الحلل الإبريزية
من
التعليقات البازية
على صحيح البخاري
بقلم
أبي محمد عبد الله بن مانع الروقي
الجزء الأول
стр. 2
تقريظ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فإن آثار العلماء الربانيين في أمتهم متعددة ومتنوعة، في حال حياتهم المباركة وبعد مماتهم: أما في حال حياتهم فالأثر ملموس ومشاهد يعيشه الناس مع علمائهم: علمًا وتعليمًا، واقتداءًا، وتوجيهًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، ونشرًا للدين، وذبًا عنه، ووقوفًا أمام أعدائه من الملحدين والزنادقة وأهل البدع والإفساد.
وكم شهد المسلمون في كل عصر مواقف لعلمائهم العاملين ينصرون فيها حقًا ويردون باطلًا كادت أن ترتفع أعلامه ويعم خطره على أمة الإسلام. وهؤلاء هم الذين تفقدهم الأمة إذا ماتوا. بل ربما لم يعرف الكثيرون قدرهم إلا بعد رحيلهم.
وأما بعد وفاتهم فأظهر أثار العلماء:
١ - تلاميذهم الذين تلقوا عنهم، وساروا على منهاجهم، في نشر العلم النافع والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلشيوخهم ... - من هذا الأجر نصيب - دون أن ينقص من أجور التلامذة، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن رسول الله ...
٢ - المؤسسات والمدارس التي أنشأوها أو شاركوا في إنشائها، وبقيت هذه المدارس ودور العلم تقدم للأمة العلم الصحيح والعمل الصالح من
стр. 3
خلال من تخرج منها من طلاب العلم الذين هم قدوات لغيرهم، يمتد أثرهم إلى عموم المسلمين.
٣ - العلم النافع من خلال الكتب والرسائل والردود التي يؤلفونها بحيث تبقى علمًا تتلقاه الأمة، وتنتشر بمقدار كثرة نسخها واتساع انتشارها في بلاد المسلمين. ولأهمية هذا الأثر الأخير وعظم دوره في الأمة كما هو معلوم، حيث لا تزال المخطوطات الإسلامية العلمية المتفرقة في جميع أنحاء العالم أحد أهم ما يعني به طلاب العلم وتفتخر به أمة الإسلام على بقية الأمم. فإنني أحب أن أقف وقفة مع هذا الأثر لعلماء الإسلام قديمًا وحديثًا فأقول: كم يحزننا أن نقرأ ونسمع من علماء كبار كانوا أئمة في التحقيق في فنون العلم الشرعي المختلفة، وكانوا مرجعًا للأمة، بل ولعلماء عصرهم في معضلات المسائل، ثم لا نجد لهؤلاء العلماء أثرًا إلا ما دوّن من تراجمهم في كتب الأعلام والرجال - وكثيرًا ما تكون مختصرة لا تغني شيئًا -.
هذا في الماضي أما في عصرنا الحاضر فقد تجددت وسائل حفظ العلم، وصارت الدروس والمحاضرات تسجل وتحفظ ليستفاد منها من خلال التسجيل أو بعد أن تفرغ وتصحح وتطبع. ولكن الشأن في الدروس التي لم تسجل، كما هو الحال في كثير من دروس الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى ليس هناك وسيلة لحفظ ذلك إلا عن طريق ما يدونه التلاميذ ويعلقونه أثناء الدرس، تلقيًا عن الشيخ مباشرة. وهذا ما نشير إليه في الفقرة التالية:
٤ - ما يدونه التلاميذ ويعلقونه عن شيوخهم من خلال الأسئلة، أو سماع الدروس والتعليقات والتنبيهات التي تكون أثناء تلقي العلم عنهم أو
стр. 4
القراءة عليهم. وأظهر ما يمثل هذا النوع أمران:
أحدهما: الأسئلة والمسائل التي يسألها التلاميذ أو يسمعونها أثناء الدرس بحيث يقوم بالسؤال غيرهم، فيقومون بتدوين ذلك وهذا كثير كما هو الحال في مسائل الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام.
