← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام، مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة، وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك، قال حاتم: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها .... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال ابن الرقيات: تذهل الشيخ عن بنيىة وتبدي .... عن خدام العقيلة العذراء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: (على هذا لا يحسن أن تجعل عامل الظرف_أي: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ _: ﴿فَلْيَاتُوا﴾. بل إما: اذكر، أو كان: كيت وكيت. قوله: (أخو الحرب) البيت، إنما سمي به لمباشرته الحرب كثريًا. والتشمير: مثل لشدة الأمر وصعوبة الخطب، وتقول: هو مباشر للحرب بمثل ما يباشره في الشدة والصعوبة ولا يتركها بحال. قوله: (تذهل الشيخ) البيت، الخدام: جمع خدمة، وهي الخلخال. تذهل: أي: تشغل، والفعل للغارة في قوله: كيف نومي على الفراش ولما .... تشمل الشام غارة شعواء أي: غارة قاسية. وإنما خص "الشيخ" بالذكر، لوفور عقله وممارسته الشدائد، أو لفرط محبته للأولاد. والعقلية من النساء: التي عقلت في بيتها، أي خدرت وجست. والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر، والفعل أيضًا للغارة. وفي "شعراء"و "العذراء" الإقواء.

стр. 8647

فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ في معنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل؛ وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود ﵁ "يكشف الرحمن عن ساقه" فأما المؤمنون فيخرون سجدا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: الفعل للعقيلة، وحذف التنوين عن "خدام" لالتقاء الساكنين، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا والتقدير: وتبدي نسبتها، ليرجع الضمير إلى الغارة الموصوفة بقوله: تبدي. قوله: (ولا كشف ثم ولا ساق)، يعني: هو من الكناية الإيمائية، التي تؤخذ فيها الزبدة والخلاصة من المجموع، ولا ينظر إلى مفردات التركيب حقيقة ومجازًا، كما مر في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وعن بعضهم: الكشف عن الساق بأسره عبارة عن الشدة، أما أن يكون الساق اسمًا للشدة، فلا. وقال: ومن الناس من يفسر الساق بالشدة، ويدعيه لغة، وليس بشيء. قوله: (حديث ابن مسعود: "يكشف الرحمن عن ساقه")، الحديث من رواية البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يكشف ربنا عن ساقه،

стр. 8648

وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأن فيها السفافيد" ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت: للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل، ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل. وعن أبي عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما شبه حتى مثل، وهو مقاتل ابن سليمان، والآخر نفى حتى عطل، وهو جهم بن صفوان؛ ومن أحس بعظم مضار فقد هذا العلم، علم مقدار عظم منافعه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، فيبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب لسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا". وقلت: ويمكن أن يكون الحديث بيانًا للآية، فلا تحتاج إلى التعريف المبين، بل التنكير أولى والتأويل. روى محيي السنة في "شرح السنة"، عن ابن عباس قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾: يوم كرب وشدة. وقال مجاهد: يكشف عن الأمر الشديد. والعرب تذكر الساق إذا أخبرت عن شدة الأمر وهوله. وسئل عكرمة عنه فقال: إذا اشتد الأمر في الحرب، قيل: كشفت الحرب عن ساق". قوله: (السفافيد)، الجوهري: "السفود بالتشديد: الحديدة التي يشوى بها اللحم".

стр. 8649

وقرئ: "يوم نكشف" بالنون، و"تكشف" بالتاء على البناء الفاعل والمفعول جميعا، والفعل للساعة أو للحال، أي: تشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها، على المجاز. وقرئ: "تكشف" بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف، ومنه: أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وناصب الظرف: فليأتوا، أو إضمار (اذكر)، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "يوم نكشف"، بالنون، و"تكشف"، بالتاء على البناء للفاعل والمفعول)، المشهور: بالياء للمفعول، والبواقي: شواذ، قال صاحب "التقريب": في قراءة التاء مع البناء للمفعول، نظر؛ لأن فاعله ﴿عَن سَاقٍ﴾، فكان حقه التذكير، كصرف"عن هند"، وجعل الفعل للساعة أو للحال، كأنه على تقدير البناء للفاعل لا للمفعول؛ إذ ليس معناه: تكشف الساعة والحال عن ساق، بل الكشف عن الساق عبارة عن الشدة، فقيل: إنما أنت لأن المعنى: تكشف عن ساق، و"عن" زائدة، ولا يخلو عن حزازة. وقلت: قوله "بل الكشف عن الساق عبارة عن الشدة" تحجير للواسع. نعم، وهو وجه حسن يصار إليه كما عليه أول كلام المصنف، فلم لا يجوز أن تثبت للساعة أو للحال الساق تخييلًا، بعد الاستعارة فيها على سبيل المكنية، سواء جعلت فاعلًا أو مفعولًا؟ كما يقال: كشف الله الساعة عن ساقها، وعليه كلام مجاهد كما سبق، وكلام

стр. 8650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن جني في قراءة ابن عباس: "يوم تكشف عن"، بالتاء، والتاء منتصبة، وروي عنه: "يوم تكشف" بالتاء مضمومة، أي: تكشف الشدة والحال الحاضر عن ساق. وهذا مثل، أي: تأخذ في أغراضها، ثم شبهت بمن أراد أمرًا وتأهب له، كيف يكشف عن ساقه؟ قال: كشف لكم عن ساقها .... وبدا من الشر الصراح فأضمر الحال والشدة لدلالة الموضع عليه. ونظيره من إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه، مسألة الكتاب: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان من نحن عليه من البلاد في غد فأتني. وأما "تكشف" بتاء مضمومة، فعلى ذلك أيضًا، أي: تكشف الصورة هناك عن شدة".

стр. 8651

أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود ﵁: تعقم أصلابهم، أي ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض، وفي الحديث: "وتبقى أصلابهم طبقا واحدا"، أي: فقارة واحدة. فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟ قلت: لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالموا الأصلاب والمفاصل، ممكنون مزاحوا العلل فيما تعبدوا به. [﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وأُمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٤٤ - ٤٥﴾. يقال: ذرني وإياه، يريدون: كله إلي، فإني أكفيكه، كأن يقول: حسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلي وتخلى بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علي في الانتقام منه، تسلية لرسول الله ﷺ وتهديداً للمكذبين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تعقم أصلابهم)، النهاية: "في حديث ابن مسعود: " [إن الله] يظهر للناس يوم القيامة، فيجر المسلمون للسجود، وتعقم أصلاب المنافقين فلا يسجدون"، أي: تيبس مفاصلهم ونصير مشدودة. والمعاقم: المفاصل".

