Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8086
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] والمعنى: قل يا محمد: ففروا إلى الله.
[﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٥٢ - ٥٣]
﴿كَذَلِكَ﴾ الأمر، أي مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرًا ومجنونًا، ثم فسر ما أجمل بقوله: ﴿مَا أَتَى﴾، ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بـ ﴿أَتَى﴾؛ لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو قيل: لم يأت، لكان صحيحًا، على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى إلى قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، قد ذكرنا في موضعه أن الآية دالة على خلاف ما قصد به، وأن المعنى: ﴿يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ حينئذ، أو كسبها في إيمانها خيرًا حينئذ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل، فهو من حذف إحدى القرينتين من اللف لدلالة النشر عليه.
قوله: (وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول ﷺ يعني: المشار إليه ما في الذهن على الإبهام، وهو الأمر، لمجيء تفسيره، وهو قوله: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾.
قوله: (على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت) متعلق بقوله: "لو قيل: لم يأت، لكان صحيحًا"، فإن قلت: لم أوثر في التنزيل "ما" على "لم"؟
стр. 8087
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ الضمير للقول، يعني: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعًا متفقين عليه؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه.
[﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ٥٤ - ٥٥]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانًا.
وروي أنه لما نزلت ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله: ﴿وذَكِّرْ﴾.
[﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥٦]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: ليؤذن بانفصال ما صدر بها على ما قبله واتصاله بقوله: ﴿وفِي مُوسَى إذْ أَرْسَلْنَاهُ إلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ إلى آخر القصص، فلما وسط بينهما الحديث في بيان الآيات الدالة على التوحيد، ونفي الشرك والفرار إلى تعالى عما سواه، جيء بقوله الآمر كذلك فصلًا للخطاب، ليتخلص منه إلى ما سبق له الكلام، ولو أتى بـ"لم" لاختل النظم، وأما الكلام في بيان الفرق بين "ما" و "لم" فقد سبق.
قوله: (أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا) يعني الإضراب بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، يستدعي أن يفسر ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ بما يصح الإضراب عنه به، وذك بأن يجعل الاستفهام لإنكار أنهم لو توافقوا على أن قالوا جميعًا لرسلهم: ساحر أو مجنون في زمان واحد، وإثبات أنهم إنما قالوه لطغيانهم.
стр. 8088
أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها.
فإن قلت: لو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا؟
قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة، لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدًا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
[﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ٥٧ - ٥٨]
يريد: أن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو كان مريدًا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا)، الانتصاف: من عادته إذا رأى ظاهرًا يوافق معتقده، أورد مذهب أهل السنة سؤالًا، وأورد معتقده جوابًا، والجواب الذي ذكره لا يصح، فإن السؤال مقدماته عقلية قطعية، والظاهر إذا خالف القطع وجب رده إلى الأدلة القطعية، وظاهري الآية دليل لأهل السنة، لأنها سيقت لبيان عظمة الله، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس بغيره، فإن عبيد الخلق مطلوبون بالخدمة تكسبهم للسادة، وبواسطة كسب العبيد تدر أرزاق سادتهم، والله تعالى لا يطلب من عباده رزقًا ولا طعامًا، بل يطلب منهم العبادة لا غير، وزائد على ذلك أنه هو الذي يرزقهم، فحاصله: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي.
وقلت: أما مقتضى النظم فإن الكلام وارد على تحريض رسول الله ﷺ على ما بعث به من التذكير والتفادي عن التواني فيه، لأنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 8089
تجارة ليفيء ربحًا، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضًا، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب أو محتش، أو طابخ أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأما مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد ان أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي، ﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأنزل الله: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا تدع التذكير والموعظة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وحجة على المعاندين، فإنك ما بعثت إلا للدعوة: وما خلق الجن والإنس إلا لأن يؤمروا بالعبادة لأنهم مكلفون امتحانًا وابتلًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أما الإرادة فكما تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.
ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن محيي السنة عن علي ﵁: أنه قال: ﴿إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا لآمرهم أن يعبدوني.
قوله: (من الأعمال والمهن)، الجوهري: المهنة _بالفتح_: الخدمة، والماهن: الخادم.
قوله: (وعن مرافقكم)، الجوهري: المرفق من الأمر: ما انتفعت به.
قوله: (من عندي) متعلق بمتفضل، أي: أنا متفضل عليكم من عندي، ذلك من غير سابقة منكم، كما هو دأب السادات.
قوله: (﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة)، الراغب: المتنان: مكتنفًا الصلب، وبه شبه المتن من الأرض، ومتنته: ضربت متنه، فصار متينًا، ومنه قيل: حبل متين، فإن الله تعالى: ذو القوة المتين.
стр. 8090
قرئ بالرفع صفة لـ ﴿ذُو﴾، وبالجر صفة للقوة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: انه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء، وقرئ: (الرازق) وفي قراءة النبي: (إني أنا الرازق).
[﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ٥٩ - ٦٠]
الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال:
لنا ذنوب ولكم ذنوب .... فإن أبيتم فلنا القليب
ولما قال عمرو بن شأس:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة .... فحق لشأس من نداك ذنوب
قال الملك: نعم وأذنبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ بالرفع) أي: ﴿المَتِينُ﴾، وهي المشهورة، وبالجر: شاذ.
قوله: (وفي كل حي) البيت، خبطت مستعار لإفاضة النعمة.
الأساس: وخبط في قومه: إذا نفعهم. الجوهري: خبطت الرجل: إذا أنعمت عليه من غير معرفة، وأنشد البيت. شأس هو أخو علقمة، مدح الحارث الغساني بقصيدة فيها البيت، وكان عنده أسيرًا فلما سمع الحارث قوله:
فحق لشأس من نداك ذنوب
стр. 8091
والمعنى: فإن الذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله، مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون.
وعن قتادة: سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم، ﴿مِن يَوْمِهِمُ﴾ من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: نعم وأذنبة، وأمر بإطلاقه وإطلاق جميع أسرى بني تميم.
