال الجوهري: لاحس عس [من قدح]، والقرو
стр. 356
والعس: القدح، والآرم: الساكن أو الهالك، والثاغي: الشاة، والراغي: البعير، والداعي: من الدعوة للطعام، والأريم: مثل الآرم، وعاين: صاحب عين، والبد: الانفكاك.
ولك في هذه الألفاظ طريقان:
أحدهما: أن تقول: الموصوف محذوف في الجميع تقديره ما بها أحد وابر، ولا صافر، إلى آخرها، فيكون العموم جاء من الموصوف المحذوف العام، لا من الصفة/ الخاصة، فإن الخاص لا يعم.
وثانيهما: أنا لا نلتزم الحذف، بل المجاز، ونقول في الجميع: عبر بلفظ الخاص عن العام مجازا، فاللفظ مدلوله من حيث الوضع والاشتقاق خاص نحو: صافر، ولاعي قرو، ونحوهما، والمراد بهذه الألفاظ المفهوم العام وهو أحد الذي معناه إنسان.
فهذا تلخيص جميع هذه الألفاظ التي تقتضي العموم، وما عدا هذه الألفاظ فمقتضى هذه النقول ألا تكون للعموم، وهو كثير جدا، لا
стр. 357
يحصى عددها، فكيف الحيلة في ضبط هذه الدعوى مع هذه المخصصات التي دخلتها، وكلها نكرات في النفي؟ !
والذي رأيته أن أقول- ها هنا-: قال النحاة في النسب والتصغير: هو على قسمين: مسموع، ومقيس، فكذلك ها هنا النكرة في سياق النفي على قسمين: مقيس، ومسموع، فالمقيس النكرة المفردة المبنية مع (لا)، فهذا هو مطرداته للعموم نحو: لا رجل في الدار، ومطولا منصوبا نحو: لا سائق إبل لك: أو: لا ثالم عرض لك، فهذا قياس مطرد، والمسموع ما عدا ذلك، وهو هذه الكلمات المحفوظة المعدودة التي تقدم ذكرها عن ابن السكيت وغيره، إلا ما أشاروا إليه بالمعنى نحو: شيء، وموجود، ونحو ذلك من الأجناس العامة، ويعرض عن كل ما هو أخص منها، فتحرر الدعوى على هذه الصورة، ولا تعمم، وتطلق في موضع التفصيل ولاسيما مع هذا التخصيص العظيم الذي لا يليق مثله بكلام الفضلاء المحققين، لاسيما في تمهيد القواعد الكلية، مع أن إمام الحرمين في البرهان قال: إن سيبويه قال: (إذا قلت:
стр. 358
ما جاءني من رجل، فهو يؤكد العموم، يعني: لفظ (من) وإذا قلت: ما جاءني رجل، فاللفظ عام، وهذا خلاف نقل الجماعة، وكشفت عن ذلك في (كتاب) سيبويه، وسألت من هو عالم بالكتاب معرفة جيدة فقال: لا اعلم سيبويه قال هذا، وأنا أيضا ما وجدته في الكتاب.
سؤال صعب: وهو أنا إذا فرعنا على هذا التقدير الذي تقوله النحاة كابن السكيت/ وغيره: أن النكرات الخاصة لا تعم، لا يستقيم استدلال الفقهاء بقوله ﵊: (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده)، على أن كل مسلم لا يقتص منه بالذمي، فإنها نكرة خاصة، فإن المسلم أخص
стр. 359
من رجل الذي نصرا على أن العموم لا يحصل فيه، ونظائره كثيرة في الكتاب والسنة، مما يستدل به الفقهاء والفضلاء، فيلزم تغليطهم في ذلك كله، ويلزم أيضا بطلان أدلة العموم كلها، فإنها جارية في هذه النكرات التي نصوا على أنها لا تعم، فإذا قلنا: ما جاءني رجل، يصح استثناء أي رجل عنينا، وتقرر طريقة الاستدلال بالاستثناء إلى آخرها، وكذلك طريقة المبادرة للفهم، فإنها لا تفهم إلا العموم، وطريقة مدح الجاري في هذه النكرات على موجب الأمر، وطريقة ذم من لم يجر عليه في هذه النكرات.
وهذه الطرائق الأربعة التي هي: ذم التارك، وترك الاعتراض على الفاعل، والسبق إلى الفهم، وصحة الاستثناء، هي معظم ما يستدل به الأصوليون على أن اللفظ للعموم، ويطرد معها بقية الوجوه التي تجرى مجراها.
وإذا وجدت أدلة العموم بدون العموم كان ذلك نقضا عليها، وانخرمت الثقة بها، وأي ضابط يعدل ذلك في مواضع صحتها دون سقمها، وأي موطن يصح الاستدلال بها فيه دون غيره، فيسقط الباب كله من أيدينا، وهو فساد عظيم، لاسيما وباب الخصوص والعموم من أعظم أبواب الشريعة، وأعظم أصولها فهذا سؤال صعب.
стр. 360
جوابه: الذي أرى في الجواب عن هذا السؤال، وطريق الجمع بين شتات هذه المنقولات، وضبط هذه الأدلة وهذه القاعدة، أن تجري هذه الأدلة الدالة على العموم مجرى النصوص الشرعية، والأدلة المنصوبة في الشرعية إذا أجمعنا على مخالفتها أو مخالفة قاعدة من القواعد كالغرر والجهالة، والمشقة، وغير ذلك من القواعد الشرعية، التي أجمعنا على أنها قاعدة شرعية معتبرة، ومع ذلك فينعقد الإجماع/ في كثير من الصور على مخالفة تلك النصوص وتلك القواعد، ويخصص بالإجماع، ولا يمنع ذلك من صحتها، والاعتماد عليها بل نقول: هي معتبرة فيما عدا صور الإجماع، كذلك هاهنا نقول: بصحة الأدلة الدالة على العموم إلا فيما أجمعنا على عدم اعتبار العموم فيه، أو على ورود نص أئمة اللغة بخلافها، وجعل
стр. 361
نصوص أئمة اللغة كنصوص صاحب الشريعة إذا وردت على مخالفة دليل أو قاعدة، فإنا نقدم النصوص المختصة على غيرها، وكذلك هاهنا نقدم نصوص أئمة اللغة في عدم العموم على هذه الأدلة والقواعد العامة، ونعتقد صحة تلك الأدلة فيما عدا صور النصوص كما قلنا في قواعد الشريعة وأدلتها حرفا بحرف، ويندفع الإشكال، ويستقيم الاستدلال.