стр. 8652

استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه، واستدراج الله العصاة: أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج، وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم، كقوله تعالى ﴿إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. والصحة والرزق والمد في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل: "كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه". وسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد حيث كان سببا للتورط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك. [﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٤٦ - ٤٧]. المغرم: الغرامة، أي: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومتسلقًا)، الجوهري: "تسلق الجدار، أي: تسوره". قوله: (وكم من مغرور بالستر)، يروى بكسر السين وفتحها, وعن بعضهم: الستر: ستر الله، والستر؛ بالفتح: مصدر: المستور. قوله: (وسمى إحسانه وتمكينه كيدًا كما سماه استدراجًا)، قال الإمام: "الأصحاب تمسكوا بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات".

стр. 8653

فيثبطهم ذلك عن الإيمان ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ﴾ أي: اللوح ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منه ما يحكمون به. [﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ إذْ نَادَى وهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٤٨ - ٥٠]. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ﴿ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ يعني: يونس ﵇ ﴿إذْ نَادَى﴾ في بطن الحوت ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظا، ومن كظم السقاء: إذ ملأه والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في ﴿تَدَارَكَهُ﴾. وقرأ ابن عباس وابن مسعود "تداركته" وقرأ الحسن: "تداركه" أي: تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لولا أن كان يقال فيه "تتداركه"، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أي: كان يقال فيه سيقوم. والمعنى: كان متوقعا منه القيام. ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ الحسن: "تداركه"، أي: تتداركه)، قال ابن جني: "قرأ ابن هرمز والحسن: "تداركه"، مشددة، رواها أبو حاتم عن الأعرج لا غير، قال: وسئل عنها أبو عمرو، فقال: لا. قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك، لأنه فعل ماض، وليست فيها إلا تاء واحدة، ولا يجوز: تتداركه. قال ابن جني: هذا خطأ، وذلك أنه يجوز على حكاية الحال الماضية المنقضية، أي: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه، كما تقول: كان

стр. 8654

وقد اعتمد في جواب ﴿لَوْلا﴾ على الحال- أعني قوله: ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ - يعني: أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ العراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذم. روي أنها نزلت بأحد حيث حل برسول الله ﷺ ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا، وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرئ: "رحمة من ربنا". ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الأنبياء. وعن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه. [﴿وإن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ * ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ٥١ - ٥٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زيد سيقوم، أي: كان متوقعًا منه القيام، فكذلك هذا، أي: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة من ربه انبذ بالعراء". أي: لولا هذه الحالة المرجوة له كانت من نعمة الله تعالى، لنبذ بالعراء. قوله: (وقد اعتمد في جواب ﴿لَوْلا﴾ على الحال)، يعني: أوقع ﴿لَوْلا … لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ مقيدًا بقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. والمقصود الأولي منه الحال، ولولاه لم يكن لقوله: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ فائدة، لأنه نبذ فيه، ولذلك قال: "ولولا توبته لكانت حاله على الذم". قال القاضي: "الحال هو الذي اعتمد عليه الجواب لأنها المنفية دون النبذ". قوله: (يعني أن حاله كانت على خلاف الذم)، وعن بعضهم: أي حاله وقت النبذ كانت

стр. 8655

﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، واللام علمها. وقرئ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء وفتحها، وزلقه وأزلقه بمعنى، ويقال: زلق الرأس وأزلقه: حلقه، وقرئ: "ليزهقونك"؛ من زهقت نفسه وأزهقها، يعني: أنهم من شدة تحديفهم ونظرهم إليه شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك، من قولهم: نظر إلى نظر يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله، قال: يتقارضون إذا التقوا في موطن .... نظرا يزل مواطئ الأقدام وقيل: كانت العين في بني أسدـ فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء، فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله! إلا عانه، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله ﷺ ، فقال: لم أر كاليوم رجلا! فعصمه الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مخالفة حال الابتداء؛ فإن حال الابتداء حال الأمة، ولذلك قيل فيه: ﴿ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾، وفي الآخرة لم يذم، ولم يكن حال الأمة. قوله: (﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء وفتحها)، بالفتح: نافع، والباقون: بالضم. قوله: (يتقارضون إذا التقوا) البيت، يقال: القرنان يتقارضان النظر، إذا نظر كل واحد منهما إلى صاحبه شزرًا. وكل أمر يجازى به الناس فهو قرض، وهما يتقارضان الثناء، أي: كل واحد منهما يثني على صاحبه، يقول: إذا التقوا في موطن ينظر كل واحد منهم إلى الآخر نظر حسد وحنق، حتى يكاد يصرعه، وهو الإصابة بالعين. وقوله: (مواطئ الأقدام: أي: الأقدام نفسها، والمراد: الموطئ من الأقدام، أي: تزل الأخامص. وأراد بالموطن: المعركة.

стр. 8656

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين، أن تقرأ هذه الآية. ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي القرآن، لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة، ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ حيرة في أمره وتنفيرا عنه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم، والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن ﴿ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾ وموعظة ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ فكيف يجنن من جاء بمثله؟ عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دواء الإصابة بالعين)، عن مسلم والترمذي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين". قوله: (والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن، ﴿ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾)، جواب عن منكر مصر أن هذا القرآن ليس بذكر للعالمين من رب العالمين، بل هو من قبيل الجن والكهانة، وصاحبه مجنون كاهن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧]، فهو من باب إطلاق المسبب على السبب، لأن نسيته صلوات الله عليه إلى الجنون، لكون الملقى إليه من الجن بزعمهم، وإلا فهو أعقل الناس عندهم، كما قال: "وإلا فقد علموا أنه أعقلهم". تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على رسوله. * * *

стр. 8657

سورة الحاقة إحدى وخمسون آية، وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿الْحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ * ومَا أَدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيةٍ﴾ ١ - ٨]. ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ريب فيها، أو التي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الحاقة اثنتان وخمسون آية، مكية بلا خلاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (حواق الأمور) يعني: أوساطها، الجوهري: "سقط فلان على حاق رأسه، أي: وسط رأسه، وجئته في حاق الشتاء، أي: وسطه". وقيل: الحاصل أنها إما من قولهم: حق الشيء

