Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
"لعن اللَّه الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق اللَّه". وقيل التخنث.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً)].
(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا): مصدران: الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، (وَمَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَفْرُوضاً﴾ يقتضي أن يفسر ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ بما هو أبلغ من الخصاء، فإذا المراد بتغيير الخلق ما أشار إليه الحديث النبوي: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يُنصرانه أو يمجسانه". ولناصر قول عكرمة أن يقول: قول الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم؛ دل على التغيير في الدين، وأُطلق ليشمل كل ما يصح فيه الإضلال والأماني، وقوله: لآمرنهم، إلى آخره؛ دل على التغيير في خلق الظاهر في النعام تارة وفي الإنسان أخرى، والله أعلم.
قوله: (الواشرات). النهاية: الواشرة: المرأة التي تحد أسنانها وترقق أطرافها تتشبه بالشواب، كأنه من وشرت الخشبة بالميشار، غير مهموز.
والمتنمصة والنامصة: التي تنتف شعور الوجوه. قال في "النهاية": وبعضهم يرويه "المنتمصة" بتقديم النون على التاء. والمتوشمة: من الوشم، وهو أن يغرز الجلد بغبرة ثم يُشى بكحل أو نيل فيزرق أثره. والمستوشمة: التي تطلب ذلك.
قوله: (الأول مؤكد لنفسه)؛ لأن قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ يدل على الوعد؛ إذ الوعد هو الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه، "والثاني: مؤكد لغيره" نحو قولك: هو عبد الله حقاً، فقوله: "حقاً" يفيد معنى لم يُفد "هذا عبد الله" لا لفظاً ولا عقلاًن لكن الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق والكذب، فقولك: "حقاً" بقصر الجملة على أحد الاحتمالين، أي: أحق حقاً؟ فقولك: "حقاً" تأكيدٌ للمقدر لا للمذكور.
стр. 2032
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا): توكيد ثالث بليغ. فإن قلت: ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد اللَّه الصادق لأوليائه، ترغيباً للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد اللَّه، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان.
[(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً)].
في (لَيْسَ) ضمير وعد اللَّه، أي: ليس ينال ما وعد اللَّه من الثواب (بِأَمانِيِّكُمْ وَلا) بـ (أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ)، والخطاب للمسلمين؛ لأنه لا يتمنى وعد اللَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (توكيد ثالث بليغ)؛ وذلك أن الجملة تذييل للكلام السابق، والتذييل مؤكد للمُذيل. وأما المبالغة فمن الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجامع وبناء أفعل وإيقاع القول تمييزاً. وكل ذلك إعلام منه بأن حديثه صدق محض، وإنكار أن قول الصدق يتعلق بقائل آخر أحق منه.
قوله: (معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة) إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما أوقع قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ تذييلاً لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ الآية، أوقع قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ خاتمة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية؛ ليوازي بين الوعدين، ويقابل بين الترغيبين فيختار المؤمنون الأعمال الصالحة على ما يدعو إليه الشيطان بأمانيه الباطلة ومواعيده الكاذبة، فيتخلصوا من غصص إخلاف مواعيده بما يفوزوا به من إنجاز ما وُعدوا من الله تعالى الذي هو أصدق القائلين. ثم وازن بين قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ من جهة وضع المظهر موضع المضمر فيهما ومن النفي المستفاد من الاستفهام وما إلى غير ذلك ليتحقق المعارضة.
стр. 2033
إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم؛ لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد اللَّه. وعن مسروقٍ والسدي: هي في المسلمين. وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ليس الإيمانُ بالتمني)، فإن قلت: كيف الجمعُ بين هذا وبين قوله: "لأنه ايتمنى وعد اله إلا من آمن به"؟ والجواب: ما قاله الراغب المُنَى، كالقفا: التقديرُ، يقالُ: مَنَى لكَ، أي: قدَّرَ لك المُقدر، التمني: تقدير الشيء في نفسه وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له، قال تعالى: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، والمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدأ للكذب، فصح أن يُعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما روى عن عثمان ﵁ أنه قال: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت. وأما قول المصنف: "لا يتمنى عد الله إلا من آمن به" فهو ينظر إلى قوله: وقد يكون عن روية وبناء على أصل.
قوله: (ما وقر في القلب). النهاية: وقر في صدره، أي: سن فيه وثبت؛ من الوقار، وقد وقر يقر وقاراً، وفي الحديث: "لم يفضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكنه لشيء وقر في القلب".
стр. 2034
من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ باللَّه، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظنّ باللَّه لأحسنوا العمل. وقيل: إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت.
ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين؛ لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً؛ (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً) [مريم: ٧٧]، (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: ٥٠]، وكان أهل الكتاب يقولون: (نحن أبناء اللَّه وأحباؤه) [المائدة: ١٨]، (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) [البقرة: ٨٠]، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله. وعن مجاهد: إن الخطاب للمشركين. قوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)، وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) بعد ذكر تمنى أهل الكتاب نحو من قوله: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) [البقرة: ٨١]، وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة: ٨٢] عقيب قوله: (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ أولها: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: ٧٧].
قوله: (ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك) يعني قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ [النساء: ١١٧] وإقسام الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم.
قوله: (﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ أراد أن نظم هذه الآية كنظم تلك الآية، ذكر هاهنا ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وبعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾، كما ذكر هناك ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، وهو التمني، وبعده: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢].
стр. 2035
النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) [البقرة: ٨٠]. وإذا أبطل اللَّه الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز، ومن أساء عمله فهو الهالك؛ تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني، وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح، ولكنه نصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان. فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلاً لا يتمكن من عمل كل الصالحات؛ لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه، وكم من مكلفٍ لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في: (مَنْ يَعْمَلْ). فإن قلت: كيف خُصَّ الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الراجع في: (وَلا يُظْلَمُونَ) لعمال الصالحات وعمال السوء جميعاً. والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر؛ لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم؛ ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكنه نُصحٌ لا تعيه الآذان) تعريض بأهل السنة! لكنهم لا يقولون بوجوب الجزاء على ما عملوا، فكيف يلتفتون إلى مجرد الأماني؟ بل يرجون رحمته فضلاً منه؛ لا بالعمل كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
قوله: (والثانية لتبين الإبهام في ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾. قال أبو البقاء: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ في موضع الحال من المستكين في ﴿يَعْمَلْ﴾، و ﴿مَنْ﴾: للبيان، أو: حالٌ من ﴿الصَّالِحَاتِ﴾، و ﴿مَنْ﴾: للابتداء، أي كائنة من ذكر أو أنثى، و ﴿مِن﴾ الأولى زائدة عند الأخفش، وصفة عند سيبويه.
قوله: (ولأن ظلم المسيء) عطفٌ على قوله: "لأن كلا الفريقين"، والفاء في قوله: "فكان ذكره مستغني عنه" للنتيجة، وقيل: دليل ثالث على التخصيص.
стр. 2036
أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه، وأما المحسن فله ثوابٌ، وتوابع للثواب من فضل اللَّه هي في حكم الثواب؛ فجاز أن ينقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب، فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.
[(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً)].
(أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ): أخلص نفسه للَّه وجعلها سالمة له لا تعرف لها رباً ولا معبوداً سواه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ): وهو عامل للحسنات تارك للسيئات (حَنِيفاً): حالٌ من المتبع، أو من (إبراهيم)، كقوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٣٥]؛ وهو الذي تحنف، أي: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.
