Полный текст (1 246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثم اعلم أن هذه العلامة غير محتاج إليها؛ لأنها لا تعرف إلا بعد معرفة ما يؤكد قياسا وما يؤكد شذوذا، وذلك لا يعرف معرفة الفعل؛ لأنها تكون حاصلة، ثم لا يعرف ذلك إلا بعد معرفة الفعل، فيجيء الدور.
"ولزومه"، أي: لزوم الفعل "مع ياء المتكلم نون الوقاية" نحو: أكرمني يكرمني اكرمني.
ياحسنه إذ قال: ما أحسني.
ورد بأن العلامة لا يجب انعكاسها وأن (أحسن) في البيت اسم تفضيل و (ما) استفهامية.
وأورد على المصنف أيضا أنها لازمة في عليكني ورويدني ونحوهما من أسماء الأفعال، فأجاب بمنع اللزوم بدليل عليك بي، وفيه نظر: لأن المفهوم من كلامه أن علامة الفعل كون ياء المتكلم لا تتصل [به] إلا
стр. 72
محجوزة عنه بنون [الوقاية]، والياء هنا لم تتصل باسم الفعل بل اتصلت بعامل آخر، ولو اتصلت باسم الفعل لم تكن إلا محجوزة عنه بنون الوقاية، كما أنها لا تتصل بالفعل إلا كذلك، وأيضا فلأن معنى عليك زيدا ليس معنى عليك في عليك بزيد، فالأول بمعنى الزم والثاني بمعنى التصق، فالذي معه الباء الموحدة غير الذي يتعدى بنفسه، والباء معدية لا زائدة كما يوهمه كلامه.
"وباتصاله"، أي اتصال الفعل "بضمير الرفع"؛ لأن المجرور لا يتصل به [البتة] والمنصوب يتصل بالكلمات الثلاث نحو: أنك أكرمك المعطيك، "البارز"؛ لأن المستتر يتصل بالاسم نحو: زيد منطلق، وبالفعل نحو: زيد قام.
وإنما اختص هذا الضمير بالفعل لأن الاسم يستحق مثناه ومجموعه جمع سلامة الألف والواو، فلو لحقه ضمير الرفع البارز لاجتمع في المثنى ألفان وفي الجمع واوان، فإن لم تحذف إحداهما استثقل، وإن حذفت التبس.
قلت: لكن ادعى أبو علي الفارسي في أحد قوليه: أن (ليس) حرف محتجا بأنها لو كانت فعلا مخففا من فعل كصيد في صيد لعادت حركة الياء عند اتصال الضمير كصيدت.
وأجيب بأن ذلك لمخالفته أخواته في عدم التصرف.
قال الفارسي: وأما إلحاق الضمير به في لست ولستما فلشبهه بالفعل لكونه
стр. 73
على ثلاثة أحرف وبمعنى ما كان وكونه رافعا وناصبا، كما لحق الضمير هاء هائيا هاؤوا مع كونه اسم فعل لقوة مشابهته للأفعال لفظا كذا نقله الرضي في شرح الحاجبية.
فتحصل لنا من /هذا الكلام أنا أبا علي يخالف في كون الضمير البارز من خواص الفعل، وأنه يرى صحة لحاقه لما هو مشبه بالفعل من اسم أو حرف، فلا تظن أن هذه العلامة متفق عليها.
"وأقسامه"، أي: أقسام الفعل "ماض وأمر ومضارع" على هذا النمط رتبها سيبويه.
وتسمية الأولين واضحة، وأما الثالث: فمن معنى
стр. 74
المشابهة.
وقول ابن عصفور من المراضعة فقلب مردود. وقال الكوفيون: القسمة ثنائية، فجعلوا الأمر مقتطعا من المضارع ولم يجعلوه أصلا برأسه.
"فيميز الماضي" بالنصب مفعول مقدم على الفاعل للاهتمام "التاء" بالرفع فاعل يميز فـ "المذكورة" صفة، والمراد بالتاء المذكورة تاء التأنيث الساكنة؛ لأنها إنما أسكنت للفرق بين تاء الأفعال وتاء الأسماء.
ولم يعكس لئلا ينضم ثقل الحركة إلى ثقل الفعل وقد استدل كثيرون بهذه العلامة على فعلية عسى.
وفيه نظر، وذلك أن النيلي قال في شرح الفصيح قال الزمخشي قال أبو عبيدة: من العرب من يؤنث (عسى)، وهم الذي يؤنثون (رب)، وأنشد على ذلك:
عست كربه أمسيت فيها مقيمة ... يكون لنا منها رجاء ومخرج
стр. 75
فدل على نسبة ذلك لبعض العرب. وقوله: إنهم الذين يؤنثون (رب) فيقولون: ربت.
على أن إدخال التاء على عسى ليس لتأنيث ما بعدها وأن وقوع ذلك في البيت اتفاقي، وحينئذ لا يستدل بالتأنيث الذي [هذا] شأنه على الفعلية كما لا يستدل بالتأنيث في ربت على ذلك.
"والأمر" بالنصب عطفا على المفعول المتقدم، أي: ويميز الأمر. "معناه"، وهو مرفوع تقديرا عطفا على الفاعل المتقدم. والضمير المضاف إليه على الأمر، أي: ويميزه عن قسيميه دلالته على معنى الأمر، وهو الطلب.
