Полный текст (647 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولا عدم لذاته فبالأول احترز من السبب وبالثاني احترز من الشرط وبالثالث من مقارنة عدم وجود السبب فالمعتبر من المانع وجوده. قوله: (يمنع .. الخ) استيناف بياني وهو الجملة التي تكون جوابًا لسؤال مقدر كان سائلًا سال ما يمنع المانع؟ فأجيب بأنه على ثلاثة أقسام مانع يمنع دوام الحكم وابتداءه معًا ومانع يمنع ءاخر الأقسام أي القسمين الذي هو ابتداء الحكم فقط ومانع يمنع أول الأقسام الذي هو الدوام مع نزاع أي خلاف أي اختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني. فالأول كالرضاع يمنع من ابتداء النكاح واستمراره إذا طرأ عليه كان يتزوج صبية فترضعها أمه فتصير أخته فتحرم عليه، والثاني كالاستبراء المانع من ابتداء النكاح فقط ولا يبطل استمراره إذا طرأ عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة إلى وضع اليد على الصيد فإنه يمنع من وضع اليد عليه ابتداء فإذا طرأ على الصيد فهل يجب نزع اليد عنه فيه خلاف، وكالطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء فإذا طرأ عليه ففيه خلاف هل يبطله أو لا، وكوجود الماء يمنع من التيمم ابتداء فإن طرأ بعده فهل يبطله؟ فيه خلاف بناء على أن الدوام كالابتداء أم لا. قوله لزوم اسم لا أخت أن خبره في انعدام والاستبراء معطوف بمحذوف على مدخول الكاف.
ولازم من انتفاء الشرط ... عدم مشروط لدى ذي الضبط
كسبب وذا الوجود لازم ... منه وما في ذاك شيء قائم
يعني أن الشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم كالطهارة شرط في صحة الصلاة، ويلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وجود الحكم الذي هو صحة الصلاة، ولا عدمه، فالشرط هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. فقوله ولازم من انعدام الشرط عدم مشروط مشار به للقيد الأول. وقوله وما في ذاك شيء قائم مشار به للقيد الأخير. أي: وما في وجود ذلك الشرط شيء قائم أي لازم من وجود أو عدم. قوله: (كسبب) يعني أن السبب كالشرط في كون كل منهما يلزم من عدمه العدم، فالسبب يلزم من عدمه عدم المسبب ويلزم من وجوده وجود المسبب وإلى هذا أشار بقوله: (وذا الوجود لازم منه) أي وهذا السبب وجوده وجود
стр. 37
المسبب لازم منه، فاسم الإشارة مبتدأ والوجود مبتدأ ثان ولازم منه خبره والجملة خبر المبدأ الأول. وما تقدم في تقرير قوله كسبب إنما هو على مذهب الفقهاء من دخول الكاف على المشبه إما على مذهب أهل البيان من دخولها على المشبه به فيجعل الشرط مشبهًا والسبب مشبهًا به والتشبيه بمعنى التشابه على كل من التقريرين.
واجتمع الجميع في النكاح ... وما هو الجالب للنجاح
يعني أن كلا من المانع والشرط والسبب قد يجتمع في شيء واحد كما في النكاح فإنه سبب في وجوب الصداق وشرط في ثبوت الطلاق ومانع من نكاح أخت المنكوحة وكما في الجالب للنكاح أي فوز الدنيا والآخرة أعني الإيمان فإنه سبب الثواب وشرط لصحة الطاعة أو وجوبها ومانع من القصاص إذا قتل المؤمن الكافر.
والركن جزء الذات والشرط خرج ... وصيغة دليلها في المنتهج
يعني أن الفرق بين الركن والشرط هو أن الركن هو جزء الذات أي الحقيقة الداخلة فيها، والشرط هو ما خرج عن ذات الشيء وحقيقته فالركن كالركوع من الصلاة والثاني كالطاهرة لها وإطلاق كل منهما على الآخر مجاز علاقته المشابهة في توقف وجود الماهية على كل منهما، والفرد يرادف الركن والشرط والفرض يوجد في النكاح والبيع مثلًا كما يوجد في الوضوء والصلاة لأن الفرض هو المتحتم ووجود أركان البيع والنكاح متحتم إذ لا توجد حقيقتها بدونهما. قوله: (وصيغة دليلها) يعني أن الصيغة كصيغة النكاح والبيع ونحوهما مما يحتاج لصيغة دليل على الماهية لا ركن من الأركان (في المنتهج) بفتح الهاء أي الطريق الصحيح رد به ابن عبد السلام على من يعدها من الأركان إذ الدليل غير المدلول وجعلها من الأركان موجود في كلام ابن الحاجب وخليل لكن ليس بصواب.
ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب
стр. 38
يعني أن السبب والعلة مترادفان عند جمهور الأصوليين فالمعبر عنه هنا بالسبب هو المعبر عنه في القياس بالعلة وذهب بعضهم الذي هو السمعاني تبعًا للنحاة وأهل اللغة إلى الفرق بينهما فقال السبب الموصل إلى الشيء مع جواز المفارقة بينهما ولا أثر له فيه ولا في تحصيله كالحبل للماء والعلة ما يتأثر عنه الشيء دون واسطة كالخمر للإسكار ويعبر عن السبب بالباعث.
شرط الوجوب ما به مكلف [نكلف] ... وعدم الطلب فيه يعرف
مثل دخول الوقت والنقاء ... وكبلوغ بعث الأنبياء
يعني أن الشروط ثلاثة: شرط وجوب وشرط صحة وشرط أداء، قاله القاضي أبو عبد الله بردلة واستدل عليه بكلام الشيرازي على مختصر ابن الحاجب الأصلي ومثله للشيخ زكرياء في حاشيته على المحلي وهو التحقيق خلاف ما توهمه بعضهم كميارة في تكملة من أن شرط الأداء هو شرط الصحة، إذا تقرر ذلك فشرط الوجوب هو ما يكون الإنسان به مكلفا كدخول الوقت والنقاء من الحيض والنفاس وكبلوغ دعوة الأنبياء وإقامة أربعة أيام ولا يطلب المكلف بتحصيله كان في طوقه أم لا والمراد بالشرط في الأقسام الثلاثة ما لابد منه فيتناول السبب.
ومع تمكن من الفعل الأدا ... وعدم الغفلة والنوم بدا
يعني أن ما به يكون التمكن من الفعل مع حصول ما به يكون الإنسان من أهل التكليف هو شرط الأداء أي شرط التكليف بأداء العبادة أ .. فعلها، فالنائم والغافل غير مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهما فالتمكن شرط في الأداء فقط (وقوله: بدا) أي بدا كونهما مثالين لشرط الأداء عند من يمكنه الاحتراز منهما، إذ شرط الأداء لابد أن يكون مقدورًا عليه مطلوبًا فعله. وفي التوضيح أن الفرق بين شرط الوجوب وشرط الأداء أن كل ما لا يطلب من المكلف كالذكورة والحرية يسمى شرط وجوب وما يطلب منه كالخطبة والجماعة يعني للجمعة يسمى شرط أداء. قال ميارة في التكميل:
стр. 39
ما ليس في طوق المكلف أعلما ... كالطهر من حيض ووقت قد سما
أو هو في الطوق ولا به طلب ... شرط وجوب كإقامة فطب
وغيره شرط لدى الأداء وذا ... كخطبة ستر وشبه احتذا
قلت ظاهر قولهم ما به يكون من أهل التكليف إن المراد أن شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقاد وجوب إيجاد الفعل. والمراد من شرط الأداء حيث فسروا الأداء بالتكليف بأداء العبادة أي فعلها أنه شرط في الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا.
وشرط صحة به اعتداد ... بالفعل منه الطهر يستفاد
يعني أن شرط الصحة هو ما اعتبر للاعتداد بفعل الشيء طاعة كان أو غيرها كالطهارة بالماء أو بالتراب للصلاة والستر لها والخطبة للجمعة واستقبال القبلة.
والشرط في الوجوب شرط في الأداء ... وعزوه للاتفاق وجدا
يعني أن كل ما هو شرط في الوجوب فهو شرط في الأداء قاله بان عرفه، وحكى عليه السعد الاتفاق على ما نقله اللقاني في حاشيته على المحلي. وعليه فكل ما هو شرط في الوجوب كالبلوغ والعقل وبلوغ الدعوة فهو شرط في الأداء، ويزيد شرط الأداء بالتمكن من الفعل قاله القاضي بردلة.
وصحة وفاق ذي الوجهين ... للشرع مطلقًا بدون مين
وفاق مبتدا وللشرع متعلق به خبره صحة، يعني أن الصحة عند المتكلمين هي موافقة الفعل ذي الوجهين لأذن الشرع مطلقًا أي كان ذو الوجهين عبادة أو معاملة ووجهاه أن يقع تارة موافقًا للشرع لجمعه الشروط وانتفاء الموانع، وتارة مخالفًا لانتفاء شرط أو وجود مانع بخلاف ما لا يقع إلا موافقًا للشرع كمعرفة الله ورد الودائع لأن القاعدة أن العرب لا يصفون المحل بالشيء إلا إذا كان قابلًا لضده فمعرفة الله ليست معرفة إذا كانت مخالفة له بل جهلاً.
стр. 40
وفي العبادة لدى الجمهور ... أن يسقط القضا مدى الدهور
يعني أن صحة العبادة عند جمهور الفقهاء هي سقوط القضاء بأن لا تحتاج إلى فعلها ثانيًا، فما وافق من عبادة ذات وجهين للشرع كصلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين حدثه صحيحة عند المتكلمين باطلة عند الفقهاء فعلى الأول لا أثم فيها ولا قضاء.
قال الزركشي ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك فإن الصحة هي الغاية من العبادة، وروى عنهم وجوب قضائها، وعلى الثاني لا إثم فيها أيضًا لكن يجب القضاء.
وصرح القرافي بالاتفاق على أنه، مثاب على تلك الصلاة المتبين فيها عدم الطهارة. وحكى ابن الكاتب في ذلك خلافًا، وقال عز الدين الشافعي: لا ثواب إلا فيما لا يفتقر إلى الطهارة كالتسبيح والتكبير والدعاء، وعلى هذا فهل يحصل له ثواب من قال ذلك في نفس الصلاة وهو أليق بالكرام، أو ثواب من قاله خارج الصلاة فيه احتمالان. والخلاف مبني على أن الصلاة هل من باب الكل وعليه لا ثواب، أو الكلية فيثاب. وقولنا: كصلاة: الخ إنما هو بناء على أن الحقائق الشرعية تصدق بالفاسد كالصحيح لا على أنها لا تتناول إلا الصحيح، ومذهب الفقهاء أنسب للغة لأن العرب لا تسمى الآنية صحيحة إلا إذا كانت لا كسر فيها البتة، وهذه الصلاة مختلفة على تقدير الذكر فهي كالآنية المكسورة من جهة قاله القرافي.
تنبيه:
معرفة الله لا توصف بالصحة بخلاف الإيمان لأن معرفة الله تعالى هي إدراكه على ما هو به، والإيمان التصديق بأمور مخصوصة بشروط مخصوصة، فتارة يستجمع ما يعتبر فيه شرعًا فيكون موافقًا، وتارة لا يستجمع فيكون مخالفًا قاله في الآيات البينات.