تمت السورة
حامدًا الله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 8092
سورة الطور
مكية، وهي تسع وأربعون، وقيل: ثمان وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿وَالطُّورِ * وكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * والْبَيْتِ المَعْمُورِ * والسَّقْفِ المَرْفُوعِ * والْبَحْرِ المَسْجُورِ * إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا﴾ ١ - ١٠]
الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين. والكتاب المسطور في الرق المنشور - والرق: الصحيفة. وقيل: الجلد الذي يكتب فيه - الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الطور
مكية وهي تسع وأربعون آية، وقيل: ثمان وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال)، خبر للموصوف والصفة، وهي قوله: "والكتاب المسطور في الرق المنشور"، وما بينهما تفسير للرق، قد اعترض بينهما، وعن بعضهم: "والكتاب" مبتدأ، "والمسطور" خبر له، والأول أقرب.
стр. 8093
قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] وقيل: هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧].
﴿والْبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ الضراح في السماء الرابعة. وعمرانه: كثرة غاشيته من الملائكة. وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار والمجاورين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونكر لأنه كتاب مخصوص)، يعني قيل: "كتاب" نكرة، وهو أعرف المعارف وأشهرها ليدل على اختصاصه من جنس الكتب بأمر تميز به من سائرها. قال في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] نفسًا خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم ﵇، كأنه قيل: وواحدة من النفوس. وقريب منه ما سيجيء بعيد هذا؛ أن المتقين في جنات ونعيم، أي: في جنات مخصوصة بهم، خلقت لهم خاصة.
وأنشد ابن جني:
أمير المؤمنين على صراط .... إذا اعوج الموارد مستقيم
وقال هذا كقوله: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم، لا فرق بينهما، وعليه قوله تعالى: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] أي: هديناهم من نعمتنا عليهم، ونظرنا لهم صراطًا مستقيمًا.
قوله: (الضراح في السماء الرابعة)، النهاية: الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة، ويروى: الضريح، وهو البيت المعمور؛ من المضارحة، وهي المقابلة والمضارعة، وبالصاد المهملة مصحف.
стр. 8094
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ السماء، ﴿والْبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ المملوء. وقيل: الموقد، من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦].
وروي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نار تسجر بها نار جهنم.
وعن علي ﵁ أنه سأل يهوديًا: أين موضع النار في كتابكم؟ قال: في البحر. قال علي: ما أراه إلا صادقًا، لقوله تعالى: ﴿والْبَحْرِ المَسْجُورِ﴾.
﴿لَوَاقِعٌ﴾ لنازل.
قال جبير بن مطعم: أتيت رسول الله ﷺ أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ ﴿إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أسلمت خوفًا من أن ينزل العذاب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الصحيحين في حديث الإسراء: أن البيت المعمور في السماء السابعة.
قوله: (ما أراه إلا صادقًا)، قلت: ومصداقه أيضًا ما رويناه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا". أخرجه أبو داود، وفي هذا الحديث إشارة إلى أن راكبه متعرض للآفات المهلكة والفتن المغرقة، إحداها وراء الأخرى، وفيه: أن اختيار ذلك لغرض من الأغراض الفانية سفه وجهل، لأن فيه تلف النفس، وبذل النفس لا يحمد إلا فيما يقرب العبد إلى الله.
стр. 8095
﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب. وقيل: المور: تحرك في تموج، وهو الشيء يتردد في عرض، كالداغصة في الركبة.
[﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١١ - ١٦]
غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] الدع: الدفع العنيف،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومار الشيء: تردد في عرض)، الأساس: الدم يمور على وجه الأرض إذا انصب وتردد عرضًا.
الراغب: المور: الجريان السريع: يقال: مار يمور مورًا، ومار الدم على وجهه، والمور: الترب المتردد به الريح، والناقة تمور في سيرها، وهي موارة.
قوله: (كالداغصة)، الأساس: سمن حتى كأنه داغصه، وهي العظم الذي يموج في الركبة الداغصة، بالغين المعجمة والصاد المهملة.
قوله: (غلب الخوض في الاندفاع في الباطل، الخوض في الأصل: الشروع في الماء والمرور فيه، ومستعار في الأمور.
стр. 8096
وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعًا على وجوههم، وزخا في أقفيتهم. وقرأ زيد بن علي: (يدعون) من الدعاء، أي يقال لهم: هلموا إلى النار، وادخلوا النار ﴿دَعًا﴾ مدعوعين، يقال لهم: هذه النار.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، أفسحر هذا؟ يريد: أهذا المصداق أيضًا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى.
﴿أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميًا عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم، ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر محذوف، أي: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه.
فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روي عن المصنف أنه قال: "الخوض" في المعاني من الغالبة، فإنه يصلح للخوض في كل شيء، إلا أنه غلب في الباطل، ونظيره في الأسماء الغالبة: دابة، غلبت في ذوات الأربع، والقوم: في الرجال.
قوله: (مدعوعين)، الأساس: دع اليتيم: دفعه بجفوة، ودعدع المكيال: حركه حتى يكتنز. و ﴿دّعًّا﴾ على هذه القراءة: حال، وعلى الأول: مفعول مطلق.
قوله: (أهذا المصداق أيضًا سحر؟ ) قيل: المصداق هو الشيء الذي يعرف به الصدق، والعذاب في الآخرة، وغير ذلك من أحوال القيامة، مما يعد من مصداق قول الأنبياء ﵈.
قوله: (ودخلت الفاء لهذا المعنى)، عن بعضهم أي: تعقبت للمقدر، وهو: هذا سحر؟ !
وقلت: هذه الفاء تقتضي معطوفًا عليه، وهو مقدر دل عليه مضمون قوله: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فدخلت الهمزة بين المعطوفين لمزيد من التقريع والتهكم، فإنه لما قيل:
стр. 8097
قلت: لأن الصبر غنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع.
[﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ووَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ١٧ - ٢٠]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ عقب بقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني: هذا المصداق أيضًا سحر؟ ! أي: كنتم تقولون للقرآن الذي أنذركم هذه النار: هذا سحر، فتقولون: سحر هذا أيضًا! ! فالمشار إليه بهذا: النار، وذكر لأنه في تأويل المصداق، أو الخبر مذكر وقدم الخبر لإفادة الاختصاص تتميمًا للتقريع، ثم قرر المعنى بقوله: ﴿أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي: هذا أيضًا لا تبصرون، كما كنتم لا تبصرون ما يدل على هذا، وقلتم: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]، و"أم" في ظاهر كلام المصنف منقطعة حيث قال: "أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميًا عن الخبر"، أي: بل أنتم عمي عن المخبر عنه، وهذا تقريع وتهكم.
وفي "التفسير الكبير": هل لأمرنا شك، أم هل في بصركم خلل، أي: لا واحد منهما ثابت، فجعلها معادلة.
وقال صاحب "الكشف": ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾، كلام تام من مبتدأ وخبر، ثم قال: ﴿أَمْ أَنتُمْ﴾، أي: بل أنتم ﴿لا تُبْصِرُونَ﴾.
قوله: (لأن الصبر)، أي: إنما علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ
стр. 8098
﴿فِي جَنَّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ في أية جنات وأي نعيم! ! بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين، خلقت لهم خاصة. وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ و (فكهين) و (فاكهون)؛ من نصبه حالًا جعل الظرف مستقرًا، ومن رفعه خبرًا جعل الظرف لغوًا، أي: متلذذين ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ووَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾؟
قلت: على قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، أو على ﴿آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ على أن تجعل (ما) مصدرية؛ والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال و"قد" بعدها مضمرة. يقال لهم: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أكلًا وشربًا ﴿هَنِيئًا﴾ أو طعامًا وشرابًا هنيئًا، وهو الذي لا تنغيص فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَعْمَلُونَ﴾ لأن قوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ دل على تناهي العذاب، وأنه بلغ إلى أن الصبر والجزع لا ينفعان البتة. كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] فإنه دل على تصميمهم على الكفر، وعدم ارعوائهم.
قوله: (جعل الظرف مستقرًا)، يعني: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿فَاكِهِينَ﴾ حال من ضمير الاستقرار، إذا قرئ منصوبًا، وإذا قرئ مرفوعًا كان هو الخبر، و ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ متعلق به، فالظرف لغو.
قوله: (على أن تجعل "ما" مصدرية)، أي: إذا عطف ﴿ووَقَاهُمْ﴾ على ﴿آتَاهُمْ﴾ لا يجوز أن تكون ما موصولة، لفقدان العائد من الجملة المعطوفة، إذ التقدير: فاكهين بالذي آتاهم الله إياه، وبالذي وقاهم ربهم عذاب الجحيم، وليس في الجملة الثانية عائد إلى الموصول؛ لأن "وقاهم" أخذ كلا مفعوليه، بخلاف ﴿آتَاهُمْ﴾.
стр. 8099
ويجوز أن يكون مثله في قوله:
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر .... لعزة من أعراضنا ما استحلت
أعني: صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، مرتفعًا به ما استحلت كما يرتفع بالفعل، كأنه قيل: هنأ عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك معنى ﴿هَنِيئًا﴾ هاهنا: هنأكم الأكل والشرب. أو هنأكم ما كنتم تعلمون؛ أي: جزاء ما كنتم تعلمون. والباء مزيدة كما في ﴿كَفَى بِاللهِ﴾ [الرعد: ٤٣] والباء متعلقة بـ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وقرئ: (بعيس عين).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون مثله)، أي: لا يكون ﴿هَنِيئًا﴾ صفة مصدر محذوف، بل يكون من المصادر التي حذف عاملها، وأقيمت مقامه، وفاعله الأكل، أو ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾، على أن الباء زائدة كما في البيت، لأن "ما استحلت" فال "هنيئًا مريئًا"، والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغًا لا تنغص فيه.
وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: مصدر جاء على "فعيل"، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾، أي: مهنأ.
قوله: (والباء متعلقة بـ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾، أي: هناكم الأكل والشرب بسبب عملكم.
قوله: (وقرئ: "بعيس عين")، قال ابن جني: وهي قراءة عبد الله وإبراهيم، المرأة العيساء: البيضاء، ومثله: جمل أعيس، وناقة عيساء.
стр. 8100
[﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ومَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَاسًا لاَّ لَغْوٌ فِيهَا ولا تَاثِيمٌ * ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ ٢١ - ٢٤]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على "حور العين" أي: قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أي: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين.
(وأتبعناهم ذرياتهم) قال رسول الله: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه" ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ومزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل -وهو إيمان الآباء- ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلًا عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم، ونكمل نعيمهم.
فإن قلت: ما معنى تنكير الإيمان؟
قلت: معناه: الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بسبب إيمان عظيم رفيع المحل -وهو إيمان الآباء_ ألحقنا بدرجاتهم)، روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن علي ﵁ عن خديجة ﵂ عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار"، ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية.
قوله: (الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة)، تكرير لما علم من قوله: "عظيم
стр. 8101
ويجوز أن يراد: إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم.
وقرئ: (وأتبعتهم ذريتهم)، ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾، و (ذرياتهم)، وقرئ: (ذرياتهم) بكسر الذال. ووجه آخر، وهو أن يكون ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وما بينهما اعتراض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحل" هذا المعنى، فيكون السؤال مستدركًا، لعله سأل ليجيب بما يعلم منه، هذا مع شيء آخر، وهو أن التنكير يحتمل التقليل أيضًا نحوه مر في أول البقرة: "هل لهذه الفواتح محل من الإعراب، بعد ما علم إعرابها من وجه"؟ فأجاب بمثل هذا الجواب.