стр. 76
"ونود التأكيد"، معطوف على (معناه)، أي: يميزه مجموع الأمرين، فإن وجد أحدهما فقط بأن دلت الكلمة على معنى الأمر ولم تقبل نون التوكيد- فهي اسم فعل، كصه، وإن قبلت النون ولم تدل على معنى الأمر فهي فعل مضارع نحو: هل تقومن؟ "والمضارع" بالنصب أيضا عطفا على المفعول "افتتاحه" بالرفع عطفا على الفاعل "بهمزة" متعلق بافتتاحه "للمتكلم" ظرف مستقل في محل جر صفة لهمزة، أي: ثابتة للمتكلم.
واحترز به عن همزة لا تكون للمتكلم نحو: أقام. فإذا قيل لك ما تقول في (أخفى) من قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾؟ [فقل] من سكن الياء فهو عنده مضارع، ومن فتحها فماض "مفردا" حال من المتكلم، وذلك نحو: أقوم، ولا فرق بين أن يكون مذكرا أو مؤنثا.
"أو" افتتاحه "بنون له" أي: للمتكلم، احترازا من نون لا تكون له نحو: نرجس الدواء: إذا جعل فيه نرجسا. "عظيما" إما بحسب الواقع كقوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن﴾ أو بحسب الادعاء كقول المعظم نفسه مخبرا عنها فقط:
نقول. وقال بعضهم: إنما يستعمله المعظم لنفسه وحدها، حيث ينزل نفسه منزلة الجماعة مجازا. "أو مشاركا" بفتح الراء على أنه اسم مفعول
стр. 77
من شورك، ويجوز ضبطه بكسر الراء على أنه اسم فاعل من شارك والذي يظهر [لي] أن النون في هذا المقام للمتكلم ومن يشركه في ذلك الفعل، منظورا فيه للجميع بالأصالة، مفردا كان المشارك أو غيره من المذكور، أو من الإناث أو منهما.
وتقتضي عبارة المصنف وكثيرون أن النون للمتكلم حالة كونه مشاركا، فالمشاركة قيد في ثبوتها للمتكلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون للمتكلم ومن يشاركه معا على السواء في القصد، وبين المعنيين فرق [فتأمله].
"أو" افتتاحه "بتاء" مثناة من فوق "للمخاطب" احترازا من [نحو] تكلم، فإن تاءه ليست للمخاطب "مطلقا"/أي: مفردا كان أو غيره مذكرا أو غيره نحو: أنت يا زيد تقوم، وأنت يا هند تقومين، وأنتما يا زيدان أو يا هندان تقومان، وأنتم تقومون، وأنتن تقمن. "وللغائبة" لفظا أبالتأويل: فيدخل ظاهرها نحو: تقوم هند، ومضمرها نحو: هي تقوم، والحقيقي كما مثل، والمجازي نحو تنفطر السماء، وهي تنفطر. ودخل ما هو للغائبة بالتأويل نحو: تجئ الكتاب على معنى الصحيفة، ونحو: تقوم الرجال، وتنكسر الجذاع، والرجال تقوم والأجذاع تنكسر، كل ذلك بتأويل الجماعة و"للغائبين" تثنية غائبة. فشمل الظاهر نحو تقدم الهندان ومثل [له] بعض الشارحين:
стр. 78
بالهندان تقومان، وهو سهو، فإن الفعل إنما أسند فيه لمضمر لا لظاهر، وشمل المضمر نحو: الهندان تقومان، والحقيقي كما تقوم، والمجازي نحو: تدمع العينان، والعينان تدمعان. لكن لو كانت الغائبتان بلفظ ضمير الغيبة، فهل تقول: هما تفعلان بتاء فوقية تعني امرأتين حملا للمضمر على المظهر؟ ورعيا للمعنى نظرا إلى أن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها.
وهو قول ابن أبي العافية تلميذ الأعلم او تقول: هما يفعلان بياء تحتية رعيا للفظ، فإن هذا اللفظ يكون للمذكرين.
وهو قول ابن الباذش. والمرجح الأول، وجاء به السماع وقال عمر
стр. 79
ابن أبي ربيعة.
أقص على أختي بدء حديثها ... ومالي من أن تعلما متأخر
لعلهما أن تبغيا لي حاجة ... وأن ترحبا سربا بما كنت أحصر
[أحصر] بفتح الصاد المهملة مضارع حصر بكسرها، أي: ضاق
стр. 80
صدره، ومنه قله تعالى: ﴿أو جاءوكم حصرت صدوركم﴾.
"أو" افتتاحه "بياء" مثناة من تحت. "للمذكر الغائب" احترزا من ياء ليست كذلك نحو: يرنأ بياء تحتية مفتوحة فراء ساكنة فنون مفتوحة فهمزة على زنة دحرج، أي: صبغ باليرنأ بضم الياء وفتحها وتشديد النون وهمزة تليها بلا فاصل، وهي الحناء، ويقال أيضا: اليرناء بالضم والمد "مطلقا" أي: مفردا او غيره، ظاهرا أو غيره، نحو: يقوم زيد [والزيدان والزيدون: وزيد يقوم] والزيدان يقوما والزيدون يقومون "وللغائبات"، ظاهرا كان الاسم نحو: يقوم الهندات أو مضمرا نحو: الهندات يقمن، عاقلا كان المسمى كما مر أو غير عاقل نحو: السموات ينفطرن، جمعا سالما كان الاسم كما مر او مكسرا نحو: الهنود يقمن والأعين يدمعن. ومذهب البصريين أن نحو: تقوم الهندات –بتاء الفوقية- كمفردة وسيأتي الكلام على ذلك [في باب الفاعل] إن شاء الله تعالى.