стр. 8658

أو التي تحق فيها الأمور، أي: تعرف على الحقيقة، من قولك: لا أحق هذا، أي: لا أعرف حقيقته. جعل الفعل لها وهو لأهلها، وارتفاعها على الابتداء، وخبرها ﴿مَا الحَاقَّةُ﴾ والأصل: الحاقة ما هي؟ تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأنه أهول لها، ﴿ومَا أَدْرَاكَ﴾ وأي شيء أعلمك ما الحاقة؟ يعني: أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، على أنه من العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا همه، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك ﴿مَا﴾ في موضع الرفع على الابتداء، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. "القارعة": التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار، ووضعت موضع الضمير ليدل على معنى القرع في ﴿الْحَاقَّةُ﴾، زيادة في وصف شدتها؛ ولما ذكرها وفخمها، اتبع ذكر ذلك من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يحق، بالكسر: ثبت. أو من قولهم: حققته أحقه، أي: عرفت حقيقته. أما على الأول، فإما أن يقال: سميت حاقة، لأنها ثابتة الوقوع واجبة المجيء. أو هو على تقدير حذف المضاف، أي: ذو الحاقة، لأن فيها الأمور الحواق من الحساب والثواب والعقاب. وأما على الثاني، فالقيامة سميت حاقة، بمعنى عارفة للأمور على المجاز، لأن الخلائق فيها تعرف الأمور، فجعل الفعل للقيامة وهو لأهلها. قال الواحدي: " ﴿الحَاقَّةُ﴾: القيامة، في قول جميع المفسرين. وسميت بذلك، لأنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع". قوله: (ووضعت موضع الضمير)، أي: "القارعة" مظهر وضع موضع المضمر من غير

стр. 8659

﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة؛ واختلف فيها، فقيل: الرجفة، وعن ابن عباس: الصاعقة، وعن قتادة: بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. وقيل: الطاغية مصدر كالعافية، أي: بطغيانهم؛ وليس بذاك لعدم الطباق بينها وبين قوله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾. والصرصر: الشديدة الصوت لها صرصرة، وقيل: الباردة من الصر، كأنها التي كرر فيها البرد وكثر، فهي تحرق لشدة بردها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لفظه السابق. وأصل المعنى: كذبت ثمود وعاد بها، فعدل إلى "القارعة" ليدل على القرع مزيدًا للتهويل. قوله: (﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة)، اعلم أنه لم يسلك باللفظ سبيل ما وضع له من المعنى الحقيقي، على أنه هو الظاهر؛ فإن "الطاغية" عند أهل اللغة: الطغيان، فإسناده إليهم حقيقة كما يقال: أما ثمود، فأهلكوا بطغيانهم، لكن جعلت وصفًا لموصوف محذوف وعلى المجاز، أي: بالواقعة الطاغية، فحذف لرعاية التناسب بين القرينتين، لأن قرينتها: ﴿وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. قال صاحب "المفتاح": "قوله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾: العتو، هاهنا، مستعار استعارة الطغيان في المثال الأول". وقال الزجاج: "معنى ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ عند أهل اللغة: بطغيانهم، و"فاعلة" قد يأتي بمعنى المصادر نحو: عافية وعاقبة. والذي عليه الآية أنهم أهلكوا بالرجفة

стр. 8660

﴿عَاتِيَةٍ﴾ شديدة العصف، والعتو استعارة، أو عتت على عاد، فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. وقيل: عتت على خزانها، فخرجت بلا كيل ولا وزن. وروي عن رسول الله ﷺ : "ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من مطر إلا بمكيال، إلا يوم عاد ويوم نوح؛ فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل"، ثم قرأ ﴿إنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، "وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل"، ثم قرأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الطاغية، كما قال: ﴿وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فقيل للشيء العظيم: عات وعانية، كقوله: ﴿إنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ﴾ ". وهذا أصل عظيم تنبني عليه أكثر المعاني في التنزيل، في أن رعاية النظم أولى بالمصير إليه من ظاهر اللفظ، ومن ثم قال: "وليس بذاك لعدم الطباق". قوله: (أو عتت على عاد) عطف على "عاتية شديدة العطف"، فعلى الأول: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ مطلقة، وعلى الثاني: متعلقها محذوف. قوله: (سفية من ربح) أي: مرة، من سفت الريح. النهاية: "السافي: الريح التي تسفي التراب، وقيل للتراب الذي تسفيه الريح أيضًا: ساف، أي: مسفي، كماء دافق".

стр. 8661

ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط فيها. والحسوم: لا يخلو من أن يكون جمع حاسم؛ كشهود وقعود، أو مصدر، كالشكور والكفور. فإن كان جمعا، فمعنى قوله: ﴿حُسُومًا﴾: نحسات حسمت كل خير واستأصلت كل بركة، أو متتابعة هبوب الريا، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم تمثيلا لتتابعها فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء، كرة بعد أخرى حتى ينحسم. وإن كان مصدرا: فإما أن ينتصب بفعله مضمرا، أي تحسم حسوما، بمعنى تستأصل استئصالا، أو يكون صفة كقولك: ذات حسوم، أو يكون مفعولا له، أي سخرها للاستئصال، وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولعلها عبارة) أي: العاتية على هذا التفسير كناية عن الشدة والإفراط فيها، لا أنها عتت على الخزان حقيقة. قوله: (حسمت كل خير واستأصلت)، الراغب: "الحسم: إزالة أثر الشيء، يقال: قطعه فحسمه، أي: أزال مادته، وبه سمي السيف حسامًا. وحسم الداء: إزالة بالكي. وقيل للشؤم المزيل لأثر من ناله: حسوم، قال تعالى: ﴿وثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، وقيل: حاسمًا خبرهم، وقيل: قاطعًا لعمرهم، وكل ذلك داخل في عمومه". قوله: (أو متتابعة) عطف على قوله: "نحسات". والجمع في ﴿حُسُومًا﴾ على الأول باعتبار المحسوم لقوله: "كل خير"، وعلى الثاني باعتبار نفسها. وعلى الأول يمكن أن يحصل حسم الجميع من غير التتابع، وعلى الثاني بالعكس، وقد مر في سورة القمر عند قوله: ﴿في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [من الآية: ١٩]، كلام في هذا المعنى. قوله: (حتى أتت عليهم). أي: أهلكتهم.