(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا): مجازٌ عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل: المخال، وهو الذي يخالك، أي: يوافقك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجاز أن يُنقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب)، وفيه بحث؛ لأن زيادة الثواب إذا لم تكن واجبة لم يقع في تخلفها الظلم. والجواب على مذهب أهل السنة: أن الثواب فضل، فهو كالواجب بسبب الوعد، ففي تخلفه خلفٌ في الوعد، فأطلق اللم وأريد خلف الوعد، أي: ولا ينقصون مما وُعدوا به شيئاً، وعلى مذهبه: أن الفضل لما جُعل في حكم الثواب أجرى عليه ما يجري على الثواب؛ مبالغة في الإلحاق، فقوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ تذييل للكلام السابق عندنا، وعطفٌ على قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ عنده، أي: يدخلون الجنة جزاء لعمالهم ولا يظلمون نقيراً من فضل الله، الذي هو تابع للجزاء.
قوله: (تُشبه كرامة الخليل) بعد قوله: "مجاز عن اصطفائه" إيذانٌ بأن المجاز من باب الاستعارة التمثيلية.
قوله: (وهو الذي يُخالك، أي: يوافقك). الراغب: الخلل: انفراج الشيئين، يقال: خللته،
стр. 2037
في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من الخل؛ وهو الطريق في الرمل؛ أو يسدّ خللك كما تسدّ خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك. فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملة اعتراضيةٌ لا محل لها من الإعراب، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم: "وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ"، فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته؛ لأن من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: أصبت خلله، فاستعير منه الخليل إما لتخلل كل واحد منهما قلب الآخر، كما قيل: الحبيب لوصول كل واحد منهما إلى حبة قلب الآخر، قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني … وبذا سمي الخليل خليلا
أو لأنه تخلل أحوال الآخر، وعرف سرائره، أو لاعتبار افتقار كل واحدٍ منهما. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ على الاعتبار الأخير، وهو افتقاره إلى الله تعالى في كل حال، وهذا الفقر أشرف غنى بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك.
قوله: (في خلالك) أي: في خصالك. الأساس: هذه خلة صالحة، وفيه خلال حسنة، يعني: هو مأخوذ من هذه المعاني ثم استعمل في حق الله تعالى على سبيل الاستعارة، هذا وإذا جعل السبب في التسمية القصة الآتية فيكون من باب المشاكلة؛ لأن جوابه ﵊: بل من عند خليلي الله، في مقابلة قولها: من خليلك المصري كما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [البقرة: ٢٦].
قوله: (كنحو ما يجيء في الشعر) إشارة إلى قول امرئ القيس:
ألا هل أتاها والحوادث جمة … بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
стр. 2038
بلغ من الزلفى عند اللَّه أن اتخذه خليلاً، كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته. ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها معنى. وقيل: إن إبراهيم ﵇ بعث إلى خليلٍ له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله: لو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباء مزيدة في المرفوع، أي: هل أتاها بيقرة امرئ القيس؟ أي: موته أو انتقاله من بلد إلى بلد، وتملك: اسم أمه.
قوله: (لم يكن لها معنى)؛ لأنه لا يخلو من أن يعطف على قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً﴾ أو على صلة "من" أو على خبر الجملة الحالية ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، لا يجوز الأول؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ اعتراض وتوكيد لمعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وبيان أن الصالحات ما هي؟ وأن المؤمن من هو؟ وليس في ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ذلك، على أن عطف الإخبارية على الإنشائية من غير جامع قوي يدعو إلى مُمتنع، ولا يجوز الثاني والثالث من له أدنى مسكة.
فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجملة استطرادية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ [فاطر: ١٢] عطف ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ على أنه استطرادية؟ قلت: لا يجوز؛ لأن من شرط العطف في الاستطراد أن يكون للمعطوف نوع مناسبة بأصل الكلام، وهو ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [النساء: ١٢٤]، وهي هاهنا مفقودة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] على ما مر، ولا يحسن أن يكون حالاً لما يفوت من فائدة وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر الخُلة للتنصيص على أنه ممن يجب أن يُرغب في اتباع ملته؛ فتعين أن يكون اعتراضاً وتذييلاً؛ لما في اعتبارهما مظنة العلية، وبيان الموجب؛ أي: ومن أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم؛ لاصطفاء الله إياه وأنه الممدوح المستعد لخُلة الله لما فيه من غاية الكمالات البشرية.
قوله: (في أزمةٍ). الأساس: ومن المجاز: أزم عيهم الدهر فأزمتهم أزمة، وسنة أزوم، عليه، ثم قيل: سنةٌ آزمةٌ: إذا أمسكت المطر.
стр. 2039
كان إبراهيم ﵇ يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينةٍ فملئوا منها الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا إبراهيم ﵇ ساءه الخبر، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارةٍ منها فأخرجت أحسن حوّارى، واختبزت واستنبه إبراهيم ﵇، فاشتم رائحة الخبز، فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي اللَّه ، فسماه اللَّه خليلاً.
[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً)].
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) متصل بذكر العمال الصالحين والصالحين، ومعناه: أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم. (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً)؛ فكان عالماً بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها.
[(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ببطحاء لينة). النهاية: البطحاء: الحصى الصغار.
قوله: (فحملته عيناه) أي: غلبه النوم، من قولهم: حمل على قرنه حملة صادقة.
قوله: (حواري) بالضم وتشديد الواو والراء المفتوحة. النهاية: وهو الخبز الذي نُخل مرة بعد مرة، من التحوير: التبييض.
قوله: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ متصل بذكر العمال، الصالحين والصالحات) يعني بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، على أن ذكر أحد الفريقين يدل على ذكر الآخر؛ لأنهم مجزيون بأعمالهم كما سبق، ويكون كالتعليل لوجوب العمل؛ ولهذا جاء بـ "أن" في قوله: "أن له ملك أهل السماوات والأرض؛ فطاعته واجبة عليهم"، ويكون قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً﴾ اعتراضاً بين العلة والمعلول حثاً على الترغيب في العمل الصالح، وردعاً وزجراً عن المعاصي والكفر على أبلغ الوجوه.
стр. 2040
فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً)].
"ما يُتْلى": في محل الرفع، أي: اللَّه يفتيكم والمتلوّ (فِي الْكِتابِ) في معنى اليتامى، يعني قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) [النساء: ٣]، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمه، ويجوز أن يكون "ما يُتْلى عَلَيْكُمْ" مبتدأ، و (فِي الْكِتابِ) خبره، على أنها جملة معترضة. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ؛ تعظيماً للمتلو عليهم، وأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("ما يُتلى": في محل الرفع). قال أبو البقاء: هو معطوف على اسم الله، أو على ضمير الفاعل في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، وجرى الجار والمجرور مجرى التوكيد.
وقال القاضي: وساغ العطف على الضمير المستكن للفصل، فيكون الإفتاء مسنداً إلى الله تعالى وإلى ما في القرآن، نحو: أغناني زيدٌ وعطاؤه. وعليه قول المصنف: "أعجبني زيدٌ وكرمه"؛ وذلك أن قوله: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ بمنزلة: "أعجبني زيد"؛ جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بمنزلة: و"كرمه"؛ لأنه المقصود بالذكر.