"والأمر مستقبل" زمنه "أبدا"، فلا ينفك عن الاستقبال في وقت من الأوقات. هذا باعتبار الحدث المأمور بإيقاعه، وأما باعتبار كون الأمر إنشاء فظاهر قول المصنف: الإنشاء هو إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود.
стр. 81
أن كل إنشائي له زمن حالي من حيث كونه إنشاء، وأن من الإنشاء ما حدثه مسند إلى المتكلم باللفظ الإنشائي نحو: بعت واشتريت، وهذا حالي لا غير، وليست فعليته بهذا الاعتبار.
ومنها ما حدثه مسند إلى غير المتكلم باللفظ الإنشائي، وهو الأمر، وهذا له زمان، حالي من حيث هو إنشاء، ومستقبل من حيث الحدث المطلوب به. وفعليته بهذا الاعتبار لا بالأول.
فإن قلت: فهل هذا مخالف لقول ابن الحاجب إن نحو: بعت واشتريت تجرد عن الدلالة عن الزمن أصلا ورأسا، وأن ذلك لا يقدح في فعليته لعروض التجرد، وأن كونه فعلا إنما هو باعتبار دلالته في أصل وضعه على زمان معين، وهي موجودة لا ينافيها التجرد العرض؟
قلت: لا مخالفة وذلك لأن إثبات الحال للأفعال الإنشائية كما يفهمه قول ابن مالك ليس/ باعتبار دلالتها عليه في أصل الوضع، وإنما ثبوته لها من ضرورة الوقوع. ونفي ابن الحاجب لدلالتها على الزمان في حال كونها إنشاء إنما هو بالنظر إلى الزمان الذي كانت دالة عليه في أصل الوضع فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، فلا منافاة في التحقيق "و" الفعل "المضارع صالح له" أي: للاستقبال "والحال" وهو زمان المتكلك، وحقيقته أجزاء متعاقبة من اواخر الماضي وأوائل المستقبل. ولهذا تسمعهم يقولون: (يصلي) في قول القائل: زيد يصلي حال، مع أن بعض أفعال صلاته ماض وبعضها باق، فجعلوا الصلاة الواقعة في الآنات الكثيرة المتتالية واقعة في الحال.
وظاهر كلام المصنف أن المضارع من قبيل المشترك، وكذا قول صاحب
стр. 82
المفصل: "ويشترك فيه الحاضر والمستقبل"، قيل وهو ظاهر مذهب سيبويه، وأيدوه بأن إطلاقه على كل منهما لا يحتاج إلى قرينة بخلاف إطلاقه على الماضي. وفيه بحث، والذي اختاره بعض المحققون أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، لأنه إذا خلا من القرائن لم يحمل إلا على الحال ولم يصرف إلى الاستقبال؛ إلا بقرينة، وهذا شأن الحقيقة والمجاز. وأيضا من المناسب أن للحال صيغة خاصة كما لأخويه، وفيه مذاهب أخر لا حاجة إلى التطويل بذكرها "ولو نفي بلا"، فلا ترتفع صلاحيته بذلك. "خلافا لمن خصها" أي: خص (لا) "بالمستقبل"، وهو منقول عن سيبويه، فإذا قلت زيد لا يقوم كان عند صاحب هذا القول نصا في الاستقبال، وانتفت صلاحيته للحال، ولم يزل الفضلاء يستشكلون قول سيبويه هذا، مع قوله: إن المضارع المنفي بـ (لا) يقع حالا وقول غيره إن الجملة الحالية لا تصدر بدليل استقبال.
فإن قلت: ما توجيه النصب في قوله: (خلافا)؟
قلت: جوز فيه وفي أمثاله وجهان:
أحدهما -أن يكون مصدرا لفعل محذوف، أي: خالفوا في ذلك خلافا، ولا يمنع من ذلك وجود اللام فإنها متعلقة بمحزوف مثلها في: سقيا له، والتقدير: إرادتي له.
الثاني- أن يكون حالا، والتقدير، أقول ذلك خلافا لفلان، أي: مخالفا له، وحذف القول كثير، ودل عليه هنا أن كل حكم ذكره المصنفون ساكتين عن
стр. 83
رده والتصريح بالمخالفة له فهم قائلون به، فكأن القول مقدر قبل ذلك مسألة.
"ويترجح الحال عند التجريد" من القرائن الدالة على الاستقبال.
وهذا ينافي الاشتراك الذي أفهمه كلام المصنف في المتن وباح به في الشرح، فبين كلاميه تدافع، لكنه –رحمه الله تعالى- حاول في الشرح الجواب عن ذلك بأن قال:
للمشترك هنا شأن ليس لبقية المشتركات، وهو أن له معنيين قريبا وبعيدا، أعني [ليس] بعيد المسافة وقريبها من زمن التكلم، بل بعيدها وحاضرها، والحمل عند التردد على القريب أولى. وفيه نظر فتأمله، : ويتعين" الحال "عند الأكثر" من النحاة "بمصاحبة الآن"، [أي]: باقيا [على] حقيقته نحو: يقوم زيد الآن، فلا يرد نحو: ﴿فمن يستمع الآن) و [لا] نحو ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾، لأنه هنا مستعمل للقريب مجازا فيصلح مع المستقبل والماضي،
стр. 84
"وما في معناه" عطف على الآن، وعليه يعود الضمير المضاف إليه. والمراد بما في معناه الحين والساعة نحوهما "و" ويتعين أيضا الحال عند الأكثر "بلام الابتداء" واعترضه المصنف بقوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ وقوله [تعالى]: ﴿إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ فإن الذهاب كان مستقبلا، فلو كان يحزن حالا لزم تقدم الفعل في الوجود على فاعله مع أنه أثره، فالجواب أن الحكم/ في ذلك محقق الوقوع، فنزل منزلة الحاضر المشاهد، وأن التقدير في الآية الثانية: قصد أن تذهبوا، والقصد الحال. وقدره أبو حيان بقوله: قصدكم أن تذهبوا. وحكاه ابن قاسم في شرحه عن بعضهم. قال ابن حشام في مغنيه: وهو مردود بأنه يقتضي حذف الفاعل، لأن (أن تذهبوا) على تقديره منصوب.