стр. 8662

ففرق بين بينهم زمان .... تتابع فيه أعوام حسوم وقرأ السدي: حسوما" بالفتح حالا من الريح، أي: سخرها عليهم مستأصلة، وقيل: هي أيام العجوز؛ وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب، فانتزعها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها وقيل: هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء، وأسماؤها: الصن والصنبر، والوبر، والآمر، والمؤتمر، والعلل، ومطفئ الجمر، وقيل: مكفئ الظعن. ومعنى ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ سطلها عليهم كما شاء ﴿فيهَا﴾ في مهابها، أو في الليالي والأيام. وقرئ: "أعجاز نخيل" ﴿مِّنْ بَاقِيةٍ﴾ من بقية، أو أو من نفس باقية، أو من بقاء كالطاغية: بمعنى الطغيان. [﴿وجَاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ [٩ - ١٠] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ففرق بين بينهم) البيت، "بين" الأول مقحم تأكيدًا. وقيل: يحتمل أن يكون "بين" الثاني بمعنى الوصل؛ فالأول غير مقحم، وإن كان مقحمًا، فالوجه فتح "بين" الثاني، وإلا فالوجه الكسر. قوله: (وقيل: هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء) قال ابن قتيبة الدينوري في "الأنواء": "وأيام العجوز في نوء الصرفة، ونوؤها آخر أنواء الشتاء، وهي عندهم خمسة أيام: صن، وصنير، ووبر، ومطفئ الجمر، ومكفئ الظعن. والبرد فيها يشتد وذلك لانصرافه، وبه سميت الصوفة، ويشبه ذلك السراج يشتد ضوؤه، قبل أن يطفأ". وقال الجوهري: "صنابر الشتاء: شدة برده، كذلك الصنبر بتشديد النون وكسر الباء، وبسكونها: يوم من أيام العجوز، والوبر أيضًا". وأما قول الشاعر:

стр. 8663

﴿ومَن قَبْلَهُ﴾ يريد: ومن عنده ومن تباعه، وقرئ: ﴿ومَن قَبْلَهُ﴾، أي: ومن تقدمه. وتعضد الأولى قراءة عبد الله وأبي. "ومن معه"، وقراءة أبي موسى: "ومن تلقاءه". ﴿والْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قرى قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ بالخطأ، أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطأ العظيم ﴿رَّابِيَةً﴾ شديدة زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، ﴿لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]. [﴿لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وتَعِيَهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ١١ - ١٢] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبآمر وأخيه مؤتمر فهما يومان من أيام العجوز، كان الأول يأمر الناس بالحذر، والآخر يشاورهم في الظعن أو المقام. والمعلل يوم من أيام العجوز، لأنه يعلل الناس بشيء من تخفيف البرد. "والكفاء بالمد والكسر، شقة أو شقتان تنصح إحداهما بالأخرى، ثم يحمل به مؤخر الخباء"، تقول: منه أكفأت البيت إكفاء. قوله: (وقرئ: ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾)، أبو عمرو والكسائي: بكسر القاف وفتح الباء، والباقون: بفتح القاف وإسكان الياء.

стр. 8664

﴿حمَلْنَاكُمْ﴾ حملنا آباءكم ﴿فِي الجَارِيَةِ﴾ في سفينة نوح؛ لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ الضمير للفعلة، وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ﴿تَذْكِرَةً﴾ عظة وعبرة. ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ من شأنها أن تعي وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته، وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته، كقولك: أوعيت الشيء في الظرف. وعن النبي ﷺ : أنه قال لعلي ﵁ عند نزول هذه الآية: "سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي" قال علي ﵁: فما نسيت شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى. فإن قلت: لم قيل: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ على التوحيد والتنكير؟ قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم؛ وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله، فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالي بهم بالة وإن ملؤوا ما بين الخافقين. وقرئ: "وتعيها" بسكون العين للتخفيف؛ شبه "تعي" بـ"كبد". [﴿فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وحُمِلَتِ الأَرْضُ والْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الوَاقِعَةُ * وانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ١٣ - ١٨]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما كان لي أن أنسى)، أي: ولا يمكنني ولا ينبغي أن أنسى وإن تكلفت ذلك. قوله: (لا يبالي بهم بالة)، الجوهري: "الأصل: بالية، مثل: عافاه عافية؛ حذفوا الياء منها بناء على قولهم: لم أبل، وليس من باب الطاعة والطاقة". وقلت: لعله يعرض بأهل السنة المسلمين بالسواد الأعظم، كما طعن فيهم عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].

стр. 8665

أسند الفعل إلى المصدر، وحسن تذكيره للفصل، وقرأ أبو السمال: "نفخة واحدة" بالنصب، مسندا الفعل إلى الجار والمجرور. فإن قلت: هما نفختان فلم قيل: واحدة؟ قلت: معناه أنها لا تثني في وقتها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معناه: أنها لا تثنى في وقتها) أي: تقع النفخة الأخرى بعدها بزمان، روي عن المصنف ﵀ أنه قال: "النفخة: المرة، ودلالتها على النفخ اتفاقية غير مقصودة، وحدوث الأمر العظيم بها وعلى عقبها، إنما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة، لا من حيث إنه نفخ، فنبه على ذلك بقوله: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ ". فإن قلت: هذا مضاد لقول ابن الحاجب في "شرحه": "إن ﴿نَفْخَةٌ﴾ لم توضع للدلالة على الوحدة على حيالها، وإنما وضعت للدلالة على النفخ، والدلالة على الوحدة ضمن "لا"، مقصود بوضع اللفظ المركب له". قلت: لا مناقضة، لأن المصنف راعى مقتضى المقام، وأن مثل ﴿نَفْخَةٌ﴾ حامل لمعنيين: الجنسية والعدد. لما كان المعني الذي يساق إليه الحديث، وهو حدوث الأمر العظيم، اقتضى العدد، شفع بما يؤكد، فدل به على أن العناية به أتم. ولو قيل: ونفخ في الصور نفخة ولم يؤكدها، لم يحسن، وخيل أنه أثبت معنى النفخ لا المرة. ذكر نحوه في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. وابن الحاجب نظر إلى ظاهر اللفظ من غير اعتبار المقام، واستقلال النفخة في معنى ما وضعت له، وأن دلالاتها على الوحدة ضمن. وقوله: شفع بما يؤكد، ليس بنص على أن "الواحدة" تأكيد لا صفة، لمجيء الصفة المؤكدة على هذا النهج.

