← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20985

شرح التسهيل = تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد - ق 1

بدر الدين الدماميني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وبه نستعين] وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول العبد الفقير إلى المولى الغني محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني ﴿المالكي﴾ - عامله الله بلطفه الخفي وبره الخفي -: اللهم وإياك نحمد على نعم توجهت الآمال إلى نحوها فأسعفتها بتسهيل الفوائد، وشكت ما تلقاه من نقص الحظ فأسعدتها بتكميل المقاصد، ونشكرك على تصريفك لنا في خدمة كلمة الإسلام، وتوفيقك وإيانا إلى توحيدك الذي تكل عن وصف فضله المفرد جملة الكلام، ونسألك أن تشرح صدورنا بأنوار هدايتك فهي أعظم مطلوب، وتبعدنا عن مساوئ الأفعال الناقصة، وتسعدنا بمحاسن أفعال القلوب. ونشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، تعاليت أن تكون لك صفة مشبهة، ولم يحظ بذاتك ظرف الزمان ولا ظرف المكان، وأنى وهي عن سمات الحدوث منزهة؟ ، أنت الفاعل لما تختار، وكل شيء مفعول بقدرتك وإرادتك، ولا كائنة عند ذوي التمييز إلا وجمع أحوالها متعلقة بمشيئتك. ونشهد

стр. 2

أن محمدًا عبدك ورسولك العلم الذي هديت بمعارفه إلى الحق اليقين، وأنزلت عليه القرآن بلسان عربي مبين، ذو النسب الشريف الذي لشأنه التكبير ولشانئه التصغير، والدين الحنيف الذي نجا محالفوه وهلك مخالفوه، فانقسموا إلى جمع السلامة وجمع التكسير. ونصلي عليه وعلى آله وصحبه الذين جروا بميدان العربية فحولا لا يلحق لهم غبار، ورووا جمل أخبار الدين المفيدة فكان الرفع ثابتا لمحل تلك الأخبار، صلاة لا تزال الألسنة تجزم بفضلها وتعترف، ويدوم لقائها أحسن العيش ولا ينصرف، اللهم فأدم صلاتك عليه وعليهم، ووال تحياتك الطيبات واصلة إليه وإليهم. وبعد فلا يخفى أن الكتاب المسمى: بـ "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" تأليف الإمام العالم مالك/ أزمة الفضائل وابن مالكها، السالك من طرق العربية في أفسح مسالكها، ملك النجاة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك - رضوان الله عليه - كتاب جمع الفوائد جمع كثرة، وأفصحت كلماته التي غلبت قيمتها فكان كل كلمة منه درة، لا ينازع في فضله من دخل من باب الاشتغال إليه، وإذا عد غيره من الفضلات فلا شك في أن العمدة عليه، طالما جاد بالنفع المتعدي فكان شكره لازما، وعد حازما من كان بإسكانه في منازل التقدم جازما، جمع بين براعة العبارة والتنقيح، واعتنى بالإيجاز فاغتنى بالتلويح عن التوضيح، وحشا أصداف المسامع دررا لا عهد لها بمثلها، فظن بعض الطاغين أنه سار في صعب الطرق وفي الواقع لم يسر

стр. 3

إلا في سهلها وإنما أتى الطاعن من قبل غموض العبارة عن نظرة القاصر، ومني بضعف الإدراك وفقد الإسناد فأصبح لا قوة له ولا ناصر. هذا: وإني لما قدمت في أواخر شعبان المكرم من سنة عشرين وثمانمائة إلى كنباية من حاضرة الهند- عمرها الله (تعالى) بالإسلام وشاد أرجاءها بالأئمة الأعلام- وجدت فيها هذا الكتاب مجهولا لا يعرف، ونكرة لا تتعرف، قل من يشعر باسمه أو مسماه، أو يلمحه بالنظر فيكشف معماه ولا يجد المرء هناك منه ولا له أصلا ولا شرحا، ولا يبرح المتلفت إلى ورود مناهله يكابد ظمأ برحا، واتفق أني استصحبت منه السفر نسخة واحدة تخذتها رأس مال للنظر، وكانت بالفوائد على عائدة، ورآها بعض الطلبة قلمحها بعين الإحسان، وناجاه لسانها بألفاظ عذبة، فذاق منها حلاوة اللسان، إلا أنه رأى في كثير من الأماكن أبكار معان تحجبت بأبواب معلقة، فسألني أن أشرح هذا الكتاب شرحا يفتح أبوابه، ويذلل صعابه، ويجلو

стр. 4

عرائسه للأفهام، ويعقد الخنصر على ما يكشفه من الإبهام فاعتذرت أولا بأني لست من رجال هذه الصناعة، وأن فكري في تحصيل فوائدها مزجى البضاعة، وثانيا بأن هموم الحوادث والغربة قد أجلبت على بخيلها ورجلها، وحملتني جبال أنكاد تفتت حصاة القلب من أجلها. وثالثا بفقدان الشروح في هذه البلاد، وعزة ما أحتاج إليه من الكتب التي أفدي بياض أياديها بالسواد، حتى لقد وقعت على نسخة من شرح ابن قاسم أتى بها إلي من أواصل، فقلت: لعلي أذود بها عن مقاصد الكتاب وأصاول، وأستعين بها فيها- وإن كان يسيرا- على ما أنا له من الشرح أحاول. وراجعت النظر فإذا المرام الذي تخيلت مما تقصر عنه يد المتطاول لما في هذه النسخة من اختلال لا يرى معه الناظر لمقدمات القصد