يبنى على القضاء بالجديد ... أو أول الأمر لدى المجيد
يعني أن الخلاف في تعريف الصحة مبني عند المجيد بضم الميم أي الممعن للنظر في علم الأصول على الخلاف في القضاء هل هو بأمر
стр. 41
جديد أو بالأمر الأول، فعلى الأول بنى المتكلمون مذهبهم في العبادة التي لم تفعل في وقتها من أنها موافقة الأمر فلا يوجبون القضاء لما لم يرد نص جديد به وعلى الثاني بنى الفقهاء.
وهي وفاقه لنفس الأمر ... أو ظن مأمور لدى ذي خبر
يعني أن الصحة عند ذي خبر بضم الخاء المعجمة أي معرفة بالفن وهو تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي موافقة ذي الوجهين نفس الأمر عند الفقهاء، وعند المتكلمين موافقة ظن المأمور، فهم متفقون على أن الصحة موافقة الأمر لكن الفقهاء يعتبرون الموافقة في نفس الأمر والمتكلمون يعتبرونها في ظن المكلف فكانت صلاته المذكورة صحيحة عند المتكلمين دون الفقهاء.
قال السبكي تسمية الفقهاء لها باطلة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون بل لأن شرط الصلاة عندهم الطهارة في نفس الأمر، والصلاة بدون شرطها باطلة وغير مأمور بها، وكون الصلاة بدون شرطها باطلة وغير مأمور بها مبني على أن حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف ووقوعه (بصحة العقد يكون الأثر).
يعني أن ترتب أثر العقد وهو ما شرع العقد له كالتصرف في البيع والاستمتاع في النكاح إذا وجد فهو ناشئ عن صحة العقد لا عن غيرها، وليس المراد أنه متى وجدت الصحة نشأ عنها الثمرات لأن بيع الخيار صحيح ولا ينشأ عنه قبل تمام عقده ثمرة. ولا يرد على ذلك الخلع والكتابة الفاسدان فإنه يترتب عليهما أثرهما من البينونة والعتق مع أنهما غير صحيحين لأن ترتب أثرهما ليس للعقد بل للتعليق وهو صحيح لا خلل فيه، ونظير ذلك القراض والوكالة الفاسدان فإنه يصح فيهما التصرف لوجود الإذن فيه وإن لم يصح العقد، فظهر لك أن الصحة منشأ الترتب لا نفسه، خلافًا لمن قال بذلك إذ لو كانت نفسه لم توجد بدونه. (وفي الفساد عكس هذا يظهر).
стр. 42
يعني أن فساد العقد عكس صحته في إنه لا يترتب عليه اثر العقد لأن النهي عندنا كالشافعي يدل على الفساد إلا لدليل، ويدل على الصحة عند أبي حنيفة قال إذا اشترى جارية شراء فاسدًا جاز له وطؤها وكذلك جميع العقود، وقالت الشافعية يحرم عليه الانتفاع مطلقًا وإن بيع ألف بيع وجب نقضه.
قال: القرافي ونحن خالفنا أصلنا وراعينا الخلاف في المسألة وقلنا أن البيع الفاسد يفيد شبهة اللك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيم وهي: حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها، وإلى ذلك أشار بقوله:
إن لم تكن حوالة أو تلف ... تعلق الحق ونقص يولف
وتعلق الحق به: كرهنه وإجارته، ويترتب أيضًا على كونه يفيد شبهة الملك ضمان المبيع بالقبض. قوله: (يولف بالبناء للمفعول أي نقص موجود في ذاته.
كفاية العبادة الأجزاء ... وهي أن يسقط الاقتضاء
أو السقوط للقضا
يعني أن الأجزاء من أوصاف العبادة كالصحة، فيقال صلاة صحيحة مجزئة، فأجزاء العبادة هو كفايتها، وتلك الكفاية أن يسقط طلب الشارع لها من المكلف لإتيانه بما يخرج به من عهد التكليف لموافقته الشرع وذلك هو الصحة وهو الامتثال أيضًا، ولا يشترط في الأجزاء إسقاط القضاء، فإجزاء العبادة صحتها لا ناشئ عنها كما يقتضيه كلام السبكي، وصرح به المحلي وإن خالفا في ذلك ابن الحاجب القائل: إن الإجزاء هو الصحة، ولعلهما اطلعا على ما قاله وخالفا قصدًا لعدم امتناع مخالفتهما له، خصوصًا من مثل السبكي لماله من الباع الواسع في الفن والتحقيق وكثرة الاستدراكات فيه على ابن الحاجب وغيره مع عدم انحصار كلام الأصوليين فيما ينقله ابن الحاجب، وهذا على جر العبادة في قول السبكي: والعبادة أجزاؤها، وأما إن رفعنا
стр. 43
العبادة فهو موافق لابن الحاجب قوله: (أو السقوط للقضاء أو للتنويع الخلاف يعني بعضهم ذهب إلى أن الإجزاء هو سقوط القضاء عليه فالصحة والإجزاء مترادفان على القول المرجوح فيهما عند السبكي يعني حيث قال وفي العبادة إسقاط القضاء، وأما على ما مشى عليه هو أعني الناظم فيترادفان على الراجح في الصحة والمرجوح في الإجزاء. ورده القرافي بأن من مات في وسط الوقت ولم يصل أو صلى صلاة فاسدة فقد وجد في حقه سقوط القضاء دون الإجزاء إذ القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء التكليف والميت ليس أهلًا للتكليف.
وذا أخص ... من صحة إذ بالعبادة يخص
ذا مشار به إلى الإجزاء، يعني أن الإجزاء أخص مطلقًا من الصحة وهي أعم مطلقًا لأن الإجزاء مختص بالعبادات لا يتجاوزها إلى المعاملات، والصحة توصف بها المعاملات كالعبادات، فيقال: عقد صحيح ولا يقال عقد مجزئي.
والصحة القبول فيها يدخل ... وبعضهم للاستواء ينقل
يعني أن الصحة يدخل فيها القبول والثواب لشملها لهما في أعم منهما مطلقًا عند الجمهور. قال السبكي فالجمهور تصح ولا يثاب، وبعضهم نقل استواء الصحة والقبول أي: ترادفهما فاللام في للاستواء زائدة وهي مفعول ينقل، وإنما لم يتعرض الأصوليون لذكر القبول وإن كان من أوصاف العبادة لأنه أمر مغيب عنا لا تدخله أحكامنا لأنهم إنما يذكرون ما تدخله أحكامنا بضوابط عندنا معلومة أو مظنونة وهو بناء على أنه ليس مرادفًا للصحة قال القرافي:
وخصص الإجزاء بالمطلوب ... وقيل بل يختص بالمكتوب
يعني أن الإجزاء إثباتًا كان أو نفيًا يختص بالمطلوب أعني العبادة واجبة كانت أو مندوبة لا يتجاوزها إلى العقد المشار له في الصحة وإن كان قد يكون عبادة حيث طلب، إذ المراد ما أصل وضعه التعبد لا ما يطرأ له
стр. 44
ذلك كالعقد قاله في الآيات البينات وهذا هو المشهور. وقيل إن الإجزاء مختص بالمكتوب أي الواجب من العبادة.
ومنشأ الخلاف حديث ابن ماجه وغيره مثلًا، أربع لا تجزئ في الأضاحي، وقوله ﷺ لأبي بردة: اذبحها ولن تجزئي عن أحد بعدك. ومعنى كونهما منشأ الخلاف أن من قال بوجوب ما وصف في كل منهما بالإجزاء لما قام عنده من دليل الوجوب قال لا يوصف بالإجزاء إلا الواجب، ومن قال بالندب لما قام عنده من دليل الندب قال يوصف به كل من الواجب والمندوب، ومن استعمال الإجزاء في الواجب اتفاقًا لا تجزئي صلاة لا يقرأ فيها بأم القرءان قاله المحلي بناء على أن الصلاة في الحديث هي الواجبة، وليس كذلك فإنها نكرة في سياق النفي تعم الواجب والمندوب فاستعمال الإجزاء فيها إنما هو على القول الآخر.
تنبيه:
جزأ الثلاثي إذا كان مهموزًا كان بمعنى الكفاية أيضًا، قال المازري.
وقابل الصحة بالطلان ... وهو الفساد عند أهل الشان
يعني: أن الصحة يقابلها البطلان، فهو مخالفة ذي الوجهين الشرع وقيل في العبادة عدم إسقاط القضاء والبطلان هو الفساد عند أهل هذا الشأن، أي الفن. قوله: قابل بكسر، الموحدة لأنه فعل أمر.
وخال النعمان فالفساد ... ما نهيه للوصف يستفاد
يعني أن النعمان وهو أبو حنيفة خالف الجمهور في تعريف الفساد، فقال مخالفة ما ذكر للشرع بأن يكون منهيًا عنه إن كانت لكون النهي عنه لأصله فهي البطلان كالمخالفة في الصلاة المفقودة منها بعض الشروط أو الأركان، إلا أن التمثيل للمخالفة لأصله بفقد الشروط فيه نظر لأن الشروط خارجة عن المشروط قاله في الآيات البينات. ثم قال اللهم إلا أن يراد بقولهم لأصله ما يتوقف عليه الأصل شرطًا كان أو ركنا هـ. وكبيع الملاقيح وهو ما في البطون من الأجنة لانعدام ركن من البيع وإن كان منهيًا عنه
стр. 45
لوصفه اللازم له، فهي الفساد كما في صوم يوم النحر للإعراض بصومه عن ضيافة الله تعالى للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه، والإعراض وصف لازم لصوم غير داخل في مفهومه، ومقتضى نقل التفتازاني أن الوصف هو إيقاع الصوم فيه. قال في الآيات البينات: يمكن حمل إحدى العبارتين على الأخرى بأن يكون جعل الوصف هو إيقاع لاعتبار ما تضمنه من الأعراض المذكور هـ. وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لاشتماله على الزيادة فيأثم به، ويقيد بالقبض الملك الخبيث أي الضعيف لكونه مطلوبًا رفعه بالتفاسخ للتخلص من المعصية، فالباطل لا اعتداد به عنده ويعتد بالفاسد، فلو نذر صوم يوم النحر صح نذره لأن المعصية في فعله دون نذره ويؤمر بفطره وقضائه ليتخلص من المعصية ويفي بالنذر ولو صامه خرج عن عهدة نذره لأنه أدى الصوم كما التزمه فقد اعتد بالفاسد.
فعل العبادة بوقت عينا ... شرعا لها باسم الأداء قرنا
فعل مبتدأ، وبوقت يتعلق به، وجملة عين بالبناء للمفعول نعت وقت، وشرعا ظرف عامل فيه عين، وجملة قرن باسم الأداء خبرا لمبدأ، وقرن مبني للمفعول، واقترانه باسم الأداء اقتران الدال بالمدلول، قال القرافي في التنقيح في تعريف الأداء: وهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت، فقولنا في وقتها احترازا من القضاء، وقولنا شرعا احترازا من العرف، وقولنا اشتمل عليها الوقت احترازا من تعيين الوقت لمصلحة المأمور به لمصلحة في الوقت، كما إذا قلنا الأمر للفور فإنه يتعين الزمان الذي يليه ورود الأمر ولا نصفه بكونه أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته، وكمن بادر لإزالة منكرًا وإنقاذ غريق فإن المصلحة هنا في الإنقاذ سواء كان في هذا الزمان أو في غيره. وأما تعيين أوقات العبادات فنحن نعتقد إنها لمصالح في نفس الأمر اشتملت عليها هذه الأوقات وإن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبد معناه إنا لا نعلم مصلحته لا إنه ليس في مصلحة طردا لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد علي سبيل التفضل فقد تلخص إن التعيين في الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به، وفي العبادات لمصلحة في الوقت، فظهر الفرق هـ.