стр. 8666

فإن قلت: فأي النفختين هي: قلت الأولى، لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس، وقد روي عنه أنها الثانية. فإن قلت: أما قال بعد: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟ قلت: جعل اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كما تقول: جئته عام كذا؛ وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته. ﴿وحُمِلَتِ﴾ ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو بخلق من الملائكة، أو بقدرة الله من غير سبب. وقرئ: "وحُمِّلت" بحذف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الكشف": ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، وقولهم: أمس الدابر لا يعود، ولا ينافي البيان كما عليه ظاهر كلام صاحب "المفتاح" في قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، ولا التأكيد أيضًا؛ إذ التوابع كالبدل وعطف البيان والصفة والتأكيد، بيان من وجه للمتبوع عند أرباب المعاني. قوله: (وقرئ: "وحملت"، بحذف المحمل) أي: بحذف ما حملها، وهو أحد الثلاثة المذكورة، من الريح أو الملائكة أو القدرة، فعدي في القراءة الأولى إلى المفعول بواسطة

стр. 8667

المحمل وهو أحد الثلاثة. ﴿فَدُكَّتَا﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منثورا، والدلع أبلغ من الدق. وقيل فبسطتا بسطة واحدة، فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، من قولك: اندك السنام إذا انفرش، وبعير أدك وناقة دكاء، ومنه: الدكان. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الوَاقِعَةُ﴾ فحينئذ نزلت النازلة وهي القيامة ﴿واهِيَةٌ﴾ مسترخية ساقطة القوة جدا بعد ما كانت محكمة مستمسكة، ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يريد: والخلق الذي يقال له الملك، ورد إليه الضمير مجموعا في قوله: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ على المعنى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البناء، وإليه الإشارة بقوله: "ورفعت من جهاتها بريح"، وفي الثانية بالتضعيف. قال ابن جني: "روي عن ابن عامر مشددة الميم، قال ابن مجاهد: ما أدري ما هذا". وقال ابن جني: "وهو صحيح واضح، وذلك أنه أسند الفعل إلى المفعول الثاني، حتى كأنه في الأصل: وحملنا قدرتنا، أو ملكًا من ملائكتنا، أو نحو ذلك، الأرض. ولو جئت بالمفعول الأول لأسندت الفعل إليه، فقلت: وحملت قدرتنا الأرض، ونحوه قولك: أليست زيدًا الجبة، فلو أقمت المفعول الأول مقام الفاعل، قلت: ألبس زيد الجبة. وإن حذفت المفعول الأول، أقمت الثاني مقامه، فقلت: ألبست الجبة. نعم، ويجوز أيضًا مع استيفاء المفعول الأول، أن يبنى الفعل للمفعول الثاني، فتقول: ألبست الجبة زيدًا، على طريق القلب للاتساع" تم كلامه. قوله: (والدك أبلغ من الدق)، الراغب: "الدك: الأرض اللينة السهلة، وقد دكه دكا.

стр. 8668

فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ﴿الْمَلَكُ﴾، وبين أن يقال: "والملائكة"؟ قلت: الملك أعم من الملائكة، ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة؟ ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ على جوانبها، الواحد رجا مقصور، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله تعالى: ﴿وحُمِلَتِ الأَرْضُ والْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً واحِدَةً﴾، أي: جعلت بمنزلة الأرض اللينة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ". قوله: (الملك أعم من الملائكة) قال صاحب "التقريب": "لأن الجنس يقع على الواحد والكثير، والجمع لا يقع إلا على الكثير، فأفراد الجنس أكثر؛ فكلما وجد الكثير وجد الجنس ولا ينعكس"، وفيه نظر. وقال صاحب "الانتصاف": كل من المفرد والجمع معرف تعريف الجنس، فالواحد والجمع سواء". وقال في "الانتصاف": "استشهاد الزمخشري بقوله: "ما من ملك"، أنه أعم، ضعيف؛ فإنه ما حصل العموم إلا من النفي، قوله: "أعم من: ما من ملائكة"، لأن الأول ينفي عن كل واحد ومثله، والثاني ينفي عن كل جماعة، لا عن كل واحد". ومثله قول صاحب "المفتاح": "استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، ويتبين ذلك بأن ليس يصدق: لا رجل في الدار، في نفي الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق: لا رجال في الدار".

стр. 8669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: لا فرق بين المنفي والمثبت لما سبق في "البقرة"، أن استغراق الجنس في الواحد، بحسب تناوله الأفراد فردًا فردًا، إلى أن ينتهي إلى الواحد. وفي الجمع، يحتمل أن يكون وحدانه المجموع جمعًا جمعًا، إلى أن ينتهي إلى الاثنين أو الثلاثة. ولهذا قال صاحب "المفتاح": "ومن هذا يعرف لطف قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، دون: وهن العظام، من حيث يوصل باختصار اللفظ إلى الإطناب". وقال البزدوي: "قولك: والله لا أتزوج النساء ولا أشتري العبيد: إن ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل، لأن هذا جمع صار مجازًا عن اسم الجنس؛ لأنا إذا أبقيناه جميعًا لغي حرف العهد، وإذا جعلناه جنسًا بقي اللام لتعريف الجنس، وبقي معنى الجمع من وجه في الجنس". ثم يقال لصاحب "الانتصاف": إن صح النفي في الاستشهاد كيف يصح في قوله: ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾؟ [الحاقة: ١٧]. وقال الراغب: "النحويون جعلوا "الملك" من لفظ

стр. 8670

يعني: أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فينضوون إلى أطرافها وما حولها من حافتها، ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ أي: ثمانية منهم. وعن رسول الله ﷺ : "هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية". وروي: ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبحون. وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الملائكة، وجعلوا الميم زائدة. وقال بعض المحققين: هو من الملك، قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات، يقال له: ملك بالفتح، ومن البشر يقا له: ملك بالكسر. قال: فكل ملك ملائكة من غير عكس، بل الملك هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ [الذاريات: ٤]، ﴿والنَّازِعَاتِ﴾ [النازعات: ١]. ومنه ملك الموت، ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ". قوله: (فينضوون إلى أطرافها)، الجوهري: "ضويت إليه، بالفتح، أضوي ضويًا، إذا أويت إليه وانضممت". قوله: (في تخوم الأرض)، الجوهري: "التخم: منتهى كل قرية أو أرض، والجمع تخوم، مثل فليس وفلوس. وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: هي تخوم الأرض، والجمع تخم، مثل: صبور وصبر".

стр. 8671

وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر. وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال، ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما. وعن شهرين بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وعن الحسن: الله أعلم كم هم، أثمانية أم ثمانية آلاف؟ وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله. ويجوز أن تكون الثمانية من الروح، أو من خلق آخر، فهو القادر على كل خلق ﴿سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومِنْ أَنفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. العرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله. وروي أن في يوم القيامة ثلاث عرضات: فأمل عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله ﴿خَافِيَةٌ﴾ سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا بستر الله عليكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال) عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن العابس بن عبد المطلب في حديث: "وفوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهور هن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء". قوله: (أن في يوم القيامة ثلاث عرضات) الحديث من رواية أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: "يغرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله".