الثاني: ما يدونه بعض الطلاب على طرة كتبهم أو في ورق آخر مستقل أثناء إلقاء الشيوخ دروسهم، وهذا النوع من تلقي وتدوين العلم من أشق ما يعانيه الطلاب، ولا يكاد يقوى على الاستمرار عليه إلا القليل النادر (١) من طلاب العلم، لأن الكثيرين يحبون الاستماع ويعتمدون على ما يبقى في الذاكرة من علم الشيخ وفوائده وتحقيقاته.
وهذا الكتاب والسفر النفيس الذي يقدمه أخونا الشيخ الفاضل / عبد الله بن مانع الروقي، والذي اختار له أسمًا جميلًا وعنوانًا لطيفًا معبرًا «الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري» هو من ذلك النوع الشاق على طلاب العلم، والذي عُرف به أخونا الشيخ عبد الله من بين المشايخ الذين تلقوا وحضروا دروس شيخنا ووالدنا ابن باز ﵀ حيث كان حريصًا على تدوين الفوائد والنكت والتعليقات والترجيحات، ولا يترك منها شيئًا حتى ولو كان أمرًا معلومًا مشهورًا بين طلاب العلم. فقيّد العلم وأنجح، وكان من أثار ذلك جملة من المسائل التي حفظها ودونها، وجملة من التعليقات على بعض كتب العلم ومنها هذا الكتاب المبارك الذي يجمع بين: صحيح البخاري، ومواضع من فتح
стр. 5
الباري، وتعليقات الشيخ ابن باز. فأكرم بهم من سلسلة ذهبية توجت بحفظها وإخراجها للأمة من جانب أخينا عبد الله وفقه الله وسدده وأعظم أجره.
بقي أن أشير إلى أن أهم ما يميز دروس الشيخ العلامة ابن باز ﵀ قوة الترجيح ومتانة التحقيق ووضوح التعليق، فهو في مثل هذه الدروس العلمية لا يحرص على الشرح والتفصيل الواضحات، التي لا تحتاج إليها المطولات، وإنما يعلق التعليق المهم الذي يحتاج إليه العلماء وطلاب العلم الذين أخذوا أجمل العلم وأدركوا مسائله، ولكن تمر عليهم معضلات ومشكلات يحتاجون فيها إلى الجهابذة الذين يحلونها ويقررون القول الراجح منها وهذا ما يميز هذه التعليقات النفيسة في السفر المبارك.
فدونك هذه الدرر، قصيرة في عبارتها عظيمة في معانيها وتحقيقاتها، يكفي أنها خلاصة علم شيخ قضى من عمره ما يزيد على السبعين عامًا مع هذا العلم والقراءة والتحقيق ليلًا ونهارًا حضرًا وسفرًا ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في عليين.
أما أخونا الشيخ عبد الله بن مانع فنقول له: جزاك الله خيرًا على ما عانيت أثناء الدروس، وجزاك الله خيرًا على حرصك على نشر علم الشيخ بدل أن يبقى محبوسًا، ونحن ننتظر المزيد من هذا النوع من العلم فعجّل بنشره وفقك الله وسددك وأثابك.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه / عبد الرحمن الصالح المحمود
الرياض ١٨/ ٣/١٤٢٧ هـ.
стр. 6
إسنادي إلى «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة البخاري ﵁.
قال الفقير إلى مولاه: أبو محمد عبد الله بن مانع الروقي: حدثنا (إجازة) أبو تراب الظاهري، وأحمد الشاطري، وعبد القادر البخاري، قالوا حدثنا عمر بن حمدان المحرسي، قال: حدثنا السيد محمد بن عبد الحي الكتاني.
وحدثنا (إجازة) أبو تراب الظاهري، قال: حدثنا السيد محمد بن عبد الحي الكتاني، عن أبيه عبد الكبير الكتاني، عن عبد الغني الدهلوي، عن محمد بن إسحاق الدهلوي، عن عبد العزيز الدهلوي، عن أبيه ولي الله الدهلوي، عن سالم بن عبد الله البصري، عن أبيه عبد الله بن سالم البصري، عن محمد بن علاء الدين الحافظ البابلي، عن محمد حجازي الشعراوي الواعظ، عن محمد بن أركماس، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، قال: أخبرنا أبو إسحاق التنوخي، قال أخبرنا أبو العباس الحجار، قال: أخبرنا أبو الحسين بن المبارك الزبيدي، قال: أخبرنا أبو الوقت السجزي، قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، قال: أخبرنا عبد الله بن حَمُّويه السرخسي، قال: أخبرنا الفربري، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة الجعفي البخاري ﵀، قال: حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير، قال حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي: أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي
стр. 7
يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
стр. 8
المقدمة
الحمد لله ولي الصالحين، ورب الطيبين، تفضل على من شاء من عباده فهداه وعلمه ووفقه وسدده، فيا لسعادة من جعله الله إمامًا للمتقين يعلمهم ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، فأي فضل عليهم قد أسداه، وأي تكريم لهم قد أعطاه، أولئك هم عبادة الله البررة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨].
وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة خير الورى، وأشرف من وطئ الثري، نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد: فهذه جملة من تعليقات إمام أهل السنة في عصره شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ على صحيح البخاري وشيئًا من تعليقاته على مواضع من فتح الباري.
سطرتها أناملي، سماعًا منه وجاد بها المولى كرمًا منه فلله الحمد كثيرًا كما أنعم كثيرًا أسميتها الحلل الإبريزية من التعليقات البازية.
أسأل الله أن يتقبلها عملًا صالحًا لوجهه خالصًا وأن ينفعني بها وشيخي إنه جواد كريم.
وقد امتازت تعليقات شيخنا رحمه الله تعالى بميزات من أهمها:
١ - القطع بحكم في كثير من المسائل، وما كان ذلك من الشيخ في أكثر ما قطع به إن لم يكن كله إلا بعد طول بحث وتأمل ونظر، فهي مسائل محققة محررة عنده، أخذنا زبدتها، وقطفنا ثمرتها.
٢ - الإيجاز في عبارته مع ما تؤديه من عظيم المعاني، والفوائد، فالمسألة
стр. 9
يكون فيها خلاف كبير جدًا، يلخصه الشيخ رحمه الله تعالى في سطر أو سطرين مع ترجيح ما يراه، ولا أراه إلا كما قال الدارقطني «كان أبو القاسم بن منيع قلما يتكلم على الحديث فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار في الساج» (١).
٣ - الفوائد المستنبطة، وبعضها لا يكاد يوجد عند غيره رحمه الله تعالى.
٤ - التعقبات المقنعة، فهو أحيانًا يعلق على رواية، أو حكم، أو يتعقب بعض من قال بقول يراه الشيخ مرجوحًا، فيفصح عن وجه الضعف فيه بأوجز عبارة، وأبلغ معنى.
وهذه الميزات من أهم الأسباب التي دفعتني لإخراج هذه المجموعة المباركة من التعليقات، وقد انبهر بها بعض أهل العلم لما أطلع عليها وألح في لزوم إخراجها سريعًا.
وهنا تنبيهات مهمة للقارئ الكريم:
١ - حرصت كل الحرص على كتابة لفظ شيخنا بالنص إن أمكنني ذلك، وإن شق فأكتبه بالمعنى القريب.
٢ - كتبت عن شيخنا أحواله في الدرس: من تبسم، وبكاء، وتسبيح، وتهليل، وتكبير، وتعجب، ودعاء.
٣ - كل ما في الحاشية من كلام شيخنا إلا ما صدرته بقولي قلت: فمن كلامي. وما كان مصدرًا بنجمة فهو من كلامه أفردته بذلك لأنه ليس على صلب المتن.
٤ - أذكر تاريخ السؤال عند الحاجة لذلك.
٥ - إذا أحلت على جزء أو صفحة (من الأصل) فأريد به الجامع الصحيح مع شرحه فتح الباري (السلفية الثانية) وهو المراد بقولي تم الجزء ..
стр. 10
٦ - إذا قلت كذا في العيني فأعني به شرح بدر الدين العيني على البخاري المسمى (عمدة القاري).
٧ - حذفت بعض الأسماء التي صرح بها شيخنا- إلا ما كان ذكره مكملًا للمقصود.
٨ - الأحاديث الطوال اكتفيت بذكر ما عليه التعليق في أكثرها دون ذكر الحديث بكامله، وكنت في الأول أمرت الناسخ بالاكتفاء بذلك، ثم غيرت رأيي وقلت: بل اكتبها كلها، فاستدرك الناسخ بعضها، وبقي البعض الآخر لم يكمل .. فلعلنا نكملها في طبعات قادمة إن شاء الله تعالى حرصًا على عدم تأخير إخراج هذه التعليقات المباركة.