وأما سبق فهمنا للعموم من تلك الصور فنعده من غلطنا، فإنا لسنا قوما عرباء، فالغلط في لسان العرب جائز علينا، والأصل عدم غلطنا فيما عدا صور النصوص الموجبة لتخصيص هذه الدعوى، ونلتزم بطلان الاستدلال بالنصوص التي نكراتها خاصة، فنقول: إن الاستدلال بقوله ﵊: (لا يقتل مسلم بكافر) على العموم باطل، إن ادعي العموم من حيث الوضع اللغوي، وإن ادعي قرينة أنه لسبق في تقرير قاعدة، وتمهيد باب عظيم في الشريعة متعلق بالدماء، وأن مثل هذا لا يليق بحكمة صاحب الشريعة تركه ممجمجا متلبسا، فتعين حمله على العموم نفيا لهذا اللبس، فإنه إذا كانت الصيغة لم يرد بها العموم كان المراد بها الخصوص، وإلا كان الكلام لغوا، وذلك الخصوص غير معلوم ولا مبين من جهة صاحب الشرع،
стр. 362
فيحصل اللبس، فهذا إن سلك أو نحوه أمكن أن يصح الاستدلال بهذا الحديث، وإن قصد أنه عام لغة غلطنا قاصد ذلك بنصوص أئمة اللغة كما تقدم، وحينئذ ينتظم باب العموم، وينتظم الإشكال.
فائدة: اختلف الناس في النكرة في سياق النفي إذا عمت، هل عمت لنفي الاشتراك، فحصل النفي في الخصوصات بطريق اللزوم، أو العرب وضعت هذه الصيغ لانتفاء الحكم عن كل فرد فرد حتى تتحقق الكلية بطريق المطابقة؟ الأول: مذهب الحنفية، والثاني: مذهب غيرها، / وقد تقدم بسط ذلك سؤالا وجوابا وتقريرا في الباب العاشر، فليطالع من هناك.
إذا تلخص محل النزاع في النكرة في سياق النفي، فالذي يدل عليه أنها للعموم- خلافا لمنكري العموم مطلقا- وجهان:
أحدهما: أن الإنسان إذا قال: أكلت اليوم شيئا، فمن أراد مناقضته وتكذيبه يقول: ما أكلت اليوم شيئا، فذكرهم هذا النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له، فلو كان قوله: ما أكلت اليوم شيئا، لا يقتضي العموم لما تناقضا؛ لأن الإثبات الجزئي لا يناقض النفي الجزئي، مثاله في كتاب الله تعالى أن اليهود لما قالت: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾، قال الله تعالى في الرد عليهم: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به
стр. 363
موسى﴾، وإنما أورد الله تعالى هذا الكلام نقضا عليهم، وهو إثبات جزئي، فدل ذلك على أن كلامهم سلب كلي، وهو العموم المطلوب، وإذا صبت ذلك في النكرة في النفي، وجب ثبوت العموم في بقية الصور المتفق على عدم الفرق بينها، وإلا لزم الفرق المنفي بالإجماع.
الثاني: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي للعموم لما كان قولنا (إلا الله) يفيد العموم في نفي جميع الآلهة سوى الله تعالى، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وهي النكرة في سياق النفي، ثبت في جميع الصور، كما تقدم.
احتج منكرو العموم بوجوه:
الأول: أن العلم بكون هذه الصيغ للعموم إما أن يكون ضروريا، وهو باطل، وإلا لوجب اشتراك العقلاء فيه، أو نظريا، وحينئذ لابد من دليل، والدليل إما أن يكون عقليا، وهو محال؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات، أو نقليا، وهو إما أن يكون متواترا، أو آحادا، والمتواتر باطل، وإلا لعرفه الكل، والآحاد باطل؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والمسألة علمية.
الثاني: أن هذه الألفاظ مستعملة في الاستغراق تارة، وفي الخصوص أخرى، وذلك يدل على الاشتراك، بيان المقدمة الأولى:
أن العاقل إذا قال: / من دخل داري أكرمته، فإنه قلما يريد به العموم، (وإذا قال: لقيت) العلماء فقد يريد به العموم تارة والخصوص أخرى.
بيان المقدمة الثانية من وجهين:
стр. 364
الأول: أن الظاهر من استعمال اللفظ في شيء: كونه حقيقة فيه، إلا أن يدل دليل على المجاز؛ لأنا لو لم نجعل هذا طريقا لكون اللفظ حقيقة في المسمى لتعذر علينا أن نحكم بكون لفظ ما حقيقة في معنى (ما)، إذ لا طريق لكون اللفظ حقيقة سوى ذلك.
الثاني: وهو أن الألفاظ لو لم تكن حقيقة في الاستغراق والخصوص لكان مجازا في أحدهما، واللفظ لا يستعمل مجازا إلا مع القرينة، والأصل عدم القرينة، وأيضا فتلك القرينة إما أن تعرف ضرورة أو نظرا، والأول باطل، وإلا لامتنع وقوع الخلاف فيه والثاني باطل؛ لأنا لما نظرنا في أدلة المثبتين لهذه القرينة لم نجد فيها ما يمكن التعويل عليه.
الثالث: أن هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للاستغراق لما حسن أن يستفهم المتكلم فيها؛ لأن الاستفهام طلب الفهم، وطلب الفهم عند حصول المقتضى للفهم عبث، لكن من المعلوم أن من قال: ضربت كل من في الدار، يحسن أن يقال: أضربتهم بالكلية، وأن يقال: أضربت صديقك فيهم؟
الرابع: لو كانت هذه الصيغ موضوعة للعموم لكان تأكيدها عبثا؛ لأنه يفيد عين الفائدة الحاصلة بالمؤكدة، فهو تحصيل للحاصل.