стр. 8672

[﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ ١٩ - ٢٤]. ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيل للعرض. "ها": صوت يصوت به فيفهم منه معنى (خذ) كاف وحس، وما أشبه ذلك. و ﴿كِتَابِيَهْ﴾ منصوب بـ ﴿هَاؤُمُ﴾ عند الكوفيين وعند البصريين بـ ﴿اقْرَءُوا﴾، لأنه أقرب العاملين؛ وأصله: هاؤم كتابي اقرؤما كتابي فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ونظيره ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، قالوا: ولو كان العامل الأول لقيل: اقرؤوه وأفرغه، لهاء للسكت في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ وكذلك في ﴿حِسَابِيَهْ﴾ و ﴿مَالِيه﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، وحق هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخرجه الترمذي، قال: "لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ورواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى". قوله: (﴿فَأَمَّا﴾: تفصيل للعرض)، يعني: يومئذ تعرضون، خطاب شامل للفريقين، وقوله: (﴿فَأَمَّا مَن﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَن﴾: تفصيل له. قوله: (فيفهم منه معنى: "خذ") قال الزجاج: "هاؤم: أمر للجماعة بمنزلة: هاكم. تقول الواحد: هاء يا رجل، وللاثنين: هاؤما يا رجلان، وللثلاثة: هاؤم يا رجال، وللمرأة: هاء، بكسر الهمزة، والثنتين: هاؤما، ولجماعة النساء: هاؤن". قوله: (وحس)، وهي كلمة تقال عند الوجع. قوله: (ولو كان العامل الأول لقيل: اقرؤوه وأفرغه) قال اليمني: "إن الفعلين إذا تنازعا: إن أعملت الأول أضمرت الفاعل في الثاني؛ إذ لا يجوز حذفه، وأما المفعول فيجوز

стр. 8673

وقد استحب إيثار الوقف إيثارا لثباتها في المصحف، وقيل: لا بأس بالوصل والإسقاط. وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغير هاء، وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف. ﴿ظَنَنتُ﴾: علمت؛ وإنما أجري الظن مجرى العلم، لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام، ويقال: أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت. ﴿رَّاضِيَةٍ﴾ منسوبة إلى الرضا، كالدراع والنابل، والنسبة نسبتان: نسبة بالحرف، ونسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا وهو لصاحبها ﴿عَالِيَةٍ﴾ مرتفعة المكان في السماء، أو رفيعة الدرجات، أو رفيعة المباني والقصور والأشجار ﴿دَانِيَةٌ﴾ ينالها القاعدة والنائم، يقال لهم ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾. أو هنئتم هنيئا في المصدر ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ بما قدمتم من الأعمال الصالحة ﴿فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ الماضية من أيام الدنيا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حذفه، نحو: ضربني وضربت زيدًا. والاختيار أن يقال: ضربني وضربته، لأن التقدير: ضربني زيد وضربته، فالهاء عائدة إلى "زيد"، وهو فاعل الأول، ورتبته التقدم. وأما حذفها، فالمفعول مستغنى عنه، وهذا دليل على إعمال الثاني في قوله تعالى: ﴿آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، و ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، لأنه لو أعمل الأول، لأضمر المفعول في الثاني لأنه أولى، ولا يليق بفصاحة القرآن ترك الأولى". قوله: (وقرأ جماعة بإثبات الهاء) وفي "التيسير": "حمزة: "مالي" و"سلطاني"، بحذف الهاءين في الوصل، والباقون: بإثباتهما في الحالين"، وإسكان الياء شاذ. وقال الزجاج: "الوجه أن يوقف على هذه الهاءات ولا يوصل، لأنها أدخلت للوقف،

стр. 8674

وعن مجاهد: أيام الصيام، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله. وروي: يقول الله : يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾. [﴿وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * ولَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٢٥ - ٢٩]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذه رؤوس الآيات. وقد حذفها قوم في الوصل، ولا أحب مخالفة المصحف"، وإليه الإشارة بقوله: "وقد استحب إيثار الوقف إيثارًا لثباتها في المصحف". قال صاحب"الانتصاف": "تعليل القراءة باتباع المصحف غلط؛ وإنما القراءة ومعتمدها النقل المتواتر"، وفيه نظر، لأن الوقف والابتداء غير موقوفة على النقل. ولذلك حد الكواشي السبعة: "ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط الإمام، وما لم يوجد فيه مجموع هذه الثلاثة، أو التواتر وموافقة خط الإمام فهو شاذ". قوله: (قلصت)، أي: انضمت وانزوت.

стр. 8675

الضمير في ﴿يَا لَيْتَهَا﴾ للموتة، يقول: يا ليت الموتة التي متها ﴿كَانَتِ القَاضِيَةَ﴾ أي: القاطعة لأمري، فم أبعث بعدها؛ ولم ألق ما ألقي، أو للحالة، أي: ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي، لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته؛ فتمناه عندها ﴿مَا أَغْنَى﴾ نفي أو استفهام على وجه الإنكار، أي: أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار؟ "هلك عني سلطاني" ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيرا ذليلا، وعن ابن عباس: أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد. وعن فناخسرة الملقب بالعضد، أنه لما قال: عضد الدولة وابن ركنها .... ملك الأملاك غلاب القدر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عضد الدولة وابن ركنها)، أي: وابن ركن الدولة. أوله في "التاريخ الكامل": ليس شرب الكأس إلا في المطر .... وغناء من جوار في سحر غانيات سالبات للنهى .... ناغمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها .... ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها .... ملك الأملاك غلاب القدر وقد ارتكب هنا بعد الجرأة على الله في الملاهي والمناهي عظيمتين: إحداهما: التسمية ب"ملك الأملاك"، وعليه الاستشهاد. وروينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن أخنع اسم عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك"، وفي رواية: "لا مالك إلا الله".