стр. 46
قال في الشرح: قولي: إذا قلنا الأمر للفور فإنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر ليس كذلك، بل قال القاضي أبو بكر: لابد من زمان لسماع الصيغة وزمان لفهم معناها وفي الثالث يكون الامتثال هـ. قوله فعل العبادة أي فعل كلها، فالعقود لا توصف بالأداء.
وكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النص هو المعول
يعني: أن كون الأداء حاصلًا بفعل بعض العبادة في وقتها هو المعول عليه عندنا والمشهور للنص العاضد له وهو حديث الصحيحين ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)). فالأداء عليه هو فعل بعض العبادة وقتها المقرر لها شرعًا مع فعل البعض الآخر في الوقت -صلاة كان أو صومًا -أو بعده في الصلاة، وهل البعض المفعول في الوقت من الصلاة يجب أن يكون ركعة فأكثر، وهو المشهور عندنا الذي مشى عليه خليل بقوله: وتدرك فيه الصبح بركعة لا أقل والكل أداء، أو يكون بأقل منها قولان. قال حلولو قال الشيخ ابن عبد السلام: وأما القول بأن الأداء فعل كل العبادة في الوقت فليس في المذهب، نعم ذكر البرزلي كونه في المذهب.
وقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجًا قضاء
يعني أن سحنون قال: ما صلي من الصلاة في الوقت فهو أداء وما صلي بعده قضاء بناء على أنها من قبيل الكلية لا من قبيل الكل المبني عليه القولان السابقان، وما قاله سحنون مقابل للمشهور ويبنى على الخلاف حكم من صلت ركعة فغربت الشمس فحاضت فعلى أنها كلها أداء لا تقضي تلك الصلاة لأنها حاضت في وقت أدائها، وعلى أن بعضها قضاء تقضيها، إذ لم تحض إلا بعد خروج الوقت فتخلدت في ذمتها قال في التكميل:
عليهما القضا لمن قد صلت
أي ركعة فغربت فحاضت وينبني على الخلاف أيضًا جواز الاقتداء به في بقية الصلاة بعد خروج الوقت، قال في التكميل:
وأجر الاقتداء بعد ما خرج ... وقت الضرورة على ذا لا حرج
стр. 47
فعلى أنها أداء لا يصح الاقتداء به لأن المأموم قاض الإمام مؤد، والمساواة في الأداء والقضاء واجبة، وعلى أن الركعة الأخيرة قضاء يصح وينوى القضاء وأحرى على القول الأول القائل أن كلها قضاء، والمذهب كما في الحطاب عند قوله: والكل أداء أن نية الأداء والقضاء كل منهما تنوب عن الأخرى، ونقل خليل في التوضيح عن سند وابن عطاء الله أنهما قالا: لا نعرف خلافًا في إجزاء نية الأداء عن نية القضاء في الصلاة، ونقل أن الباجي خرج قولًا بعدم الإجزاء فيهما من قولهم بعدم الإجزاء في مسألة صوم الأسير على أن التخريج المذكور بحث فيه في التوضيح باحتمال أن سبب عدم الإجزاء في الأسير أن رمضان عام لا يكون قضاء عن رمضان عام قبله، لأن الأداء لا ينوب عن القضاء بدليل أنه يجزئه اتفاقًا إذا تبين إنه صام ما بعد رمضان كما في ابن الحاجب قاله شيخنا البناني عند قوله: أو الأداء أو ضده قال في المنهج.
هل نية الأداء والقضاء ... تنوب ذي عن ذي بالاستواء
أي هل نية الأداء تنوب عن نية القضاء وعكسه أو لا، وفي المذهب قول، إن الصلاة إذا فعلت في الضروري من غير عذر كانت كلها قضاء، قال ميارة وعليه فتقضي إذا حاضت في الركعة الاولى هـ. يعني فيما إذا صلت ركعة قبل الغروب وأخرى بعده وأما ذو العذر إذ صلاه في الضروري فهي أداء.
والوقت ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقا موسعا
لما ذكر الوقت في تعريف الأداء احتيج إلى تعريفه بأنه الزمان الذي قدره الشارع للعبادة موسعًا كان -كزمن الصلوات الخمس والوتر والفجر والعيدين والضحى -أو مضيفًا -كزمن صوم رمضان وأيام البيض. فما لم يقدر له زمان في الشرع كالنذر والنفل المطلقين وغيرهما وإن كان الزمان فوريًا -كالإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للقادر -لا يسمى فعله أداء ولا قضاء، وإن كان الزمان لازمًا له والوقت المقدر شامل للوقت الأصلي، والوقت التبعي كوقت أولى المجموعتين جمع تقديم بالنسبة للثانية، ووقت ثانية المجموعتين جمع تأخير بالنسبة
стр. 48
للأولى، والوقت التبعي هو الذي لا يقدر لغير صاحبة الوقت أولا، بل ثانيًا عند عروض مسوغ الجمع. ولا يرد على التعريف أنه غير مانع كما قال ناصر الدين اللقاني: بأن وقت الصلاة عند خروج وقت الأداء هو وقت تذكرها، لأنا نقول كما في الآيات البينات: أن المفهوم من المقدر هو المعين أوله وءاخره، فلا يصدق على زمان تذكر الفائتة فإنه ليس كذلك.
وضده القضا تداركا لما ... سبق الذي أوجبه قد علما
يعني أن القضاء ضد الأداء، والقضاء لغة: فعل الشيء كيف كان. قال تعالى: ((فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض))، واصطلاحًا: هو فعل العبادة كلها خارج الوقت المقدر لها على المشهور في الأداء، حال كون ذلك الفعل تداركا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته، وتدارك الشيء واستدراكه وإدراكه: الوصول إليه. قوله تداركا. الخ خرج به الصلاة المؤداة في الوقت إذا أعيدت بعده في جماعة مثلًا بناء على جوازه فلو صلى شخص في الوقت وحده ثم وجد جماعة يصلون تلك الصلاة بعد الوقت، أو صلى منفردًا خارج الوقت ثم وجد جماعة فاتتهم تلك الصلاة فجمعوها وأعاد معهم فهل له الإعادة معهم، قال المشدالي ظاهر الكتاب يجوز، وعرضته على ابن عرفة فقال: ظاهر الكتاب ما قلت، والذي عندي أنه لا يفعل، لأن تعليلهم الإعادة بتحصيل فضيلة الوقت يقتضي تخصيصها بالوقت. المشدالي: إنما عللوا الإعادة لتحصيل فضل الجماعة. الحطاب: وقد رأيت لسند التصريح بأن الإعادة لتحصيل فضل الجماعة مختصة بالوقت. وخالفنا تعبير السبكي بما سبق له مقتض الشامل للوجوب والندب، لأنه راعى مذهبه فقط من قضاء النافلة التي لها أسباب عند الشافعية، ونحن لا يقضي عندنا غير الفرض إلا الفجر فتقضى إلى الزوال على المشهور، وقيل لا تقضى مطلقًا، وليس المراد بالاستدراك مجرد الوصول إلى ما سبق له موجب لفعله في الوقت، بل لابد مع ذلك أن يكون الوصول إليه مطلوبًا على وجه الجبرية للخلل الواقع، والخلل ما أخل بالإجزاء، وكون العلماء يقولون حجة القضاء ويسمون ما أدركه المسبوق من الصلاة أداء، وما يصليه بعد الإمام قضاء لا ينقض حد القضاء، لأن الحج لما أحرم به وتعين بالشروع بعد ذلك قضاء قاله القرافي
стр. 49
ويطلق القضاء على ما وقع على خلاف نظامه قال القرافي. وقال الرهوني: يرد على حد الأداء والقضاء مسالة، وهي: من صلى خارج الوقت يظن أن الوقت باق فإنه لا يتناوله حد الأداء ولا حد القضاء، قلت بل يتناوله حد القضاء ونية الأداء تنوب عن نية القضاء.
من الأداء واجب وما منع ... ومنه ما فيه الجواز قد سمع
يعني أن الأداء له ثلاث حالات.
الأول: أن يكون واجبًا إذا جرى السبب ووجد الشرط ثم لم يتفق الفعل، كمن ترك الصلاة عمدًا فإطلاق القضاء في حق هذا حقيقة.
الحالة الثاني: أن يكون ممنوعًا، كصوم الحائض فتسمته قضاء مجاز محض، والصحيح أنه أداء.
الحالة الثالثة: أن يكون جائزًا، كالمريض والمسافر إذا كان الصوم يضر بالمريض ولا يهلكه فقد أبيح له الفطر كالمسافر، والصحيح أن تسميته في حقهما قضاء مجاز لثبوت التخيير، أما الذي يخشى الهلاك فصومه ممنوع، فإن صام فهل يكون مؤديًا للواجب قياسًا على الصلاة في الدار المغصوبة تصح، لأنه مطيع لله تعالى بصومه وجان على النفس بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب؟ أو لا يكون مؤديًا له لأنه حرام والحرام لا يجزء عن الواجب؟ فيه احتمالان.
واجتمع الأداء والقضاء ... وربما ينفرد الأداء
(وانتفيا في النفل)
يعني أن العبادة قد توصف بالأداء والقضاء معًا كالصلوات الخمس، وقد توصف بالأداء وحده كصلاة الجمعة والعيدين، وقد لا توصف بهما كالنوافل التي لا وقت لها. واستشكل وصف الجمعة بالأداء من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلًا
стр. 50
لضدها، وأجيب بأن الجمعة قابلة عقلًا أن يدخلها القضاء، لكن الشرع هو الذي منع منه.
تنبيه: قال في التنقيح: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عند الإمام والمازري وغيرهما من المحققين، خلافًا للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء، فإن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب، وبسط ذلك ذكرته في الفقه في كتاب الطهارة، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم المتعمد المتمكن، وقد لا يكون كالنائم والحائض، والمزيل للإثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض، وقد يصح معه الأداء كالمرض، وقد لا يصح، أما شرعًا كالحيض، أو عقلًا كالنوم. قال في الشرح: قولي خلافًا للقاضي عبد الوهاب معناه: أنه قال أن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا.
والعبادة ... تكريرها لو خارجا أعاده
(للعذر .. )
يعني أن العبادة توصف بالإعادة وهي تكرير العبادة، أي، فعلها أولًا في الوقت، ثم فعلها ثانيًا حيث كان في الوقت، بل ولو كان الفعل الثاني خارجًا عن الوقت عندنا. والمخالف يشترط كون الثاني في الوقت أيضًا. قوله: للعذر، يعني أن التكرار لابد أن يكون لعذر من فوات ركن أو شرط، وذلك لا يختص بالوقت أو من تحصيل مندوب، وهو مختص بالوقت قاله القرافي، كالإعادة لتحصيل فضل الجماعة إذا بقى الوقت عند الجمهور، أو مطلقًا عند المشدالي وهو ظاهر الكتاب.