стр. 365
الخامس: لو كانت هذه الصيغ للعموم لكان دخول الاستثناء عليها نقضا، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن المتكلم قد دل على الاستغراق أول كلامه، ثم بالاستثناء رجع عن الدلالة على الكل إلى البعض، فكان نقضا، وجاريا مجرى ما يقال: ضربت كل فرد في الدار، لم أضرب كل من في الدار.
الثاني: أن هذه الصيغ لو كانت موضوعة للعموم لجرت لفظة العموم مع الاستثناء مجرى تعديد الأشخاص، واستثناء الواحد- بعد ذلك في القبح- كما إذا قال: ضربت زيدا ضربت عمرا ضربت خالدا، ثم يقول: إلا زيدا/ ولما لم يكن كذلك، دل حسن الاستثناء على أن جنس هذه الصيغ ليست للاستغراق.
السادس: أن صيغة (من) و (ما) و (أي) في المجازاة يصح إدخال لفظ (الكل) عليها تارة، و (البعض) أخرى، فتقول: كل من دخل داري فأكرمه، بعض من دخل داري فأكرمه، ولو دلت (هذه) الصيغة على الاستغراق لكان إدخال الكل عليها تكريرا وإدخال البعض نقضا.
стр. 366
السابع: لو كانت لفظة (من) للاستغراق لامتنع جمعها؛ لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده الواحد. ومعلوم أنه ليس بعد الاستغراق كثرة فيفيدها الجمع، لكن يصح جمعه كقول الشاعر:
أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن، قلت عموا ظلاما
الثامن: احتج أبو هاشم على أن الجمع المعرف باللام ليس للعموم، بأنه لو كان للعموم لزم إذا استعملت في اللام في العهد، إما المجاز أو الاشتراك، وهما على خلاف الأصل، فوجب ألا يفيد الاستغراق.
التاسع: لأبي هاشم أيضا، لو كان الجمع المعرف بلام الجنس للعموم، لكان قولنا: رأيت كل الناس أو بعض الناس خطأ؛ لأن الأول تكرير، والثاني نقض.
العاشر: له أيضا، قال: يقال جمع الأمير الصاغة، مع أنه ما جمع الكل، والأصل في الكلام الحقيقة، فهذه الألفاظ حقيقة فيما دون الاستغراق.
стр. 367
الحادي عشر: للإمام فخر الدين في المفرد المعرف باللام، فقال: إنه لا يفيد العموم، خلافا للجبائي والفقهاء والمبرد؛ لأن القائل إذا قال: لبست الثوب، وشربت الماء، لم يفهم العموم، والأصل في الكلام الحقيقة.
الثاني عشر: قال: إنه لا يؤكد بما يؤكد به الجموع، ولا ينعت، فلا يقال: جاءني الرجل كلهم، ولا الفقيه الفضلاء، وأما ما يروى من قولهم: أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر، فمجاز لعدم اطراده، ولو كان الدينار الصفر حقيقة، لكان الأصفر خطأ أو مجازا.
/الثالث عشر: له، قال: البيع جزء من مفهوم هذا البيع، فإحلال هذا البيع يتضمن إحلال البيع، فلو كان لفظ البيع للعموم، لزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع، وهو باطل.
الجواب عن الأول: لا نسلم أنه غير معلوم بالضرورة، فإنا بعد استقراء اللغات نعلم بالضرورة أن صيغة (كل) و (جميع) و (من) و (ما) و (أي) في
стр. 368
الاستفهام والمجازاة للعموم.
سلمناه: فلم لا يجوز أن يعرف بعد ذلك بالنقل المتواتر.
قوله: يلزم أن يعرفه الكل. قلنا: ذلك ممنوع؛ لأن التواتر بيس من شرطه أن يعم، فقد يتواتر أمر في الجامع من سقوط المؤذن عن المنارة، ولا يعلم ذلك في أطراف البلد، فضلا عن بلد آخر، وإذا لم يكن من شرط التواتر أن يشمل الناس جازت المخالفة معه من جهة من لم يبلغه التواتر.
والحق أن مسائل أصول الفقه معلومة- كما قال التبريزي- بالاستقراء التام من اللغات، فمن استقرأ أشعار العرب وخطبها ومحاوراتها ومواقع لغاتها علم أن صيغة العموم، وأن الأمر للوجوب، وغير ذلك من مسائل أصول الفقه.
ولما تعذر وضع ذلك المستقرأ في كتاب، اقتصر العلماء على أخبار آحاد، وظواهر عمومات، هي بعض ذلك الاستقراء تنبيها عليه، ومرادهم ذلك
стр. 369
الخبر أو ذلك العموم مضافا إلى الاستقراء المذكور، ونظير هذه المسائل ودعوى العلماء فيها أنها معلومة من اللغة بالضرورة: شجاعة علي ﵁، وكرم حاتم، فإنهما معلومات بالضرورة من جهة الاستقراء التام، المحصل للعلم في حق كل واحد منهما، ولو أخذنا نضع في كتاب عدة حكايات في حق أحدهما لا نطلع إلا عليها لم يحصل لنا العلم، مع أنها بعض حكاياتهما، كذلك هذه المسائل الموضوعة في الكتب لا يحصل العلم والاستقراء التام بحصول العلم، والمذكور في الكتب بعضه، فتأمل ذلك فهو سر قول العلماء: مسائل أصول الفقه قطعية .
وعن الثاني: لا نزاع في أن هذه الألفاظ تستعمل في الخصوص، ولكنك إن ادعيت أنه لا يوجد الاستعمال إلا إذا كان حقيقة بطل قولك، /وإن سلمت أن الاستعمال يوجد حيث لا حقيقة بطل الاستدلال بالاستعمال
стр. 370
على أنه حقيقة.