стр. 8676

لم يفلح بعده وجن، فكان لا ينطلق لسانه إلا بهذه الآية. وقال ابن عباس: ضلت عنى حجتي، ومعناه: بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا. [﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ * ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * ولا طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَاكُلُهُ إلاَّ الخَاطِئُونَ﴾ ٣٠ - ٣٧] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: سفيان: مثل شاهن شاه. وعن أحمد بن حنبل: "سألت أبا عمرو عن أخنع؟ قال: أوضع". وثانيتهما: التفوه ب"غلاب القدر"؛ فإنه غلو، بل كاد أن يكون كفرًا، وعليه قول ابن دريد: ولو حمى المقدار، عنه، مهجة .... لرامها، أو يستبيح ما حمى نعوذ بالله من الخذلان. قوله: (وقال ابن عباس: ضلت عني حجتي) عطف على قوله: "هلك عني سلطاني: ملكي"، الراغب: "السلاطة: التمكن من القهر، يقال: سلطته فسلط، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦]، ومنه سمي السلطان. والسلطان يقال في السلاطة، نحو: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقد يقال لذي السلاطة وهو الأكثر. وسمي الحجة سلطانًا، لما يلحق من الهجوم على القلوب، لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة من المؤمنين،

стр. 8677

﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس؛ يقال: صلي النار وصلاة النار. سلكه في السلسلة: أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها؛ وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة؛ وجعلها سبعين ذراعا إرادة الوصف بالطول، كما قال: ﴿إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، يريد: مرات كثيرة، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. والمعنى في تقديم السلسلة على السلك، مثله في تقديم الجحيم على التصلية؛ أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾، يحتمل السلطانين. وسلاطة النساء: القوة على المقال، وذلك في الذم أكثر استعمالًا". قوله: (ثم لا تصلوه إلا الجحيم)، هذا تفسير لتقديم ﴿الجَحِيمَ﴾ على عاملها. قوله: (أثناؤها)، الجوهري: "أثناء الشيء: تضاعيفه، وثني الحبل: ما ثنيت". قوله: (مرهق)، الأساس: "من المجاز: رهقه الدين، وأرهقوا الصلاة: أخروها حتى كادت تفوت". ومنه قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]. قوله: (كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق) أي: كأن السلسة أفظع من سائر أدوات الإرهاق، فوضع موضعها "مواضع" مبالغة، لأنها لما التفت عليه تضاعيفها، صارت كأنها وعاء له.

стр. 8678

ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الدلالة على تفاوت ما بين الفل والتصلية بالجحيم، وما بينها وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة. ﴿إنَّهُ﴾ تعليل على طريق الاستئناف، وهو أبلغ؛ كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك. وفي قوله: ﴿ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ﴾ دليلان على قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين، أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له، والثاني: ذكر الحض دون الفعل، ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل؟ ! وما أحسن قول القائل: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أحدهما: عطفه على الكفر وجعله قرينة له) نحو قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]، جعل ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ قرينة لقوهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، إيذانًا بأنهما في العظم أخوان، وأنه ليس بأول ما ركبوا من العظائم. كذا جعل ترك الحض على طعام المسكين من صفات الكفار، فعلى المؤمن أن يجتنب منه. قال القاضي: "وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع، ولعل تخصيص الأمرين بالذكر، لأن أقبح العقائد الكفر بالله، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب". قوله: (ذكر الحض دون الفعل)، الراغب: "الحض: التحريض كالحث، إلا أن الحث يكون بسير وسوق، والحض لا يكون بذلك. وأصله من الحث على الحضيض، وهو قرار الأرض".

стр. 8679

إذا نزل الأضياف كان عذورا .... على الحي حتى تستقل مراجله يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم. وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ وقيل: هو منع الكفار؛ وقولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، والمعنى على بذل طعام المسكين. ﴿حَمِيمٌ﴾ قريب يدفع عنه ويحزن عليه، لأنهم يتحامونه ويفرون منه، كقوله: ﴿ولا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، والغسلين: غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم؛ فعلين من الغسل. ﴿الخَاطِئُونَ﴾ الآثمون أصحاب الخطايا، وخطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، وهم المشركون. عن ابن عباس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا نزل الأضياف) البيت، العذور: السيء الخلق. تستقل: أي: تنصب على الأثافي، المراجل: القدور العظيمة. يقول: "إنه مطاع في الحي لسيادته وجلالة محله، فإذا نزل ضيف قام بنفسه في إقامة القرى، ولا يعتمد على أحد، ويعرض في خلقه عجلة، فيشدد في الأمر والنهي على أهل الحي، حتى ينصب المراجل ويهيء الطعام، فإذا تال مرامه عاد إلى خلقه الأول". قوله: (﴿حَمِيمٌ﴾: قريب) قال صاحب"الكشف": " ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾، الجاز والمجرور خير "ليس" ليصح قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ﴾، ولا يكون الخبر ﴿هَاهُنَا﴾، لأنه يصير

стр. 8680

وقرئ: "الخاطئون" بإبدال الهمزة ياء، و"الخاطون" بطرحها. وعن ابن عباس: ما الخاطون؟ كلنا يخطو، وروى عنه أبو الأسود الدؤلي: ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون؛ ما الصابون؟ إنما هو الصائبون. ويجوز أن يراد: الذين يتخطون الحق إلى الباطل، ويتعدون حدود الله. [﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * ومَا لا تُبْصِرُونَ * إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾] ٣٨ - ٤٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التقدير: ولا طعام هاهنا إلا من غسلين، وهو غير جائز؛ إذ هناك طعام غير غسلين. ولا يكون ﴿اليَوْمَ﴾ خبرًا، لأن حميمًا جثة، وظرف الزمان لا يكون خبرًا الجثة". قوله: (وقرئ: "الخاطيون"، بإبدال الهمزة ياء) حمزة عند الوقف، قال ابن جني: "قرأها الزهري والحسن، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: تخفيف الهمزة، لكن على مذهب أبي الحسن في قوله تعالى: ﴿يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [الأنعام: ٥]، بإخلاص الهمزة في اللفظ ياء لانكسار ما قبلها، وسيبويه يجعلها بين بين. وثانيها: أن يكون قد بقي من الهمزة شيء على مذهب سيبويه، إلا أنه يلطف على القراء، فيقرؤون بإخلاص الياء". قوله: (و"الخاطون" بطرحها) أي: بطرح الهمزة ونقل حركتها إلى الطاء. عن عكرمة: قرأناها عند ابن عباس، فقال: مه، كلنا نخطو، ثم قال: ﴿إلا الخَاطِئُونَ﴾؛ ذكره الواحدي، وروى عن الكلبي أنه قال: "يعني: من يخطئ بالشرك". ولعل ابن عباس يفرق بين الهمزة

стр. 8681

هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر. وقيل: الدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجن، والخلق والخالق، والنعم الظاهرة والباطنة، إن هذا القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، أي: يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله ﴿ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ ولا ﴿كَاهِنٍ﴾ كما تدعون، والقلة في معنى العدم، أي: لا تؤمنون ولا تذكرون البتة. والمعنى: ما أكفركم وما أغفلكم! ﴿تَنزِيلٌ﴾، بيانا لأنه قول رسول نزل عليه ﴿مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في ﴿الخَاطِئُونَ﴾ و ﴿الصًّابِؤُونَ﴾ [البقرة: ٦٢، الحج: ١٧] وبين غيرها من جهة الإصلاح واللغة. قوله: (والمعنى: ما أكفركم! )، يعني: قوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، تتميم للمعنى السابق، وفيه معنى التعجب كقول الشاعر: وجار جساس أبانا بنابها .... كليبًا، غلت ناب كليب بواؤها والقلة بمعنى العدم. قوله: (هو تنزيل، بيانًا)، "بيانًا": مفعول له لمحذوف، يريد: ﴿تَنزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ فالجملة مفصولة عن الأولى للبيان، لأن كونه قول رسول، لا يكون إلا تنزيلًا، لأن الرسول لا يتلكم من تلقاء نفسه.