والرخصة حكم غيرا ... إلى سهولة لعذر قررا
(مع قيام علة الأصلي)
стр. 51
الرخصة لغة: السهولة واللين والمسامحة، واصطلاحًا: الحكم المتغير من حيث تعلقه بالمكلف، من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي، كما إذا تغير من حرمة الفعل أو الترك إلى الحل. فخرج بالتغيير: ما كان باقيًا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وبالسهولة: نحو الحدود والتعازير مع تكريم الآدمي المقتضي للمنع من ذلك وحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، وبالعذر: ما تغير إلى سهولة لا لعذر، كحل ترك تجديد الوضوء بعد حرمته، وبقيام السبب للحكم الأصلي: النسخ، كإباحة ترك ثبات الواحد من المسلمين لعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسببها قلة المسلمين في صدر الإسلام وقد زالت لكثرتهم بعد ذلك، وعذرها مشقة الثبات المذكور، وقلنا من حيث تعلقه، لأن تغير الحكم محال إذ هو كلام الله تعالى النفسي، القديم، ولابد أن يرد الدليل بتعلق الخطاب تلعقا ذا سهولة بالنسبة إلى ما كان له من التعلق، احترازًا عما إذا لم يرد دليل لكم سقط التعلق لسقوط محله، كما في العضو المقطوع يسقط غسله لسقوطه لكن لا يسمى رخصة. قاله ابن أبي شريف.
واختلف هل التيمم عزيمة؟ أو عزيمة في حق العادم للماء، ورخصة في حق العاجز عن استعماله. قال الحطاب في شرح المختصر خليل: والحق أنه رخصة ينتهي في بعض الصور للوجوب، كمن لم يجد الماء، أو خاف الهلاك باستعماله أو شديد الأذى. فإن تغير إلى مماثل في السهولة أو الصعوبة كأن تغير من وجوب فعل إلى وجوب فعل مماثل للفعل الأول في قدر مشقته فالذي يظهر كما في الآيات البينات أن مثل ذلك من العزيمة فالحكم منحصر في الرخصة والعزيمة كما هو ظاهر كلامهم.
وقال اللقاني: والحق أن الفعل لا يتصف بالعزيمة ما لم يقع في مقابلة الرخصة. قال في الآيات البينات فليتأمل المراد بالوقوع في مقابلة الرخصة وهل يطرد في أمثالهم؟
وتنبيه: الرخصة بضم الراء مع ضم الخاء وإسكانها قال الزركشي ويقال: خرصة بتقديم الخاء، قال: والظاهر أنها مقلوبة من الأولى
стр. 52
وغيرها عزيمة النبي
يعني: أن غير الرخصة عزيمة وهو ما لم يتغير أصلًا أو تغير إلى سهولة لا لعذر أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كما تقدمت أمثلته والعزيمة القصد المصمم لأنه عزم أمره أي قطع وحتم صعب على المكلف أو سهل.
أعلم: أن بعضهم كالبيضاوي جعل الرخصة والعزيمة قسمين للحكم وجعلهما بعض كابن الحاجب قسمين للفعل الذي هو متعلق الحكم، قال ابن أبي شريف: والأول أقرب إلى اللغة إذ الرخصة لغة السهولة وشرعا على الأول التسهيل والترخيص بمعنى النقل إلى سهولة على وجه خاص وعلى الثاني الفعل الذي هو متعلق ذلك التسهيل والعزيمة القصد المصمم، وشرعا على الأول الطلب والتخيير وهو الفعل بالمعنى الشامل للكف والتسهيل أقرب إلى السهولة من متعلقه والطلب والتخيير على الوجه المذكور أقرب إلى القصد المصمم من متعلقهما.
وتلك في المأذون جزما توجد ... وغيره فيه لهم تردد
يعني: أن الرخصة أي متعلقها من فعل المكلف يكون مأذونًا فيه بأن يكون واجبًا كأكل المضطر للميتة أو مندوبًا كالقصر في السفر، والمشهور أنه سنة وإنما كان القصر راجح الفعل للجمع فيه بين الترخيص وبراءة الذمة بخلاف الفطر في السفر ولذا اختلف العلماء في الأرجح فيه هل هو الفطر أو الصوم أو هما سواء وهذا إذا كان الصوم لا يجهده بفتح الياء أو يشق عليه فإن شق كان الفطر أولى فإن لم يخف الهلاك بالصوم وإلا حرم ومباحًا كالسلم الذي هو بيع موصوف في الذمة، والأصل فيه المنع للغرر وكالعرايا.
قوله: فيه .. يعني أن غير المأذون من مكروه بقسميه وحرام هل يكون متعلق الرخصة أو لا؟ فيه خلاف فلذلك اختلف في العاصي بسفره هل يباح له الترخص بناء على اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ((غير باغ ولا عاد)) هل هو في نفس الأكل أو في السبب الموصل إلى
стр. 53
الاضطرار؟ فالمراد بالإباحة في قول خليل: وسفر أبيح مقابل الحرمة فيدخل المكروه والمطلوب ويخرج سفر المعصية فقط وقال عبد الباقي: وكره التيمم بسفر مكروه. وقال ابن الحاجب في التيمم: ولا يترخص بالعصيان على الأصح. على أن الحق هو ما رجحه سند والقرطبي وابن عبد السلام وابن مرزوق من الجواز مطلقًا واختلف في الصائد للهو على المشهور وهو الكراهة هل مباح له الترخص أو لا؟ فإن انقطعت المعصية كالعاصي بالوطء إذا لم يقدر على مس الماء أبيح له التيمم. قاله ابن رشد:
والعزيمة تنقسم إلى الأحكام الخمسة وخصها ابن الحاجب في مختصره الكبير بالوجوب والقرافي بالوجوب والندب قال في التنقيح: والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع.
وربما تجي لما أخرج من ... أصل بمطلق امتناعه قمن
يعني: أن الرخصة قد تطلق على ما استثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا أي سواء كان لعذر شاق أم لا؟ كالسلم وضرب الدية على العاقلة والقراض والمساقاة وبيع العرية ونحو ذلك، قاله حلولو لكن الظاهر لي أن العرية من الرخصة بالمعنى الأول كالسلم كما تقدم إلا أن يراد بالثاني ما يشمل بعض أفراد القسم الأول. قوله: بمطلق معلق بقمن بفتح الميم وكسرها أي حقيق ضمير امتناعه للمخرج وقمن نعت أصل.
وما به للخبر الوصول ... بنظر صح هو الدليل
لما وقع ذكر الأحكام والأدلة في تعريف الفقه بينت الأحكام وأقسامها وما يتعلق بها ثم احتيج إلى بيان دليل؟ قال زكرياء: قال إمام الحرمين: ويسمى دلالة ومستدلًا به وحجة وسلطانًا وتبيانًا وبرهانًا.
إلا أن الأخير خاص بالقطعي. والدليل فعيل بمعنى فاعل وقد يأتي بمعنى الدلالة كما تأتي الدلالة بمعناه والدليل عند المتكلمين
стр. 54
ما يمكن التوصل به بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري لأن مطالبهم يقينية والموصل إلى اليقين لا يكون ظنيًا، ومطالب الفقهاء عملية والعمل لا يتوقف على العلم وأيضًا فإن موضوع أصول علم الفقه الأدلة السمعية وهي تعم العلم والظن فلذلك عرفه الأصوليون بما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري والمراد التوصل بالقوة كما دل عليه التعبير بالإمكان فقد لا ينظر في الدليل ولا يخرجه ذلك عن كونه دليلًا وصحة النظر بأن ينظر فيه من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى ذلك المطلوب المسماة وجه الدلالة، والخبري ما يخبر به بأن يكون كلامًا يصح السكوت عليه، والنظر هنا الفكر لا بقيد المؤدي إلى علم أو ظن حذرًا من التكرار إذ يصير التقدير ما يمكن به علم المطلوب الخبري وظنه بصحيح الفكر فيه المؤدي إلى علم أو ظن، والفكر حركة النفس في المعقولات وأما في المحسوسات فيسمى تخييلًا. فالدليل القطعي كالعالم لوجود الصانع والظني كالنار لوجود الدخان. وأقيموا الصلاة لوجوبها وجه الدلالة الحدوث في الأول والإحراق في الثاني والأمر في الثالث تقول: العالم حادث وكل حادث له صانع فالعالم له صانع، والنار شيء محرق وكل محرق له دخان فالنار لها دخان، وأقيموا الصلاة أمر بالصلاة وكل أمر بشيء لوجوبه. واحترز بالصحيح عن الفاسد فإنه لا يمكن التوصل به إلى المطلوب إذ ليس هو في نفسه سببًا للتوصل ولا آلة له وإن كان قد يفضي إليه على وجه الاتفاق كوضع ما ليس بدليل مكانه كوضع المقدمات غير المناسبة للمطلوب إما كلها أو بعضها مثل أن يكون المطلوب كون العالم حادثًا فيوضع مكان الدليل العالم متعجب وكل متعجب ضاحك قال في السلم:
وخطأ البرهان حيث وجدا ... في مادة أو صورة فالمبتدا
أما ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصوري فليس بدليل بل هو المعرف بكسر الراء ويسمى حدًا:
والنظر الموصل من فكر إلى ... ظن بحكم أو لعلم مسجلا
стр. 55
لما تقدم ذكر النظر في تعريف الدليل بينه هنا بأنه الفكر الموصل بكسر الصاد إلى ظن حكم أو الموصل العلم أي يقين سواء كان علمًا بحكم أو ذات ومسجلًا بصيغة اسم المفعول اسم مصدر والنظر لغة يطلب على الانتظار وعلى رؤية العين وعلى المقابلة يقال: دار فلان تنظر لدار فلان، وفي اصطلاح المتكلمين التفكر والاعتبار في المنظور فيه ليستدل به على جماله تعالى وجلاله فخرج الفكر غير المؤدي إلى علم أو ظن كأكثر حديث النفس فلا يسمى نظرًا، وشمل التعريف النظر الصحيح القطعي والظني والفاسد فإنه يؤدي إلى علم أو ظن بواسطة اعتقاد أو ظن ومنهم من لا يستعمل التأدية إلا فيما يؤدي بنفسه، قاله المحلي وأورد عليه أن النظر الفاسد لا يؤدي إلى علم بل يستلزم الجهل وأجيب: بأن ما قيل فيه ذلك خال عن الاعتقاد، والظن بخلاف ما هنا قال زكرياء: نعم لك أن تقول سيأتي أن العلم لا يقبل التغيير فإن كان العلم الحاصل بذلك لا يتغير بتبين فساد النظر فذلك وإلا فليس علمًا وهو المختار فشمول النظر الفاسد لشرطه المذكور إنما يأتي في تأديته إلى الاعتقاد أو الظن لا إلى العلم.
الإدراك من غير قضا تصور ... ومعه تصديق وذا مشتهر
الإدراك لغة: وصول غاية الشيء ومنتهاه ومنه الدرك الأعلى والدرك الأسفل يقال أدركت الثمرة إذا وصلت وبلغت حد الكمال والتصور الإدراك أي وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها بلا حكم معه من إيقاع النسبة أو انتزاعها. أما وصول النفس إلى المعنى لا بتمامه فيسمى شعورًا كعلمنا بأن الملائكة أجسام لطيفة نورانية من غير أن ندرك حقيقة تلك الأجسام التي هي عليها والإدراك للنسبة وطرفيها مع الحكم المسبوق بالإدراك لتلك النسبة وطرفيها يسمى تصديقًا كإدراك الإنسان والكاتب وكون الكاتب ثابتًا للإنسان وإيقاع أن الكاتب ثابت للإنسان أو انتزاع ذلك أي نفيه فلابد من تقدم التصورات الثلاث على الحكم كما لابد من تقدم إدراك طرفي النسبة الذين هما المحكوم عليه والمحكوم به على إدراكها وتفسير الحكم بما تقدم هو ما عليه متأخروا المناطقة فهو فعل للنفس صادر عنها.