فإن قلت: استدلال بالاستعمال على أن المجاز خلاف الأصل على كونه حقيقة.
قلت: قولك المجاز خلاف الأصل، يفيد الظن، وعندك المسألة يقينية، وأيضا فكما أن المجاز خلاف الأصل، فكذلك الاشتراك، وقد تقدم في كتب الأصول أن المجاز أولى من الاشتراك.
وأما قوله: إذا لم يجعل هذا طريقا إلى كون اللفظ حقيقة، لم يبق لنا طريق أصلا.
قلنا: قد بينا فساد هذا الطريق، فإن لم يكن هاهنا طريق آخر إلى الفرق بين الحقيقة والمجاز وجب أن يقال: إنه لا طريق إلى ذلك الفرق؛ لأن ما ظهر فساده لا يصير صحيحا لأجل فساد غيره.
قوله- ثانيا-: إما أن تعرف بالضرورة أو بالدليل، والضرورة باطلة، لوقوع الخلاف فيها، والدليل باطل؛ لأنا لم نجد في أدلة المخالفين ما يدل عليه.
قلنا: الضرورة لا ينكرها الجمع العظيم من (العقلاء، وقد ينكرها النفر اليسير، ولا نسلم أن الجمع العظيم من) أهل اللغة نازعوا في أن لفظ (الكل) و (أي) للعموم.
سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أ، هـ لم يوجد ما يدل على أنها مجاز في الخصوص.
قوله: نظرنا في أدلة المخالفين فلم نجد فيها ما يدل على ذلك.
стр. 371
قلنا: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فكم من حصل عنده علم ضروري بالتواتر، وبالنظر لم يطلع عليه غيره.
واعلم أن الشريف المرتضى عول على هذه الطريقة، ومن تأمل كلامه فيها علم أنه في أكثر أمره يدل على المطالبة بالدلالة على كون هذه الصيغة مجازا في الخصوص، مع أنه شرع فيها شروع المستدل على كونها حقيقة في الاستغراق والخصوص.
وعن الثالث: لا نسلم أن حسن الاستفهام لا يكون إلا عند الاشتراك، فما الدليل عليه؟ ثم الذي يدل على أنه قد يكون لغيره وجهان:
الأول: أنه لو كان حسن الاستفهام لأجل الاشتراك لوجب ألا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع/ الأقسام الممكنة على سبيل التفصيل، كما تقرر فيما تقدم:
الثاني: أن الاستفهام قد يجاب عنه بذكر ما وقع الاستفهام عنه، كما لو قال القائل: ضربت القاضي، فيقال له: أضربت القاضي؟ فيقول: نعم ضربت القاضي، ولاشك في حسن هذا الاستفهام في العرف، مع أنه لا اشتراك ولا إجمال، وكذلك يقع في النصوص الصريحة، كمن قال: أكلت البارحة مائة رغيف، فيقال له: مائة رغيف؟ لاستغراق هذه المقالة،
стр. 372
وكذلك تكون لفرط الشغف بالمعنى، كمن قيل له: قد قدم ولدك من الهند، فيقول: أقدم ولدي؟ أو لكراهة المعنى، كمن قيل له: إن عدوك قدم البلد، فيقول: أقدم ذلك الملعون المبغض؟
والاستفهام يحسن في العرف لأسباب كثيرة غير الاشتراك، فإذا ثبت هذا فنقول: الاستفهام إما أن يقع عن كلام من (يجوز عليه السهو، أو عن كلام من لا يجوز عليه) ذلك.
أما القسم الأول، فيحسن الاستفهام لوجوه غير ما تقدم ذكره:
أحدها: أن السامع ظن أن المتكلم غير متحفظ في كلامه، أو هو ساه، فتستفهمه وتستثبته، حتى إن كان ساهيا زال سهوه، فأخبر عن تيقظ، وذلك يحسن أن يجاب عن الاستفهام بعين ما وقع الاستفهام عنه.
وثانيها: أن السامع قد ظن لأجل أمارة أن المتكلم أخبر بكلام عام عن جماعة على سبيل المجازفة، ويكون السامع له عناية بتحقيق تلك القضية،
стр. 373
فتدعوه عنايته إلى الاستفهام عن ذلك الشيء، حتى يعلم السامع اهتمام المتكلم، فلا تجازف في الكلام، ولهذا قد يقول القائل: رأيت كل من في الدار، فيقال له: أرأيت زيدا فيهم؟ فيقول: نعم، فتزول التهمة، فإن اللفظ الخاص أقل إجمالا واحتمالا، وربما لا تتحقق رؤيته، فيدعوه الاستفهام إلى أن يقول: ما أتحقق رؤيته.
وثالثها: أن يستفهم طلبا لقوة الظن.
ورابعها: أن يجد قرينة تقتضي تخصيص ذلك العام، مثل أن تقول: ضربت كل من في الدار، وكان فيها/ الوزير، فغلب على الظن أنه ما ضربه، فإذا حصل التعارض استفهمه ليقع الجواب عنه بلفظ خاص لا يحتمل التخصيص.
وأما إن كان المتكلم لا يحتمل حاله السهو، ولا يجوز عليه، فإنه يحسن الاستفهام؛ ليحصل لفظ خاص بعد الاستفهام؛ لأن دلالة اللفظ الخاص أقوى من دلالة العام، فيطلب الخاص بعد العام، لتلك القوة.
والجواب عن الرابع: من حيث المعارضة، ومن حيث التحقيق.
أما المعارضة فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: تأكيد الخصوص كقولهم: جاء زيد نفسه.
стр. 374
وثانيها: تأكيد ألفاظ العدد كقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾.
وثالثها: أن التأكيد يقويه ما كان حاصلا، فلو كان الحاصل هو الاشتراك، لتأكد ذلك الاشتراك بهذا التأكيد.
فإن قلت: التأكيد يعين اللفظ لأحد مفهوميه.
قلت: فعلى هذا لا يكون تأكيدا، بل بيانا، مع أن التأكيد من شرطه أن (لا) يجدد معنى غير التقوية.
وأما الجواب من حيث التحقيق، فإن المتكلم إما أن يجوز عليه السهو، أو لا يجوز فإن جاز كان حسن التأكيد لوجوه:
أحدها: أن السامع إذا سمع اللفظ بدون التأكيد جوز مجازفة المتكلم، فإذا أكده صار ذلك التجويز أبعد.
وثانيها: أنه ربما حصل ها هنا ما يقتضي تخصيص العام، فإذا اقترن به التأكيد كان احتمال التخصيص أبعد.
وثالثها: تقوية بعض ألفاظ العموم ببعض.
وأما أن لم يجز السهو على المتكلم لم يبق للتأكيد فائدة إلا تقوية الظن وتشريف المخاطب بكثرة اللفظ والمخاطبة معه، وتكثير الأجور على تلاوة تلك الألفاظ.
والجواب عن الخامس: وهو سؤال الاستثناء، أنه منقوض بألفاظ العدد، فإنها صريحة في ذلك العدد المخصوص، ثم يتطرق الاستثناء إليها.
стр. 375
ثم الفرق بينهما ذكروه من الصورتين وبين العموم، أن الاستثناء إذا اتصل بالكلام صار جزءا من الكلام؛ لأنه/ لا يستعمل بنفسه في الإفادة، فيجب تعليقه بما تقدم عليه، فإذا علقناه به صار جزءا من الكلام، فتصير الجملة شيئا واحدا مفيدا فائدة ما عدا ذلك المستثنى؛ لأن القاعدة العربية: أن ما لا يستقل من الكلام بنفسه كالاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، والتمييز، والحال، ونحوها، إذا اتصل بما يستقل بنفسه، صار ما هو مستقل بنفسه غير مستقل بنفسه، وصار المجموع كلاما واحدا، وعلى هذه القاعدة مسائل كثيرة من الفقهيات، والأصول، واللغة، وهذا بخلا: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار؛ لأنه يتناول كل واحد من الكلامين مستقلا بنفسه، فلا حاجة به إلى تعليقه بما تقدم عليه، وإذا لم يعلق به أفاد الأول ضرب جميع من في الدار، وأفاد الآخر نفي ذلك، فكان نقضا وتناقضا وإبطالا لجملة الكلام، فكان هذرا من القول وعبثا لا يليق بالعقلاء.
وأما الصورة الثانية التي ذكروها، فنطالبهم بالجامع، ثم إن سلمنا فرقا بأن الاستثناء إخراج جزء من كل، فإذا قال: ضربت زيدا، ضربت عمرا إلا زيدا، فقد أخرج جملة منصوص عليه، مدلول عليه بالمطابقة، فهو استثناء كل (من كل) نحو قوله: له عندي عشرة إلا عشرة، وذلك باطل اتفاقا، بخلاف قوله: رأيت الرجال إلا زيدا، فإنه لم يخرج جملة منطوق به، بل بعضه، وذلك حسن لغة.
стр. 376
وأما قوله: إن صيغة العموم تجري مجرى تعديد الأشخاص، فممنوع؛ لأن تعديد الأشخاص يكون كل لفظ منها يدل على شخص مطابقة، فإذا أخرجه أخرج جملة منطوق به، وفي العموم: دلالة الفظ على الشخص المخرج ليس مطابقة، فانتفى المحذور، وظهر الفرق.
والجواب عن السادس: أن الدليل إذا دل على العموم كان (ذلك) الدليل بعينه دالا على أن صيغة العموم مع (كل) مؤكدة، ومع لفظ (البعض) مخصصة، والتخصيص والتأكيد حسن لغة إذا دل عليه الدليل.
وعن السابع: أن/ أهل اللغة اتفقوا على أن قول العرب (منون) ليس جمعا، وإنما هو إشباع للحركة؛ لأجل الحكاية لما وقع في لفظ المتكلم كقوله: جاءني رجال، فيقول المستفهم له- وهو يحكي كلامه المرفوع المجموع (منون) بسكون النون والوقف ولا يجوز ذلك في الوصل، وقد تقدم بسطه في باب (سرد) صيغ العموم واستيفاء أقسامها.
وعن الثامن: أن ما قدمنا من الأدلة على أنه للعموم يقتضي أنه مجاز في الخصوص، وإذا دل الدليل على المجاز وجب قبوله، ثم تؤكد تلك الأدلة بما ذكره ها هنا من الدلالة على أنه للعموم وهو أن الأنصار لما طلبوا
стр. 377
الإمامة احتج عليهم الصديق ﵁ بقوله ﵊: (الأئمة من قريش)، والأنصار سلموا تلك الحجة، ولو لم يكن الجمع المعرف بلام الجنس يفيد الاستغراق لما صحت الدلالة؛ لأن قوله ﵊: (الأئمة من قريش)، لو كان معناه: بعض الأئمة من قريش، لوجب ألا ينافي وجود أئمة من قوم آخرين. أما كون كل الأئمة من قريش، فينافي كون بعض الأئمة من غيرهم، وروي عن عمر ﵁ أنه قال لأبي بكر الصديق ﵁ لما هم بقتال مانعي الزكاة: أليس قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) احتج عليه بعموم اللفظ، ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصاحبة- ﵃ أن اللفظ لا يفيد العموم، بل عدل إلى الاستثناء فقال: أليس قد قال ﵊ (إلا بحقها) وأن الزكاة من حقها.
فائدة: قوله ﵊: (إلا بحقها)، مشكل المعنى، فإن
стр. 378
الاستثناء من الإثبات نفي، والمتقدم قبل الإثبات وهو قوله ﵊: (عصموا مني دماءهم وأموالهم)، فقوله بعد ذلك: (إلا بحقها) يقتضي نفي العصمة، وكيف يفهم أن العصمة في الدماء والأموال تنفي الحق، وإنما يناسب انتفاء العصمة ارتكاب الباطل إلا الحق.
وتحرير الجواب أن ها هنا/ (مضافا) محذوفا، وهو يتصور أن يكون مقدرا قبل لفظ الحق وبعده، وتختلف صفة التقدير، فإن قدرناه قبل الحق، يكون التقدير، إلا بتضييع حقها، وتضييع حق الشهادة يناسب نفي العصمة، وإن قدرناه بعد الحق يكون التقدير: إلا بحق إراقتها، وحق إراقتها هو السبب المبيح لها، وعلى هذا يكون الضمير عائدا على الأموال والدماء، فإنها هي التي تراق، وأحسن من ذلك أن نقدر: إلا بحق إباحتها، حتى يتناول الدماء والأموال، فإن الإراقة لا تناسب الأموال، والأحسن أن يكون التقدير يناسبهما.
وعلى التقدير الأول وهو تقدير المضاف قبل (الحق) يكون الضمير عائدا إلى الكلمة التي هي الشهادة؛ لأنها صاحبة الحقوق التي يترتب عليها الحقوق، فقد ينوع التقدير بنوع ما يعود الضمير عليه، وعلى كل تقدير يصير المعنى مفهوما، فتأمل ذلك فهو حسن في علم النحو وتصحيح الكلام.
ثم نرجع إلى الاستدلال فنقول: إن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي
стр. 379
الاستغراق عند أبي هاشم، فيجب أن يكون الاستغراق إما أنه يؤكد بما يوافق على أنه للاستغراق فكقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ وإما أن يؤكد بما يقتضي الاستغراق؛ فلأن شأن التأكد أن يقوي ما كان قبله، ولا ينشئ زيادة، وأن يكون الثابت بعده ثابتا قبله، غير أنه أقوى وأبعد عن المجاز، ولما كان الثابت بعده هو الاستغراق وجب أن يكون ثابتا قبله، وهو المطلوب.
وأيضا إن الألف واللام إذا دخلا على الاسم صار اسما معرفة بإجماع النحاة والذي صار معرفة ها هنا ليس الجنس؛ لأنه معروف من الاسم النكرة، وليس مرتبته معينة من العدد؛ لأنها محولة للسامعين بعدم اختصاص اللفظ بمرتبة معينة من الخصوص؛ ولأنه يلزم الترجيح من غير مرجح، أما لو حملناه على الاستغراق لكان معروفا، ولا يلزم الترجيح من غير مرجح، فيفيد الاستغراق، وهو/ المطلوب.
стр. 380
وأيضا نحن نفهم أن الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق النكرة؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف، ولا ينعكس، فيقال: (رجال) من الرجال، فيكون كلاما عربيا، ولا يقال: (الرجال) من رجال، فإن ذلك مستقبح عرفا، فوجب أن يكون مستقبحا لغة؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع.
إذا ثبت هذا فنقول: (إن) المفهوم من الجمع المعرف إما الكل أو ما دونه والثاني باطل؛ لأنه ما من عدة وراء الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، وقد عرفت أن المنتزع منه أكثر، ولما بطل ذلك ثبت أنه للعموم والاستغراق، وهو المطلوب، فبهذه الوجوه يحسن أنه مجاز في الخصوص.
والجواب عن التاسع: أن ذلك لا يكون خطأ، بل الأول وهو قولنا: كل الناس، تأكيد، والثاني تخصيص، وكلاهما وإن كانا على خلاف الأصل غير أن ما تقدم من الأدلة دل عليه ما تقدم في استعماله في الخصوص.
وعن العاشر: أنه عام مخصوص بقرينة الحال، وأنه يتعذر عليه أن
стр. 381
يجمع جميع صواغ الوجود، وغايته أنه يلزم المجاز، وقد بينا أن الدليل دل عليه.
وعن الحادي عشر: أن قوله: لبست الثوب ونحوه مجاز، وقد دل الدليل عليه، وهو أنه لو لم يكن للعموم لما صح الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين﴾ لكنه صح، فيكون للعموم؛ لأن الاستثناء عبارة عما لولاه لوجب اندراجه، وذلك يدل على أن ما استثنى لو لم يستثن لكان مندرجا، واتفقنا على أن المستثنى عموم؛ لأن صيغة (الذين) للعموم عنده، وما يندرج فيه العموم أولى أن يكون للعموم؛ ولأن الألف واللام فيه للتعريف، وليس لتعريف الماهية فإن ذلك قد حصل بالاسم قبل اللام، ولا لتعريف واحد بعينه، فإن اللفظ لا يشعر به إلا عند العهد، ولا/ عهد بيننا، ثم الكلام مفروض إذا لم يكن هنالك عهد، ولا لتعريف بعض مراتب الخصوص، لقصور اللفظ عنه، فتعين صرف التعريف إلى الكل، وهو المطلوب.
وعن الثاني عشر: أن العرب تشترط في التأكيد والنعت المناسبة اللفظية ٠ وإن استوى المعنى- فلا يؤكد ولا ينعت مفرد بتثنية، ولا تثنية بمفرد،
стр. 382
ولا جمع بتثنية، إلى غير ذلك من الاختلاف، بل المفرد للمفرد، والتثنية للتثنية، والجمع للجمع، فلذلك لا يقال: جاءني الرجل (القصار)، ولا الفقيه الفضلاء، لعدم المناسبة في اللفظ، وأن المعنى فيهما واحد، وكذلك نعلم أن قولهم: أهلك الناس الدرهم البيض، والدينار الصفر مجاز في التركيب، فإن الجمع ركب من غير اللفظ الذي يصلح له في أصل الوضع.