قوله: (بشيء من الإيمان)، والتنكير حينئذ للتقليل والتحقير، فوازن اعتبار التنكير في "إيمان" هاهنا بسبب الاحتمالين وزان الحاجبين في قول الشاعر:
له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب
قوله: ("وأتبعتهم ذريتهم"، ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾)، "وأتبعناهم" بقطع الألف وإسكان التاء وألف بعد النون: أبو عمرو، والباقون: بالوصل وفتح التاء والعين بالتوحيد، وفتح التاء والعين وتاء ساكنة بعد العين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: "ذرياتهم بإيمان" الجمع، وضم ابن عامر التاء، وكسرها أبو عمرو، والباقون بالتوحيد وفتح التاء.
قوله: (ووجه آخر، وهو: أن يكون ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾)
стр. 8102
﴿ومَا أَلَتْنَاهُم﴾ وما نقصناهم. يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئًا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو عطف على قوله: " ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾، معطوف على (حور عين"، والتقدير: والذين آمنوا ألحقنا بهم ذريتهم بسبب إيمانهم. وقال أبو البقاء: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ وهو الخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: وأكرمنا الذين. وكذا عن صاحب "الكشف"، وقال: أزيدًا مررت به؟ أجزت زيدًا؟ والباء في ﴿بِإيمَانٍ﴾ حال، إما من الفاعل أو المفعول أو منهما جميعًا.
وقلت: على أن يكون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مرفوعًا على الابتداء، تكون الآيات بأسرها معطوفة على جملة: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾، ويكون هؤلاء غير المتقين من عوام المؤمنين، ومن يتصل بهم ليشمل طوائف المؤمنين أجمعين، وعلى تقدير النصب يحتمل أن يكونوا أولئك، كرر ليناط به أمر آخر وهو إلحاق ذرياتهم إلى درجاتهم، كرامة لهم لتقر به أعينهم، وتكون صلة الموصول علة للإلحاق.
قوله: (﴿ومَا أَلَتْنَاهُم﴾، ابن كثير: بكسر اللام، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: "ما ألتناهم": ما نقصناهم، يقال: ألته يألته ألتًا، ويقال: لاته يليته ليتًا: نقصه وصرفه عن الشيء.
стр. 8103
بهم على سبيل التفضل. قرئ: ﴿أَلَتْنَاهُم﴾ وهو من بابين: منك ألت يألت، ومن: ألات يليت، كأمات يميت. و (آلتناهم)، من: آلت يؤلت، كآمن يؤمن. و (لتناهم)، من: لات يليت. و (ولتناهم)، من: ولت يلت. ومعناهن واحد.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحًا فكها وخلصها، وإلا أوبقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال ابن جني: قرأ الأعرج: "آلتناهم" على: أفعلناهم، وقرأ عبد الله وأبي: "وما لتناهم"، وابن عباس كان يقول: و"أتناهم": نقصناهم، يقال ألته يألته ألتًا، وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن شيء يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته: إذا قلده إياها.
قوله: (فإن عمل صالحًا فكهًا وخلصها وإلا أوبقها)، ونظيره ما رويناه عن مسلم والترمذي عن أبي مالك الأشعري: "كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها".
وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن جابر أن النبي ﷺ : قال لكعب بن عجرة: "إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان؛ فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
الرهن: ما يوضع وثيقة للدين، والرهان مثله، وقد يستعمل الثاني فيما فيه الإخطار، وأصلهما مصدران، يقال رهنت رهنًا، وراهنته رهانًا، فهو رهين ومرهون.
стр. 8104
﴿وأَمْدَدْنَاهُم﴾ وزدناهم في وقت بعد وقت.
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون ويتعاورون، وهم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم، ﴿كَاسًا﴾: خمرًا، ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾: في شربها، ﴿ولا تَاثِيمٌ﴾ أي: لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث، وما لا طائل تحته، كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب، في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أي: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: كيف اتصال ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ بما قبله؟
قلت: هو متصل به على وجه التتميم، إن فسرت الآيات من قوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ بجملتها باتصال الثواب والجزاء إليهم تفضلًا، فإنه لما قيل: "وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء"، كما قال؛ علم أنهم فكوا رقابهم عما كانت مرهونة به من الكسب، فقيل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي حالهم كيت وكيت، وغيرهم غير مفكوك بما كسبت، ونحوه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، أو يقال: هو استئناف، فإنه لما قيل: ما نقصناهم من ثوابهم شيئًا تعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلًا؟ فقيل: لأن كل امرئ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بهم بسببه، فألحقوا بهم تفضلًا.
أو يقال: إنه لما قيل: ﴿بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، يعني بسبب إيمان الآباء ألحقنا بهم الذريات كرامة للآباء لا لشيء آخر، ودل على الاختصاص تقديم ﴿بِإيمَانٍ﴾ على ﴿أَلْحَقْنَا﴾، قيل: لم اختص الإلحاق بإيمان الآباء؟ قيل: لأن كل امرئ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم كسب، فلم يكن سبب الفك إلا ذلك التفضل لا يفارق الوجوه.
стр. 8105
بذلك، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة، وهم حكماء علماء. وقرئ: ﴿اَّ لَغْوٌ فِيهَا ولا تَاثِيمٌ﴾.
﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي: مملوكون لهم مخصوصون بهم، ﴿مَّكْنُونٌ﴾ في الصدف، لأنه رطبًا أحسن وأصفى. أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. وقيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"، وعنه ﵊: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه: لبيك لبيك".
[﴿وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ووَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ٢٥ - ٢٨]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾، كلهم سوى ابن كثير وابن عامر.