стр. 56
وقيل: الحكم إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فليس الحكم فعلًا للنفس بل هو انفعال للنفس وإذعان وقبول للنسبة لأن العلوم والاعتقادات أنوار تشرق في النفس. وتفسير الحكم بما ذكر هو ما عليه متقدموا المناطقة قال بعضهم: وهو التحقيق. والإيقاع والانتزاع والإيجاب والسلب والإسناد عبارات وألفاظ.
قوله (وذا مشتهر)، يعني: أن تفسير التصديق بما ذكر هو المشهور وقيل: التصديق هو الحكم وحده فتلخص أن في التصديق قولين أحدهما أنه إدراك النسبة بطرفيها مع الحكم وثانيهما أنه الحكم، وأن في الحكم قولين أحدهما أنه الإيقاع والانتزاع، وثانيهما: أنه إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، وعلى الثاني من كل منهما المحققون كالقطب الرازي والعضد والسعد التفتازاني والسيد، ووجه تسمية التصديق تصديقًا أن الحكم إذا عبر عنه مثلًا بقولنا: زيد كاتب أو ليس بكاتب لزمه احتمال أن يكون صادقًا أي مطابقًا للواقع وأن يكون كاذبًا فهو باعتبار أنه قد يصدق صادق في الجملة وبالنظر إلى ذلك سمي تصديقًا لا تكذيبًا اعتبارًا بأشرف قسمي لازم الحكم.
(جازمه دون تغير علم * علما .. )
يعني أن جازم القضاء الذي هو الحكم إذا كان لا يقبل التغير بأن كان لموجب بكسر الجيم من حس أو عقل أو عادة يسمى علمًا وبعضهم يعبر بدل لا يقبل التغير بالثابت .. وأورد أنه إن أريد بالثبوت عسر الزوال على ما قيل ففيه أنه قد يعسر زوال التقليد أيضًا وإن أريد عدم الزوال أصلًا على ما هو المشهور ففيه أن العقلاء كثيرًا ما يعتقدون خلاف معتقدهم الأول، مع أن الحق هو الاعتقاد السابق وأجيب بأن المراد بالثبوت كونه مأخوذًا من ضرورة أو برهان. ومعنى الموجب هو الأمر المقتضي له بمعنى أن الله تعالى يخلق للعبد عنده العلم لا بمعنى التأثير أو التوليد.
قولنا: من حس أو عقل أو عادة قال: الشيخ زكرياء أو مانعة خلو إذ قد يكون الموجب مركبا من حس وعقل كالتواتر ومن حس وعادة كالحكم بأن الجبل حجر لمن شاهده. والحس يشمل الظاهر
стр. 57
والباطن كعلمك بجوعك وعطشك ونحو ذلك من الوجدانيات. وأورد أن العلوم العادية تحتمل النقيض لجواز خرق العادة كانقلاب الحجر ذهبا. وأجيب بأن احتمالها للنقيض بمعنى أنه لو فرض نقيض العلوم لم يلزم محال لذاته لا بمعنى أنه محتمل للحكم بالنقيض في الحال كما في الظن أو المآل كما في الجهل المركب والتقليد، فإن منشأه ضعف الإدراك إما لعدم الجزم أو لعدم المطابقة أو لعدم استناده إلى موجب قاله في الآيات البينات
وغيره اعتقاد ينقسم
إلى صحيح أن يكن يطابق ... أو فاسد أن هو لا يوافق
يعني: أن غير الحكم الجازم الغير القابل للتغير يسمى اعتقادًا والمراد بغير الحكم الخ. الحكم الجازم القابل للتغير بأن لم يكن لموجب طابق الواقع أم لا، إذ يتغير الأول بالتشكيك والثاني به أو بالإطلاق على ما في نفس الأمر والاعتقاد منه صحيح وهو ما يطابق الواقع كاعتقاد المقلد أن الضحى مندوب ومنه فاسد إن لم يطابقه كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم ولا إشكال في إفادة التقليد للمقلد الاعتقاد، والدليل يفيد المجتهد الظن وهو أضعف من الاعتقاد والفرق أن المقلد خال من المتزاحمات والمجتهد ينظر في الأدلة المتعارضة عنده فغاية ما يتم له في الغالب ترجيح أحد الجانبين على الآخر بخلاف المقلد فإنه يأنس بمعتقده فلا يزال يقوي عنده ولذلك ترى عقيدة أهل الصلاح والتقى من العوام كالطود الشامخ لا تحركه الرياح وعقيدة أهل الجدل كخيط في الهواء تقلبه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا قوله أو فاسد بالجر عطف على الصحيح وضمير هو للاعتقاد ويوافق بكسر الفاء.
والوهم والظن وشك ما احتمل ... لراجح أو ضده أو ما اعتدل
يعني: أن الحكم غير الجازم بأن كل معه احتمال نقيض المحكوم به من وقوع النسبة أو لا وقوعها ينقسم إلى وهم بسكون الهاء وظن وشك فالوهم هو الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالًا راجحًا، والظن ضد بأن احتمالًا مرجوحًا والشك ما احتمل لما اعتدل
стр. 58
معه أي تساوى فالأول كاحتمال غلط العدل في خبره أو كذبه والثاني كالحكم بصدق العدل والثالث كالحاصل من خبر المجهول إذا لم يترجح منه أحد الطرفين فالشك بخلاف ما قبله حكمان لأنه اعتقادان يتقاوم سببهما وقيل أن الشك والوهم ليسا من التصديق إذا الوهم ملاحظه المرجوح والشك التردد في الوقوع وعدمه والجواب إن الشاك حاكم بجواز كل واحد من النقيضين بدلًا عن الآخر وأن الوهم حاكم بالطرق المرجوح حكمًا مرجوحًا والتحقيق في الشاك أنه إن نشأ شكه عن تعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد أو لعدم النظر فهو غير حاكم ولهذا الخلاف اختلف في الوقف هل يعد قولًا أو لا؟
قوله: لراجح .. الخ، الثلاثة راجعة إلى الوهم والظن والشك على اللف والنشر المرتب والتاء في احتمل واعتدل مفتوحة قال الأبياري والأصل إتباع الظن مطلقًا حيث لا يشترط العلم ما لم يرد في الشرع منع من ذلك كمنع القضاء بشهادة الواحد وإن غلب على الظن صدقه وهذا مما قدم فيه النادر.
أما الشك فساقط الاعتبار إلا في النادر كنضح من شك في إصابة النجاسة وغسل اليدين عند القيام من النوم وقد صرح المقري بحرمة إتباع الوهم.
والعلم عند الأكثرين يختلف ... جزما ..
يعني: أن العلم الحادث عند أكثر المتكلمين يتفاوت في جزئياته إذ العلم مثلًا أن الواحد نصف الاثنين أقوى في الجزم من العلم بأن العالم حادث وعلم النبي ﷺ بربه لا يساوي علم غيره وكذا غيره من الأنبياء وبعض المؤمنين في العرفان أقوى من بعض وقال علي رضي الله تعالى عنه: لو كشف الغطاء لما زادني يقينًا وجه الدليل أن نفي الشيء فرع ثبوته قال البوصيري:
لم يزده كشف الغطاء يقينا ... بل هو الشمس ما عليه غطاء
ولا شك أن حق اليقين أقوى من عين اليقين وعين اليقين أقوى من علم اليقين. (وبعضهم بنفيه عرف).
стр. 59
وإنما له لدى المحقق ... تفاوت بحسب التعلق
يعني أن بعض المتكلمين ذهبوا إلى أن العلم لا يتفاوت في جزئياته إذ حقيقته الكشف فليس بعضها وإن كان ضروريًا أقوى في الجزم من بعض وإن كان نظريًا سواء قلنا باتحاد العلم عند تعدد المعلوم أو بتعدد وإنما يتفاوت بحسب التعلقات فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام علموا من صفات الله تعالى ما لم يعلمه غيرهم فالتفاوت بحسب المتعلقات وأيضًا فحضور الأنبياء لا يدانيه حضور فالتفاوت عروض الغفلة لغيرهم دونهم وكذا رجحان بعض المومنين في العرفان هو بحسب زيادة المعارف وقلة الغفلات عنها بعد حصولها قوله: وإنما له: يعني أن من نفى تفاوت العلم في نفسه وهم المحققون إنما يكون له التفاوت عنده بحسب التعلق بالمعلومات إذا العلم صفة واحدة متعلقها وهو المعلومات متعدد كما في علمه تعالى فالعلم على هذا القول لا يتفاوت إلا بكثرة المتعلقات كما في العلم بثلاثة أشياء والعلم باثنين وتفاوته بكثرة المتعلقات مبني على ما أشار له بقوله.
لما له من اتحاد منحتم ... مع تعدد لمعلوم علم
يعني: أن تفاوت العلم بكثرة المتعلقات كائن، لأجل ما علم من وجوب اتحاد العلم مع تعدد المعلومات، كما هو قول بعض الأشاعرة قياسًا على علم الله تعالى. وذهب الأشعري وكثير من المعتزلة إلى تعدده بتعدد المعلوم وطعنوا في القياس بالخلو عن الجامع وعلى كلا القولين فمطلق العلم جزئيات.
قال في الآيات البينات: اعلم أن الجزئيات إما بحسب المحال التي يقوم بها العلم كزيد وعمرو فالقائم بزيد جزئي للعلم، والقائم بعمرو جزئي آخر. وإما بحسب المتعلقات كالعلم بشيء والعلم بشيء آخر فالأول جزئي العلم والثاني جزئي آخر فإن قلنا باتحاد العلم فالمراد الجزئيات باعتبار المحال كعلم زيد وعلم عمرو مثلًا ولا يتأتي إرادتها باعتبار المحل الواحد كزيد إذ لا يكون له إلا علم واحد ولا معنى لنفي التفاوت في العلم الواحد، وإن قلنا بتعدده فالمراد
стр. 60
الجزئيات باعتبار المحال كعلم زيد وعلم عمرو مثلًا وباعتبار المحل الواحد أيضًا كعلم زيد بهذا الشيء وعلمه بذلك الشيء الآخر.
وعلى أن العلم يتعدد بتعدد المعلومات لا يتفاوت بكثرة المتعلقات لأن العلم حينئذ لا يتعلق بأكثر من معلوم واحد فكل متعلق معلوم بعلم خاص به نعم التفاوت على هذا يكون بقلة الغفلة عن معلوم دون غيره وهذا هو المراد بألف النفس أحد المعلوقين دون الآخر، قال ابن أبي شريف: وقد أشار ﷺ بقوله في حديث الصحيحين (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) إلى التفاوت بكثرة التعلقات إذ لو قصدت الإشارة إلى التفاوت في العلم الواحد لكانت العبارة لو تعلمون كما أعلم وأشار ﷺ إلى التفاوت باعتبار عروض الغفلات بقوله في حديث مسلم (لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرق).