قوله: (تعظيماً للمتلو عليهم) مفعولٌ له لقوله: "المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ"، وإنما فسره في هذا الوجه باللوح المحفوظ لما يُذاق معه مع معنى التعظيم حلاوة حُسن النظام؛ إذ المعترضة من أسلوب التحاسين، ولو أريد به القرآن لتعطل من حلية التزيين وانخرط في سلك قول الشاعر:
ذكرت أخي فعاودني … صداع الرأس والوصب
стр. 2041
العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند اللَّه التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه اللَّه. ونحوه في تعظيم القرآن: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الزخرف: ٤]. ويجوز أن يكون مجروراً على القسم، كأنه قيل: قل: اللَّه يفتيكم فيهنّ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. والقسم- أيضاً- لمعنى التعظيم. وليس بسديدٍ أن يعطف على المجرور في: (فِيهِنَّ)؛ لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبيان الاعتراض أن قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بدل من قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ واعترض بين البدل والمبدل قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ فعلى هذا قوله: ﴿قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ معناه: كلام الله- أي: القرآن- يفتيكم فيهن، ثم أكد هذا المعنى بأن قيل: ما يتلى عليكم ثابت مستقر في اللوح المحفوظ عند مليك عظيم الشأن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ [الزخرف: ٤] في شأنكم في أمر يفتيه كتابٌ هذا شأنه، فيكون من عظائم الأمور" تفسير لقوله: "تعظيماً للمتلو عليهم"، فيلزم من هذا التعظيم إيجاب مراعاتها والمحافظة عليها، ويفهم منه أن الإخلال بها وضع للشيء في غير موضعه، وفي هذا الوجه وفي أن يكون "ما يُتلى" مجروراً على القسم لا يكون في الآية ما يومئ إلى أن الفتوى في أي شيء هو.
قال الإمام: الاستفتاء لايقع عن ذوات النساء؛ وإنما في حال من حالاتهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في هذه الآية؛ فكانت الآية مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع فيه الاستفتاء. وقلت: ويكون التفصيل ما سبق في أول السورة من الآيتين كما سيجيء.
قوله: (من حيث اللفظ والمعنى). أما اللفظ: فإنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وأما المعنى: فلأنه لا يستقيم أن يقال: يفتيكم في حق ما يتلى عليم، فغن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الله يفتيكم في الكتاب بما يرويه المستفتي من قوله: ﴿وَإِنْ
стр. 2042
يَتامَى النِّساءِ)؟ قلت: في الوجه الأوّل هو صلة (يُتْلى)، أي: يتلى عليكم في معناهن، ويجوز أن يكون (فِي يَتامَى النِّساءِ) بدلاً من (فِيهِنَّ)؛ وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير. فإن قلت: الإضافة في (يَتامَى النِّساءِ) ما هي؟ قلت: إضافة بمعنى «مِنْ»، كقولك: عندي سحق عمامة. وقرئ: (في ييامى النساء) بياءين على قلب همزة "أيامى" ياءً.
(لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ)، وقرئ: (ما كتب اللَّه لهنّ)، أي: ما فرض لهن من الميراث، وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمةً عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها. (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ): يحتمل: في أن تنكحوهن لجمالهن، و: عن أن تنكحوهن لدمامتهن.
وروي: أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]؟ قلت: لا يجوز؛ لأن معنى ﴿فِيهِنَّ﴾: في حقهن، وشأنهن يأباه للاختلاف بين المعطوف والمعطوف عليه. قال في "المُغرب": اشتقاق الفتوى من الفتى؛ لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل، فالحادثة: هو السؤال عن خوف عدم القسط في حق اليتامى لقوله: "والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى" وبيانه بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قوله: (إضافة بمعنى "مِن" كقولك: عندي سحق عمامة). قال القاضي: هي إضافة الشيء إلى جنسه. وقال أبو البقاء: قال الكوفيون: التقدير: في النساء اليتامى، فأضاف الصفة إلى الموصوف.
стр. 2043
لها قال: تزوجها فأنت أحق بها. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): مجرورٌ معطوف على (يتامى). وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء. ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء، كقوله: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: ٢].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء) عطف على قوله: "أي: الله يفتيكم، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى"؛ إذ المراد بهم الأولياء؛ بدليل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، وكان قوله: "وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه" إلى آخره، متفرعاً على ذلك التقدير، فيعلم منه أن الخطاب كان للأولياء والاستفتاء في شأن زواج اليتامى وتوريثهن؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وعلى هذا الوجه الكلام في شأن أموالهن؛ لأن الأوصياء لا تصرف لهم إلا في الأموال؛ ولهذا استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].
فالحاصل أن الخطاب إذا جُعل للأولياء كان المعنىُّ به حكم الزواج والتوريث، فالمناسبة بالمتلو أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا﴾، وإذا جُعل للأوصياء؛ كان الكلام في الأموال، فالمناسب بالمتلو أن يكون قوله: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
وتحريره: أن هذه الآية واردة في بيان أنهم استفتوا رسول الله ﷺ فتوى مبهمة في شأن اليتامى، لا ندري أهي في شأن أزواجهن أو أموالهن؟ فلذلك احتملت الأمرين.
وأما جواب الاستفتاء فقد سبق في الآيتين من أول هذه السورة؛ أحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية، وثانيتهما: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ وفي كلامه إشعار بأن هذه الآيات مرتبطة بالآيات الواردة في أول السورة، فهي سابقة عليها بالرتبة؛ لأن جواب الاستفتاء قد أحيل إلى تلك الآيتين، والآيات المتخللة بين اللامين للامتنان في البيان.
قال الإمام: إن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم واقعة على أحسن الوجوه، وهو أنه تعالى يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد
стр. 2044
(وَأَنْ تَقُومُوا): مجرورٌ كـ (المستضعفين)، بمعنى: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا. ويجوز أن يكون منصوباً، بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والترغيب والترهيب، ويمزج بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعم إلهيته، ثم يعود على ما بدأ به تعالى من بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير؛ لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد، وهما لا يؤثران إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد.
قوله: (﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ مجرورٌ كـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾). قال أبو البقاء: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على المجرور في ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وكذلك ﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾، وهذا أيضاً عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد ذكره الكوفيون، ويجوز أن يكون منصوباً: عطفاً على موضع ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: ويبين لكم حال المستضعفين، وبهذا التقدير يدخل في مذهب البصريين، والجيد أن يكون معطوفاً على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.
قوله: (بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطابٌ للأئمة) فيكون عطفاً على قوله: ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، يعني: يُفتي الأولياء والأوصياء بما أفتاهم، ويأمر الأئمة أن ينظروا إليهم ويتفقدوا حالهم ويستوفوا حقوقهم من الأولياء في الميراث، ولا يخلوا أحد يهتضمهم في معنى الزواج، فقوله: "أن يكون منصوباً" أي: منصوباً بالاتصال ونزع الخافض، والمعنى على الأول: قل الله يفتيكم أيها الأولياء في يتامى النساء أن لا تعضلوهن في النكاح وأن تقوموا لهن بالعدل والتسوية، أو: الله يفتيكم أيها الأوصياء في اليتامى بأن لا تتبدلوا الخبيث، وهو اختزال أموالهن بالطيب، وهو حفظها، وأن تقوموا فيها بالقسط، أي: لا إفراط في النفقة ولا تفريط فيها.
стр. 2045
[(وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)].
(خافَتْ مِنْ بَعْلِها): توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأماراته.
والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه، ونفقته، والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب. والإعراض: أن يعرض عنها؛ بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب؛ من طعنٍ في سنّ، أو دمامة، أو شيء في خَلقٍ أو خُلق، أو ملالٍ، أو طموح عينٍ إلى أخرى، أو غير ذلك. فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما. وقرئ: (يصالحا) و (يصلحا) بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، ونحو "اصلح": "اصبر" في "اصطبر". (يُصْلِحا): في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة. ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "يصالحا"). قال صاحب "التيسير": ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾، بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام: الكوفيون، والباقون: بفتح الياء والصاد واللام مع تشديد الصاد وإثبات ألف بعدها. وقال أبو البقاء: (يصالحا) قرئ بتشديد الصاد وألف بعدها، وأصله: "يتصالحا" فأبدلت التاء صاداً وأدغمت، و ﴿صُلْحاً﴾ على هذا واقع موقع "تصالح"، ويقرأ بتشديد الصاد من غير ألف، وأصله يصتلحا فأبدلت التاء صاداً وأدغمت فيها الأولى، وقرئ: "يصطلحا" بإبدال التاء طاء، و ﴿صُلْحاً﴾ عليهما في موضع "اصطلاح".
والمصدر لم يتغير على القراءة، وإليه الإشارة بقوله: " ﴿صُلْحاً﴾ في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة".
стр. 2046
-كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ ، وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها، وكما روي: أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي! فأقرّها. أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة؛ أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو: الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور. وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله وَأُحْضِرَتِ (الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)، ومعنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما فعلت سودة بنت زمعة)، روينا عن الترمذي، عن ابن عباس: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تطلقني، أمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت الآية.
قوله: (ودعني أقوم) أي: أنا أقوم، على الاستئناف.
قوله: (إن كان هذا يصلح) أي: هذا الذي أومأت إليه إن كان مما يصلح بيني وبينك ويرفع الخلاف الذي يقع بين الزوجين إذا فُقد ما يوافقها من المحبة والمباشرة وحسن المعاشرة؛ فهو أحب غليَّ، وعلى هذا حديث سودة ﵂.
قوله: (خير من الخيور). قال المصنف: الخيور ورد في كلام فصيح فاقتديت به، وهو قياس واستعمال. قال القاضي: لا يجوز أن يراد به التفضيل، بل بيان أنه من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور.
قوله: (﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ قال الإمام: المعنى: أن الشح جُعِل كالأمر المجاور
стр. 2047
إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه. والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها. (وَإِنْ تُحْسِنُوا) بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة، (وَتَتَّقُوا) النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة؛ (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ) من الإحسان والتقوى (خَبِيراً) وهو يثيبكم عليه. وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بنى آدم، وامرأته من أجملهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للنفوس اللازم لها، يعني أن النفس مطبوعة على الشحن وهذا معنى قول المصنف: "إن الشح قد جعل حاضراً لها لا يغيب عنها"، واللام في "لها" لضعف عمل اسم الفاعل. قال أبو البقاء: "حضر" متعد إلى مفعول واحد، نحو: حضر القاضي اليوم امرأة، وبالهمز إلى مفعولين: أحضرت زيداً الطعام، والمفعول الأول هاهنا ﴿الأَنفُسِ﴾، أقيم مقام الفاعل. وأما معنى الاعتراض فهو أن قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تأكيد لما يحثهم الله تعالى على الصلح بقوله: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ وأن قوله: ﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ تأكيد لما في معنى الصلح بين الزوجين في هذا المقام؛ وذلك أن كلا من الزوجين يطلب ما تدعو إليه نفسه وإليه الإشارة بقوله: "إن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسها إذا رغب عنها".
قوله: (وبغير قسمتها) أي: أن تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة، هذا رد إلى أول الكلام، وهو قوله: "أن تطيب نفساً عن القسمة، أو تهب له بعض المهر، أو كله".
قوله: (وهو يثيبكم عليه) إشارة إلى أن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ جزاء لقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾، وأن علم الله تعالى إذا تعلق بعمل العبد لابد أن يجزيه.
قال القاضي: أقام كونه عالماً بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة
стр. 2048
فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد للَّه، فقال: مالك؟ قالت: حمدت اللَّه على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: وكيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد اللَّه الجنة عباده الشاكرين والصابرين.
[وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا) ومحال أن تستطيعوا العدل بَيْنَ النِّساءِ والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم، (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: ٤٦]. وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة. وعن النبي ﷺ أنه كان يقسم بين نسائه، فيعدل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جواب لقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ إقامة السبب مقام المسبب.
قوله: (﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ ومحال)، قوله: "ومحال" معنى قوله: "لن"، كما قال في "المص": ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: تأكيد وبيان؛ لأن المنفي مناف لصفاته"، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ [الحج: ٧٣]، وإنما كان مُحالاً لأن العدل - وهو أن لا يقع ميلٌ البتة- متعذر؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ مع جلالة شأنه يقسم بين نسائه ويعدل، ويقول: "هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك".
قوله: (لأن تكليف ما لايستطاع داخل في حد الظلم) فيه لطيفة، وهي أن الأمر بالعدل هنا هو تكليف ما لا يُستطاع؛ فكان الأمر بالعدل بينهن ظُلماً، وفيه إشارة إلى مذهبه.
قوله: (أنه كان يقسم بين نسائه) الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.
стр. 2049
ويقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، يعني المحبة؛ لأن عائشة ﵂ كانت أحب إليه. وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغٌ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة، والنفقة، والتعهد، والنظر، والإقبال، والممالحة، والمفاكهة، والمؤانسة، وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة، هذا إذا كن محبوباتٍ كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن؟ ! (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ): فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضاً منها، يعني: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ): وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال:
هَلْ هيَ إلّا حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ … أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن العدل بينهن) هو عطف على قوله: "ومحال أن تستطيعوا"، والحاصل أن المراد بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إما أنه محال، أو أنه صعب.
قوله: (مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه) تمثيل، أي: يحيط به إحاطة تامة كما يحيط المصبح بالعدو، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠].
قوله: (وفيه ضرب من التوبيخ)، أي: في قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ لما يُفهم منه أن بعض الميل غير منهي عنه، وهو ما لا يدخل تحت الوُسع، فإن ما لا يُدرك له لا يُترك كله! يعني: إذا كان اجتناب كل الميل في حد اليسر فلم تفرطون في ذلك؟ وحين رخص لكم بعض الميل فلم لا تنصفون من أنفسكم وتقصرون في المأمور؟
قوله: (هل هي إلا حظة؟ ) قيل: الضمير للقصة، أي: لا تكون قصة هذه المرأة إلا
стр. 2050
وفي قراءة أبيّ: (فتذروها كالمسجونة)، وفي الحديث: «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل».
وروي: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى أزواج رسول اللَّه ﷺ بمال، فقالت عائشة ﵂: أإلى كل أزواج رسول اللَّه ﷺ بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره. فقالت: ارفع رأسك! فإن رسول اللَّه ﷺ كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه! فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعاً. وكان لمعاذٍ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبرٍ واحد. (وَإِنْ تُصْلِحُوا) ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، (وَتَتَّقُوا) فيما يستقبل، غفر اللَّه لكم.
[(وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً)].
وقرئ: (وإن يتفارقا) بمعنى: وإن يفارق كل واحدٍ منهما صاحبه (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا): يرزقه زوجاً خيراً من زوجه، وعيشاً أهنأ من عيشه.
والسعة الغنى. والمقدرة: والواسع: الغنى المقتدر.
[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأشياء المذكورة، وقيل: التقدير: هل حالها إلا هذه الأمور؟ الحظة والحظوة: أن تحظو المرأة عند زوجها وأخيها، والصلف: ضد ذلك، وفي تقسيمه تعقيد.
قوله: (من كانت له امرأتان) الحديث مُخرج في "سنن" أبي داود والترمذي.
قوله: (ارفع رأسك) كناية عن التنبيه والاستيقاظ، أي: تفطن لما تفعل.