"ونفيه"، أي نفي المضارع. "بليس وما وإن" وهذا أيضا عند الأكثر. وكلام المصنف يقتضيه، لأن قوله: عند (الأكثر) متعلق بقوله: (يتعين) ثم ذكر للفعل بعد تقييده
стр. 85
بهذا متعلقات، فيكون القيد راجعا إلى جميعها كقولك: ضربت يوم الجمعة زيدا وعمروا وبكرا. ولاشتراك هذه الكلمات الثلاث في جنس النفي ونوعه عملن عملا واحدا، لكن إعمال الأول بأصالة لكونه فعلا، وإعمال أخويه بالحمل عليه لأنهما حرفان غير مختصين. وتختص (ما) بلغة أهل الحجاز، و (إن) بلغة أهل العالية، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وانظر لم أعاد المصنف حرف الجر مع قوله: (وبلام الابتداء) دون ما بعده. "ويتخلص" الفعل المضارع "الاستقبال بظرف مستقبل" سواء كان ذلك الظرف معمولا للفعل أو مضافا إليه نحو: أزورك إذا تزورني. فالأول مستقبل لعمله في إذا، والثاني كذلك لإضافة (إذا) إليه. "و" يتخلص المضارع أيضا للاستقبال "بإسناده إلى أمر متوقع" غير حاصل كقوله:
يهولك أن تموت أنت ملغ ... لما فيه النجاة من العذاب
ف (يهولك) مستقبل لإسناده إلى الموت الذي هو متوقع، إذ لو أريد به الحال لزم المحذور السابق، وهو سبق الفعل لفاعله في الوجود.
وجوابه: أن التقدير توقع أن تموت، أي: توقعك الآن الموت في الزمن المستقبل، فلا محذور كما سبق التنبيه عليه.
"و" يتخلص [أيضا] المضارع للاستقبال "باقتضائه"، أي:
стр. 86
اقتضاء المضارع "طلبا" نحو: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ ونحو: يغفر الله لك. "أو" اقتضائه "وعدا"، وهو عند الإطلاق يخص الخير كما أن فعله –وهو (وعد) - كذلك.
والمصنف أراد أن يعم الخير والشر، ولذلك صح تمثيله بقوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ "و" يتخلص المضارع [أيضا] للاستقبال. "بمصاحبة ناصب" ظاهرا كان أو مقدرا نحو: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ "أو" مصاحبه "أداه ترج" نحو: ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ "أو إشفاق" مثل له المصنف وشارحو كلامه بقول الشاعر:
فأما كيس فنجا ولكن ... عسى يغتر بي حمق لئيم
وهذا ليس بإشفاق وإنما هو ترج، لاغترار الحمق اللئيم به ليظفر به، ويقع في حبالته، ولو أشفق منه لكان ذما. ويحتمل أن يكون ذلك إشفاقا منه على الحمق اللئيم لا إشفاقا على نفسه.
قلت: لا حاجة للمصنف إلى النص على أداة الترجي بخصوصها، لتقدم ما يستغني به عن ذلك، وهو قوله: (وباقتضائه طلبا)، فإن هذا يشمل
стр. 87
الترجي والتمني والتحضيض وكل ما يقتضي طلبا، لكن من جملة ذلك الاستفهام. وإنما يخصص المضارع باستقبال إذا كان بـ (هل) فتأمله.
"أو" بمصاحبة أداة "مجازاة" نحو: ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ "أو" بمصاحبة "لو المصدرية" نحو: ﴿ودوا لو تدهن﴾ وعلامتها أن يحسن في موضعها (أن). واحترز من الامتناعية نحو ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ فإنها تصرف المضارع إلى الماضي "أو" بمصاحبة "نون التوكيد" خفيفة كانت أو ثقيلة نحو: ﴿ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ "أو" بمصاحبة "حرف تنفيس"، والمراد به تأخير الفعل إلى الزمان المستقبل وعدم التضييق في الحال، يقال: نفست الخناق، أي: وسعته "وهو السين او سوف" ولا يعرف البصريون غيرها. وسوف عندهم أكثر تنفيسا من السين. وخالف/المصنف – [رحمه الله تعالى]- في ذلك، واستند فيه إلى السماع والقياس.
стр. 88
أما السماع فتعاقبهما على المعنى الواحد في الوقت الواحد كقوله تعالى: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ [وقوله تعالى: ﴿أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾] ولا حجة فيه لجواز أن يكون المقيد بسوف متراخيا كثيرا لطائفة من المؤمنين، وبالسين غير متراخ كثيرا [لطائفة] أخرى، إذ ليس في النص ما يدل على أن كليهما لطائفة واحدة بالتخصيص والتعيين. وكذا ما أورده من [مثل] السماع التي احتج بها، كل ذلك مما يتطرق إليه القدح.