قوله: (لأنه رطبًا أحسن وأصفى)، "رطبًا" حال من الضمير في "أحسن"، قال صاحب "اللباب": في قوله: هذا يسرًا أطيب منه رطبًا، الأصح أن العامل في "يسرًا": "أطيب"، وعمله في الأول عمل الفعل الصريح، ولهذا تقدمه، وفي الثاني عمل المعنى، وقال في تفسيره: "يسرًا": حال من الفاعل المستكن في "أطيب"، واسم التفضيل يعمل في الضمير المستكن فيه عمل الفعل من غير خلاف، فكذا يعمل فيما هو حال عنه، "ورطبًا" حال من الضمير المجرور المتصل بـ"من"، وإنما عمل فيه "أفعل" باعتبار أنه تضمن الزيادة، فلذا جيء بـ"من"، فليس هذا كعمل فعله، لأن فعله لا يعدى بـ"من"، وإنما هو كعمل المعنى في الظرف.
стр. 8106
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يتحادثون ويسأل بعضهم بعضًا عن أحواله وأعماله، وما استوجب به نيل ما عند الله، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله. وقرئ: (ووقانا) بالتشديد.
﴿عَذَابَ السَّمُومِ﴾: عذاب النار ووهجها ولفحها. والسموم: الريح الحارة التي تدخل المسام. فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة، ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، يعنون في الدنيا، ﴿نَدْعُوهُ﴾: نعبده ونسأله الوقاية، ﴿إنَّهُ هُوَ البَرُّ﴾: المحسن، ﴿الرَّحِيمُ﴾: العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. وقرئ: ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح، بمعنى: لأنه.
[﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ٢٩]
﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم: كاهن أو مجنون، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوة ورجاجة العقل أحد هذين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أنه" بالفتح)، نافع والكسائي.
قوله: (وما أنت بحمد الله) أشار به إلى أن "نعمة ربك" حال متقدم على عاملها، وهو "كاهن أو مجنون"، والباء الزائدة لا تمنع من العمل، والحال معمول العامل المنفي، كذا صرح في سورة النون. المعنى: ما أنت بكاهن كاذب منعمًا عليك، بل أنت بحمد الله نبي صادق منعمًا عليك، ولا أنت بمجنون منعمًا عليك، بل أنت لحصافة العقل والشهامة بمكان.
فإنك إذا قلت: الفعل المنفي بقيد مخصوص لزم منه إثبات فعل مضاد له، مقيدًا بذلك القيد، نحو قوله:
стр. 8107
[﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُم مِّنَ المُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَاتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣٠ - ٤٣]
وقرئ: (تتربص به ريب المنون) على البناء للمفعول. وريب المنون: ما يقلق النفوس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على لا حب يهتدى بمناره
على أحد وجهيه وهو أن يكون هناك منار، لكن لا يهتدى به، بل يضل لسببه لعمهه.
ويمكن أن يكون ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قسمًا اعترضت بين اسم "ما" وخبره، ونظيره في الإقسام بالنعمة قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧]. أي: أقسم بإنعامك علي بالمغفرة.
قوله: (وريب المنون: ما يقلق النفوس) إلى آخره، فيه أن "المنون" بمعنى الدهر،
стр. 8108
ويشخص بها من حوادث الدهر. قال:
أمن المنون وريبه تتوجع
وقيل: المنون: الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه: إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الواحدي: ينتظر به حدثان الموت وحوادث الدهر، المنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى المنية.
قوله: (ويشخص بها). يقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به.
قوله: (أمن المنون) وتمامه:
والدهر ليس بمعتب من يجزع
بمعتب: بمرضي، الأساس: استعتبه: استرضاه، وفي معناه قول القائل:
عن الدهر فاصفح إنه غير معتب .... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
قوله: (وقيل: المنون: الموت)، الراغب: رابني كذا وأرابني، فالريب أن يتوهم بالشيء أمرًا ما، فينكشف عما يتوهمه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] والإرابة أن: يتوهم فيه أمرًا فلا ينكشف عما يتوهمه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وريب الدهر: صروفه، وإنما قيل: "ريب" لما يتوهم فيه من المنكر.
وقوله: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾، سماه ريبًا لأنه يشكك في كونه، بل من حيث تشكك في
стр. 8109
ولذلك سميت: شعوب، قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء؛ زهير والنابغة.
﴿مِّنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي.
﴿أَحْلامُهُم﴾ عقولهم وألبابهم. ومنه قولهم: أحلام عاد. والمعنى: أتأمرون أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم: مجنون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقت حصوله، فالإنسان أبدًا في ريب المنون من جهة وقته، لا من جهة كونه، ولهذا قال الشاعر:
الناس قد علموا أن لا بقاء لهم .... لو أنهم عملوا مقدار ما علموا
والريبة اسم من الريب، قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] أي: يدل على دغل وقلة يقين منهم.
قوله: (ولذلك سميت: شعوب)، الضمير للموت وأنث بتأويل المنية. الجوهري: سميت المنية شعوب، لأنها تفرق، وهي معرفة لا يدخلها الألف واللام.
قوله: (أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض [في القول]، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم: مجنون)، يريد: أن "أم" في هذه الآيات منقطعة، والهمزة فيها للتقريع والتوبيخ، وبل في ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ﴾ إضراب عن جميع ما حكي عن القوم من الطعن في رسول الله ﷺ ، ذكر أولًا، فذكر ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾، ردًا لقولهم: هو كاهن أو مجنون تسليًا له وتثبيتًا، ثم ترقى إلى قولهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يعني: دعوا عن القول بأنه كاهن أو مجنون، بل هو شاعر نتربص به ريب المنون، لأن الشعراء كانوا عندهم أعظم حالًا من الكاهن،
стр. 8110
وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي.
﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: ننتظر به نوائب الزمان، فيهلك كما هلك امرؤ القيس وعنترة، وزهيرهم وغيرهم، فأضرب الله تعالى عن جميع ذلك بقوله: ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُم﴾ فنسبهم إلى السفه والجهل، والقول بالتناقض، ثم ترقى إلى قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: ليسوا بجاهلين، أي أنهم أرباب النهى والأحلام، بل طغيانهم ومجاوزتهم الحد في العناد هو الذي حملهم على ذلك القول بالتناقض.