стр. 2051
حَمِيداً* وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً* إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَاتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً)].
(مِنْ قَبْلِكُمْ): متعلق بـ (وصينا)، أو بـ (أوتوا). (وَإِيَّاكُمْ): عطفٌ على (الَّذِينَ أُوتُوا). و (الْكِتابَ): اسم للجنس يتناول الكتب السماوية. (أَنِ اتَّقُوا): بأن اتقوا، أو تكون (أن) المفسرة؛ لأنّ التوصية في معنى القول. وقوله: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ) عطف على (اتقوا)؛ لأنّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإنّ للَّه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا) يؤذن أن قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ مقول للقول المحذوف، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَصَّيْنَا﴾ مع معموله، ثم قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ عطف على ﴿اتَّقُوا﴾ مخالف لذلك، ويمكن أن يقال: إنه من باب قوله:
علفتها تبناً وماءً بارداً
إذ لا يجوز أن يقال: أمرناكم أن تكفروا فإن لله. فإن قلت: ولم كرر "أمرنا" وقد قال: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ﴾. وقال أبو البقاء: وحُكم الضمير المعطوف الانفصال. وقدر صاحب "الكشف": وصيناهم وإياكم؟ قلت: لينبه على أن العطف من باب التقدير لا الانسحاب؛ إيذاناً بتكرير الوصية وأنها توصية غب توصية على تكرير الأزمنة، ولم تكن توصية واحدة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من الأمم السالفة ووصيناكم، وينصره قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣]. وقوله: "وأمرناهم بالتقوى" يؤذن أن ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ اتَّقُوا﴾ مصدرية وقد
стр. 2052
والمعنى: إن للَّه الخلق كله، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت على الأمر، وهو جائز؛ قال في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [يونس: ١٠٥]: "وقد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي، وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل".
قوله: (والمعنى: إن لله الخلق كله) هذا شروع في التفسير، وفي نظم التركيب وخاصيته. اعلم أن في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إثبات الصفة لله تعالى المقتضية أن يترتب عليها حكم له شأن، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … ﴾ إلى آخره متضمن للأمر بالتقوى، والنهي عن الكفر، وهو صالح لأن يترتب على الوصف؛ لأنه مناسبه، لكن الواو التي في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ عليه؛ فيتم به الغرض، ومثله في هذا الاعتبار قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥]؛ لأن شكر نعمة العلم تقتضي أكثر من القول اللساني، ثم المناسب بعد ذلك أن يُنزل مطلق قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ مع ما فيه من معنى الاختصاص بتقديم الظرف وتكرير "ما" والجار والتعميم فيه على معنى يشتمل على المقدر والمذكور، والمصنف اعتبر كل هذه المعاني في تقديره؛ حيث قال: "إن لله الخلق، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي، يتقون عقابه ويرجون ثوابه"، ثم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وقع جواباً لقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ لبيان المبالغة في التوصية على ما يعطيه المعطوف مع المعطوف عليه من المعنى السابق؛ فيجب لذلك حمل ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ على الكفر بالله الذي هو كفرانٌ لتلك النعمة السابقة من ترك توحيده وعبادته وإماطة تقواه وحمل جوابه على معنى يطابقه، وذلك قوله: "فإن لله في سماواته وأرضه، من يوحده ويعبده ويتقيه" أي: يشكره ويحمده، ثم جاء بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ تذييلاً له.
стр. 2053
فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصىّ. يتقون عقابه ويرجون ثوابه.
(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب) من الأمم السالفة، ووصيناكم (أن اتقوا اللَّه) يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي اللَّه بها عباده، لستم بها مخصوصين؛ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإنّ للَّه في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويتقيه ويعبده، (وَكانَ اللَّهُ) مع ذلك (غَنِيًّا) عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم. وتكرير قوله: (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) تقرير لما هو موجب تقواه؛ ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فظهر من هذا البيان تقييد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ في الموضعين بحسب المقامين، بقي الثالث فيُحمل على القدرة الكاملة المختصة به تعالى ليكون قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ تذييلاً، والجملة كالتكميل لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ وإن لم يذهب إليه فيضم معهما صفة المقدرة ويكون كالتخلص منها إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فإنه كما قال: "وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره" إن لم يتقوا ولم يشكروا. قال صاحب "النهاية": يقال: وكل فلان فلاناً: إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، والوكيل في أسماء الله تعالى: هو القيم والكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقل بالأمر الموكول إليه.
قال القاضي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ راجع إلى قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣]، فإنه تعالى توكل بكفايتهما، وما بينهما تقرير لذلك.
وقلتُ: ليس بذاك؛ لأن الآيات على ما سبق في بيان التوصية في التقوى والتمسك بالتوحيد، والاشتغال بالعبادة وكلة الأمور إلى موكلها والعزوف عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، وغير ذلك من الفنون المختلفة إلى خاتمة السورة، وكل من القرائن تذييل لما ذيل به ما مر، تعم الكل، تقرير لما سبق من مفتتح السورة.
стр. 2054
لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله. (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ): يفنكم ويعذبكم كما أوجدكم وأنشأكم، (وَيَاتِ بِآخَرِينَ): ويوجد إنساً آخرين مكانكم، أو خلقاً آخرين غير الإنس، (وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ) من الإعدام والإيجاد (قَدِيراً): بليغ القدرة، لا يمتنع عليه شيءٌ أراده. وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره.
وقيل: هو خطاب لمن كان يعادى رسول اللَّه ﷺ من العرب، أي: إن يشأ يمتكم ويأت بناسٍ آخرين يوالونه.
ويروى: أنها لما نزلت ضرب رسول اللَّه ﷺ بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً)].
(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا): كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ): فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟ !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الخشية التقوى أصل الخير كله)، هذا تعليل للتقرير، أي: كرر موجب التقوى، وهو كونه مالكاً للسماوات والأرض؛ ليقرر موجبه وهو التقوى.
قوله: (وقيل: هو خطابٌ لمن يعادي رسول الله ﷺ ، وعلى الأول كان خطاباً عاماً تابعاً للكلام السابق، وتقرير المعنى التهديد والوعيد كما مر، وإنما قال: "بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده" لمجيء "قدير" على "فعيل"، ولتخصيص الاسم الجامع وإتيان ﴿ذَلِكَ﴾ والمشار إليه قريب، والجملة تذييل.
قوله: (فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟ ) هذا التوبيخ والإنكار مستفاد من إيقاع قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ جزاء للشرط، ولا يستقيم أن يقع جزاء إلا بتقدير الإخبار والإعلام المتضمن للتوبيخ والتقريع؛ لأن الجزاء ينبغي أن يكون مسبباً عن الشرط، بأن يُقال: إن من جاهد أو تعلم العلم أو انفق ماله أو عمل عملاً
стр. 2055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يريدُ به الغنيمة أو الصيت أو الرياء يوجب أن يوبخ وينكر عليه بأني قال في حقه: ما هذه الدناءة والضعة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ مالك لا تريد بذلك وجه الله تعالى وطلب مرضاته ليمنحك ما تريده ويتبعه هذا الخسيس أيضاً راغماً أنفه؟
روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له".
فالآية عامة تقتضي أكثر من المذكور، وإنما خصصنا المذكورات بالذكر تأسياً بالحديث المشهور، وهُو ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول الناس يُقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت! ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! ولكنك تعلمت ليُقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال: هُو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار". وإنما خص المصنف المجاهد بالذكر لأنه أقدمهم؛ لأن بذل الروح والمال أقرب إلى الرياء.