يبنى عليه الزيد والنقصان ... هل ينتمي إليهما الإيمان؟
يعني أن الخلاف في تفاوت العلم بنفسه في القوة والجزم يبنى عليه الإيمان بمعنى التصديق هل ينسب إلى الزيد والنقصان أولا، إما بالنظر إلى الأعمال فلا شك أنه يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصانها.
والجهل جا فى المذهب المحمود ... هو انتفاء العلم بالمقصود
بقصر جا للضرورة يعني أن الجهل هو انتفاء العلم بالمقصود أي ما شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يدرك أصلًا ويسمى الجهل البسيط أو أدرك على خلاف هيئته في الواقع ويسمى الجهل المركب لأنه جهل الشيء وجهل أنه جاهل له كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم، وخرج بالمقصود عدم العلم بالأرضين السفلي والسماوات العليا مثلًا فلا يسمى انتفاء العلم به جهلًا وقيل الجهل هو إدراك المعلوم على خلاف هيئته في الواقع وعليه فالبسيط ليس بجهل والقولان ذكرهما ابن مكي في قصيدته المسماة بالصلاحية قال:
стр. 61
وإن أردت أن تحد الجهلا ... من بعد حد العلم كان سهلا
وهو انتفاء العلم بالمقصود ... فاحفظ فهذا أوجز الحدود
وقيل في تحديده ما يذكر ... من بعد هذا والحدود تكثر
تصور المعلوم هذا حرفه ... وحرفه الآخر يأتي وصفه
مستوعبًا على خلاف هيئته ... فافهم فهذا القيد من تتمته
سميت بالصلاحية لأنها نظمت لصلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بشين معجمة وألف وذال معجمة مكسورة بعدها مثناة تحتية قال زكرياء: وهي من أحسن تصانيف الأشعرية في العقائد وكان صلاح الدين يأمر بتلقينها للصبيان في المكاتب.
زوال ما علم قل نسيان ... والعلم في السهولة اكتنان
يعني: أن النسيان هو زوال المعلوم عن الحافظة والمدركة فيستأنف تحصيله وأن العلم في السهولة اكتنان أي غيبة عن الحافظة فقط فهو الذهول عن المعلوم الحاصل فينتبه له بأدنى تنبيه وقيل النسيان غفلة عن المذكور والسهو غفلة عن المذكور وغيره، وقيل بالترادف بينهما.
ما ربنا لم ينه عنه حسن ... وغيره القبيح والمتسهجن
يعني: أن الحسن مع قطع النظر عن كونه فعل المكلف خصوصًا هو ما لم ينه عنه من مأذون فيه واجبًا كان أو مندوبًا أو مباحًا، ومن فعل غير المكلف كالساهي والنائم والبهيمة وكالصبي بالنسبة إلى الواجب والمحرم على الصحيح أو مطلقًا على غيره هذا هو الحسن الشرعي، والقبيح في الشرع وهو المستهجن بصيغة اسم المفعول: هو ما نهى تعالى عنه من مكروه وحرام ويدخل في المكروه خلاف الأولى، قال في التنقيح: فالقبيح ما نهى الله تعالى عنه والحسن ما لم ينه عنه، وقيل الحسن المأذون فيه والقبيح المنهي عنه ولو بالعموم وعليه يكون فعل غير المكلف واسطة. وقال إمام الحرمين: ليس المكروه قبيحًا لأنه لا يذم عليه ولا حسنًا لأنه لا يسوغ الثناء عليه بخلاف المباح فإنه يسوغ عليه وجعله
стр. 62
بعضهم واسطة لأن الحسن عنده ما أمر بالثناء عليه. وأما الحسن والقبح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر وبمعنى صفة الكمال والنقص كحسن العلم وقبح الجهل فعقلي إجماعًا وأهل العراق يطلقون القبيح في الشرع على المكروه والمحرم وما لا بأس بفعله وهو ما فيه شبهة قليلة وإن كان مباحًا كسؤر كثير من الحيوانات بخلاف الشرب من دجلة لا يقال فيه لا بأس به.
هل يجب الصوم على ذي العذر ... كحائض وممرض وسفر
يعني: أنه إذا انعقد سبب لوجوب شيء على مكلف ثم طرأ ما اقتضى جواز ترك ذلك الشيء لذلك المكلف كطرو الحيض أو المرض أو السفر أو السكر أو الإغماء بعد انعقاد سبب وجوب الصوم في حق من طرأ له ذلك أو طرأ قبل انعقاد سبب الوجوب ما منع انعقاده فهل يوصف الحال جواز تركه بالوجوب لأنه يجب عليهم القضاء بقدر ما فاتهم فكان المأتى به بدلا من الفائت والبدل واجب. فدل على أن الفائت واجب وإلا لم يكن بدلًا عنه لقوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وهؤلاء شهدوه وجواز الترك لهم لعذرهم الثابت في المريض والمسافر بقوله تعالى ((فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر)) وفي الحائض بالإجماع أو لا يوصف بالوجوب وإلا كان ممتنع الترك وقد فرض جائزه فلو ثبت أنه مع ذلك ممتنع لاجتمع النقيضان وأجيب بمنع ذلك لأن المنافي للوجوب هو جواز الترك مطلقًا لا جوازه وقت العذر فقط فاختلف زمن النفي والإثبات وأجيب عن الأول بأن شهود الشهر موجب عند انتفاء العذر لا مطلقًا فوجوب الصوم له سبب ومانع ولا يتحقق الوجوب إلا بوجود سببه وانتفاء مانعه وهو العذر المذكور فالاستدلال بالآية على الوجوب في محل العذر غير صحيح، وبأن وجوب القضاء بقدر ما فات المشعر بالبدلية لا يتوقف على سبق نفس الوجوب بل يكفي فيه سبق إدراك سبب الوجوب، قاله في الآيات البينات.
وجوبه في غير الأول رجح ... وضعفه فيه لديهم وضح
стр. 63
يعني: أن ابن رشد ذكر في المقدمات أن الراجح عند المالكية في المرض والسفر وجوب الصوم وأنه في الأول الذي هو الحيض ضعيف.
وهو في وجوب قصد للادا ... أو ضده لقائل به بدا
هو مبتدأ خبره بدأ يعني أن الخلاف أي ثمرته تظهر عند من يقول بوجوب التعرض في البدل للنية فعلى ان الفائت واجب يقصد القضاء أي ينويه، وعلى الآخر ينوي الأداء فاللام في قوله بمعنى عند قال في الآيات البينات: ذهب الجمهور إلى أن الفعل في الزمان الثاني قضاء على أن المعتبر في وجوب القضاء سبق الوجوب في الجملة لا سبق الوجوب على ذلك الشخص فعلى هذا يكون فعل النائم والحائض ونحوهما قضاء وبعضهم يعتبر الوجوب عليه حتى لا يكون فعل النائم والحائض ونحوهما قضاء لعدم الوجوب عليهم بدليل الإجماع على جواز الترك وبعضهم يقول بالوجوب عليهم بمعنى انعقاد السبب وصلاحية المحل وتحقق اللزوم لولا المانع ويسميه وجوبًا بدون وجوب الأداء اهـ.
ونفس الوجوب هو اشتغال الذمة بفعل أو مال ووجوب الأداء لزوم تفريغ الذمة عما اشتغلت به كذا ذكره في التلويح وبما ذكرنا من ظهور ثمرة الخلاف في نية الأداء أو القضاء يكون الخلاف معنويًا خلافًا للسبكي في جمع الجوامع من أنه لفظي لا فائدة فيه لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف والقضاء بعد زوال العذر واجب بلا خلاف، وجعل بعضهم من فوائده هل وجب القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟
ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل
يعني: أن الله تعالى لا يكلف أحدًا إلا بالفعل بناء على امتناع التكليف بالمحال لأن غير الفعل غير مقدور للمكلف والفعل ظاهر في الأمر لأنه مقتض للفعل غالبًا ومن غير الغالب نحو اترك ودع وذر والإطلاق بناء على الغالب واقع حتى في الكتاب والسنة مع أنها في معنى النهي والتكليف بالاعتقادات التي هي من الكيفيات النفسانية دون
стр. 64
الأفعال الاختيارية على الصحيح عند بعض المحققين تكليف بأسبابها كإلقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس قال في الآيات البينات: على أنه وقع إطلاق فعل القلب على التصديق في عبارة المواقف والمقاصد وغيرهما. لكن كأنه باعتبار أنه يعتبر في الإيمان مع التصديق الذي هو التجلي والانكشاف إذعان واستسلام في القلب للأوامر والنواهي فتسمية التصديق الذي هو الاعتقاد فعلًا بهذا الاعتبار.
وإما كون المنهي عنه فعلًا فقد أشار لبيانه بقوله:
(فكفنا بالنهي مطلوب النبي .. )
يعني: أن الذي طلب منا أي كلفنا به في النهي الشارع المجازى الذي هو النبي ﷺ . الكف بمعنى الترك والانتهاء أي انصراف النفس عن المنهي عنه وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه فالمقصود بالذات هو الانتهاء وإما فعل الضد فلا يقصد إلا بالالتزام بل قد لا يقصد أصلًا ولا يستحضره المتكلم ومتى قصد فعل الضد وطلب من حيث هو كان أمرًا لا نهيًا عن ضده قال السبكي في شرح المنهاج: أن الانتهاء مقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد. فكان معه كالسبب مع المسبب ولكافر إذا أسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء، كفره أولًا المنهي عنه ثم انتهاؤه عنه والترتيب بينهما في الزمان ثم تلبسه بالإيمان والترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان وإنما هو في الرتبة ترتب المعلول على العلة وهما في زمان واحد حتى لو فرض أن الانتهاء يحصل بدون فعل الضد حصل المطلب به ولم يكن حاجة إلى فعل الضد لكن ذلك فرض غير ممكن وهذا المعنى حاصل في جميع الأفعال وكل ما تلبس به الإنسان.
قال السبكي في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدًا عثر عليها، أحدها قوله تعالى: ((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)). فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكًا أي فعلوا تركه. والثاني ما روى أنه ﷺ (قال: أي الأعمال أفضل؟ فسكتوا ولم يجبه أحد فقال: هو حفظ اللسان) والثالث (قال قائل من المسلمين
стр. 65
والنبي ﷺ يعمل بنفسه في بناء المسجد: لئن قعدنا والنبي يعمل لذلك منا العمل المضلل) فمعنى قعدنا تركنا الاشتغال ببناء المسجد. وقيل: المكلف به في النهي فعل الضد للمنهي عنه.
قولنا وذلك فعل يحصل بفعل الضد، قاله المحلي واعترضه في الآيات البينات بأمرين، الأول: أنه وإن كان فعلًا إلا أنه من الأفعال الاعتبارية التي لا تحقق لها في الخارج فيكون عدميًا فكيف كلف به مع أنه غير مقدور لأن العدمي غير مقدور باعتبار حصوله بفعل الضد المقدور قلنا لا حاجة إلى العدول في المكلف به في النهي عن ما يتبادر من كونه النفي إلى كونه الانتهاء بل قد يمكنه التزام كونه النفي لأنه مقدور باعتبار ما يتحقق به من الضد. والثاني أنه قد يخفي المراد بحصوله بفعل الضد فإن المنهي عن شرب الخمر مثلًا إذا ترك الشرب وسائر الأفعال كالأكل وشرب الماء وغير ذلك أي ضد شرب الخمر بفعله حتى حصل به الانتهاء عن شربه فإنه لم يحصل به إلا انتفاء الشرب ولم يحصل هنا أمر وجودي مضاد للشرب حتى يتحقق وجود ضد يحصل بفعله اللهم إلا أن يراد بالضد ما يشمل النقيض الذي هو النفي.