وأما قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ فهو متصل بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ أي ليس بكاهن ولا شاعر، بل هو مفتر على الله، مختلق من تلقاء نفسه، فرد بما يناسبه من قوله: ﴿بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه أجمع من نسبتهم إلى السفه والطغيان، أي أنهم ممن حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون البتة، وهم من الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، ثم بنى الكلام على نسبتهم الافتراء والتقول إليه، دفعًا للتهمة وإزالة للشبهة، وقال: ﴿فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنه تقول وافتراء.
ولما فرغ من ذلك النوع من الإضرابات، وهو طعنهم في حق رسول الله ﷺ ، عقبه بنوع آخر منها، وهو ما اشتمل على الرد فيما لزم منه الطعن في جلال الله وعلو كبريائه، من إثبات الشريك واتخاذ الولد، وترك الناس سدى، والطعن في رسله وهو قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ﴾ إلى آخره، مزيدًا للتسلي والتثبيت لرسوله ﷺ ، يعني: كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم، ألا ترى كيف ختم السورة بقوله: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؟ !
قوله: (وكانت قريش يدعون أهل الأحلام)، روي عن الجاحظ أنه قال: لا يكمل عقل الإنسان إلا بالمسافرة والمخالطة وزيارة البلاد المختلفة، ومصاحبة الأخلاق المتباينة، وقريش
стр. 8111
فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟
قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧].
وقرئ: (بل هم قوم طاغون).
﴿تَقَوَّلَهُ﴾: اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذا المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وانه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب. وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله ﷺ ، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، وإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادرًا عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أماكنهم لا يفعلون شيئًا من هذا، وهم أعقل من الكل، وما كان ذلك إلا أن جميع العالم يأتونهم ويخالطونهم، فيحصل غرضهم بدون مشقة.
قوله: (كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾)، أي: كما قال قوم شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾، قال: جاز الصلاة أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كذا، لما كان مؤدى عقولهم السخيفة، ذلك القول بالتناقض جعلت آمرة على الاستعارة المكنية.
قوله: (وقرئ: "بل هم قوم طاغون")، قال ابن جني: قرأها مجاهد، وقراءة الجماعة: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن "أم" المنقطعة بمعنى "بل" للترك والتحول، لأن بعد "بل" متيقن وبعد "أم" مشكوك فيه مسؤول عنه.
قوله: (ليس بمعوز في العرب)، الأساس: هذا شيء معوز: عزيز لا يوجد.
стр. 8112
﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم، ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير مقدر، ﴿أَمْ هُمُ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق، ﴿بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أي: إذا سئلوا: من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا؟ أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟ "أم هم المسيطرون": الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر التربوية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟ وقرئ ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ بالصاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("المسيطرون" الأرباب الغالبون)، الراغب: يقال: سيطر فلان على كذا، وتسيطر عليه: إذا قام عليه قيام سطر، واستعمال المسيطر هاهنا كاستعمال القائم في قوله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وإلى هذا المعنى أشار المصنف: "ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم".
قوله: (وقرئ: ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ بالصاد) قنبل وحفص وهشام: بالسين، وحمزة بخلاف: ، وابن خلاد: بين الصاد والزاي، والباقون: باضاد خاصة. قال الزجاج: "المسيطرون": الأرباب المتسلطون، يقال: تسيطر علينا بالسين والصاد، والأصل السين.
وقال أبو علي: ليس هذا البناء بناء تحقير، لكن الياء في مثل الواو في حوقل، فكما تقول: حوقل، كذلك مسيطر ومبيطر، لإلحاقهما جميعًا بمدحرج ومسرهف.
стр. 8113
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون، صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم، وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟
﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: حوقل الشيخ حوقلة: إذا كبر وفتر عن الجماع، سرعفت الصبي: إذا أحسنت غذاءه، وكذلك سرهفته.
قوله: (حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم)، قلت: هذا التأويل إن كان ينظر إلى قوله: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ لكن لا يلتئم مع قوله: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾، والأوفق لتأليف النظم ما قاله الواحدي: المعنى: أم لهم مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون أن ما هم عليه حق، فليأت مستمعهم بحجة واضحة على تلك الدعوى؟
وبيان ذلك أن الكلام من لدن قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ إلى آخر: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ في الإلهيات مدمج فيها أمر النبوات، فقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ﴾ معناه ما نقل الواحدي عن الزجاج: أم خلقوا باطلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون، وعن ابن كيسان: هم خلقوا عبثًا، وتركوا سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ثم ترقى إلى قوله، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ﴾ يعني: أن السماوات والأرض ليسا من خلقهم، حتى يكون خلقهما باطلًا وعبثًا، ﴿بَل لاَّ يُوقِنُونَ﴾ أنا خلقناهم بالحق، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: خلقناهما مساكن المكلفين وأدلة على المعرفة ووجوب الطاعة، ثم أضرب عنه إلى بيان ما هو تأسيس العبادة بقوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ أي: مفاتيحه بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا، ثم إلى ما هو أعلى منه، بقوله: ﴿أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المتسلطون، فلا يكونون تحت أمر الله ونهيه وطاعة رسوله
стр. 8114
المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في اتباعك؟
﴿أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ﴾: أي اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وهم كيدهم في دار الندوة برسول الله ﷺ وبالمؤمنين، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يفعلون ما شاؤوا، ثم إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ومعناه ما عليه كلام الواحدي، أي: يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم عليه حق وصدق، وما عليه غيرهم باطل وزور، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ يعني: قد كشف من محضكم وتبين من صدقكم وحقكم هذه الهناة، وهي نسبتكم إلى الله ما هو منزه عنه، وجعلتم له أدون الجنسين، وما إن نسب إلى بعضكم ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، والله أعلم.
قوله: (المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه)، الراغب: المغرم: ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية، يقال: غرم كذا غرمًا ومغرمًا وأغرم فلان غرامة، قال تعال: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾.