стр. 2056
لأن من جاهد للَّه خالصاً لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيءٍ! والمعنى: فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)].
(قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ): مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا (شُهَداءَ لِلَّهِ): تقيمون شهاداتكم لوجه اللَّه كما أمرتم بإقامتها، (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ): ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم. فإن قلت: الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول: أشهد أن لفلانٍ على والديّ كذا، أو على أقاربي، فما معنى الشهادة على نفسه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن أراده، حتى يتعلق الجزاء بالشرط) يعني: لابد من تقدير هذا لبيان الربط؛ وذلك بتقدير الضمير العائد من الجزاء إلى الشرط، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ تذييل بمعنى التوبيخ، يعني: كيف يُرائي المرائي وإن الله سميع بما يهجس في خاطره ويسمع ما تأمره دواعيه، بصيرٌ بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك؟
قوله: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾: مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا). الراغب: أمر الله تعالى كل إنسان بمراعاة العدالة، ونبه بلفظ ﴿قَوَّامِينَ﴾ على أن ذلك لا يكفي مرة أو مرتين؛ بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً، وجعلهم شهداء لله؛ تعظيماً لمراعاة العدالة، وأنهم بالحفظ لها يصيرون من شهداء الله، وانتصاب ﴿شُهَدَاءَ﴾ على الحال لقوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾ أو صفة لها، أو يكون ﴿قَوَّامِينَ﴾ حالاً و ﴿شُهَدَاءَ﴾ خبر كان.
стр. 2057
قلت: هي الإقرار على نفسه؛ لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن يكون المعنى: وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم؛ وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. (إِنْ يَكُنْ): إن يكن المشهود عليه (غَنِيًّا) فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه، (أَوْ فَقِيراً) فلا يمنعها ترحماً عليه، (فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما): بالغني والفقير، أي: بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر. فإن قلت: لم ثني الضمير في: (أَوْلى بِهِما)؟ وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً) في معنى: إن يكن أحد هذين. قلت: قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً) لا إلى المذكور؛ فلذلك ثُني ولم يفرد، وهو جنس الغنيِّ وجنس الفقير، كأنه قيل: فاللَّه أولى بجنسي الغني والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أُبي: (فاللَّه أولى بهم)، وهي شاهدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (إن يكن غنيٌ أو فقير)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً﴾، لا إلى المذكور). قال أبو البقاء: اسم "كان" مضمر فيها دل عليه تقدم ذكر الشهادة، أي: إن كان الخصم أو كل واحد من المشهود عليه والمشهود له، وذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يكون غنياً وأن يكون فقيراً، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين؛ فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك ولم تُذكر، أتى بـ ﴿أَوْ﴾ ليشمل على هذا التفصيل، فعلى هذا الضمير في ﴿بِهِمَا﴾ عائدٌ على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه لا على المذكور، وقيل: الضمير عائدٌ إلى ما دل عليه الكلام، والتقدير: فالله أولى بالغني والفقير، لدلالة الاسمين عليه. وخالصة مراد المصنف الذهاب إلى التعميم في الجنسين ليدخل في العموم المراد دخولاً أولياً.
قوله: (هي شاهدة على ذلك)، أي: قراءة أُبيِّ شاهدة على أن المراد الجنس؛ لأن الجمع والمطلق يلتقيان في العموم؛ ولهذا فسر جنسي الفقير والغني بـ "الأغنياء والفقراء".
стр. 2058
على «كان» التامة. (أَنْ تَعْدِلُوا) يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق. (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا): وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرئ: (وإن تلوا أو تعرضوا)، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها، (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وبمجازاتكم عليه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً)].
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): خطاب للمسلمين. ومعنى (آمَنُوا): اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ): المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب. والدليل عليه قوله: (وَكُتُبِهِ). وقرئ: (وكتابه) على إرادة الجنس. وقرئ: (نزل) و (أنزل) على البناء للفاعل. وقيل: الخطاب لأهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ الجماعة إلا ابن عامر وحمزة. قال أبو البقاء: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يُقرأ بواوين الأولى منهما مضمومة، وهي من: لوى يلوي، وتُقرأ بواوٍ واحدة ساكنة، وفيه وجهان؛ أحدهما: أصله "تلووا" كالقراءة الأولى، إلا أنه أبدل الواو المضمومة همزة ثم ألقى حركتها على اللام، والثاني: أنه مِن: وَليَ الشيء، أي: وإن تتلوا الحكم أو تعرضوا عنه، أو: إن تتولوا الحق في الحُكم.
قوله: (﴿نَزِّلَ﴾ و ﴿أُنزِلَ﴾ قرأهما نافع وعاصم وحمزة والكسائي.
стр. 2059
الكتاب، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. وروي: أنه لعبد اللَّه بن سلام، وأسدٍ وأسيدٍ ابني كعب. وثعلبة ابن قيس، وسلام بن أخت عبد اللَّه بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول اللَّه ﷺ وقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال ﵊: «بل آمنوا باللَّه ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم. وقيل: هو للمنافقين، كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً. فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب؛ فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله؛ ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة؛ فلم يكن إيمانهم إيماناً، وهذا الذي أراد في قوله: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. فإن قلت: لم قيل: (نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) و (أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: لأن القرآن نزل مفرّقا منجماً في عشرين سنةً بخلاف الكتب قبله. ومعنى قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن القرآن نزل مفرقاً [منجماً] في عشرين سنة]، والصحيح: في ثلاث وعشرين سنة، روينا عن البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄: أُنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشراً، ثم توفى صلوات الله عليه وسلامه.
стр. 2060
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ) الآية: ومن يكفر بشيءٍ من ذلك (فَقَدْ ضَلَّ)؛ لأن الكفر ببعضه كفر بكله، ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً!
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)].
(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا): نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن يكفر بشيء من ذلك) أي: من المذكور من قوله: ﴿بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، يريد أن قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ تذييل للكلام السابق وتأكيدٌ له؛ فيجب أن يكون جميع الكفر منفياً فيه ومنهياً عنه، كما أن المأمور في المذيل الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به، وإليه الإشارة بقوله: "ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً؟ " والضمير في "به" للمذكور، وليس به لما أنه لم يذكر فيه الإيمان بالملائكة واليوم الآخر. وأجيب أن الإيمان بالكتب المنزلة إيمانٌ بالملائكة الذين نزلوا بها- ولذلك كرر "نزَّلَ" - وإيمانٌ باليوم الآخر لاشتمال الكتب عليه.
قوله: (على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام). هذا يؤذن أن اللام زيدت في خبر "كان" لتأيد النفي على المذهب الكوفي، وطعن فيه أبو البقاء وقال في إعراب قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: خبر ﴿كَانَ﴾ محذوف، أي: ما كان الله مُريداً لأن يذر، ولا يجوز أن يكون الخبر ﴿لِيَذَرَ﴾؛ لأن الفعل بعد اللام ينتصب بـ "أن" فيصير التقدير: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه، وخبرُ "كان" هو اسمها في المعنى، وليس المترك هو الله تعالى. وقال الكوفيون اللام زائدة والخبر هو الفعل، وهو ضعيف؛ لأن ما بعدها قد انتصب، فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة، وإن كان بـ "أن" ففاسد.