وأما القياس: فهو ان الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به
стр. 89
إلا مطلقا المضي دون تعرض لقرب الزمان ولا بعد، فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب ولا بعد، ليجزي المتقابلان على [سنن واحد]. وفيه نظر، لأنه قاس المضارع المقترن بالأداة الموجبة للتخصيص على الماضي الخالي عنها، وهو غير صحيح، فإن الماضي إذا كان بدون أداة، كقد مثلا دلل على المضي المطلق، وإذا اقترن بها دل على الماضي القريب من الحال. وهو في اختلاف حالتيه كالمضارع فإنه مع خلوه من الأداة يدل على معنى ومع اقترانه بها يدل على أمر آخر.
على أن قياس أحد المتقابلين على الآخر لا يجديه نفعا، لجواز اختصاص كل منهما بحكم يقابل حكم الآخر، ويجوز مع ذلك أن يكون مشاركا له في حك آخر، ألا ترى أن الأمر والنهي مشاركان في الإنشاء، وقد انفرد كل منهما بأحكام تخصه؟ ومهما لم يذكر الجامع بين المقيس والمقيس عليه الذي هو مناط الحكم لم يصح القياس "أوسف" حكاه الكوفيون، وهو في الحروف ك (منذ) إسما وحرفا إذا حذف، وسطها "أوسو" حكاه الكسائي، وهو مثل (كي) في (كيف) نحو:
كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت ... قتلاكم ولظي الهيجاء تضطرم
стр. 90
"أوسي" بقلب الواو ياء وحذف الآخر، حكاه صاحب المحكم وظاهر كلام المصنف – [رحمه الله تعالى]- أن كلا من هذه الكلمات مستقل بنفسه، وظاهر كلام غيره: أن ما عدا (سوف) من هذه الكلمات فرع من (سوف)، بل أجراه بعضهم في السين أيضا، فزعم أنها منقوصة من سوف دلالة بتقليل الحرف على تقريب الفعل. ووجه بذلك قولهم: إن التنفيس بسوف أطول من السين. "وينصرف" المضارع باعتبار زمنه.
"إلى المضى بلم" سواء جزمت كما هو المشهور فيها او لم تجزم، وهي لغة قوم، وعليها جاء قوله:
فأمسوا بها ليل لو أقسموا ... على الشمس حولين لم تطلع –بضم العين- وقول الآخر.
стр. 91
لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
ولهذا أطلق المصنف "ولما الجازمة" قالوا قيدها بذلك احترازا عن التي بمعنى إلا نحو: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ فيمن شدد الميم، وعن التي هي حرف وجود نحو: لما جاء زيد أكرمته، وإذا تأملت لم تجد موقعا للاحتراز، فإن (لما) لا تدخل على المضارع إلا جازمة له "ولو الشرطية" لا المصدرية، فإنها تصرفه للاستقبال كما مر "غالبا" لا دائما فإنها قد ترد بمعنى (إن) كقوله:
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا ... خلق الكرام ولو تكون عديما
فعلم أن قيد الغلبة راجع إلى (لو) الشرطية فقط.
فإن قلت: فعلى ماذا انتصب (غالبا)؟
стр. 92
قلت: على أنه صفة لمصدر محذوف هو وعامله، أي ينصرف بها على المضي انصرافا غالبا لعدم الانصراف إليه [دائما]، ولا يجوز أن يكون عامله (ينصرف) المنطوق به في المتن للزوم/رجوع القيد إلى جميع ما تعلق به من لم ولما الجازمة ولو الشرطية، وهو باطل. "و" بـ "بإذ" نحو: ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾ أي: : إذ ألقوا وكذا: (إذ يختصمون)، أي: اختصموا، ويجوز أن يكون ذلك على حكاية الحال. "وربما" كقوله:
стр. 93
ربما تكره النفوص من الأمر ... له فرجة كحل العقال
стр. 94
الفرجة –بضم الفاء-: الإنفراج.
قال بعضهم: هذا الذي ذكره من انصراف المضارع إلى المضي بربما غالب لا دائم بدليل قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾، وقيل: هو مؤول بالماضي مثل: ﴿ونفخ في الصور﴾، وفيه تكلف لاقتضائه أن الفعل المستقبل عبر به عن ماض متجوز به عن المستقبل. "وقد في بعض
стр. 95
المواضع" قال المصنف: إن قد إما للتقليل فتصرفه على المضي كقوله:
قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأن أثوابه مجت بفرصاد
стр. 96
مجت: أي رميت من الفم.
بفرصاد: أي توت، وهو الفاكهة المعروفة، والمراد بها هنا نوع يكون ماؤه أحمر شبه حمرة الدم الذي يصيب أثوابه بحمرة الفرصاد.
وإما للتحقيق فلا تصرفه إلى المضي كقوله تعالى: ﴿قد يعلم ما أنتم عليه﴾، وقد تصرفه كقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب] وجهك في السماء]﴾.
قلت: وعلى هذا فكان الأولى أن يقول: وقد التقليلية دائما والتحقيقية في بعض المواضع. وسيأتي الكلام على قد بأطرافه في باب "تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك" إن شاء الله تعالى.
"وينصرف الماضي إلى الحال بالإنشاء"، أي غير الطلبي نحو: بعت واشتريت، وإلا ورد نحو: غفر الله لك، و [إلا] لم يصح قوله بعد ذلك: وإلى الاستقبال بالطلب.
وليست دلالته هنا على الحال من حيث الوضع، وإنما هي من ضرورة الواقع، لأن الإنشاء إيقاع معنى بلفظ يقرنه في الوجود كما مر.