قوله: (فدحهم) أي: أثقلهم، فدحه الدين: أثقله. الراغب: الثقل والخفة متقابلان، فكل ما يترجح على ما يوزن به أو يقدر به، يقال: هو ثقيل، وأصله في الأحسام، ثم يقال في المعاني: نحو أثقله الغرم والوزو، قال تعالى: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾.
قوله: (﴿الغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ)، يريد: أن الغيب بمعنى الغائب.
стр. 8115
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارة إليهم، أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم، ويحيق بهم مكرهم. وذلك أنهم قتلوا يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.
[﴿وإن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ولا هُمْ يُنصَرُونَ * وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤٤ - ٤٧]
الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] يريد: أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارة إليهم) فيكون من وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل على كفرهم، والدلالة على أنه الموجب للدمار، فالتعريف فيه للعهد، وعلى أن يراد بهم كل من كفر للجنس، فقوله: "أو المغلوبون في الكيد"، عطف على قوله: "هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم" على طريقة النشر لإرادة أن التعريف إما للعهد أو الجنس.
قوله: (الكسف: القطعة)، الراغب: كسوف الشمس والقمر: استتارهما بعارض، وبه شبه كسوف الوجه والحال، فقيل: هو كاسف الوجه، وكاسف الحال، والكسفة: قطعة من السحاب والقطن، ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة الحائلة، وجمعها كسف. قال تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] قال أبو زيد: كسفت الثوب أكسفه كسفًا، قطعته قطعًا.
قوله: (وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ﴾)، قال في ذلك المقام: "لما بين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا, أخذوا يتعللون باقتراح
стр. 8116
لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. وقرئ: ﴿حَتَّى يُلاقُوا﴾ و (يلقوا)، (يصعقون): يموتون. وقرئ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾. يقال: صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإن لهؤلاء الظلمة ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ دون يوم القيامة: وهو القتل ببدر، والقحط سبع سنين، وعذاب القبر. وفي مصحف عبد الله: (دون ذلك قريبا).
[﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ٤٨ - ٤٩]
﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة، ﴿فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ مثل، أي: بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين، لأن الضمير بلفظ ضمير الجماعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآيات، فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لرقيك حتى تفجر … " إلى آخر الآيات، وجيء هاهنا بجواب بعض الاقتراحات على سبيل التلميح ليؤذن بأنهم محجوجون مبهوتون، وأن طعنهم ذلك ليس إلا للعناد والمكابرة، ومن ثم رتب عليه قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا﴾ بالفاء.
قوله: (وقرئ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾)، عاصم وابن عامر، والباقون: بفتح الياء، قال أبو البقاء: الفتح ماضيه: صعق، وقرئ بالضم ماضيه: أصعق، وقيل: صعق مثل سعد.
قوله: (مثل) يعني: أن قوله تعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ استعارة تمثيلية شبهت حالة كلائه وحفظه رسول الله ﷺ بحالة من يراقب الشيء بعينيه ويحفظه.
قوله: (لأ الضمير بلفظ [يضمر] الجماعة)، يعني: راعى المناسبة بين الجمعين، أعني العين وضمير الجماعة، وحين أفرد الضمير أفرد العين في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]،
стр. 8117
ألا ترى إلى قوله تعالى" ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. وقرئ: (بأعينا) بالإدغام. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مكان قمت. وقيل: من منامك، ﴿وإدْبَارَ النُّجُومِ﴾: وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. وقرئ: (وأدبار النجوم) بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وأدبار النجوم: صلاة الفجر.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الطور كان حقًا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يقال: أن ذلك امتنان على الكليم في كلاءته وحفظه من العدو في بدء حالة وتربيته في حال الطفولية، كما قال: "ولتربى ويحسن إليك، وأنا راعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به"، فناسب الإفراد وهذا تعليل لتصبير الحبيب على مكائد أعداء الدين، كما قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وتثبيته على مشاق التكاليف والعبادات، ألا ترى كيف عطف ﴿وسَبِّحْ﴾ على ﴿واصْبِرْ﴾ عطف الخاص على العام فناسبه الجمعان.
قوله: (سبحان الله وبحمده)، أي أسبح الله وألتبس بحمده، أي: وبحمده أسبح،
الراغب: ومعنى نسبح بحمدك، أي نسبحك والحمد لك، أو نسبحك بأن نحمدك، والباء على الأول حال، وعلى الثاني صلة.
تمت السورة
حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ .
стр. 8118
سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾
مكية إحدى وستون، وقيل: ثنتان وستون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى * ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَاوَى * إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ ومَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ١ - ١٨].
النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها. قال: إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساءً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾
مكية، وهي إحدى وستون آية، وقيل: ثنتان وستون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء)، قال ابن قتيبة الدينوري: الثريا: انتهاء الحمل، وجاءت مصغرًا، ولم يتكلم بها إلا كذلك، نحو حميًا الكأس، وأصلها من الثروة، وهي كثرة العدد، وطلوعها ليلة عشرة تخلو من آيار، وسقوطها
стр. 8119
أو جنس النجوم. قال:
فباتت تعد النجم في مستحيرة
يريد: النجوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلة عشرة من تشرين، تظهر من أول الليل في المشرق عند ابتداء البرد، وإذا توسطت السماء مع غروب الشمس يكون غاية شدة البرد.
قوله: (فباتت تعد النجم في مستحيرة)، تمامه:
سريع بأيدي الآكلين جمودها
أنشده الزجاج وقال: يصف قدرًا كثيرة الدسم، ومعنى تعد النجم، أي: من صفاء دسمها ترى النجوم فيه، والمستحيرة: القدر، فقال: يجمد على الأيدي الدسم من كثرته، واستشهد به الزجاج لصحة إطلاق النجم على النجوم.