٩ - سألت شيخنا عن كثير من الأحاديث لمعرفة قوله فيها، وأحيانًا أثبت ما رأيته في درجة الحديث للإفادة.
١٠ - أضفت فوائد مهمة من كلام بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما لدعاء الحاجة لها.
١١ - بذلت ما أستطيع لتصحيح الملازم، واجتهدت في ذلك ولكن يبقى عمل الإنسان معرضًا للنقص والزلل فمن وجد عيبًا فليستره، وحالي كما قال الأول:
متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يومًا ... على الرفعاء من إحدى البلايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
وكل علم يكتب وينشر إنما تعرف نفاسته، وتثمن قيمته، بقيمة صاحبه العلمية وشيخنا أبو عبد الله هذا الإمام العلم شيخ الإسلام في عصره شيخنا
стр. 11
ابن باز رحمه الله تعالى- وكنت رأيته بعد موته في المنام جالسًا وقد طلب ماءً فسقاه من سقاه من تلاميذ- وقد عرفت بعضهم- لكنه أراد ماءً باردًا غير ما سقي- فجاء أحدهم بماء بارد فسقي الشيخ فتبسم كأنه يقول: نعم هذا دواء العطشان.
ولا أستطيع أن أصف شيخنا رحمه الله تعالى إلا بمقالة المزي في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو قوله: ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله ولا بسنة رسوله ﷺ ولا أتبع لهما منه. وكفى بهذا عن ترجمته رحمه الله تعالى.
ختامًا ... أشكر كل من أعانني على إخراج هذه التعليقات، وأسأل الله تعالى أن يثيبهم أجزل الثواب وأعظمه، ولا يفوتني أن أشكر الرجل الخير الجواد- أحسبه كذلك- مطلق الغويري سلمه الله تعالى فقد تبرع بتكلفة طباعة الملازم وتجهيز الكتب - فجزاه الله خير الجزاء وحفظه في نفسه وولده وماله.
وكذلك أشكر زوجتي (أم محمد) التي استحثتني على التكميل والمسارعة فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء، وسدّد فينا وفيهم القول والعمل.
وسيتلو هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى- سؤالاتي لابن باز وهي كثيرة جدًا، وتعليقات شيخنا على كتب أخرى يسر الله تعالى إخراجها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا قرت عين حاسد والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أبو محمد
عبد الله بن مانع الروقي
ص. ب ٩٠١٠ الرياض ١١٤١٣
стр. 12
١ - كتاب بدء الوحي
١ - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ -
١ - حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير قال حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله يقول: «إنما الأعمال بالنيات (١)، وإنما لكلِّ امرء ما نوى: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
٢ - باب
٢ - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول». قال عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا (٢).
стр. 13
٣ - باب
٣ - عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا (١)، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل .....
стр. 14
٤ - باب
٥ - حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى ابن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. وقال سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما - فحرك شفتيه - فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إن علينا أن نقرأه. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه (١).
стр. 15
٦ - باب
٧ - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيد لله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهو بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمان فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا. فقال: أدنوه مني، وقربوه. فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب. قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم .... فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة (١) ... قال: ماذا يأمركم» (٢) ... وهم أتباع الرسل (٣) ... عن قدمه (٤) ... لقد أمر ابن أبي كبشة (٥).
стр. 16
كتاب الإيمان
١ - باب قول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس»
وهو قول وفعل. ويزيد (١) وينقص. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ - وَزِدْنَاهُمْ هُدًى - وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى - وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ - وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾.
٢ - باب دعاؤكم إيمانكم (٢)
٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
٣ - باب أمور الإيمان
وقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ
стр. 17
عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (١) الآية.
قال الحافظ: ... وعن الخليل البضع السبع (٢).
٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
١٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المسلم (٣) من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
٨ - باب حب الرسول ﷺ من الإيمان
١٥ - عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٤).
стр. 18
٩ - باب حلاوة الإيمان
١٧ - عن أنس أن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (١)، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار
١٧ - حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنسًا عن النبي ﷺ قال: «آية (٢) الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
قال الحافظ: .... ووفي بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد، وهما بمعنى (٣).