(والكف فعل في صحيح المذهب)
قال أبو عبد الله المقري: قاعدة اختلف المالكية في الترك هل هو فعل أو ليس بفعل والصحيح أن الكف فعل وبه كلفنا في النهي عند المحققين، وغيره ضد فيقال هل الكف كالإتيان أو لا؟ وهل الكف كالفعل أو لا؟ وقال قوم منهم أبو هاشم المعتزلي: إن المكلف به في النهي الانتفاء بالفاء للمنهي عنه وذلك للمكلف بأن لا يشاء فعله الذي يوجد بمشيئته فإذا قيل لا تتحرك فالمطوب منه على أنه الانتهاء هو الكف عن التحرك الحاصل بفعل ضده الذي هو السكون وعلى الثاني فعل ضده وعلى الثالث انتفاؤه بأن يستمر عدمه الناشيء من السكون قال اللقاني: لا ينحصر تحقق الانتفاء في استمرار العدم إذ يمكن تحققه بتجدد العدم كما إذا نهى عن التحرك من هو متلبس به. فبالسكون يخرج من عهدة النهي على جميع الأقوال.
له فروع ذكرت في النهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجي
стр. 66
الضمير في له للخلاف في الكف هل هو فعل أو لا؟ يعني أنه ينبني عليه فروع ذكرها في المنهج المنتخب وجلبتها هنا على سبيل التضمين وهذا النوع يسمى استعانة وهي تضمين بيت فأكثر والمذكور هنا ثلاثة أبيات:
من شرب أو خيط ذكاة فضل ما ... وعمد رسم شهادة ..
قوله من شرب بيان للنفع الكامن المستتر في البيت قبله وهو:
وهل كمن فعل تارك كمن ... له بنفع قدرة لكن كمن
فشرب إشارة إلى من عنده فضل طعام أو شراب فلم يعطه مضطرًا حتى مات يضمن ديته على الأول دون الثاني وخيط إشارة إلى من به جائفة فطلب من شخص ما يخيط به فمنعه حتى مات هل عليه ديته أو لا؟ وذكاة إشارة إلى من مر بصيد لم تنفذ مقاتله وأمكنه تذكيته فلم يفعل حتى مات هل يضمنه أو لا؟ وكذلك الآيسة يخاف موتها. وفضل ما، إشارة إلى من عنده فضل ماء ولجاره زرع يخاف عليه فلم يمكنه منه حتى هلك هل يضمن أو لا؟ وكذلك الخلاف فيمن عنده عمد فطلبها صاحب جدار خاف سقوطه فلم يفعله حتى سقط، وفيمن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحق. وهذا معنى قوله رسم شهادة، قال المنجور: ورسم شهادة بالإضافة، ويصح تنوين رسم ويكون قوله شهادة إشارة إلى أن من جحد شهادة هل يغرم إذا ضاع الحق.
وما عطل ناظر وذو الرهن كذا ... مفرط في العلف فادر المأخذا
قوله: وما عطل، إشارة إلى ما عطل ناظر اليتيم من ربعه أو جنانه أو أرضه فلم يكره مع إمكانه أو ترك الأرض حتى تبورت هل عليه غرم أم لا؟ وذو الرهن، إشارة إلى ما عطل المرتهن من كراء الرهن -ولكرائه خطر وبال -هل يضمنه أو لا؟ ومفرط الخ .. إشارة إلى من دفعت إليه دابة مع علفها وقيل له: علفها واسقها حتى أرجع إليك، فتركها بلا علف حتى ماتت، في ضمانه قولان لأبي الأصبغ
стр. 67
والشيخ أبي محمد، والعلف هنا بسكون اللام والمأخذ مأخذ هذه الفروع المبنية عليه.
وكالتي ردت بعيب وعدم ... وليها وشبهها مما علم
إشارة إلى ذات العيب يزوجها وليها القريب فيفلس، هل يرجع عليها الزوج بالصداق أو لا؟ وشبه هذه المسائل مما علم من هذا الأصل، كقتل شاهدي حق، وقتل المرأة نفسها قبل الدخول كراهية منها في زوجها هل لها صداق أم لا؟ إلا أن هاتين المسألتين ليستا من مسائل الترك، ويدخل في ذلك مسألة السجان، والقيد، والقفص، والسارق، والدواب، واللقطة، فيجري فيها الخلاف في الضمان. وهذه المسائل تتبنى أيضًا على قاعدة التعدي على السبب هل هو كالتعدي على المسبب.
والأمر قبل الوقت قد تعلقا ... بالفعل للإعلام قد تحققا
يعني أن الأمر وسائر أقسام التكليف يتعلق عند الجمهور بالفعل قبل المباشرة له قبل دخول وقته إعلامًا. وقوله الآتي: وبعد الإلزام، يعني به أن التكليف يتعلق بالفعل قبل المباشرة له بعد دخول وقته إلزامًا، فإعلامًا وإلزامًا حالان من ضمير الأمر المستتر في يتعلق، قاله اللقاني. قال العبادي: ويجوز أن يكون إلزامًا وإعلامًا مفعولًا مطلقًا على حذف مضاف، أي تعلق إلزام وتعلق إعلام.
قال المحشيان وهما في اصطلاح العبادي زكرياء وابن أبي شريف: الفرق بين التعلقين أن تعلق الإعلام مقصوده اعتقاد وجوب إيجاد الفعل لا نفس الإيجاد، وتلعق الإلزام مقصوده الامتثال، ولا يحصل إلا بكل منهما، فإيجاد الفعل قبل اعتقاد الوجوب غير كاف في الخروج عن العهدة، واعتقاد الوجوب كذلك، فلابد معه من الإيجاد.
قال في الآيات البينات والمتبادر من هذا الفرق وما تقدم في تفسير التعلق المعنوي تغاير التعلق المعنوي والتعلق الإعلامي، وإن
стр. 68
المعنوي أزلي والإعلامي حادث، وعلى هذا تكون التعلقات ثلاثة: تنجيزي، ومعنوي، وإعلامي، وأما الإلزامي فهو التنجيزي.
قوله: الأمر مبتدأ خبره جملة قد تحققا وللإعلام متعلق به.
وبعد للإلزام يستمر ... حال التلبس وقوم فروا
يستمر حال من الإلزام، يعني أن التعلق الإلزامي يستمر عند الأكثر حال التلبس به أي المباشرة له، وقوم من أهل الأصول فروا أي ذهبوا إلى انقطاعه حال المباشرة خوف تحصيل الحاصل وهو عبث لا فائدة فيه. وأجيب بأن الفعل ذا الأجزاء كالصلاة لا يحصل إلا بالفراغ منه لانتفائه بانتفاء جزء منه.
فليس يجزي من له يقدم ... ولا عليه دون حظر يقدم
أي فعلى أن التكليف يتوجه على المكلف قبل المباشرة لا يجزئ المكلف ما أتى به من المأمورات قبل وقته لأنه آت بغير ما أمر به فلا تبرأ ذمته ولا يقدم عليه إقدامًا خاليًا من الحظر أي المنع أي لا يجوز الإقدام على فعله فيقدم مبني للفاعل وهو المكلف (وذا التعبد .. )
أي وهذا الذي لا يجزئ أن قدم على وقته ولا يجوز الإقدام عليه هو ما تمحض للتعبد كالصلاة والصوم
وما تمحضا ... للفعل فالتقديم فيه مرتضى
يعني: أن ما تمخض للمفعولية كأداء الديون ورد الوديعة ورد المغصوب يرتضى تقديمه قبل وقت لزومه وإنما ارتضى لجوازه وإبرائه الذمة ما لم يشتمل التقديم على أمر محرم فيمنع للمعارض.
وما إلى هذا وهذا ينتسب ... ففيه خلف دون نص قد جلب
يعني: أن المنتسب إلى شائبة التعبد وشائبة المفعولية كالزكاة والوضوء يختلف في جواز تقديمه وإبراء الذمة منه بناء على تغليب إحدى
стр. 69
الشائبتين على الأخرى دون نص أي دليل على جواز تقديمه كالوضوء فيجوز اتفاقًا أن يصلي به قبل دخول الوقت ما شاء.
وقال إن الأمر لا يوجه ... إلا لدى تلبس منتبه
منتبه فاعل قال، أي: قال بعض الأصوليين ذو انتباه أي فطنة: أن الأمر وغيره من أقسام التكليف لا يوجه بالبناء للمفعول أي لا يتعلق بالفعل إلزامًا إلا عند التلبس به وإما قبل ذلك فإعلام، وإنما كان لا يتعلق به إلزامًا إلا عند المباشرة له لأنه لا قدرة عليه إلا حينئذ. قال زكرياء أي لأنها القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلا يكون إلا مع المباشرة.
اعلم أن الأصوليين من الأشعرية والمعتزلة متفقون على أن المأمور بالفعل بقصد الامتثال إنما يتعلق به الأمر عند الاستطاعة لكن للمعتزلة أصل وهو أن الفعل لا يكون متعلقًا للقدرة حال حدوثه فالاستطاعة عندهم قبل الفعل لا معه، وأصل الأشعرية أن القدرة الحادثة تقارن المقدور لا تسبقه فالاستطاعة عندهم معه لا قبله لأن القدرة الحادثة عرض، وبقاء العرض محال عندهم، فلو تقدمت على وجود الحادث لعدمت عند وجوده فلا يكون الحادث متعلقًا لها، فلزم على أصل الأشعرية أن الأمر إنما يتعلق بالفعل تعلق إلزام حال حدوثه لا قبله، ولزم على أصل غيرهم تعلقه به قبله لا معه.
فاللوم قبله على التلبس ... بالكف وهي من أدق الأسس
هو جواب عن ما قيل إنه يلزم عدم العصيان بترك ما أمر به إذا قلنا: إن الأمر لا يتوجه إلا عند المباشرة. والجواب أن اللوم قبل التلبس بالفعل مرتب على التلبس بالكف عن الفعل وذلك الكف منهي عنه لأن الأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه. واعترض بعضهم هذا التعليل بأن لا يفيد المطلوب وهو أن الكف منهي عنه لأن النهي يتوقف على وجود الأمر وهو متوقف على وجود التعلق الإلزامي وهو هنا منتف فينتفي الأمر فينتفي النهي وهو نقيض المطلوب. ومنعه في الآيات البينات بأن الأمر والنهي واحد عند السبكي، إذ مذهبه أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده،
стр. 70
فبالنسبة إلى الفعل أمر، وبالنسبة إلى الترك نهي، فمن أين الفرعية. قوله: وهي الخ .. يعني أن هذه المسألة التي هي الكلام على وقت توجه التكليف بالفعل المباشرة أو حالتها. قال القرافي: إنها من أدق الأسس بضمتين جمع أساس أي من أغمض الأصول مع قلة جدواها إذ لم تظهر لها ثمرة في الفروع وفيه نظر لما يذكر في البيت بعده.
وهي في فرض الكفاية فهل ... يسقط الإثم بشروع قد حصل
يعني: أن الفائدة المسألة المذكورة تظهر في فرض الكفاية هل يسقط الإثم عن الباقين بالشروع فيه أو لابد من كمال العبادة بناء على انقطاع التكليف بالشروع واستمراره؟ وتظهر في مسائل أخر قاله: حلولو في شرح جمع الجوامع.