стр. 8682

وقرأ أبو السمال: "تنزيلا" أي: نزل تنزيلا. وقيل: "الرسول الكريم" جبريل ﵇، وقوله: ﴿ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ دليل على أنه محمد ﷺ ، لأن المعنى على إثبات أنه رسول، لا شاعر ولا كاهن. [﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وإنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكَافِرِينَ * وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ٤٤ - ٥٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، دليل على أنه محمد صلوات الله عليه، لأن المعنى على إثبات أنه رسول، لا شاعر ولا كاهن)، قال الإمام: "إنه تعالى ذكر في سورة "كورت" مثل هذا الكلام، والأكثرون على أن المراد منه جبريل ﵇، وهاهنا المراد محمد ﷺ . قالوا: لأنه تعالى لما قال: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، قال بعده: إنه ليس بقول شاعر ولا كاهن. والقوم ما كانوا يصفون جبريل بالشعر والكهانة، بل كانوا يصفون رسول الله ﷺ ، بهذين الوصفين". وأما في سورة "كورت"، فلما قال: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩]، قال بعده: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]، كأن المعنى: إنه لقول ملك كريم، لا قول شيطان رجيم. وعند هذا يتوجه سؤال: وذلك أن القرآن كلام الله المجيد، فكيف أسند تارة إلى رسول الله ﷺ ، وأخرى إلى جبريل ﵇؟ فيقال: إنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب؛ فهو كلام الله المجيد، من حيث إنه تكلم به، وهو كلام جبريل، لأنه هو الذي أنزله من السماء، وهو كلام محمد، صلوات الله عليه، لأنه هو الذي أظهره للحق، ودعاهم إلى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته.

стр. 8683

التقول: افتعال القول، لأن فيه تكلفا من المفتعل، وسمى الأقوال المتقولة "أقاويل" تصغيرا بها وتحقيرا، كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول، والمعنى: ولو ادعى علينا لم نقله لقتلناه صبرا، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول؛ وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته. وخص اليمين عن اليسار، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف، أخذ بيمينه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسمى الأقوال المتقولة "أقاويل" تصغيرًا بها)، الانتصاف: "هو معتل غريب عن قياس التصريف، ويحتمل أن يكون "الأقاويل" جمع جمع كالأناعيم، جمع أقوال وأنعام". قوله: (لقتلناه صبرًا)، النهاية: "قتل الصبر: هو أن يؤخذ شيء من الحيوان، ثم يرمى بشيء حتى يموت. ومنه الحديث في الذي أمسك رجلًا وقلته آخر، [فقال]: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر"، أي: احبسوا الذي جسه للموت. وكل من قتل في غير معركة، ولا حرب ولا خطأ، فهو مقتول صبرًا". قوله: (وأن يكفحه)، الجوهري: "كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره".

стр. 8684

ومعنى ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ لأخذنا بيمينه، كما أن قوله. ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾: لقطعنا وتينه، وهذا بين، والوتين: نياط القلب وهو حبل الوريد، إذا قطع مات صاحبه. وقرئ: "ولو تقول" على البناء للمفعول. قيل ﴿حَاجِزِينَ﴾ في وصف ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأنه في معنى الجماعة، وهو اسم يقع في النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للقتل، أي: لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه أو لرسول الله، أي: لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه؛ والخطاب للناس، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا بين) أي: لقطعنا وتينه، ظاهر في المقصود. والأول محتمل لما يوهم منه، أن ﴿مِنْهُ﴾ صلة ﴿أَحَدٌ﴾، وليس كذلك. والذي عليه التلاوة، فيه إجمال وتفصيل على نحو: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. قوله: (وقرئ: "ولو تقول") قال ابن جني: "وهي قراءة محمد بن ذكوان، وفيها تعريض بما صرحت به القراءة العامة؛ ذلك أن ﴿تَقُولَ﴾ لا تستعمل إلا مع التكذب، مثل تخرص وتزيد. وأما "يقول"، فليست مختصة بباطل دون حق".

стр. 8685

وكذلك في قوله تعالى: ﴿وإنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ﴾، وهو إيعاد على التكذيب، وقيل: الخطاب للمسلمين، والمعنى: أن منهم ناسا سيكفرون بالقرآن. ﴿وإنَّهُ﴾ الضمير للقرآن ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ على الكافرين به المكذبين له إذا رأوا ثواب المصدقين له، أو للتكذيب. وإن القرآن لليقين حق اليقين، كقولك: هو العالم حق العالم، وجد العالم، والمعنى: لعين اليقين، ومحض اليقين. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الله بذكر اسمه العظيم هو قوله سبحان الله؛ واعبده شكرا على ما أهلك له من إيحائه إليك. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: أن منهم ناسًا سيكفرون بالقرآن) وهم المرتدون في عهد أبي بكر ﵁، وبعض الخوارج في عهد علي ﵁. قوله: (وجد العالم)، قيل: إن معناه: من سواه من العلماء، فهو بالإضافة إليه هزل والإضافة فيه وفي "حق العالم"، بمعنى "من". مضى تحقيقه في آخر "الواقعة". قوله: (والمعنى: لعين اليقين)، قال الإمام: " ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾، معناه: أنه حق معين لا بطلان فيه، ويقين لا ريب فيه، ثم أضيف أحد الوصفين إلى آخر للتأكيد". وقال غيره: اليقين اسم لعلم تقدمه لبس، وإذا لم يتقدمه لبس لا يكون يقينًا. من يقن الماء في الحوض، إذا استقر فيه. تمت السورة بعون الله وحسن توفيقه
следующие страницы →