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
١٩ - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٤).
стр. 19
١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
٢٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهار الحيا - أو الحياة، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية»؟ (١).
قال وهيب: حدثنا عمرو «الحياة». وقال: «خردل من خير».
١٦ - باب الحياء من الإيمان
٢٤ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار - وهو يعظ أخاه في الحياء - فقال رسول الله ﷺ : «دعه، فإن الحياء من الإيمان» (٢).
١٧ - باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾
٢٥ - حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال حدثنا شعبة عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر
стр. 20
أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١).
١٨ - باب من قال إن الإيمان هو العمل
لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
٢٦ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (٢).
قال الحافظ: ... قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال (٣)، واحتياج المخاطبين، وذكر ما يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه، ويمكن أن يقال: إن لفظة «من» (٤) مرادة كما يقال فلان أعقل الناس ....
стр. 21
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام (١) أو الخوف
٢٧ - عن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا - وسعد جالس - فترك رسول الله ﷺ رجلًا هو أعجبهم إلي. فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فو الله إني لأراه مؤمنًا. فقال: أو مسلمًا. فسكت قليلًا. ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت: مالك عن فلان؟ فو الله إني لأراه مؤمنًا. فقال: أو مسلمًا. ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ . ثم قال: يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه (٢) الله في النار. ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري عن الزهري.
قال الحافظ: ... ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
стр. 22
٢٠ - باب إفشاء السلام من الإسلام. وقال عمار. ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار (١)
٢٨ - عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
٢١ - باب كفران العشير، وكفر دون كفر فيه
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ - (٢)
٢٩ - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : «أريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان. لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط».
٢٢ - باب المعاصي من أمر الجاهلية. ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك،
لقول النبي ﷺ : «إنك إمرؤ فيك جاهلية» وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٣).
стр. 23
٣٠ - حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن واصل الأحدب عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة (١)، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا عيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك إمرؤ فيك جاهلية. إخوانكم خولكم (٢). جعلهم الله تحت أيدكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
فسماهم المؤمنين
٣١ - حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل. فلقيني أبو بكرة (٣) فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه».
стр. 24
٢٣ - باب ظلم دون ظلم (١)
٣٢ - عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال أصحاب رسول الله ﷺ : أينا لم يظلم فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
٢٤ - باب علامة المنافق
٣٣ - حدثنا سليمان أبو الربيع قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق (٢) ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
стр. 25
٣٤ - حدثنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا (١)، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
قال الحافظ: ........ وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي (٢).
٢٦ - باب الجهاد من الإيمان
٣٦ - حدثنا حرمي بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا عمارة قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله- لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» (٣).
стр. 26
٢٩ - باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ
«أحب الدين (١) إلى الله الحنيفية السمحة» (٢)
٣٩ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».
٣٠ - باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت
٤٠ - عن البراءة أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده- أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا - كما هم- قبل البيت (٣).
وكانت اليهود
стр. 27
قد أعجبتهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهة قبل البيت أنكروا ذلك.
٣١ - باب حسن إسلام المرء
٤١ - عن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها» (١).
٣٢ - باب أحب الدين إلى الله أدومه
٤٣ - عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: «من هذه؟ » قالت: فلانة- تذكر من صلاتها (٢) - قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا». وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه.
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
وقول الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال
стр. 28
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
٤٤ - عن أنس عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير» (١).
٤٥ - حدثنا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون حدثنا أبو العميس أخبرنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة، يوم جمعة.
٣٤ - باب الزكاة من الإسلام، وقوله:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣)
стр. 29
٤٦ - عن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا. إلا أن تطوع». قال رسول الله ﷺ : «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا. إلا أن تطوع». قال وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا. إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق».
٣٥ - باب إتباع الجنائز من الإيمان
٤٧ - حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي قال: حدثنا روح قال: حدثنا عوف عن الحسن ومحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد؛ ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» (١).
стр. 30
٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر
وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكه أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه (١). ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة، لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
٤٨ - حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢).
قال الحافظ: .... أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافًا للمرجئة (٣).
٤٩ - أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس قال: أخبرني عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحي رجلان من المسلمين، فقال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر. وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس» (٤).