وعن الثالث عشر: أن قوله: البيع جزء من مفهوم (هذا البيع)، إن أراد بالبيع الذي هو جزء، مطلق البيع، الذي يصدق بفرد، من جهة أنه جنس، وهذا هو الظاهر من كلامه؛ لأن المفهوم إشارة إلى المعنى، لا اللفظ، فحينئذ يبطل قوله أخيرا أنه يلزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع، فإن المطلق لا يلزم منه كل فرد، بل فرد واحد فقط، وإن أراد بقوله: البيع جزء من مفهوم هذا البيع اللفظ المحلي بلام الجنس، أي هذا اللفظ جزء من مجموع هذا اللفظ، وحينئذ يبطل أيضا قوله: إنه يلزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع؛ لأن القضاء على المجموع لا يلزم منه القضاء على جزئية، بل الصواب ها هنا له أن يقول: إن لفظ البيع الذي يدعون فيه العموم موجود في هذا المركب، فإما أن يثبت له حكمه على العموم أو لا، والأول يلزم منه أن يكون إحلال هذا البيع يلزم منه إحلال كل بيع عملا بالعموم، والثاني وهو ألا يثبت له حكم العموم، يلزم وجود الدليل بدون المدلول وهو بعض الدليل على خلاف الأصل، ويكون حينئذ ترك هذا الدليل مضافا إلى هذه الضميمة وهي
стр. 383
قولنا هذا فيلزم/ التعارض، وهو على خلاف الأصل، وحينئذ يكون جوابه أن الصيغة تكون مجازا في هذه الصورة؛ لأجل هذه الضميمة وهي قولنا هذا، وهو مجاز، دل عليه ما تقدم من الأدلة على أن هذه الصيغة للعموم.
تنبيه: وأما قوله الجبائي: إن الجمع المنكر للعموم، فقد استدل عليه بأن حمله على الاستغراق حمل له على كل حقائقه.
وجوابه: أن مسمى هذا الجمع إنما هو الثلاثة أو الاثنان على الخلاف على أقل الجمع، فهو يفيده من غير بيان للزائد عليه، ولا شك أنه قدر مشترك بين الثلاثة والأربعة والخمسة وهلم جرا، واللفظ الدال على (ما به) الاشتراك غير دال على (ما به) الامتياز، ولا على نوع من أنواعه، فضلا عن أن يكون حقيقة في جميعها، فبطل قوله: إنه حمل له على كل حقائقه. ويؤكد ذلك أن الجمع المنكر يمكن نعته بأي عدد شئنا، فيقال: رجال ثلاثة وأربعة وخمسة إلى غير ذلك من مراتب العدد، فمفهوم قولك: رجال، يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام، فيكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام، وغير مستلزم لها، واللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له إشعار بتلك الأقسام، فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فيدل عليها؛ لأنها من ضرورة المسمى الذي هو القدر المشترك؛ لأنها أدنى الرتب على الخلاف في أقل الجمع ما هو؟
стр. 384
مسألة: إذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾، لا يتناول الأمة، وقال قوم: يتناولهم، بمعنى ما ثبت في حقه ﵊ يثبت في حقهم، إلا ما دل الدليل على أنه من خواصه ﵊، وهؤلاء إن زعموا أنه مستفاد من اللفظ فهو جهالة، وإن زعموا أنه مستفاد من دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وما يجري مجراه فهو خروج عن هذه المسألة.
وكذلك القول إذا كان الخطاب لا يتناول إلا الأمة لا يتناول النبي ﵊ من حيث اللفظ، بل بدليل خارج كما تقدم.
مسألة: / قال أصحابنا وأصحاب الشافعي ﵃ أجمعين: إن الفعل في سياق النفي يعم، نص عليه القاضي عبد الوهاب في كتاب
стр. 385
الإفادة، ونص عليه غيره أيضا، ومنكروا العموم ينكرون ذلك.
لنا: قوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ لا يفهم منه إلا نفي جميع مصادر هذين الفعلين، لأن نفي الفعل نفي لمصدره، وكذلك قول القائل: لا أبيع هذه السلعة، أو: لا أطلق هذه المرأة، لا يفهم منه إلا نفي أفراد هذا الجنس من البيع أو الطلاق، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فوجب أن يكون نفي الفعل حقيقة في عموم نفي جميع المصادر، وهو المطلوب.
احتجوا: بأن جعله للعموم في نفي المصادر إنما هو قياس على التصريح بنفي المصدر، فإذا قال: لا أجلس، مثل قوله: لا جلوس، نكرة في سياق النفي تعم، فكذلك ها هنا، فهو من باب قياس نفي الفعل على نفي المصدر المنكر، والقياس في اللغة ممنوع.
والجواب: أنا لا نسلم أن القياس ممنوع في اللغة، فقد قال جماعة من الأصوليين والأدباء: إنه هو الصحيح.
سلمناه، ولكن لا ندعي أنه قياس، بل اللفظ موضوع لذلك بنفسه؛ لأنه المتبادر منه كسائر صيغ العموم.
مسألة: قال الإمام فخر الدين في المحصول: (المشهور من قول فقهائنا
стр. 386
أنه إذا قال: والله لا آكل، فإنه يعم جميع المأكولات، والعام يقبل التخصيص، فلو نوى مأكولا دون كأكول صحت نيته، وهو قول أبي يوسف، وعند أبي حنيفة- ﵁ أجمعين- أنه لا يقبل التخصيص، وقال الغزالي في المستصفى: الفعل الذي له مفاعيل هل يعم مفاعيله أم لا؟ حكى الخلاف في ذلك، فهذه المسألة خاصة بالأفعال المتعدية، فيعم نفي المصادر والمفاعيل، فيعم من وجهين، والتي قبلها لا تختص بالفعل المتعدي، بل تعم القسمين، فإن كان الفعل قاصرا عم المصادر، ومتعديا، عم القسمين المصادر والمفاعيل.