وقال ابن قتيبة: النجم في البيت الثريا، لأن الثريا في الشتاء تصير في كبد السماء، فترى حينئذ في الماء وفي المرآة، وفي كل شيء له صفاء، ويناسب هذا القول قوله: جمودها لأن الدسم يجمد في البرد. أوله:
قريت الكلابي الذي يبتغي القرى .... وأمك إذ تحدي علينا قعودها
أي: ضفت الكلابي وأمك.
стр. 8120
﴿إذَا هَوَى﴾ إذا غرب أو انتثر يوم القيامة، أو: النجم: الذي يرجم به، ﴿إذَا هَوَى﴾: إذا انقض. أو: النجم من نجوم القرآن، وقد نزل منجمًا في عشرين سنة، ﴿إذَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿إذَا هَوَى﴾: إذا غرب وانتثر، وفي "المقتبس" قال الجنزي: فاوضت جار الله في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ما العامل في إذًا؟ فقال: العامل فيه: ما تعلق به الواو، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل؟ وهذا لأن معناه أقسم الآن، وليس معناه أقسم بعد هذا؟ فرجع فقال: والعامل فيه مصدر محذوف، تقديره: وهوي النجم إذا هوى. فعرضته على زين المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني.
والوجه: أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمر البسر، أي: وقت احمراره، فقد عري عن معنى الاستقبال، لأنه وقت الغنية عنه، بقوله: آتيك. قال عبد القاهر: إخبار الله بالمتوقع يقام مقام الإخبار بالواقع، إذا لا خلف فيه فحرى المستقبل مجرى المحقق الماضي.
الراغب: قيل: أراد بالنجم الكوكب، وإنما خص الهوى دون الطلوع، فإن لفظ النجم دل على طلوعه، وقيل: أراد بذلك القرآن المنجم المنزل قدرًا فقدرًا، وفسر على الوجهين قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾.
стр. 8121
هَوَى﴾: إذا نزل. أو: النبات ﴿إذَا هَوَى﴾: إذا سقط على الأرض.
وعن عروة بن الزبير: أن عتبة بن أبي لهب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن بعضهم: نبه بالطلوع والهوي على أنه مخلوق، والله خالقه، كما قال إبراهيم: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: ذلك من أمارات الحدوث.
وقلت: كأنه أقسم بذلك لما فيه من الدلالة على وجود محدثه.
قوله: (وعن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبي لهب) هذا الحديث موضوع، رواه بعض الشيعة، وأتى به محمد بن حماد المعروف بالدولابي في كتاب "الذرية الطاهرة"،
стр. 8122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك أن ابن عبد البر وابن الأثير صاحبي "الاستيعاب" و"جامع الأصول" ذكرا أن عتبة ابن أبي لهب أسلم هو وأخوه معتب يوم فتح مكة، كانا قد هربا، فبعث العباس فأتى بهما فأسلما، وسر رسول الله ﷺ ودعا لهما، وشهدا معه حنينًا والطائف.
روى عن ابن عباس حديث المملوكين: "أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون".
стр. 8123
وكانت تحته بنت رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتين محمدًا فلأوذينه؛ فأتاه فقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك"، وكان أبو طالب حاضرًا، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه، فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلًا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم؛ وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، حتى ضرب عتبة فقتله. وقال حسان:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروي عن عتبة بن خراش، أخرجه الإمام الشافعي ﵁ في "مسنده".
قوله: (فوجم لها) النهاية: وجم يجم وجومًا، والواجم: الذي أسكته الهم، وعلته الكآبة، والضمير في "لها" للكلمة أو الدعوة.
قوله: (ما كان أغناك) "ما" للتعجب، و"كان" زائدة.
قوله: (وقال حسان) ذكر هذا صاحب "الذرية الطاهرة" في كتابه، في ضمن
стр. 8124
من يرجع العام إلى أهله .... فما أكيل السبع بالراجع
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، والخطاب لقريش، وهو جواب القسم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبيات، ونسبه إلى حسان:
سائل بني الأشعر إن جئتهم .... ما كان أنباء أبي الواسع
لا أوسع الله له قبره .... بل طبق الله على القاطع
رحم الله نبر جده جده .... ويدعو إلى نور له ساطع
أسبل بالحجر لتكذيبه .... دون قريش نهزة القادع
واستوجب الدعوة منه بما .... بين للناظر والسامع
أن سلط الله به كلبه .... يمشي هوينًا مشية الخادع
حتى أتاه وسط أصحابه .... وقد علتهم سنة الهاجع
والتقم الرأس بيافوخه .... والنحر منه فغرة الجائع
استلموه وهو يدعو له .... بالسبب الأدنى وبالجامع
والليث يعلوه بأنيابه .... منعفرًا وسط دم ناقع
لا يرفع الرحمن مصروعكم .... ولا يوهن قوة الصارع
وكان فيه لكم عبرة .... للسيد المتبوع والتابع
من يرجع العام إلى رحله .... فما أكيل السبع بالراجع
من عاد فالليث له عائد .... أعظم به من خبر شائع
وأثر الصنعة ظاهر في هذه الأبيات.
стр. 8125
والضلال: نقيض الهدى، والغي: نقيض الرشد، أي: هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي، وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، وإنما هو وحي من عند الله يوحى إليه.
ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والغي: نقيض الرشد) الراغب: الغي جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا الثاني يقال له: غي.
قوله: (ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء قال القاضي: واحتج بها من ال يرى الاجتهاد له، وأجيب عنه بأنه: إذا أوحي إليه بأن يجتهد، كان اجتهاده وما يسند إليه وحيًا، وفيه نظر؛ لأن ذلك حينئذ بالوحي.
وقلت: هاهنا بحث لا بد منه، وهو أن هذه الآية واردة في أمر التنزيل، وليس فيها لمستدل أن يستدل بشيء من أمر الاجتهاد، لا نفيًا ولا إثباتًا، لأن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ للقرآن؛ بدليل من فسر النجم بنجوم القرآن، وهي من الأيمان الحسنة، نحوه قوله:
وثناياك إنها إغريض.
وينصره قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ وفي الآيات معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ
следующие страницы →