وقال صاحب "الإقليد" في جواب سؤال مشتمل على هذا المعنى: قولك: لم أكن
стр. 2061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأفعل، نفيٌ لقولك: ستفعل، فجيب أن يُضمر "أن" ليتمحض للاستقبال، وإنما التزم إضمارها؛ لأنها قد زيدت لتأكيد النفي، فقولك: لم أكن لأفعل آكد من: لم أكن أفعل، فمعنى الأول: لم أكن للفعل، وفيه نفي نفس الفعل، ومعنى الثاني نفي إيجاد الفعل، ونفي إيجاد الفعل لا يلزم منه نفي الفعل ولا ينعكس، فعُلم أن اللام زائدة، والزائدة مستلزمة للمستقبل، فناسب إضمارها.
أما قوله: المصدر لا يقع خبراً عن الجثة. فجوابه: أن امتناع وقوع المصدر خبرا ًعن الجثة لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان. والفعل المُصدر بـ "أن" يدل عليهما، فيجوز الإخبار به وإن لم يجز بالمصدر، ولا سيما وقد التزم إضمار "أنْ" فضلة ومنتظماً في نمط الفعل المحقق المتأول باسم الفاعل. ويؤيد ما ذكرت كل من الفارق إطباقهم عن آخرهم على الإخبار بالفعل المصدر بـ "أن" في خبر "عسى"، نحو: عسى زيدٌ أن يخرج، وإنما جوزوا ذلك مع امتناع استعمال المصدر موضع الفعل المُصدر بـ "أنْ" هنالك. والإخبار إذن بالفعل ودخول "أنْ"؛ يكون علماً على المستقبل؛ لأن "عسى" للإخبار بوقوع حادث في الزمان المستقبل مع رجاء، فلابد أن يكون علماً للاستقبال.
وقلتُ: المبالغة على اختيار أبي البقاء أيضاً حاصلة؛ لأن اللام تستدعي مُقدراً هو عاملها، كما يقال: ما كان الله مريداً لأن يغفر لهم، فإذا نفيت إرادة الفعل لينتفي الفعل انتفاء للسبب لإرادة انتفاء المسبب؛ كان أبلغ من انتفاء الفعل ابتداء، قوله تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨].
اعلم أنه قد مر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ [النساء: ٩٢] أن دخول كان للمبالغة في نفي الفعل الداخلة هي علية لتقدير جهة نفيه عموماً باعتبار الكون، وخصوصاً باعتبار الفعل المخصوص، فهو نفي مرتين، وزيد هاهنا اللام لمزيد إرادة التأكيد.
стр. 2062
والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت، والمعنى: إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه اللَّه، لأن قلوب أولئك - الذين هذا ديدنهم - قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيءٍ عندهم وأدونه؛ حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى، وليس المعنى: أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم؛ لأنّ ذلك مقبول؛ حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمرٌ لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شرِّ حالٍ وأسمج صورة. وقيل: هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمدٍ ﷺ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويؤيده تفسيره لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [الأعراف: ٤٣] بقوله: "واللام لتوكيد النفي، أي: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله".
قوله: (ضربت بالكفر). النهاية: يقال: ضري بالشيء يضري ضراوة، أي: عادة ولهجا به لا يُصبر عنه.
قوله: (حيث يبدو لهم) فاعل "يبدو" مصدره المضمر فيه، وهو: بداء، يقال: بدا لهم في هذا الأمر بداء، ممدود: نشأ له رأي.
قوله: (وقيل: هم اليهود) عطف على قوله: "المعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد" أي: داوموا على ذلك الفعل؛ ولهذا قال: "حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى"، وعلى الثاني: التكرير للمعدود؛ ولهذا أتى بالإنجيل وعيسى، والتوراة وموسى.
стр. 2063
[(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)].
(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ): وضع (بَشِّرِ) مكان: "أخبر" تهكما بهم. و (الَّذِينَ) نصبٌ على الذمّ، أو رفعٌ بمعنى: أريد الذين، أو: هم الذين. وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم، ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمدٍ فتولوا اليهود. (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً): يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: ٨].
[(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً* الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كانوا يمايلون)، ويروي: يمالئون، الكفرة. النهاية: وفي حديث عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا.
قوله: (وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] استشهاد لإرادة العزة لأوليائه من قوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ للتعقيب، وهو تتميم لمعنى الإنكار، أي: يطلبون العزة عند الكفار بعد أن عرفوا أن العزة لله جميعاً. قال الزجاج: العزة: المنعة وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عزاز. قال الأصمعي: العزاز من الأرض: الصلب ذات الحجارة، يُقال: يعز عليَّ أن تفعل، أي: يشتد. وأما قولهم: قد عز الشيء إذا لم يوجد، فتأويله: أنه صَعُب أن يوجد.
стр. 2064
وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)].
(أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ) هي "أن" المخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتم، أي: نزل عليكم أنّ الشأن كذا، والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و (أن) مع ما في حيزها في موضع الرفع بـ (نزل) أو في موضع النصب بـ (نزّل) فيمن قرأ به، والمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم بمكة، من قوله: (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) [الأنعام: ٦٨]؛ وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين له، وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذاً مثل الأحبار في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نُزل عليهم بمكة) يعني: هذه الآية- وهي قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ - تذكار للمسلمين ما نزل عليهم بمكة من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، يعني: أنسيتم ما قد نزل عليكم بمكة أن إذا سمعتم المستهزئين يستهزئون بالقرآن فأعرضوا عنهم، فكيف تُجالسون الأحبار والمنافقين وهم يستهزئون بالقرآن؟ !
أما قوله: "والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة" فهو على خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية؛ لأن الظاهر أن المنزل قوله: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ بعينه، لكن لما لم توجد بعينها ووُجد ما يناسبها في المعنى حُمل عليه.
قوله: (وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون) شُروع في تفسير قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾، وقوله: "من الأحبار" بيانٌ للخائضين و"هم المنافقون" خبرُ
стр. 2065
الكفر. (إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ) يعني: القاعدين والمقعود معهم. فإن قلت: الضمير في قوله: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) إلى من يرجع؟ قلت: إلى من دل عليه (يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها)، كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها. فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين، والراضي بالكفر كافر. فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين! قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ تعليل للنهي؛ يعني: لا تقعدوا مع هؤلاء لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم كافرين؛ فعلى هذا في تفسيره إشكال؛ لأن هذا الاتصال يقتضي ألا يكون المخاطبون بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ المنافقين؛ لأن الذين نُهوا عن مجالسة المشركين بمكة عند خوضهم في القرآن واستهزائهم لم يكونوا منافقين؛ لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة وغلبتهم كانوا يهوداً كما عُلم من كتابه، وقوله: "كان الذين يُقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم مثلهم" يستدعي أن يكونوا منافقين لا غير، بشهادة إيقاع "هم المنافقون" خبر كان، و"هم": ضمير فصل أو تأكيد، والوجه أن يكون الخطاب بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ مع المسلمين الذين كانوا يُقاعدون المشركين بمكة، ويُقاعدون المنافقين بالمدينة، وتشبيههم بالمنافقين للتغليظ والزجر والتوبيخ، وأن يراد بقوله: ﴿جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ الخائضون بالمدينة ومكة من المنافقين والكافرين، ويؤيد هذا التقرير قول الواحدي: وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن؛ فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وكذلك قول المصنف: "قيل: وذلك أن المشركين كانوا يخوضون" إلى آخره، وقال القاضي: ﴿إِذاً﴾ ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر؛ ولذلك لم يذكر بعدها الفعل.