احتج أبو حنيفة (رحمه الله تعالى) أن العموم لو ثبت لثبت إما في
стр. 387
الملفوظ أو في غيره، والقسمان باطلان، فالقول/ بالعموم، وقبول نية التخصيص باطل، أما الملفوظ، فلأن الملفوظ به ماهية الأكل، وماهية الأكل واحدة؛ لأنها قدر مشترك بين أكل هذا الطعام وذلك الطعام، (وما به) الاشتراك غير [ما به] الامتياز، وغير مستلزم له، فالأكل من حيث كونه أكلا مغاير لقيد كونه هذا الأكل وذلك، وغير مستلزم له، والمذكور إنما هو الأكل من حيث هو أكل، وهو بهذا الاعتبار ماهية واحدة، والماهية من حيث إنها هي [لا تقبل] العدد، فلا [تقبل] التعميم ولا التخصيص، بل الماهية إذا اقترنت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك (تعددت)، حينئذ تصير عامة وقابلة للتخصيص، ولكنها قبل تلك العوارض لا تكون متعددة ولا تقبل التخصيص، فالحاصل أن الملفوظ به الماهية ليس إلا، وهي غير قابلة له، وإذا أخذ بقيود زائدة عليها (تعددت) وحينئذ يحصل التعميم وقبول التخصيص، ولكن تلك [الزوايد] غير ملفوظة، فالمجموع الحاصل من الماهية ومنها غير ملفوظ، فيكون العموم وقبول التخصيص إنما هو في غير ملفوظ، وهذا هو القسم الثاني.
فنقول: هذا القسم- وإن كان ثبوت هذه الأحكام جائزة فيه عقلا- إلا أن الدليل الشرعي منع منه، وهو: أن إضافة ماهية (الأكل) إلى الخبز تارة وإلى اللحم أخرى إضافات تعرض له بحسب اختلاف المفعول (به)، وإضافتها
стр. 388
إلى هذا اليوم، وهذا الموضع، وذاك إضافات لها بحسب اختلاف المفعول فيه، وقد أجمعنا على عدم العموم وعدم قبول التخصيص بالمكان والزمان، وأنه لو نوى زمانا معينا، أو مكانا معينا لم يصح ذلك، فكذلك المفعول به، والجامع أن كل واحد منهما متعلق الفعل، أو (الجامع) الاحتياط في تعظيم اليمين.
الثاني: قالت الحنفية: قاعدة أبي حنيفة ﵀: أن النية لا تؤثر إلا في ملفوظ نحو قوله: والله لا كلمت رجلا، أو: لا لبست ثوبا، فماهية الرجل والثوب ملفوظ بهما مدلول عليهما مطابقة، فيصح أن ينوي بعض الرجال أو الثياب إجماعا، أما ما كان مدلولا/ عليه بطريق الالتزام فلا تدخله النية، ولا تؤثر فيه كالمفاعيل إذا اقتصر على ذكر الفعل خاصة، فإنها مدلول عليها التزاما؛ لأن الفعل من لوازمه الزمان والمكان والفاعل وكذلك المفعول إن كان متعديا.
والجواب عن الأول: أن الماهيات- ماهية الأكل وغيرها- لها حالتان: تارة تكون في سياق الإثبات نحو: في الدار رجل، ولآكلن، ونحو ذلك، وتارة تكون في سياق النفي.
أما الحالة الأولى: فهو- كما قال أبو حنيفة- لا عموم فيها،
стр. 389
وتكون مطلقة لا يعرض لها العدد والعموم إلا بحسب القيود والشخصيات.
أما الحالة الثانية: فإن العموم حاصل بنفس اللفظ، وتكون الدلالة عليه مطابقة، فإنه يلزم من نفي المشترك نفي جميع أفراده عند الحنفية، واللفظ عندنا موضوع للقضاء للنفي على كل فرد فرد. فالدلالة عندهم التزاما، وعندنا مطابقة. وقد تقدم بسط ذلك سؤالا، وجوابا في نفي الكل، وعلى التقديرين العموم حاصل.
وكذلك النهي كالنفي فإن النهي أمر بإعدام تلك الماهية، ولن تعدم تلك الماهية وفرد من أفرادها موجود، لاستلزام ذلك الفرد الماهية المشتركة لوجوب حصول الأعم في جميع أفراد الأخص، ومسألتنا: الماهية في سياق النفي، فيكون العموم حاصلا، فلا يتم كلامه، وإنما يتم (أن) لو كان الكلام في سياق الإثبات.
وعن الثاني: أن التحكم في هذه القاعدة لا دليل عليه، لا لغة ولا شرعا، ولم لا تكون النية معتبرة إلا في دلالة المطابقة، وأن ذلك ممتنع في دلالة الالتزام! بل قوله ﵊: (الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) يقتضي اعتبار النية مطلقا؛ لأن ما نوى أعم من المدلول مطابقة أو التزاما، هذا من جهة الشرع.
стр. 390
وأما من جهة المعقول: فلأن المدلول المطابقي أقوى من المدلول التزاما، والمقتضى لثبوت الحكم فيه أرجح من المقتضى لثبوت الحكم في المدلول/ التزاما، فإذا جوزنا في النية أن نصرف اللفظ عما دلت عليه مطابقة مع قوة الدلالة على ثبوت الحكم هنالك، فأولى أن نصرفه عما دلت عليه التزاما بطريق الأولى، لضعف الدلالة، ولأن النية صفة مخصصة لأحد طرفي الجائز على الآخر، وهذا (هو) حكم ثابت لها لذاتها، فمن ادعى تأخر ذلك عنها في صورة من الصور فعليه الدليل، فإن الأصل بقاء أحكام المعاني والصفات على ما هي عليه.
وأما قولهم: (إن الأمور الخارجية من المفعول به يقاس على المفعول فيه) فهو باطل من وجهين.
الأول: أنا نمنع الحكم في الأصل، فإن عندنا وعند الشافعية يجوز دخول التخصيص في الأزمنة والبقاع، وله أن ينوي زمانا معينا، وبقعة معينة، ويلغي غيرها في حكم يمينه، وما عملت في ذلك خلافا في المذهبين.
سلمنا امتناع الحكم في الظرفين، والفرق: أن الظرفين لازمين للفعل قطعا، لتعذر حصول الفعل لا في زمان ولا في مكان، أما المفعول به فقد يوجد مع الفعل إن كان متعديا، ولا يوجد إن كان قاصرا، حينئذ المفعول به
следующие страницы →