"وإلى الاستقبال بالطلب" فيشمل الدعاء والأمر وغيرهما: فالأول نحو: غفر الله لك، والثاني: نحو: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه،
стр. 97
ويدل على ذلك جزم (يثب)، والثالث نحو: عزمت عليك إلا فعلت [كذا]، أي: إلا أن تفعل في المستقبل. وفي كلام المصنف إيهام أن الطلب ليس من أقسام الإنشاء.
"والوعد"، والمراد به الإخبار بوقوع أمر لم يقع بعد [مع] ملاحظة الإرادة لتحقيق الخير، نحو: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ ﴿وسيق الذين كفروا﴾ وليس المراد به هنا ما هو قسيم للوعيد. "وبالعطف على ما علم استقباله" نحو:
﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار﴾ ﴿ويوم ينفخ في السور ففزع من في السموات ... ﴾ الآية، ولم أدر وجها لإعادة المصنف حرف الجر هنا دن ما تقدم وهو قوله: والوعد. "وبالنفي بلا وإن بعد القسم": فالأول كقوله:
стр. 98
ردوا فوالله لاذدناكم أبدا ... ما دام في مائنا ورد لنزال
ونازعه أبو حيان في الاستدلال بهذا البيت، إذ الاستقبال فيه غنما استفيد من الظرف.
قلت: وفيه نظر، لأن وقوع الظرف المستقبل هنا ليس هو المؤثر للاستقبال حتى إنه لو لم يكن انتفى استقبال الفعل، ألا ترى أنه إذا قيل: والله لا فعلت كذا، لا يفهم منه إلا المستقبل، ولهذا لم تتكرر (لا) كما لا يلزم تكرارها مع المستقبل.
والثاني: كقوله تعالى: ﴿ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾، ونازعه أيضا أبو حيان في ذلك بأنه لا يمتنع ان يقال: والله إن قام، بمعنى ما قام فيما مضى.
قلت: هذا متوجه كما قال.
وقد يتوهم أن قول المصنف هنا في (لا) مناقض لقوله فيما مضى: (خلافا لمن خصها)، أي: خص (لا) بالمستقبل.
وجوابه: أن مراده خلافا لمن خص [لا] داخلة على المضارع
стр. 99
بالمستقبل، ولم يرد خلافا لمن خص (لا) مطلقا/ [بالمستقبل].
"ويحتمل" الماضي "المضي والاستقبال بعد همزة التسوية" نحو: سواء على أقمت أم قعدت؟ ، والحق أنه محتمل لأربعة معان: الماضي والحال والإستقبال وطلق الزمان الذي هو أهم من ذلك، كما أن المصدر الذي [الفعل] في تأويله كذلك، فلا وجه للتقييد بأحد الزمانين.
قال ابن أم القاسم: سواء كان الفعل معادلا بأم أو لم يكن نحو: سواء على أي حين جئتني.
قلت: وهذه المسألة لا مدخل لها هنا، ولا يصح إدراجها في كلام المصنف – [رحمه الله تعالى]-، لأن الكلام في هزة التسوية ولا همزة هنا.
ثم قال: فإن كان الفعل بعد أم مقرونا بلم تعين المضي نحو: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾، فالثاني ماض معنى، فوجب مضي الأول لأنه معادل له.
قلت: الظاهر أن هذا لا يقدح في الاحتمال الذي قررناه آنفا، كما لم يقدح وجود (لم) في اقتضاء الاستقبال في قولك: إن لم تسؤني أكرمتك، وجه ذلك أن الجملة المقترنة بهمزة التسوية في تأويل المصدر والمصدر لا زمان له معين فكذا [ما] في معناه، ولا فرق في هذا المعنى بين وجود (لم) وعدمها.
стр. 100
"و" يحتمل الماضي المضي والاستقبال بع "حرف التحضيض" نحو" هلا ضربت زيدا، فيحتمل المضي فيكن توبيخا على ترك الفعل، ويحتمل الاستقبال فيكون حضا على الفعل وأمرا به.
فإن قلت: فإذن لم يحتمل الواقع بعد حرف التحضيض المضي لأن التحضيض –وهو طلب الفعل- لا يكون متعلق إلا بالزمان المستقبل.
قلت: إنما يوبخ المخاطب على ترك ما كان يجب عليه أن يفعله قبل أن يطلب منه، وذلك من حيث المعنى تحضيض على فعل مثل ما فات، فأطلق حرف التحضيض على الحرف المقتضي للحض على ما يدخل عليه تحقيقا أو تقديرا فاستقام "و" بعد "كلما"، فيحتمل أن يرد بالواقع بعدها المضي نحو: ﴿كل ما جاء أمة رسولها كذبوه﴾، وأن يراد به الاستقبال نحو: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾.
"و" بع "حيث" نحو: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ فهذا للمضي، ونحوه:
стр. 101
﴿ومن حيث خرجت فول وجهك﴾، فهذا للاستقبال.
"و" يحتمل الأمرين "بكونه صلة أو صفة لنكرة عامة".
فالأول كقوله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس﴾ فهذا مثال المضي، وكقوله تعالى:
﴿إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا [عليهم]﴾ فهذا مثال الإستقبال.
والثاني قوله:
رب رفد هرقته ذلك اليوم ... وأسرى من معشر أقتال
стр. 102
الرفد: بفتح الراء القدح الضخم، وقد تكسر، والأقتال: وتاء مثناه فوقية جمع قتل بكسر القاف، وهو العدو، فهذا مثال لبقاء الماضي على مضيه عند وقوعه صفة لنكرة [عامة].