للامتثال كلف الرقيب ... فموجب تمكنا مصيب
الرقيب من أسمائه تعالى يعني أنهم اختلفوا في فائدة التكليف هل هي الامتثال فقط وعليه فمن جعل التمكن من إيقاع الفعل شرطًا في توجه التكليف فهو مصيب أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء كما أشار له بقوله:
أو بينه والابتلا ترددا ... شرط تمكن عليه انفقدا
فاعل تردد ضمير التكليف المفهوم من قوله كلف، وبينه متعلق بتردد، والابتلاء معطوف على الضمير المضاف إليه دون إعادة الخافض لجوازه عند ابن مالك. يعني أن التكليف أي فائدته مترددة عند بعضهم بين الأمرين، فتكون تارة للامتثال فقط وقد تكون للابتلاء أي الاختبار هل يعزم ويهتم بالعمل فيثاب أو يعزم على الترك فيعاقب. قال حلولو: والحق الثاني وأن التمكن إنما هو شرط في إيقاع الفعل لا في توجه التكليف وإليه أشار بقوله شرط تمكن، قوله عليه أي: على القول الأخير:
عليه تكليف يجوز ويقع ... مع علم من أمر بالذي امتنع
في علم من أمر
стр. 71
يعني أنه ينبني على الخلاف في فائدة التكليف الخلاف في التكليف هل يجوز عقلًا ويقع شرعًا معلومًا للمأمور أثر سماعه الأمر للدال على التكليف مع علم الأمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته بناء على أن التمكن من الامتثال ليس بشرط، أو لا يعلم إلا بعد التمكن بناء على أنه شرط، والأول مذهب الجمهور. وحجة المخالف انتفاء فائدة التكليف من الطاعة والعصيان. وأجيب بوجودها بالعزم على الفعل فيترتب الثواب، والترك فيترتب العقاب. وقول المخالف لا يعلم المأمور بشيء إنه مكلف به عقب سماعه للأمر به، لأنه قد لا يتمكن من فعله لموته قبل وقته أو عجز عنه. جوابه أن الأصل عدم ذلك، وبتقدير وجوده ينقطع تعلق الأمر الدال على التكليف، كالوكيل في البيع غدا إذا مات أو عزل قبل الغد ينقطع التوكيل، وعلى الخلاف من أفطر متعمدًا في رمضان ثم جن أو مات بقية نهاره فتلزمه الكفارة على مذهب الجمهور، ولا تلزمه على المقابل. وقد أوجب مالك الكفارة على من أفطرت في أول النهار متعمدة ثم حاضت آخره. وأمر الأول مبني للمفعول، والثاني للفاعل، وقوله بالذي امتنع متعلق بتكليف، وفي علم متعلق بامتنع.
(كالمأمور في المذهب المحقق المنصور)
يعني أنه يصح التكليف ويوجد معلومًا للمأمور أثره مع علم الآمر والمأمور جميعًا انتفاء شرط وقوعه عند وقته، كأمر رجل بصوم يوم علم موته قبله، وكمن علمت بالعادة أو بقول النبي ﷺ : إنها تحيض في يوم معين من رمضان، هل يجب عليها افتتاحه بالصوم؟ فعندنا نعم، فإن المرخص في الإفطار لم يوجد، قال حلولو نعم لو علمت أنها تحيض قبل الفجر لم يتأت منها انعقاد الوجوب لفوات مقصد التكليف من العزم والاهتمام بالعمل.
فإن قلت: إذا علم المأمور انتفاء شرط الوقوع انتفت الفائدة التي هي العزم على الامتثال، فالجواب إنها موجودة على تقدير وجود الشرط، كما يعزم الزاني المجبوب على أن لا يعود إليه بتقدير القدرة عليه، وكذا من نظر إلى محرم فعمى فلا يشترط في كل العزم على عدم اتفاقا، بل يكفي الندم وحده. وقال القرافي في الذخيرة وقد
стр. 72
يكون الندم وحده توبة في حق العاجز عن العزم والإقلاع. قال في الآيات البينات: عدم اشتراط ذلك في صحة توبته لا ينافي ذلك صحة نظيره فائدة لصحة التكليف، ولهم أيضًا أن يتأيدوا بجواز التكليف بالمحال ولو لذاته، ثم قال: ولا يسع عاقلًا أن يعترف بوجود الفائدة في المحال الذاتي وينكرها فيما نحن فيه هـ. وبهذا يظهر لك أن جواز للتكليف في المسألة هو التحقيق وهو الذي نصره السكبي وأن حكى الآمدي وغيره الاتفاق فيها على عدم صحة التكليف.
стр. 73
كتاب القرآن ومباحث الأقوال:
يعني أن هذا هو كتاب تعريف القرآن وذكر مباحث الأقوال المشتمل هو عليها من الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم والناسخ والمنسوخ والحقيقة والمجاز وغير ذلك.
والمباحث جمع مبحث، بمعنى مكان البحث، والبحث: إثبات المحمول للموضوع أو سلبه عنه، والتقدير، والأماكن التي يقع فيها البحث من الأقوال، فمثال إثباته له قوله السبكي: ومنه البسملة فيه البحث عن البسملة التي هي من الأقوال أي إثبات محمولها، وهو بعضيتها منه ثابت لها، ومثال السلب قول الناظم وليس للقرءان تعزى البسلمة، والقرءان في اللغة مصدر بمعنى القراءة، غلب في العرف العام على كتاب الله المثبت في المصاحف كما غلب عليه في عرف الشرع الكتاب من بين سائر الكتب كما غلب الكتاب على كتاب سيبويه في عرف النحاة، وكما غلب على المدونة في عرف أهل مذهب مالك، ولا ينافي علميته، قولهم: إن اللام فيه للعهد وإن لزم اجتماع معرفين لأن المعرف هنا بمعنى العلامة قال زكرياء ثم قال: فإن قلت: قد منع اجتماعهما أكثر النحاة إجراء للعوامل اللفظية مجرى المؤثرات الحقيقية، قلت: قد نقل ذلك الرضى كغيره، ومع ذلك اختاروا جوازه إذا كان في احدهما ما في الآخر وزيادة كما هنا قال بدليل يا هذا، ويا عبد الله، ويا الله، قال: وما قيل أن العلم كبقية المعارف لا يضاف إلا أن نكر ممنوع، بل يجوز عندي إضافته مع بقاء تعريفه، إذ لا مانع من اجتماع تعريفين إذا اختلفا هـ.
стр. 74
والصواب عندي هو الذي في الآيات البينات تجريد ال حينئذ من معنى العهد، بل صارت من حيث صار علمًا مما لا معنى له أصلًا.
لفظ منزل على محمد ... لأجل الإعجاز وللتعبد
يعني أن القرءان عند علماء العربية والفقه وأصوله هو: اللفظ المنزل على محمد ﷺ لأجل الإعجاز بسورة منه ولأجل التعبد بتلاوته، أي: طلبه تعالى إياها من العباد لما فيها من الثواب لفاهم معناه وغيره، بل هو أفضل العبادات بعد الفرائض خلاف المعنى بالقرءان في أصول الدين من مدلول اللفظ القائم بذاته تعالى فيطلق القرءان على كل من الأمرين كما يطلق على كل منهما كلام الله، والكتاب.
ووجه الإضافة في تسمية كلام الله بالمعنى الثاني إنه: صفة له، وبالأول أنه: أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: ((بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ))، وبحروفه بلسان جبريل، لقوله تعالى: ((إنه لقول رسول كريم)) بناء على أن الرسول جبريل لا محمد ﷺ ، أو بلسان النبي ﷺ بناء على إنه محمد، لقوله تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك)) لأن المنزل على القلب هو المعنى واللفظ له ﷺ ثلاثة أقوال.
وهل إطلاق القرءان على الأمرين بالاشتراك، أو هو في الأول مجاز، مشهور الظاهر الاشتراك قاله ابن أبي شريف.
وهل يعتبر في التسمية بالقرءان بالمعنى الأول خصوص المحل فهو اسم لا تأليف القائم بأول لسان اخترعه الله تعالى فيه، أو المعتبر خصوص التأليف الذي لا يختلف باختلاف المتلفظين؟ الصحيح الثاني وهذا الخلاف جار في كل تأليف وشعر ينسب إلى أحد فخرج عن أن يسمى قرءانًا بالمنزل على محمد الأحاديث غير الربانية وتسمى بالنبوية وجه خروجها أن ألفاظها لم تنزل وإنما أنزل معانيها والنبي ﷺ عبر عنها بفلظه وكذلك ما كان عن اجتهاد فليس منزلًا لا لفظًا ولا معنى كما يخرج التوراة وسائر الكتب السماوية غيره، وخرج بالإعجاز
стр. 75
الأحاديث الربانية وتسمى الإلهية والقدسية وهي حكاية قول الرب كحديث الصحيحين (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) فإن ظن خيرًا فله وإن ظن شرًا فله أو كما قال.
والنبوية ما ليس كذلك، والإعجاز لغة إظهار عجز المرسل إليهم عن معارضته وفي عرف أهل أصول الدين إظهار صدق الرسول في دعواه الرسالة فهو لازم للمعنى اللغوي إذا المقصود من إظهار عجزهم إظهار صدقه في دعواه الرسالة والاقتصار على الإعجاز والتعبد بتلاوته وإن أنزل القرءان لغيرهما كالتدبر لآياته والعمل بما فيه لإنهما المحتاج إليه في التمييز لأن الأحاديث الربانية لم تنزل للإعجاز وإن كان منها ما هو معجز في نفسه قاله ابن أبي شريف. مع أن ابن الهمام اختار أن الإعجاز غير مقصود من الإنزال بل الإنزال للتدبر والتدبر والتفكير وإما الإعجاز فتابع وقد توقف فيه تلميذه ابن تلميذه ابن أبي شريف وخرج بالتعبد بتلاوته أبدًا ما نسخت تلاوته كآية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وتخرج به الأحاديث أيضًا لأنها ليست متعبدًا بتلاوتها وإن خرجت بما قبل قد يقال إن التعبد بالتلاوة حكم من أحكام القرآن والأحكام لا تدخل في الحدود لتوقف المحدود على الحد الذي من جملته التعبد بالتلاوة والحكم على الشيء فرع تصوره ففيه دور وهو من مبطلات الحدود، وجوابه أن الشيء قد يميز بذكر حكمه لمن تصوره بأمر شاركه فيه غيره كما إذا عرفت أن من اللفظ المنزل على محمد ﷺ ما نسخت تلاوته وما تعبد بتلاوته أبدًا ولم تعلم عين القرءان منهما فيقال لك هو اللفظ المنزل على محمد للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته.
والذي يظهر لي أن محل كون التعريف بالحكم دورا حيث حكم على المحدود به قبل ثم عرفه به كان يقول النحوي: باب منصوبات الأسماء ثم ذكر منها الحال وعرفه بأنه وصف فضلة منتصب .. الخ، إما أن عرف به ابتداء فلا دور فيه لأنه من جملة خواص المحدود.
تنبيه: إنما حد القرءان بما ذكر من الأوصاف مع تشخيصه ليتميز عما لا يسمى باسمه من الكلام وإن كان الجزء
следующие страницы →