قوله: (فهلا كان المسلمون بمكة) إلى قوله: (منافقين) الظاهر أن تفسيره لقوله: ﴿جَامِعُ
стр. 2066
لعجزهم، وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم. (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ): إما بدل من (الذين يتخذون)، وإما صفة للمنافقين، أو نصب على الذم منهم. (يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق. (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة. (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم، ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ على أن يُراد بالمنافقين المسلمون، والصحيح ما تقرر نهم الخائضون بالمدينة من المنافقين، والكافرون خائضون بمكة، وهذه الجملة كالتعليل للنهي السابق، أي: لا تقعدوا مع الفريقين؛ لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم منافقين كافرين مستحقين النار؛ لأن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً.
قوله: (﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ إما بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾، وإما صفة للمنافقين)، والظاهر أن المراد بالمنافقين ما سبق في قوله: ﴿بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ﴾ لا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾؛ لأنه ذهب إلى أنهم المسلمون، ولا في قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾؛ لأنه ذهب إلى أن المخاطبين بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ المنافقون، فلا يلتئم مع قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ لأن الخطاب حينئذ مع المؤمنين، ولذلك جعله بدلاً من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾.
وعلى المختار: المخاطبون: المسلمون، فيصح الإبدال والوصف أو الذم من القريب، وإليه ذهب أبو البقاء تنبيهاً للمسلمين على الاحتراز من القعود معهم، وإنما خُصوا به دون الكافرين لأن أصل الكلام وارد فيهم، وذكر الكافرين تابع لذكرهم.
قوله: (أو إخفاق). النهاية: الإخفاق: أن يغزو فلا يغنم شيئاً، وكذلك كل طالب حاجة، من الخفق، أي: التحرك؛ أي: صادفت الغنيمة خافقة غير ثابتة مستقرة.
قوله: (ومرضوا) أي: فرطوا وقصروا وجبنوا.
стр. 2067
عليكم، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم. وقرئ: (وَنَمْنَعْكُمْ) بالنصب بإضمار "أن"، قال الحطيئة:
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِى … وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ
فإن قلت: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيبا؟ قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيساً بحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيءٍ، ولمظة من الدنيا يصيبونها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ونمنعكم"، بالنصب بإضمار "أنْ" فالتقدير: ألم يكن منا الاستحواذ والمنع؟ كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
قوله: (لأن ظفر المسلمين أمر عظيم) إلى قوله: (وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء)، ولذلك ذيل الكلام بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ فجيء بـ"لن" المؤكدة، ونكر ﴿سَبِيلاً﴾ للتعظيم والتهويل، أي: تسلطاً تاماً كما للمسلمين عليهم. الراغب: حمل الفقهاء ذلك على الحكم، فقالت الشافعية: الإسلام يعلو ولا يُعلى، قالوا: ويقتضي ذلك أن لا يملك الكافر عبداً مسلماً ولا يصح شراؤه، وألا يُقتل مؤمن بكافر. واستدلت الحنفية على أن من ارتد انقطعت العصمة بينه وبين امرأته قبل انقضاء العدة، فلا يكون له عيها سبيل. قال القاضي: وهو ضعيف؛ لأن الآية لا تنفي أن يكون السبيل إذا عاد إلى الإيمان قبل مُضي العدة.
قوله: (ولمظة). النهاية: اللمظة- بالضم -: مثل النكتة من البياض.
стр. 2068
[(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً* مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)].
(يُخادِعُونَ اللَّهَ): يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر (وَهُوَ خادِعُهُمْ): وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع؛ حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة. ولم يخلهم في العاجل من فضيحةٍ وإحلال بأسٍ ونقمةٍ ورعبٍ دائم. والخادع: اسم فاعلٍ من خادعته فخدعته، إذا غلبته، وكنت أخدع منه. وقيل: يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون: (انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد: ١٣]. (كُسالى) قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي: يقومون متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئاً على كرهٍ لا عن طيبة نفسٍ ورغبة. (يُراؤُنَ النَّاسَ): يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا): ولا يصلون إلا قليلاً، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من خادعته). رُوي عن المصنف أنه قال: هو من: فاعلته ففعلته، ولولا المانع الذي هو حزف الحلق لوجب ضم الدال في "يخدعهم"؛ لأن كل ما كان من باب المغالبة تضم العين في مضارعة إلا إذا منع مانع.
قوله: (فينادون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، قال في تفسيره: ﴿انْظُرُونَا﴾، أي: "انتظرونا؛ لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة البروق الخاطفة"، أو: انظروا إلينا لنستضيء بكم.
قوله: (قط) بالتشديد بمعنى: البتة، وبالتخفيف بمعنى: لا غيرن قاله المطرزي.
стр. 2069
عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحةً من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو: ولا يذكرون اللَّه بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس، بمعنى: رأاهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو زيد: رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه. ويدل عليه قراءة ابن أبى إسحاق: يرؤونهم بهمزة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا ما يُجاهرون به) استثناء منقطع، و"ما" في "ما وجدوا": مصدرية، يعني: ما دام يحصل لهم سعة في أن لا يذكروا لا يذكرون.
قوله: (ولكن حديث الدنيا) بالنصب على نزع الخافض وإضمار العامل، المعنى: لكن يستغرق بحديث الدنيا أوقاته، أو: لم يُسمع منه تهليلة ولكن يُسمع حديث الدنيا، ويروي حديث مرفوع.
قوله: (كقولك: نعمه). النعمة بالفتح: التنعيم، ويقال: نعمه وناعمه فتنعم وتفنق، أي: تنعم، وفنقه غيره تفنيقاً وفانقه.
قوله: (رأت المرأة) قال أبو زيد: رأيت الرجل ترئية: إذا أمسكت له المرآة لينظر فيها وجهه، عن الجوهري. قوله: (يرؤونهم)، وفي التلاوة: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فأضمر الشيخ.
стр. 2070
مشدّدة: مثل: يرعونهم، أي: يبصرونهم أعمالهم ويراءونهم كذلك. (مُذَبْذَبِينَ): إمّا حال نحو قوله: (وَلا يَذْكُرُونَ) عن واو (يراءون)، أي: يراؤونهم غير ذاكرين (مذبذبين). أو نصب على الذم.
ومعنى (مُذَبْذَبِينَ): ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم متردّدون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب: الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان، إلا أن الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذب، كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذُب عنه. وقرأ ابن عباس (مُذَبْذَبِينَ) بكسر الذال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، أو بمعنى: يتذبذبون، كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى. وفي مصحف عبد اللَّه: (متذبذبين). وعن أبي جعفر: (مدبدبين) بالدال غير المعجمة وكأن المعنى: أخذ بهم تارةً في دبةٍ وتارةً في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة، والدبة: الطريقة، ومنها: دبة قريش. و (ذلِكَ):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يرعونهم) هو من باب التفعيل من الرعي، والغرض من إيراد ذكره تبيين كيفية التلفظ بقوله: "يروونهم" لا مراعاة المعنى.
قوله: (يبصرونهم أعمالهم) تفسير لهذه القراءة.
قوله: (يُرمي به الرجوان). الجوهري: الرجوان: حافتا البئر، فإذا قالوا: رُمي به الرجوان أرادوا أنه طُرح في المهالك. النهاية: الرجا، مقصور: ناحية الموضع، وتثنيته: رجوان، وجمعه: أرجاء.
قوله: (أخذ بهم) مرفوع المحل لإسناد "أُخذ" إليه، أي: وُجدوا تارة في طريقة، وأخرى في طريقة، وفي إتيان "أُخذ" إيذان بالمشارفة.
قوله: (دُبَّةُ قريش). النهاية: في حديث ابن عباس: "اتبعوا دُبَّةَ قريش، ولا تفارقوا الجماعة"، الدبة، بالضم: الطريقة.
следующие страницы →