واعترضه أبو حيان بأن (رب) عند سيبويه للتقليل، وهو ينافي العموم، وأيضا: فليس مراد الشاعر أنه أراق كل رافده، وأيضا: فلا نسلم كون (هرقته) صفة لمجرور (رب) بل هو جواب يتعلق به (رب)، إذ الصحيح أنه لا يلزم وصف مجرورها.
стр. 103
ومثال الماضي المراد به الاستقبال، قوله ﷺ :
"نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" لأن المراد الترغيب في السماع [والنقل]، وهما مستقبلان بخلاف.
رب رفد هرقته ...
البيت، فإنه تمدح ولا يكون إلا بما وقع فتأمله.
стр. 104
الباب الثاني "باب إعراب الصحيح [الآخر] "
ولا يعترض بأنه أسقط نحو: ظبي ودلو؛ [إذ] ليسا بصحيحي الآخر، من أن إعرابهما إعراب الصحيح الآخر، لأنا نقول: المعتل الآخر عند النحوي عبارة عن المقصور والمنقوص، والصحيحه بخلافهما، فهو أعلم منه عند التصريفي من وجه، فنحو: زيد صحيح /الآخر عندهما، ونحو: القاضي معتل الآخر عندهما، ونحو: ظبي ودلو معتل الآخر عند التصريفي صحيحه عند النحوي، كذا قال ابن هشام، وفيه نظر.
"الإعراب" في الاصطلاح "ما جيء به" جنس، أي: شيء يقتضيه جيء به "لبيان مقتضى العامل" أي: لبيان الأمر الذي يقتضيه العامل، أي: يطلبه. وهذا فصل أخرج به ما سوى الإعراب، والمراد بالعامل: ما اثر في آخر الكلمة أثرا له تعلق بالمعنى التركيبي، فخرج مثل التقاء الساكنين المؤثر للحركة مثلا نحو: من ابنك ومن الرجل، فإنه وإن كان شيئا أثر في آخر الكلمة التي هي
стр. 105
كسرة في الأول وفتحه في الثاني، لكن هذا الأثر لا تعلق له بالمعنى الحاصل من تركيب الحرف مع مجروره، وإنما هو أمر يرجع بمجرد اللفظ، ودخل من العوامل ما كان زائدا وما كان غير زائد.
أما الثاني فكالفعل من قام زيد، لأنه شيء أثر في آخر (زيد) حركة الرفع ولها تعلق بالمعنى الحادث بالتركيب من حيث كونها علامة على فاعلية زيد.
وأما الأول فكـ (من) الزائدة في قولك: ما قام من رجل، فإنها أثرت كسرة (رجل)، ولها تعلق بالمعنى التركيبي من حيث أنها علامة على أن مدخولها محل لما دل عليه الحرف من نصوصية الاستغراق، وكذا الباء من نحو:
ما زيد بقائم، فإنها زائدة للتأكيد، وقد أثرت الكسرة التي هي علامة على أن مدخولها هو متعلق ما دلت عليه من التأكيد الحادث بالتركيب "من حركة"، هذا وما بعده بيان لجنس الحد إذ كان مبهما لصلاحيته لكل ما لا يعقل، والحركة ضمة أو فتحة أو كسرة. "أو حرف"، وهو الواو والألف والياء والنون عند من يراه. "أو سكون"، وهو كون الحرف خاليا عن الحركة.
وتعبيره بسكون –كما صنع- أولى من تسكين، لأن السكون لفظ والتسكين فعل. "أو حرف" للحرف، وفهم ذلك من جعله قسيما للسكون؛ إذ لو أريد به ما هو أعم من حذف الحركة والحرف للزم كون الشيء قسيما لنفسه ولغيره، وهو باطل.
وتعريف المصنف للإعراب بما ذكره مبني على أن الإعراب لفظي، وهو مذهب المحققين، وكثير من المتأخرين يرون أنه معنوي ويفسرونه بتغير آخر الكلمة لاختلاف العامل لفظا أو تقديرا، والكلام على ذلك تصحيحا وإبطالا يطول.
стр. 106
"وهو" أي: الإعراب "في الاسم أصل" وفي الفعل فرع وعكس بعضهم، وقال الكوفيون: أصل فيهما، والأول هو المرجح عند الحذاق، واستدلوا عليه بما تقريره: أن الاسم والفعل يطرأ على صيغهما معان مختلفة قد يحصل بينها لبس فيرفعه الإعراب، أما المعاني المختلفة التي تطرأ على الاسم فهي الفاعلية والمفعولة والإضافية، ولاشك في أنهما يحصل بينهما في بعض الأحيان لبس نحو: ما أحسن زيد، ولو سكن آخر كل الكلمتين فإنه يحتمل –حينئذ- أن يكون (زيد) مفعولا به و (أحسن) فعلا ماضيا و (ما) اسما، والمراد [التعجب، ويحتمل أن يكون (زيد) فاعلا بـ (أحسن)، و (ما) حرف نفي، والمراد] الإخبار بأن زيدا لم يحسن، ويحتمل أن تكون [ما] استفهامية مبتدأ و (أحسن) اسم تفضيل مرفوعا على أنه خبر المبتدأ و (زيد) مجرورا مضافا إليه، والمراد السؤال عما هو أحسن من زيد.
وأما المعاني المختلفة التي تطرأ على الفعل المضارع فليست هي عين المعاني المتقدمة, وإنما هي معان أخر.
كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإنه يحتمل النهي عن أكل واحد من الفعلين مطلقا ويحتمل [النهي] عن الجمع بينهما ويحتمل النهي عن
стр. 107
الأول دون الثاني، وهذه معان مختلفة ليست بفاعلية ولا مفعولية ولا إضافة، ولا يخفى حصول اللبس بينهما لو ترك إعراب الفعلين لكن الإعراب /يتعين في الاسم طريقا لرفع اللبس، كما يتعين قولك: ما أحسن [زيدا -بالنصب- للتعجب، وقولك: ما أحسن] زيد –بالرفع- للإخبار بنفي الإحسان عنه، وما أحسن زيد –برفع (أحسن) وخفض (زيد) للاستفهام عما هو الأحسن منه، ولا يتعين الإعراب في الفعل طريقا لرفع اللبس؛ لوجود طريق أخرى تقوم مقامه في رفع الإلباس، وبيانه أن الإلباس قد يندفع بالإعراب فيه، كما يتعين قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن –جزم الفعلين- للنهي عن كل واحد، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن –بجزم الأول ونصب الثاني للنهي عن الجمع بينهما، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن –بجزم الأول ورفع الثاني- للنهي عن الأول خاصة.
وقد يندفع الإلباس بغير الإعراب، كما إذا قلت: لا يكن منك أكل سمك ولا شرب لبن، فيكون نهيا عن كل منهما، ولا تأكل السمك شاربا اللبن، فيكون نهيا عن الجمع، ولا يكن منك أكل السمك ولك شرب اللبن، فيكون نهيا عن الأول فقط، فلما لم ين عن إعراب الاسم محيص في إزالة اللبس استحق أن يكون أصلا فيه، ولما كان ثم ممدوحة عن إعراب الفعل في إزالة اللبس نقص عن الرتبة المتقدمة فجعل فيه فرعا لا أصلا. وهذا أحسن تقرير يظهر لي في هذا المحل، ولي بحث فيه، أرجو أن أذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإنما قيدنا حصول الإلباس ببعض الأحيان؛ لأن الإعراب قد يدخل
стр. 108
فيما لا إلباس فيه نحو: شرب زيد الماء حملا على ما فيه الإلباس ليجري الباب على سنن واحد.
فإن قلت: بماذا يتعلق الجار والمجرور من قول المصنف: (هو في الاسم [أصل])؟
قلت: بمحذوف؛ إذ المعنى: ودخوله أو وجوده في الاسم أصل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع الضمير وانفصل.
ويحتمل أن يتعلق بـ (أصل)، والمعنى أنه متأصل في الاسم "لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة"، وقد عرفت معناه بالتقرير المتقدم.
"والفعل والحرف ليسا كذلك"، أي: ليسا مثل الاسم في وجوب قبول معان مختلفة بصيغة واحدة.
ونقضه أبو حيان بنحو: (من) فإنها للابتداء وللتبعيض ولبيان الجنس مثلا.
قلت: لا يرد، لأن الكلام في المعاني الطارئة بالتركيب لا المعاني الإفرادية.
نعم: يرد أن الحرف إنما نفى عنه وجوب القبول، ولا يلزم منه انتفاء الجواز، والمقصود نفي القبول عنه أصلا ورأسا، ولذا لم يعرب في وقت من الأوقات، وخالفه المضارع فقبل جوازا لا وجوبا فأعرب بشرطه على وجهة الفرعية كما هو مقرر.
"فبنيا"، أي: الفعل والحرف "إلا" الفعل "المضارع فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له"، أي: للاسم وذكر الشبه هنا فاسد، بل الجائز هنا هو عين الواجب هناك لا شبهه، فإن الذي اوجب إعراب الاسم على ما ذكره هو القبول للمعاني المختلفة بصيغة واحدة، وذلك بعينه ثابت للفعل
стр. 109
لا أن الموجود شبهه. وإنما يصح قوله لو نص على تلك المعاني المختلفة بأسمائها، "فأعرب" المضارع لامتيازه عن الحرف وبقية الأفعال بهذه المزية.
"ما لم يتصل به نون توكيد" خفيفة أو ثقيلة فإنه يبني حينئذ لاتصالها، ولو فصل بينها وبين الفعل ألف اثنين او واو جماعة أو ياء مخاطبة بقي على إعرابه؛ لأن موجب البناء عند اتصال النون هو التركيب، وهو مفقود بحصول الحاجز، إذ لا تركب ثلاثة أشياء فتجعل شيئا واحدا. هذا هو المذهب المشهور، وهو اختيار المصنف [رحمه الله تعالى]، وذهب قوم / [منهم
стр. 110
الأخفش إلى أن المضارع مبني مع تأكيده بالنون مطلقا لأنها من خواص الفعل، فتأكيده بها مبعد لمقتضى الإعراب وهو شبه الاسم فيرجع إلى أصله من البناء.
ورده المصنف [رحمه الله تعالى] بلزوم بناء المجزوم والمقرون بحرف التنفيس والمسند إلى ياء المخاطبة، واللام باطل.
وذهب بعضهم إلى أن المضارع معرب مطلقا اتصلت به نون توكيد أو لم تتصل.
"أو" نون "إناث".
وكلامه يوهم أن الاتصال مشروط وأن تخلفه ممكن، وقوله في الخلاصة:
وفعل أمر ومضى بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عربا
من نون توكيد [مباشر] ومن ... نون إناث كيرعن من فتن
سالم من هذه الإيهام. وصرح المصنف في الشرح بأن المتصل بنون
следующие страницы →