стр. 5

إنتاجا، وسقم لا يجد له طبيب الفهم دواء ولا يستطيع له علاجا، فكيف لي مع هذه المهالك بالوصول إلى ذلك المطلب؟ وأني أظفر بتذليل الصعاب وقد عز ما أتطلب؟ وبينما أنا أقدم في الإجابة رجلا وأؤخر أخرى، وأسوف الطالبين بالنجاز، والتسويف بالفقير أحرى، وأخشى معرة الفضيحة، وأؤثر الستر على القريحة القريحة، وأعلم أن أعراض المصنفين أغراض لسهام ألسنة الحساد، وأن حقائب تصانيفهم معرضة لأيدي النظار تنتهب فوائدها ثم ترميها بالكساد. والفكر يشير إلى أن الإجابة ربما تبرد كبدا حرى، وأن التأليف ربما انتفع به فأجرى لصاحبه أجرا، فابتهجت بتلك الإشارة وانتهجت طريقها التي أهدت لطائف البشارة، وأقبلت على إسعاف الطالب بمطلوبة، وأعرضت على الجارين على نهج الحسد/وأسلوبه، وقلت: هب كلا بذل في متابعة الهوى مقدوره، والتهب حسدا ليطفئ نور البدر ويأبى الله إلا أن يتم نوره فهل هي إلا منحة أهداها الحاسد من حيت لا يشعر، وفعلة ظن أنها تطوي جميل الذكر فإذا هي تنشر؟ :

стр. 6

وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود ولما تحرك العزم لإسكان هذا الشرح في منازل الوجود، وسمح الفكر به يبذل ما هو عنده من الفوائد موجودة، وشاء الله أن يكون أفق الهند منشأ لظهوره، وسماء لطلوع بدره وسفوره، رأيت أن أتوسل به إلى الوفادة إلى الأرض التي نشأ فيها وربا في حجور نواحيها على ما أناخت بأبوابه ركائب الوفود، وصدرت عنه مملوءة الحقائب بعجائب الكرم والجود، إمام العصر الذي تقدم فقامت الرعايا صفوفا على أقدام الطاعة لإمامته، وخلف السلف الماضين في العدل والإحسان فأدام الله أيام خلافته، سلطان العالم الذي أصاب بسهام آرائه الشريفة أشرف الأغراض، وسما عرضه النقي إلى أن أصبح كالجوهر بين الأعراض، وقضى عدله لقطر الإسلام بالعمارة وعلى ديار الكفر بالخراب، وأورد العفاة مناهل كرمه الصافية وصير شراب العداة كالسراب، وإن

стр. 7

صعبت مقاصد المقترين فبيده أزمة التسهيل والمنح، وإن أغلقت دونهم أبواب المكارم فهو على الحقيقة أبو الفتح، مولانا السلطان الأعظم، ملاذ سلاطين العرب والعجم، حامي بيضة الإسلام، ماحي ظلم الظلم بنور العدل في الأحكام، عالم السلاطين سلطان العلماء، عظيم السادات سيد العظماء، المؤيد بالنصر والفتح المبين، ناصر الملة والحق والدين، أبي الفتح أحمد شاه السلطان بن السلطان محمد شاه بن السلطان مظفر شاه ﵁ وأرضاه): إمام أحاديث العلا عنه أسندت ... فبادر لكي تروي لأحمد مسندا حياة لمظلوم هلاك لظالم ... فبالبأس والإحسان أشقى وأسعدا فكم من عفاة نحوه قد ترددت ... على أنه في برهم ما تردد ولم تحو أخبار السلاطين غاية ... من الرفع إلا كان في المحال مبتدا لقد وزن الأفعال بالعدل دائما ... وعرف أسبابا تنجي من الردى فلم ينصرف عن رتبة الفضل إذ أتى ... بوزن وتعريف أبانا عن الهدى وتلك رأيناها لأحمد سنة ... فعد لحماه تشهد العود أحمدا جعل الله المماليك منظومة في سلك ملكه، وأقطار الأرض جارية في حوزه

стр. 8

وفلكه، فحينئذ تركت الأقلام تسعى في كتابة هذا الشرح على الرؤوس، وطرزته برسم هذا السلطان الذي يثبت بوجوده كل سرور وينتفي كل بوس، وحسن عندي أن أتوسل بذلك إلى أبوابه الشريفة، وأتوصل إلى الدخول تحت ظلاله الوريفة، على أني على العجز والتقصير مجبول. وقد أبديت وجوه معذرتي والعذر عند كرام الناس مقبول. وسميت هذا الشرح بـ "تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد" وبالله أستعين، في القول والعمل، وإياه أسأل أن يبلغنا من خير الدارين غاية الأمل بمنه ويمنه.

стр. 9

ولنقدم أمام الشرح كلاما يتعلق بترجمة المصنف فنقول: هو الإمام العلامة المقرئ النحوي اللغوي الحافظ المشهود بجلالة القدر ورفعة الدرجة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ابن محمد بن عبد الله) أيضا ابن مالك الطائي الأندلسي الجياني (بجيم مفتوحة وياء مثناة من تحت مشددة فألف فنون فياء) (نسب) (نسبة إلى جيان) بلد من بلاد الأندلس. ولد في / سنة ستمائة، ونشأ واعتنى بعلوم

стр. 10

العربية فأتقنها ونبغ فيها، وحاز قصب السبق، وغرب ثناؤه وشرق، وتناقلت الركبان حديث فضله حجازا وعراقا: فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغنو مغردا ارتحل على حماة من البلاد الشامية، وأقام بها مدة ونشر بها علما جما، ثم استوطن دمشق، وعكف بها على الإفادة وانتفع به خلائق، ولم يزل على ذلك إلى أن توفى بها في شعبان سنة اثنين وسبعين (بالياء الموحدة) وستمائة - رحمة

стр. 11

الله (تعالى) عليه - ودفن بفسح جبل قاسيون. وقال صاحبه الشيخ الإمام بهاء الدين (بن) النحاس الحلبي ﵀ يرثيه: قل لابن مالك ان جرت بك ادمعي ... حمرا يحاكيها النجيع القاني فلقد جرحت (القلب) حين نعيت لي ... فتدفقت بدمائه أجفاني لكن يسهل ما أحس من الأسى ... علمي بنقلته إلى رضوان فسقى ضريحا ضمه صوب الحيا ... تهمي له بالروح والريحان قرأ النحو والقراءات على ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار أبي

стр. 12

طاهر الكلاعي اللبلي، وقرأ كتاب سيبويه علي بن أبي المرشاني.

стр. 13

ومن مشايخه ابن يعيش شارح " المفصل"، لازمه مدة ثم حضر عند تلميذه ابن عمرون فأعجب به وترك مجلس ابن يعيش. ويقال: أنه جلس عند أبي علي الشلوبين بضعة عشر يوما. قلت: وقد ذكر الشيخ تاج الدين التبريزي في أواخر شرحه "للحاجبية النحوية" أن ابن مالك جلس في حلقة تدريس ابن الحاجب ﵀ -

стр. 14

وأخذ عنه (واستفاد منه)، ولم أقف على ذلك لغيره، ولا أدري من أين أخذه والله أعلم بحقيقة الحال. ومن تصانيفة " الإعلام بمثلث الكلام" كتاب بديع في بابه و "التوضيح في إعراب أشياء من مشكلات البخاري" أبان فيه عن اطلاع واسع ومادة غزيرة، و"قصدته الطائية" في الفرق بين الظاء والضاد، وشرحها، و "قصيدته اللامية" في أبنية الأفعال و "عمدته" في النحو وشرحها، وأرجوزته الكبرى المسماة "الكافية الشافية" وشرحها، وأرجوزته المختصرة من الكبرى (وتعرف) بـ "الألفية"، وجل اشتغال الطلبة المصريين في هذا

стр. 15

الزمان بها. قال ابن رشيد: ونظم رجزا في النحو عظيم الفائدة تستعمله المشارقة، ثم نثره في كتابه المسمى: بـ "الفوائد النحوية والمقاصد المحوية"، ثم صنف كتابه: "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد"، تسهيلا لذلك الكتاب وتكميلا، وإنه لاسم طابق مسماه وعلم وافق معناه، غير أنه في بعض الأبواب يقصر عن معتاده ويترك ما ارتهن في إيراده، فسبحان المتفرد بالكمال. قلت: وقد قرظ سعد الدين بن العربي الصوفي ﵀ الكتاب المذكور المسمى "بالفوائد النحوية" فقال: إن الإمام جمال الدين فضله ... إلهه ولنشر العلم أهله

стр. 16

أملي كتاب له يسمى الفوائد لم ... يزل مفيدا لذي لب تأمله وكل مسألة في النحو يجمعها ... إن الفوائد جمع لا نظير له فظن الصلاح الصفدي أن هذا تفريط لـ (تسهيل الفوائد) فقال في كتابه المسمى بـ "فض الختام عن التورية والاستخدام": هذا في غاية الحسن لو كان الكتاب المذكور يسمى بـ "الفوائد" وإنما اسمه: "تسهيل الفوائد" فذكر المضاف إليه وترك المضاف الذي هو العمدة، فجعل التورية بسبب ذلك مقدوحا فيها، وقد علمت اندفاع ذلك، وإنما نشأ له هذا الوهم من عدم اطلاعه على الكتاب المسمى بـ "الفوائد" وهو معزور لعزة وجوده.

стр. 17

رواية الدماميني للتسهيل قلت: وأنا/ أروي كتاب التسهيل هذا عن شيخنا برهان الدين ابراهيم ابن أحمد بن عبد الواحد الضرير الشامي المقيم بجامع الأقمر من القاهرة المصرية، كان ﵀ (تعالى) - أخبرنا به إجازة، قال: أخبرنا الشيخ أثير الدين أبو حيان سماعا عليه، قال: أخبرنا (الشيخ)

стр. 18

ابن أبي الفتح البعليكي إجازة، قال: أخبرنا الإمام جمال الدين محمد بن مالك إجازة قال:

стр. 19

مقدمة التسهيل وشرحها الجار والمجرور (المضاف) في محل نصب على الحال، وهو ظرف مستقر متعلق بمقدر عام (محذوف) (أي) ملتبسا باسم الله، والمعنى بحسب القرينة: متبركا باسم الله، لكن ذلك لا يوجب كونه ظرفا لغوا، كما في الجار والمجرور من قولك: زيد على الفرس، فإنه متعلق بكون عام، أي: كائن على الفرس، وهو بحسب القرينة بمعنى راكب، فيجعل ظرفا مستقرا لا لغوا، وصاحب تلك الحال هو الضمير المستكن في عاملها المقدر، إذ المعنى: متبركا باسم الله أبتدئ الكتاب. "حامدا لله" حال بعد حال، ترك المصنف عطفها على الأولى إشعارا بالقصد إلى التسوية بين التسمية والحمد في جعل كل منهما مبتدأ به، ليتوصل بذلك إلى الجمع بين الحديثين الواردين في ذلك: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه

стр. 20

مقدمة التسهيل وشرحها ببسم الله فهو أبتر" و"كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"، فوقع الابتداء بالتسمية حقيقة إيثارا لمتابعة الكتاب العزيز وما عليه الإجماع، ووقع بالحمد له أيضا، لكن بالإضافة إلى ما بعده، والابتداء أمر عرفي يعتبر ممتدا من حين الأخذ في التصنيف إلى الشروع في البحث، فكل من الحالين المذكورين، وما بعدهما مقارن (له)، ويقع في بعض النسخ بعد التسمية لفظ (قال) مسندا إلى المصنف ﵀، وبعد ذلك قوله: حامدا لله. ولا يخفى أن ما في هذه النسخة مانع من حمل الكلام على ما قررناه آنفا، وكأنه -الله أعلم- من تصرف النساخ.

стр. 21

فإن قلت: بتقدير ثبوته كذلك عن المصنف يكون "حامدا لله" - بحسب الظاهر- حالا من فاعل (قال)، لكن المقول -وهو قوله فيما يأتي: هذا كتاب في النحو ... إلى آخره - مانع من مقارنة الحال لعاملها. وإن قلت (حامدا) بمعنى: مريدا للحمد؛ لتتأتى (المقارنة) فات المقصود الأهم من ابتدائه بالحمد قبل الشروع في الأمر ذي البال الذي هو بصدده، فماذا تصنع فيه؟ قلت: أجعله: حينئذ حالا مؤكدة لعاملها المقدر، أي: أحمد حامدا لله، على ما هو الأصح عند المصنف في (مثل) عائذا بالله، وأقائما وقد قعد الناس؟

стр. 22

أو مفعولا مطلقا جاء على وزن فاعل كما هو مذهب المبرد حينئذ فالقول هو مجموع المقدر والمذكور من قوله: أحمد حامدا لله إلى آخر الكلام. "رب العالمين" أي: مالكهم، والعالمون جمع عالم، وهو اسم مشتق من العلم، لكنه اسم لذوي العلم أو لكل جنس يعلم به الخالق، سواء كان من ذوي العلم أو لا، كالطابع لما يطبع به والخاتم لما يختم به، يقال: عالم الملك وعالم الإنس وعالم الجن، وكذا عالم الأفلاك وعالم النبات وعالم الحيوان، وليس اسما لمجموع ما سوى الله تعالى، بحيث لا يكون له أفراد بل أجزاء فيمتنع

стр. 23

جمعه، والمصنف يخالف في ذلك، وسيأتي الكلام عليه عند إفضاء النوبة إليه إن شاء الله تعالى. "ومصليا" حال أخرى عطفها على ما قبلها إشعارا بتبعيتها للتبرك بالتسمية والحمد في المقارنة لابتداء الكتاب. "على محمد سيد المرسلين" فيه استعمال السيد في غير الله ويشهد له من الكتاب (العزيز) قوله تعالى: ﴿وسيدا وحصورا﴾ وقوله (تعالى) ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. ومن السنة قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا

стр. 24

فخر" / وقوله في الحسن بن علي ﵉: "إن ابني هذا سيد"، وقوله: "قوموا إلى سيدكم". وفي "المقتفى" لجدي من قبل الأم قاضي القضاة ناصر الدين بن المنير صاحب "الانتصاف من الكشاف" ﵀ حكاية ثلاثة أقوال في المسألة: جوار إطلاقه على الله وعلى غيره، (وامتناع إطلاقه على

стр. 25

الله حكاية عن الإمام مالك)، وامتناع إطلاقه إلا على الله تمسكا بما روي أنه ﵇ قالوا له: ياسيدنا، فقال: "السيد هو الله". وقد عرفت أن في هذا الكتاب والسنة ما يدل على خلاف ذلك. ونقل النووي في الأذكار عن النحاس أنه جوز إطلاقه على غير

стр. 26

الله إلا أن يعرف بأل، ثم قال: والأظهر جوازه بالألف واللام لغير الله تعالى. "وعلى آله" هم بنو هاشم وبنو المطلب على المختار عندنا وعند الشافعية وقيل: عترته وأهل بيته، وقيل: جميع أمته، وهو قال ينقل عن الإمام مالك -رضي الله (تعالى) عنه- والصحيح جاز إضافة أل إلى مضمر كما استعمله المصنف، وسيأتي فيه كلام، وبعضهم يدعي أن أصله: أهل، فقلبت الهاء همزة ثم الهمزة ألفا، ويستدل بتصغيره على أهيل، وهو غير متجه، فقلبت الهاء همزة ثم الهمزة ألفا، ويستدل بتصغيره على أهيل، وهو غير متجه، فإنهم قالوا: أهل وآل وأهيل وأويل. "وصحابته أجمعين" الصحابة بفتح الصاد وقد تكسر، تطلق على الصحبة وهي المعاشرة، وتطلق على الأصحاب جمع صاحب، والصحابي: من اجتمع مؤمنا بالنبي ﷺ وإن لم يرو (عنه) ولم تطل مجالسته له، هذا هو الصحيح من الخلاف فيه، وبين الآل والصحابة عموم وخصوص من وجه، فعلي ﵁ من

стр. 27

الآل والصحابة وسلمان الفارسي ﵁ من الصحابة لا من الآل والتابعي الذي هو من بني هاشم أو بني المطلب من الآل لا من الصحابة. "هذا" أشار به إلى ما قدره في نفسه مما اشتمل عليه هذا التأليف، وإن لم يكن حينئذ موجود بالفعل لقوة الأسباب المقتضية لحصوله وحضوره في الخارج، وإنما قلنا ذلك لما يشعر به قوله فيما يأتي: وها أنا ساع فيما انتدبت إليه. من أنه قال ذلك قبل الشروع في التصنيف. وفصل الجملة الإسمية المركبة من (هذا) وخبره عما قبلها لعدم الجامع بينهما، وهو مقتض لكمال الانقطاع كما علم في موضعه. "كتاب في النحو"، أي: كائن فيه، المراد -بحسب القرينة- مؤلف فيه، على تشبيه ملابسة ما بين اللفظ والمعنى بملابسة الظرفية، وتارة بجعل المعنى ظرفا للفظ، (كما) عمل المصنف من جهة كونه حاصرا له آخذا بجوانبه بحيث لا يخرج طرف من اللفظ عن طرف من المعنى، وهو أمر شائع، يقال: هذه الآية في حكم كذا، وهذا الكتاب في علم كذا، وهذه القصيدة في مدح فلان. وتارة بجعل اللفظ ظرفا للمعنى، كما يقال: هذه المسألة في كتاب كذا، وهو ظاهر، حتى شاع أن الألفاظ أوعية للمعاني وقوالب لها وبمنزلة الكسوة واللباس. والنحو: علم باصول يعرف بها أحوال الألفاظ العربية بحسب تركيب بعضها مع بعض وتأديتها لأصل المعنى.

стр. 28

فإن قلت: بعضهم عرف النحو بما يشمل فني الإعراب والتصريف فيقال: هو علم بأصول يعرف بها أحوال الألفاظ العربية إفرادا بحسب هيئاتها وما يعد من أحوال أبنيتها أو تركيبا بحسب ما يعرض لها من الأمور التي يؤدي بها أصل المعنى. وهذا الذي ينبغي أن يحمل كلام المصنف عليه؛ لأن كتابه مشتمل على القسمين، / وذلك ظاهر في أنه لم يرد بالنحو ما يقابل التصريف. قلت: حمل كلامه على هذا لا يجدي نفعا: أما أولا: فلأنه جعل التصريف علما مستقلا برأسه وعرفه فيما هو مذكور في محله من كتابه، فتعين أنه لم يرد بعلم النحو ما يشمل الفنين. وأما ثانيا: فلأنه أدخل في كتابه هذا علم الخط (أيضا)، فإذا لا يندفع بذلك السؤال بأن كتابه هذا حاو لعلم النحو وغيره، فلم خصص النحو بالذكر؟ وإنما الذي ينبغي أن يحمل عليه أنه أراد بالنحو ما هو معروف في الاصطلاح المشهور كما تقدم. ويوجه تخصيصه له بالذكر دون التصرف والهجاء مع اشتمال تصنيفه على الجميع: بأنه ذكر معظم ما هو فيه وهو النحو بناء على أنه المقصود له بالذات وما عداه يسير بالنسبة إليه ومذكور بحسب التبعية له لغرض يتعلق بذلك عنده. "جعلته"، أي أنشأته، بمعنى أردت إنشاءه لما سبق، "بعون الله"

стр. 29

ظرف مستقل في محل نصب على الحال من فاعل (جعلته)، أي حال كوني متلبسا بعون الله، وهذا لا ينافي كونه مستقرا كما مر (في بحث البسملة). "مستوفيا لأصوله"، أي آخذا لها بكمالها، من قولك: استوفى فلان؟ (حقه)، إذا أخذه وافيا كاملا. والأصول: جمع أصل، وهو ما يتفرع عليه غيره، وكأنه أراد به القاعدة، وهي: حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته لتعرف أحكامها منه كقولنا: كل فاعل يجب رفعه. و(مستوفيا)، حال من مفعول جعلته، فقد توالت حالان من شيئين الأولى للأول والثانية للثاني كما في قوله تعالى: ﴿الذين تتوافهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾، (لكن) أولى الحالين هنا من المفعول والثانية من الفاعل عكس ما في كلام المصنف، فالتوافق بينهما في مطلق الأولية والثانوية، والتخالف في خصوص الأول والثاني. "مستويا على أبوابه وفصوله"، أي ظاهرا عليها بالغا منها الغاية، من قولهم: استولى على الأمر، أي: بلغ الغاية منه. وأبواب العلم مداخله التي يتوصل إليه منها، استعيرت من أبواب الدار، وهي منافذها التي يدخل منها إليها. والفصول: جمع فصل وهي ترجمة لطائفة من مسائل الباب مشتركة في حكم يختص بها، كالفصل الذي يذكر في باب الفاعل متضمنا للمواضع التي

стр. 30

يجب فيها تقديمه مثلا، فهو أخص من مطلق الباب، وربما يذكر فيه أشياء خرجت عن القواعد وشذت عن النظائر وعسر انقيادها لأزمة الضوابط. وإنما ييفعل المصنفون ذلك تسهيلا على الأفهام وضبطا للأحكام؛ لئلا تنتشر فيعسر تحصيلها، وترجموه بالفصل لأنه فاصل أي قاطع لما فيه عن الاختلاط بغيره. وفي قوله: مستوفيا ومستوليا الجناس (المضارع؛ لأن الحرفين اللذين وقع بهما الاختلاف -وهما الفاء واللام- متقاربان في المخرج. وفي: أصوله وفصوله الجناس) اللاحق لوقوع الاختلاف بحرفين متباعدين وهما الهمزة والفاء. "فسميته"، أي الكتاب المذكور "لذلك" الأمر الذي سبق من جعله مستوفيا لأصول النحو مستوليا على أبوابه وفصوله "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد"، فهو علم قصدت مناسبته، ووجه ذلك أن الاطلاع على جميع الأصول والإحاطة بها على التمام بحيث لا يشذ منها شيء، أمر يسهل على الفهم استثمار الفوائد، وييسر عليه تفريعها والبلوغ (من الأبواب والفصول) إلى الغاية بحيث يطلع منها على الفروع المبنية على الأصول ويعرف/ منها المسائل التي قد تشذ عن الضوابط ولا تكاد تدخل تحت قانون حاصر مكمل للمقصود من تحصيل الفن على الوجه الأكمل. فظهرت المناسبة. وجعله نفس التسهيل والتكميل على طريق المبالغة. و (أل) في الفوائد والمقاصد إن كانت للعهد في "الفوائد النحوية والمقاصد المحوية"-وهو الكتاب

стр. 31

الذي تقدم التنبيه عليه في الترجمة- فصحيح ولا مبالغة فيه، وإن كانت للاستغراق والمعنى أن محصل هذا الكتاب يصل إلى كل الفوائد وكل المقاصد فهو صحيح على وجه المبالغة. وفي قوله: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، الترصيع، فإن كلا من لفظي القرينة الأولى موافق لما قبله من القرينة الثانية في الوزن والتقفيه. "فهو" بالفاء وفيها رائحة من معنى الجزاء، أي إذا كان حال هذا الكتاب على (ما) ذكر (فهو) "جدير"، أي حقيق "بأن يلبي"، أي: يجيب بلبيك، ويجوز ضبط حرف المضارعة بالتاء الفوقية (أو الياء التحتية). "دعوته" بفتح الدال، الدعاء إلى الطعام، والمرة الواحدة من قولك: دعوت فلانا أي: صحت به واستدعيته. "الألباء" جمع اللبيب وهو العاقل، وفيه تعريض بأن المعرض عم الإقبال على هذا الكتاب غير معدود من العقلاء. وتشبيه الكتاب في النفس بإنسان ينادي الناس على ضيافته ونيل مكارمه استعارة بالكناية، وإثبات الدعوة له استعارة تخييلية وذكر التلبية وترشيح. "ويجتنب" بالنصب عطفا على (يلبي) من قولك: اجتنبت فلانا إذا أبعدت عنه وتركته، وحرف المضارعة هنا أيضا إما فوقية أو حتية كالأول. "منابذته" أي: مطارحته ومتاركته، مصدر نابذه من النبذ، وهو طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو ما هو أعلم من ذلك, والمصدر المذكور إما مضاف إلى الفاعل، أي: تجنبت النجباء منابذته إياهم، أو إلى المفعول، أي: منابذتهم

стр. 32

إياه. وعدل عن النبذ إلى المنابذة للإشعار بالمشاركة، أي: يجتنبون نبذهم له بالفتور عنه وترك الإقبال عليه، ونبذه لهم بمنعه إياهم عما حواه من النفائس واشتمل عليه من الفوائد، (عد) عدم حصولهم منه على ذلك عند إهماله منعا منه لهم، ومقابلة لإعراضهم عنه بحرمانه إياهم لنكته ولطائفه على سبيل الادعاء والمبالغة، وفي ذلك من حيث الهمم والقرائح على تحصيله والاعتناء بشأنه مالا يخفى. "النجباء" جمع النجيب، وهو الحسيب والكريم. وقدم المفعول في كل من هاتين القرينتين إما للإهمال بشأنه أو للمحافظة على السجع الحسن. فإن قلت: السجع حاصل مع تأخير المفعول؛ إذ لو قال: بأن يلبي الألباء دعوته ويجتنب النجباء منابذته، لم يفت السجع؟ قلت: نعم، لكنه تفوته نكتة بديعية هي من المحسنات المقصودة للبلغاء؛ إذ في التسجيع بالألباء والنجباء لزوم مالا يلزم: وهو الإتيان بالباء قبل الألف، وهذا منتف لو سجع بدعوته ومنابذته. "ويعترف" بالنصب أيضا عطفا على ما تقدم، أي: يقر "العارفون"، أي: أهل المعرفة، وفيه تعريض بأن غير المعترف بفضله معدود من ذوي الجهالة لا من أهل المعرفة، وفي هاتين الكلمتين ما يشبه الاشتقاق، فيلحق ذلك

стр. 33

بالجناس. "برشد المغرى بتحصيله" الباء الأولى متعلقة بيعترف والثانية بالمغرى، أي يقروا بانتفاء الغي عنه. والرشد- على زنة القفل- خلاف الغي، وكذا الرشد على زنة الفرس، والرشاد على زنة الكمال: كل ذلك بمعنى. والمغري -بضم الميم وفتح الراء- اسم مفعول من أغرى بكذا أي: أولع به. وتحصيل الكلام: رده إلى محصوله. كذا في "صحاح" الجوهري. "وتأليف" بالنصب أيضا معطوف على ما سبق "قلوبهم" أي: قلوب العارفين أي: يقع بينها ائتلاف/واتفاق. "على تقديمه وتفضيله" يحتمل عود الضمير إلى المغرى وإلى الكتاب. وفي هاتين لفاصلتين لزوم ما لا يلزم، وهو الياء قبل اللام، إذ لو أتى في إحداهما بالواو لجاز ولم يضر في السجع، كما يجوز اجتماع قافلتين إحداهما مردفة بالواو والأخرى بالياء في قصيدة واحدة على ما تقرر في محله

стр. 34

"فليثق" أي إذا تقرر ذلك فليثق "متأمله" أي: الناظر فيه المستبين له. "ببلوغ أمله" أي: بحصوله على ما يؤلمه من الفوائد ويرجوه من جميل المقاصد. والأمل: الرجاء. وبين متأمله وأمله شبه الاشتقاق، فيلحق بالجناس. "وليتلق" أي: ليستقبل، تقول: تلقيت فلانا إذا استقبلته. "بالقبول" أي: الإذعان وعدم الإنكار. "ما يرد" أي: يحضر "من قبله" أي: جهته. وبين القبول وقبله اشتقاق أو ما يشبه الاشتقاق، فهو من الملحق بالجناس، وقد التزم في السجعتين لزوم ما لا يلزم، وهو الفتحة قبل اللام من أمله وقبله. "وليكن لحسن الظن آلفا" على زنة فاعل من قولك: ألفه يألفه كشربه يشربه، إذا اتخذه إلفا يأنس به ويركن إليه. "ولدواعي الاستبعاد مخالفا" أي: غير مجيب إلى ما تدعوه إليه من الإزراء واستبعاد أن يصدر ما رآه من الفضل عن من صدر عنه من أهله. وفي القرينتين لزوم ما لا يلزم، وهو الاتيان باللام قبل الفاء في آلفا ومخالفا. "فقلما حلي متحل بالإستبعاد إلا بالخيبة (والإبعاد) ". حلي: بفتح الحاء المهملة وكسر اللام -بمعنى ظفر، من قولهم: لم يحل (فلان) من فلان بطائل، أي: لم يستفد منه كبير الفائدة. فإن قلت: المنصوص انه لا يتكلم به إلا مع الجحد، فأين هو؟ قلت: في (قلما) معنى النفي، قال أبو علي الفارسي: قلما يكون بمعنى

стр. 35

النفي الصرف نحو: قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب لا غير، ولو كان للإثبات لجاز الرفع كما هو مقرر في نواصب الفعل ويجيء بمعنى إثبات الشيء القليل، ويجوز أن يكون حلي من قولهم: حليت المرأة، أي: صارت ذات حلي، فيكون من (باب) الإستعارة التبعية التهكمية، وكذا قوله: متحل بالاستبعاد، حيث جعل الخيبة والاستبعاد حليا يتزين به على سبيل الاستهزاء والسخرية. والباء من قوله: بالاستبعاد متعلق بمتحل، ومن قوله: بالخيبة متعلق بحلي، والاستثناء مفروغ. والخيبة والحرمان يقال: خيبه الله، أي: أحرمه. والإبعاد التنحية عن الخير واللعن، يقال: أبعده الله، أي: نجاه عن الخير ولعنه. "وإذا كانت العلوم منحا" بكسر الميم وفتح النون، جمع منحة، وهي العطية، مثل: سدرة وسدر. "إلهية" أي: عطايا منسوبة إلى الإله، وهو الفاعل لما يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. "ومواهب" جمع موهبة وهي العطية أيضا، والمراد بكونها "اختصاصية" نسبتها إلى اختصاص الله الذي يختص برحمته من يشاء، لا معقب لحكمه ولا رراد لقضائه.

стр. 36

والفاء في قوله: "فغير مستبعد"رابطة جواب الشرط، ومدخولها خبر قد لإرادة التشويق إلى ذكر المسند إليه، وهو قوله: "أن يذخر" بالبناء للمفعول وذال معجمة ساكنة، مضارع ذخر من قولك: ذخر الشيئ، إذ اختير أو اتخذ على جهة الاختصاص له، ومنه الذخيرة، وهي: ما يختص من المال بالاتخاذ لدفع النوائب. "لبعض" لعلماء "المتأخرين" الجار متعلق بيذخر، والنائب عن فاعله "ما عسر" على زنة شرف، أي: اشتد والتوى ولم يتيسر. "على كثير من" العلماء "المتقدمين" الذين بعد العهد بزمانهم، وكيف يستبعد هذا مع أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؟ وما أحسن قول المبرد: "ليس بقدم العهد يفضل القائل، ولا بحدثانه يهتضم المصيب، / ولكن يعطي كل ما يستحق" هذا كلامه ﵀ (تعالى) - قلت: وكثيرا ما أتى الناس من جرى هذه البلية الشنعاء، فركبوا مطية الهوى وسقطوا في هوية الرذيلة، لا يبالون بعار ولا فضيحة، فتراهم إذا قرع أسماعهم شيء من النكت الحسنة غير معزو إلى معين هزوا المعاطف

стр. 37

طربا واستحسانا، بناء على أن ما ألقي إليهم هو بنات أفكار المتقدمين، حتى إذا علموا أن ذلك لبعض أبناء عصرهم استحالوا على الفور ونكصوا على الأعقاب وانقلب استحسانهم استقباحا وادعوا (مع إصرارهم على الاستحسان) أن صدور مثل ذلك عن عصري (أمر) مستبعد، فباؤوا من هذه الفعلة بسوء الأحدوثة، وتلطخوا من قبح الصنيع بعار لا يغسل دنسه إلا البحر، وما الحامل لهم على ذلك إلا حسد ذميم وبغي مرتعه وخيم؛ ولهذا عقب المصنف هذا الكلام بالاستعاذة من الحسد الذي وصفه بما وصف في قوله: "أعاذنا الله من حسد" والحسد: هو ظلم ذي النعمة بتمني زوالها عنه وصيرورتها إلى الحاسد مشعرة به، إذ الإنصاف هو الجري على سنن الاعتدال والاستقامة على طريق الحق. وهذا الوصف لا يتأتى وجوده مع الحسد ضرورة أنه لازم للانحراف عن سنن الحق فلا اعتدال معه، فهو ساد لباب الإنصاف بلا شك. والغرض من الإتيان بهذا الوصف التأكيدي النداء على كمال بشاعة الحسد

стр. 38

وتقرير ذمه وزيادة التمكين بقبحه والتنفير عنه. نعم: قد يطلق الحسد مجازا على الاغتباط وهو تمني مثل تلك النعمة من غير إرادة زوالها عن صاحبها فلا يكون مذموما، وليس الكلام فيه. وفي قوله: يسد باب الإنصاف استعارة مكنية وتخييلية وترشيحية. "ويصد" أي يمنع "عن جميل الأوصاف" ومحاسن الأخلاق، وفي يسد ويصد الجناس المضارع، وفي السجعتين لزوم ما لا يلزم، وهو الإتيان بالصاد قبل الألف في الإنصاف والأوصاف. "وألهمنا" أي: ألقي في روعنا بطريق الفيض "شكرا" وهو: مقابلة النعمة بقعل ينبئ عن تعظيم المنعم، سواء كان باللسان بأن يثنى عليه باللفظ، أو بالجنان بأن يعتقد أنه ولي النعمة، أو بالأركان بأن يدئب جوارحه في الطاعة له. وقد جمعها الشاعر في قوله: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا أي: أفادتكم إنعاماتكم علي ثلاثة أشياء: المكافأة باليد ونشر المحامد باللسان ووقف الفوائد على المحبة والاعتقاد.

стр. 39

وليس المراد بإنشاد هذا البيت الاستدلال به على أن لفظ الشكر يطلق عليها كما فهمه الشيخ بهاء الدين السبكي هن الزمخشري، فاعترض بأن البيت ساكت عن ذلك، وإنما المراد التمثيل بجمع شعب الشكر فلا اعتراض. وأما الحمد فلا يكون إلا باللسان سواء تعلق بالنعمة أو غيرها. فظهر أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، وما قلنا من التفريق بين الشكر والحمد على هذا الوجه هو المشهور، وفي المسالة خلاف ليس هذا محل بسطه. "يقضي" بياء الغيبة. وفاعله ضمير يعود إلى الشكر "توالي الآلاء" أي تتابعها. والآلاء: النعم جمع إلى مقصور بكسر الهمزة، يشير المصنف إلى قوله تعالى:

стр. 40

﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ "ويقضي" بالإسناد إلى ضمير الشكر أيضا، مضارع قضى، أي: حكم. " بانقضاء اللأواء" أي: بفراغها وانتهائها، واللأواء مهموز العين على زنة الحمراء. قال الجوهري: هي الشدة. وفي الحديث "من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن كن له حجابا من النار". وبين يقضي وانقضاء اشتقاق أو شبهه فهو مما يلحق بالجناس. "وها أنا ساع" فيه الإخبار عن الضمير الواقع بعد هاء التنبيه بغير اسم إشارة، /وبعضهم يشترط في خبر مثله أن يكون اسم إشارة نحو: ﴿ها أنتم أولاء﴾، وفيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى. "في ما انتدبت (إليه) " بالبناء للفاعل، أي: أجبت إليه، كأن خاطره دعاه إلى تصنيف هذا الكتاب فأجاب إلى ذلك، ومنه (انتدب لله لمن
следующие страницы →