стр. 31
٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام،
والإحسان، وعلم الساعة .
وبيان النبي ﷺ له. ثم قال: جاء جبريل ﵍ يعلمكم دينكم، فجعل ذلك كله دينًا. وما بين النبي ﷺ لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
٥ - حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث». قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله». ثم تلا النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. ثم أدبر. فقال: ردوه. فلم يروا شيئًا. فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم». قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان (١).
٣٨ - باب
٥١ - .. عبد الله بن عباس أخبره قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له:
стр. 32
سألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد (١).
٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان
٥٣ - عن أبي جمرة قال: كنت أقعد مع ابن عباس يجلسني على سريره، فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي. فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: «من القوم- أو من الوفد؟ » - قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقوم- أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى». فقالوا: يا رسول الله. إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام. وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخُمس»، ونهاهم عن أربع: عن الخنتم، والدباء، والنقير، والمزفت- وربما قال: المقير- وقال: «احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم» (٢).
стр. 33
٤١ - باب ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى
فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ على نيته. ونفقة الرجل على أهله ... - يحتسبها- صدقة. وقال: ولكن جهاد ونية.
٥٦ - حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيَّ امرأتك» (١).
٤٢ - باب قول النبي ﷺ : «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢).
٥٧ - عن جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
стр. 34
٣ - كتاب العلم
١ - باب فضل العلم، وقول الله تعالى: وقوله : ﴿يَرْفَعِ (١) ... اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
٢ - باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل
٥٩ - .. عن أبي هريرة قال: بينما النبي ﷺ يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟ » قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٢).
٤ - باب قول المحدث (٣) «حدثنا» أو «أخبرنا» و «أنبأنا». وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسعمت واحدًا ......
стр. 35
٦١ - حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وأنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ » فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة» (١).
قال الحافظ: ........ وفيه ضرب (٢) الأمثال والأشياء لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن.
٦ - باب ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
القراءة والعرض على المحدث (٣). ورأى الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة (٤) ....
٦٣ - ... عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم - فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن
стр. 36
عبد المطلب (١).
فقال له النبي ﷺ : «قد أجبتك»، فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: «سل عما بدا لك». فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : «اللهم نعم». فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
٧ - باب ما يذكر في المناولة، وكتاب (٢) أهل العلم بالعلم إلى البلدان
وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزًا. واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ .
стр. 37
٦٥ - عن أنس بن مالك قال: كتب النبي ﷺ كتابًا- أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختوما (١)، فاتخذ خاتمًا من فضة نقشه: محمد رسول الله. كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لقتادة: من قال نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس.
٨ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها
٦٦ - .... عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد. قال فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ (٢) أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه».
стр. 38
قال الحافظ: (فاستحيا الله منه) .... أي رحمه ولم يعاقبه (١).
٩ - باب قول النبي ﷺ «رب مبلغ أوعى من سامع»
٦٧ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكر النبي ﷺ قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - قال: «أي يوم هذا؟ » فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال: «أليس يوم النحر؟ » قلنا: بلى. قال: «فأي شهر هذا؟ » فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس بذي الحجة؟ » قلنا: بلى. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب. قال الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» (٢).
١٠ - باب العلم قبل القول والعمل
لقوله الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم. وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة. وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (٣)﴾. وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه». وإنما العلم بالتعليم. وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار
стр. 39
إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حكماء فقهاء. ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
١١ - باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا
٦٨ - عن ابن مسعود قال: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا (١).
١٦ - باب ما ذكر في ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ .
٧٤ - عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس هو خضر. فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت النبي ﷺ يذكر شأنه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه. وكان
стр. 40
يتبع أثر الحوت في البحر. فقال لموسى فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. قال: ذلك ما كنا نبغي. فارتدا على آثارهما قصصًا، فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما الذي قص الله في كتابه» (١).
١٧ - باب قول النبي ﷺ : «اللهم علمه الكتاب»
٧٥ - عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهم علمه الكتاب» (٢).
١٨ - باب متى يصح سماع الصغير (٣)؟
٧٦ - عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان -وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام- ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت