← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2120

دراسات في النحو

صلاح الدين الزعبلاوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أسمى الأب أنستاس ماري الكرملي (دائرة المعارف) بـ (المعلمة) على صيغة المفعلة فأخذ عليه الدكتور مصطفى جواد في كتابه (المباحث اللغوية في العراق) أن المعلمة من الصيغ التي تدل على المكان الذي يكثر فيه الشيء.. ومفعلة هذه اشتقها العرب للأشياء الجماد وأشباهها، لا للمعنويات والمجردات، وأنها للمخلوقات دون المصنوعات فرد الأب الكرملي أن المعلمة قد تكون بكسر الميم كـ (مِعلمَة) ، فقال الدكتور جواد: (المقلمة للأقلام مادية، وكسر الميم من المعلمة، ذكَرنا فيه أنه مخالف لروح اللغة العربية أيضاً، لأن اسم الآلة للماديات أيضاً) . ثم قال: (وكان عليه أن يستشهد بالمِظنة فهي أقرب إلى المعنويات، لكنها لم تستعمل قديماً لغير الماديات. قال الجوهري في الصحاح: ومظِنَّة الشيء أي موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع المظان أهـ. فهم قد اشتقوا المظنة من فعل معنوي، ولكنهم استعملوها للأشياء المادية على الأصل. أما دائرة المعارف فهي عندي الاسم الصحيح) . فما صواب المسألة؟

стр. 107

المسألة عندي أن المفعلة بفتح العين التي جعلها العرب لأسماء العين دون أسماء المعاني، هي المفعلة التي صيغت للموضع الذي يكثر فيه الشيء الذي هو اسم عين. أما المفعلة التي هي اسم مكان قد لحقت به التاء، بفتح العين أو كسرها، فلا مانع البتة أن تكون للمعاني، لأنها اسم مكان للحدث أياً كان. فالمعلمة بفتح الميم واللام اسم مكان صيغ من مصدر الفعل. وقد لحقت به التاء كالمدرسة. قال صاحب المصباح (ودرست العلم درساً من باب قتل ودراسة قرأته، والمدرسة بفتح الميم موضع الدرس) . فالمعلمة قياساً موضع العلم أو وعاؤه كالمدرسة موضع الدرس. وقد بنيت على علم كما بنيت المدرسة على درس. والمظنة نفسها اسم مكان لحقت به التاء أيضاً وليست هي مفعلة المكان الذي يكثر فيه الشيء أو مفعلة الأعيان. لذلك صحّ أن تكون للمعنى. ويؤيد كونها كذلك كلام الجوهري الذي استشهد به الناقد. وإذا كان الجوهري قد أورد المظنة بكسر الظاء ومن حقها الفتح لأنها اسم مكان من ظن يظن كنصر ينصر، فذلك أنها قد أتت هنا على غير قياس كما أتى المسكن والمطلع بالكسر، والفتح الذي هو القياس جائز فيها جميعاً. قال الزمخشري في المفصل (وقد يدخل على بعضها-أي أسماء المكان- تاء التأنيث كالمزلة والمظنة) . فقال ابن يعيش في شرحه (وقد أنثوا هذه الأسماء كأنهم أرادوا البقعة فقالوا المزلة لموضع الزلل، وكسروه لأن المضارع منه مكسور. وقالوا المظنة لموضع الظن ومألفه، وهو مفتوح لأن من ظن يظن بالضم) وقال ابن الأثير في النهاية حول حديث (طلبت الدنيا من مظان حلالها) : (المظان جمع مظنة بكسر الظاء، وهي موضع الشيء، مفعلة من الظن بمعنى العلم. وكان القياس فيه فتح الظاء، وإنما كسرت لأجل الهاء.. أي التاء، من أسماء المكان، اتفق فيه الكسر ولو كان قياسه الفتح. وقد يتفق فيه الفتح وقياسه الكسر. فالمزلة بالكسر اسم مكان من زلّ يزلّ زللاً، وقد جاء فيه الفتح أيضاً. والمضلة اسم مكان من ضل يضل

стр. 108

ضلالاً، وقد جاء بالكسر لمناسبة المضارع، وصحّ فيه الفتح أيضاً. أما قول الدكتور جواد: (إنهم اشتقوا المظنة من فعل معنوي ولكنهم استعملوها للأشياء المادية على الأصل) فغريب. ذلك أنه استظهر بقول الجوهري (مظنة الشيء موضعه ومألفه الذي يُظن كونه فيه، والجمع المظان) . وليس في كلام الجوهري ما يشير إلى أن المظنة قد خُصت بما هو مادي محسوس. فانظر إلى ما رواه الجوهريّ من قول النابغة: فإن يك عامر قد قال جهلاً فإن مظنة الجهل الشباب إذ جعل الشاعر الشباب موضعاً لما يغلب فيه الجهل. والجهل اسم معنى لا اسم ذات. وقال الزمخشري في الأساس: (وهو مظنة للخير، وهو من مظانه) . والخير اسم معنى لا ذات أيضاً. وقد مرَّ بك ما جاء في الحديث (طلبت الدنيا من مظان حلالها) ، وليس الحلال اسم ذات. والخلاصة أن الفارق بيِّن بين مفعلة الذي يبنى على اسم العين، ويدل على مكان كثرته، وهو بفتح العين أبداً، وبين مفعلة الذي يبنى على المصدر أو فعله، ويدل على مكان الحدث، وهو بالفتح أو بالكسر. ولا يمنع مفعلة الذي يدل على مكان الحدث أن يتضمن تكرار وقوع الحدث أو المبالغة فيه. قال صاحب الكليات (٤١١) : (وقد تدخل على بعض أسماء المكان تاء التأنيث، إما للمبالغة أو لإرادة البقعة. وذلك مقصور على السماع، نحو المظنة والمقبرة) . مفعلة الاسم: مفعلة اسم المصدر

стр. 109

ويدخل في مفعلة الاسم ما لم يجر على الفعل من المصادر، وهو ما أسموه اسم المصدر، ومن ذلك (المشورة) من الإشارة، و (المثوبة) من الثواب، فقد جاء في اللسان (وقال الليث: المشورة مفعلة اشتقّ من الإشارة ويقال مشورة) ومشورة هذه بضم الشين وسكون الواو، ومشورة الأولى بإسكان الشين وفتح الواو. وقال صاحب المصباح: (واستشرته راجعته لأرى رأيه فيه فأشار عليّ بكذا: أراني ما عنده فيه المصلحة، فكانت إشارة حسنة، والاسم المشورة وفيها لغتان: سكون الشيء وفتح الواو: والثانية بضم الشين وسكون الواو، وزان معونة) . وإذا كان بعض الأئمة قد ذهب إلى أن المشورة من شور الدابة أو شور العسل، فإنهم لم يقصدوا إلى أنه مصدر لـ (شرت العسل أشوره شوراً ومشارة) . وقد ذكر صاحب المصباح (والاسم المشورة وفيها لغتان) ، ثم أردف: (وهي من أشار الدابة إذا عرضها في المشوار. ويقال من شرت العسل، وشبه حسن النصيحة بشرب العسل) . أقول لو كان المشورة مصدر شار لقيل (شار العسل شوراً ومشارة ومشورة) . قال صاحب المفردات (والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم شرت العسل أي اتخذته من موضعه واستخرجته منه) . فإذا كان المصدر من حيث لفظه، هو الجاري على فعله كالأفعال من أفعل، والتفعيل من فعَّل، والانفعال من انفعل، فإن اسم المصدر يخالفه في عدم جريانه على الفعل الذي يجري عليه المصدر. هذا وقد فرّق الشيخ ظاهر خير الله الشويري في رسالته (المفعلة) بين المشورة بضم الشين والمشورة بإسكانها، فجعل الأول اسماً، والثاني من مبالغة المصدر. وحقيقة الأمر أن كلا اللفظين اسم مصدر، وقد جاءا بمعنى، فالمشورة بالضم مفعلة بضم العين، وقد نقلت حركتها إلى ما قبلها بالإعلال، أما المشورة بإسكان الشين فهي مفعلة بفتح العين، وقد جاء بالتصحيح ولم يعلّ، وسنبين علة عدم التصحيح فيه.

стр. 110

أما المثوبة فهي اسم مصدر كالثواب. قال ابن الأثير في النهاية (يقال أثابه يثيبه إثابة، والاسم الثواب) . وقال الجوهري: (والثواب جزاء الطاعة وكذلك المثوبة) . وقد جاءت بضم الثاء وإسكان الواو على مفعلة بضم العين في الأصل، كما جاء بإسكان الثاء وفتح الواو على مفعلة بفتح العين. ففي التنزيل (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (البقرة/ ١٠٤. قال الإمام البيضاوي (وقرئ لمثوبة بإسكان الثاء كمشورة) . هذا وقد تنزل المشورة أو المثوبة منزلة المصدر حيناً، لكنهما اسمان للمصدر لعدم جريانهما على الفعل، وهو ما يعنينا في هذا المقام. مفعلة الاسم: اسم الموضع واسم الأداة ومما جاء من مفعلة الاسم، ما سمي به الموضع أو الأداة، ولم يبن على الفعل. فقد جاء (المفيأة) وليس هو مصدراً، ولا اسم مكان، وإنما هو اسم لموضع التفيؤ كما ذكر الرضي، إذ قال في شرح الشافية (١/١٨٣) : (والمشرقة والمفيأة، من ذوات الزوائد، إذ هما موضعان للتشرق والتفيؤ) . وقال في موضع آخر (وكذا المشرقة اسم موضع خاص، لا لكل موضع يتشرق فيه من الأرض، وكذا المقنأة والمفيأة) . وقد أتت المفيأة بضم الياء، كما أتت بالفتح، على ما حكاه الأزهري عن الليث، فيما أورده ابن منظور في اللسان، وكذلك المقنأة. وجاء (المضربة) بفتح الراء وكسرها لآلة الضرب وأداته على غير قياس. قالوا إنها جعلت اسماً لهذا المسمى، ولم يذهب بها مذهب الفعل. قال سيبويه في الكتاب (٢/ ٢٤٨) : (مضربة السيف جعلوه اسماً للحديدة. وبعض العرب يقول مضربة كما يقول مقبرة ومشربة، فالكسر من مضربة كالضم من مقبرة. وقال الرضي في شرح الشافية: (والظاهر هو أن مضربة السيف آلة الضرب، لا موضعه، غيُرت عمّا هو قياس بناء الآلة، لكونها غير مذهوب بها مذهب الفعل) . مفعلة الاسم: مفعلة السبب

стр. 111

يلحق بمفعلة الاسم مفعلة السبب، وهي المفعلة الدالة على إفادة السبب أو الباعث على الأمر أو الداعي إليه. وقد جاء في الحديث: [الولد مجبنة مبخلة) . قال صاحب النهاية: (وهو مفعلة من البخل ومظنة له، أي يحمل أبويه على البخل ويدعوهما إليه فيبخلان بالمال لأجله) . وجاء في كتاب النوادر لأبي مسحل الأعرابي (٣٦٤) : (من أقوال العرب: الولد مجبنة مبخلة ومحزنة) . وفي المخصص لابن سيده (١٦/١٧٤) : (أبو عبيد في الحديث: الولد مجبنة مجهلة مبخلة) . فما الحكم في مجبنة ومبخلة ومجهلة ومحزنة؟ أتعتد مصادر قد أتت على مفعلة؟ أقول الحق أنها مفعلة السبب، وليست مفعلة المصادر. ذلك أنك لو أنزلت المصادر منزلتها في الحديث فقلت: الولد جبن وبخل وحزن، أفكان هذا يغني مغناه ويؤدي مؤداه، وأنت تقصد به ما بيناه من أن الولد يحمل على الجبن والبخل والحزن، ويدعو إليها ويبعث عليها، وليس هو الحزن والبخل والجبن؟ فالمبخلة من (البخل) لا من (بخل) . فانظر إلى ما جاء في خزانة الأدب للبغدادي (١/٣٣٦) : (ومخبثة بفتح الميم من الخبث. يقال خبث الشيء خبثاً من باب قرب، خلاف طاب. والاسم الخباثة. ومفعلة صيغة سبب الفعل، والحامل عليه، والداعي إليه، كقوله (: [الولد مجبنة مبخلة] ، أي سبب يجعل والده جباناً، لم يشهد الحروب، ليربيه. ويجعله بخيلاً يجمع المال ويتركه لولده من بعده. ومثله كثير في العربية. ولم يتكلم التصريف على هذه الصيغة. قال الخطيب التبريزي في شرح المعلقة: يقال طعام مطيبَة للنفس، ومخبَثَة لها، وشراب مبوَلَة) . جدوى التفريق بين مفعلة الفعل ومفعلة الاسم رب معترض يقول: وما جدوى القول أن هذه مفعلة الفعل لأنها اتصلت به وبنيت عليه، وإن هذه مفعلة الاسم لأنها جاءت على خلاف ذلك. أقول إن القسمة تفيد في إيضاح دلالة المفعلة من جهة، كما تفيد في الحكم بوجوب إعلال ما جاء منها معتل العين أو جواز تصحيحه.

стр. 112

ذلك أن العلماء قد اشترطوا للإعلال في أمثاله، موازنة الفعل. واعتدوا (مفعلاً) بالفتح من هذا القبيل، لأنه على وزن (يفعَل) . وكذلك (مُفعل) بضم الميم فهو على وزن (يُفعل) . ولهذا قالوا المقام والمقام بفتح الميم وضمها، بالإعلال. وأصلها المقوم بفتح الميم والواو، والمقوم بضم الميم وفتح الواو. وقد أعلاَّ بنقل حركة المعتل إلى الساكن الصحيح قبله، وقلبه حرفاً يجانس هذه الحركة. ونظير ذلك (المقامة والمقامة) بفتح الميم الأولى وضمها. وأما المفعل بفتح الميم وكسر العين، فقد أعلَّ كما أعلّ (يفعل) بكسر العين، كقولك المسير والمعيشة، وكذلك المفعل بضم العين كيفعل بضمها، وهكذا. على أنهم لم يروا مفعلاً بكسر الميم وفتح العين موازناً للفعل، لأن أصله مفعال، وهذا غير موازن للفعل. لذلك قالوا مخيطِ بكسر الميم وفتح الياء ومخياط بكسر الميم، بالتصحيح فيهما. وكذلك لو لحقت بهما التاء. وانظر إلى ما قاله سيبويه في الكتاب (٢/٣٦٤) : (وتجري مفعل بفتح الميم والعين مجرى بفعل فيهما، فتعتل كما اعتل فعلهما الذي هو على مثالها.. كما قالوا مخافة فأجروها مجرى يخاف ويهاب.. وذلك قولهم مقام ومقال ومثابة ومنارة.. وكذلك مفعل بفتح الميم وكسر العين، يجري مجرى يفعل بكسر العين. وذلك قولك المبيض والمسير. وكذلك قولك مفعلة بفتح الميم وضم العين، وذلك المعونة والمشورة والمثوبة. يدلك على أنها ليست بمفعولة أن المصدر لا يكون مفعولة وأما مفعُلة بفتح الميم وضم العين من بنات الياء فإنما يجيء على مثال مفعلة بكسر العين.. فمعيشة يصلح أن تكون مفعُلة بضم العين ومفعلة بكسرها. وأما مُفعَل منهما بضم الميم وفتح العين فهو على يُفعل بضم الياء وفتح العين، وذلك قولهم مقام ومباع بضم الميم فيهما..) .

стр. 113

وقد خرج عن الأصل فلم يعلّ كثير من الألفاظ على هذه الزنة. قال الرضي في شرح الشافية (٣/١٠٤) : (وقد شذّ مما وجب إعلاله قياساً: المشورة والمصيدة، بفتح الميم وحرف العلة فيهما وسكون ما بينهما، وقولهم الفكاهة مقودة، بفتح الميم والواو وسكون القاف، إلى الأذى) . فهل ثمّة تفسير لما حُمل على الشذوذ في هذا الباب؟ المفعلة وإعلال عينها قال المبرّد فيما حكاه الرضي في شرح الشافية (٣/١٠٥) : (المزيد فيه الموازن للفعل إنما يعلّ إذا أفاد معنى الفعل كالمقام بفتح الميم فإنه موضع يقام فيه، وكذا المُقام بضم الميم، موضع يفعل فيه الإقامة) . فالمبرّد قد أضاف إلى شرط موازنة الفعل في وجوب الإعلال، أن يتصل (مفعل) بالفعل ويشتقّ منه ويفيد معناه. فقد اعتدّ الرضي (مدين ومريم) شاذين لأنهما لم يُعلا، واعتدهما المبرد على القياس لأنهما لم يتصلا بالفعل فيشتقا منه ويفيدا معناه. قال الأستاذ أحمد الحملاوي في (شذا العرف في فن الصرف) : (وأما مدين ومريم فشاذان، والقياس مدان ومرام، وعند المبرد لا شذوذ لأنه يشترط في مفعل أن يكون من الأسماء المتصلة بالأفعال) . وسترى أن ما حمله الرضي على الشذوذ كـ (المشورة والمصيدة والمقودة) بإسكان الشين والصاد والقاف، ليس من الألفاظ المتصلة بالأفعال، ولذا كان فيها التصحيح وقد أشار الرضي نفسه إلى شرط الاتصال بالفعل هذا فقال في شرح الشافية (١/١٧٠) : (والأسماء المتصلة بالأفعال تابعة لها في الإعلال) . فكل ما اتصل من (مفعلة) بالفعل كالمصدر واسم المكان فأفاد معناه وجب فيه الإعلال، كما وجب في فعله، وكل ما لم يبن على الفعل ليؤدي معناه لم يجب فيه الإعلال فجاز فيه التصحيح. ولكن ما مفعله التي لا تتصل بالفعل فيجوز فيها التصحيح؟ المفعلة وتصحيح عينها

стр. 114

يجوز تصحيح العين في مفعلة المعتلة العين إذا كانت مفعلة الأعيان التي تدل على كثرة الشيء في المكان، ومفعلة الاسم التي خصت بمسمى فلم تجر على فعل، ومفعلة السبب الدالة على إفادة السبب أو الباعث على الأمر أو الداعي إليه. فإذا كان شرط وجوب الإعلال فيما اعتلت عينه من مفعلة أن يتصل بالفعل ويُبنى عليه كالمصدر واسم المكان واسم الزمان ليعلّ إعلاله، فإن ما كان من مفعلة على خلاف ذلك كمفعلة الأعيان ومفعلة الاسم ومفعلة السبب، لم يجب فيه الإعلال لفوات شرطه، فجاز فيه التصحيح. مفعلة الأعيان بين التصحيح والإعلال تبين بالاستقراء أن ما جاء معتل العين من (مفعلة) الأعيان، قد أعلّ حيناً وصحح حيناً آخر. فقد قالوا مما أعلوه (متانة ومخانة ومتاتة) للمكان الذي يكثر فيه التين والخوخ والتوت. وقالوا مما صححوه (مثورة) بفتح الواو للمكان الذي يكثر فيه الثور. وهم لم يتجنبوا اللبس فيما أوردوه فعلاً، فقد حكوا (مجازة) للمكان الذي يكثر فيه الجوز، والمجازة اسم مكان لحقت به التاء من (جاز) أيضاً. وكان ما أعل من مفعلة الأعيان كان على توهم أنه اسم مكان متصل بالفعل. قال صاحب اللسان: (وأرض ملازة فيها أشجار اللوز) و (أرض مجازة فيها أشجار الجوز) ، ونظيره كثير. وقد استبعد الشيخ ظاهر خير الله الشويري صاحب رسالة (المفعلة) المتانة للأرض التي يكثر فيها التين، وجعل الصواب (المتينة) بفتح الياء، على التصحيح قال (وقول بعضهم في المتينة متانة ذهول) . أقول قد حكت الأمهات المتانة كما حكت الملازة والمجازة، ولا يجوز حمل ذلك كله على الذهول. ويؤيد ما ذهبنا إليه أنه إذا كان الاتصال بالفعل شرطاً لوجوب الإعلال، فإن فواته في مثل المتانة والملازة والمجازة يتيح التصحيح ولا يمنع الإعلال، وقد رأيت أن الاستقراء يشهد بهذا ويدعمه.

стр. 115

هذا ولا شك أن الأليق والأجدر بمفعلة الأعيان هذه إذا اعتلت بها العين أن تصحح لتدل على أصل مبناها فتقول (ملوزة ومجوزة ومتينة) بإسكان اللام والجيم والتاء، للمكان الذي يكثر فيها اللوز والجوز والتين، كما قالوا (مثورة) للمكان الذي يكثر فيه الثور، وهو أنفى للبس وأدل على الأصل. فلو قيل (أرض مفالة) بالإعلال أشكل المقصود منه. فإذا قلت أرض مفولة بإسكان الفاء أو أرض مفيلة بإسكان الفاء أيضاً، على التصحيح علمت أن الأول من الفول، والثاني من الفيل، دون لبس. مفعلة السبب والتصحيح وقد جاء من مفعلة السبب (مقودة ومبولة ومنومة ومطيبة) بإسكان القاف والباء والنون والطاء وفتح ما بعدها، فكانت على التصحيح. وعلة ذلك أنها لم تبن على الأفعال، فقد قصد بها ما يبعث على (القود والبول والنوم والطيب) فهي مشتقة من هذه، لا من الفعل. ولكن هل جاء من مفعلة السبب ما أعلت عينه؟ أقول جاء مقودة في قولهم (الفكاهة مقودة إلى الأذى) فكانت على التصحيح لأنها مفعلة السبب، فإذا أعلت أصبحت (مقادة) . وجاء (منومة) في قولهم (كثرة الأكل منومة) فكانت على التصحيح لأنها مفعلة السبب. فإذا أعلت أصبحت (منامة) . والمنامة في الأصل اسم مكان لحقت به التاء، ثم استعير لثوب النوم. قال الجوهري في الصحاح (المنامة ثوب ينام فيه، وهو القطيفة. وربما سموا الدكان منامة) . وفي حديث علي ﵇: (دخل رسول الله (وأنا على المنامة) قال صاحب النهاية (هي هاهنا الدكان التي ينام عليها. وفي غير هذا القطيفة، والميم الأولى زائدة) . فالمنامة إذن للموضع الذي ينام فيه أو عليه، أو جعلت للثوب الذي يُنام فيه وقياس اسم المكان أن يعل إعلال الفعل لأنه مبني عليه. فالمتيهة للمكان الذي يتاه فيه، والمحارة للمكان الذي يحار فيه، والمخاضة للذي يخاض فيه، وقد جاءت على الإعلال جميعاً، خلافاً لمفعلة السبب. ومن ثم كان الأصل في هذه التصحيح دون الإعلال. مفعلة الاسم والتصحيح

стр. 116

ومما جاء على مفعلة بالتصحيح: المفيأة، وليس هو مصدراً ولا اسم مكان، وإنما هو اسم خاص لموضع التفيؤ، كما ذكر الرضي. فقد قال في شرح الشافية (١/١٨٣) : (والمشرقة والمقيأة من ذوات الزوائد، إذ هما موضعان للتشرق والتفيؤ فيشذان عن هذا الوجه أيضاً. ولهذا لم تعل المفيأة، أو لأنه لم يذهب بها مذهب الفعل كما يجيء) . وقال في موضع آخر: (وكذا المشرقة اسم موضع خاص، لا لكل موضع يتشرق فيه من الأرض. وكذا المقنأة والمقيأة) . وختم كلامه في هذا الباب فقال: (لكن كل ما ثبت اختصاصه ببعض الأشياء، دون بعض، وخروجه عن طريقة الفعل، فهو العذر في خروجه عن القياس، كما ذكرنا) . وفي الإصلاح لابن السكيت أن المشرقة بفتح الراد وضمها وأضاف الفراء الكسر، وأن المقنأة بفتح النون وضمها كالمفيأة. أقول وكذا الحكم فيما قال الرضي بشذوذه لأنه جاء على التصحيح، فالعذر فيه أنه ليس على طريقة الفعل ليعل إعلاله. قال الرضيّ في شرح الشافية (٣/١٠٤) : (وقد شذّ مما وجب إعلاله قياساً، المشورة والمصيدة بفتح الميم، وقولهم الفكاهة مقودة إلى الأذى) . فـ (المشورة) بإسكان الشين اسم وليست مصدراً، وكذلك (المثوبة) بإسكان الثاء، وهما اسمان لم يجريا على الفعل. وقد جاء في شرح درة الغواص لشهاب الدين الخفاجي (قال ابن بري أصل مثوبة بفتح فضم، مثوبة بفتح فسكون فضم، على وزن مفعلة بضم العين، وقد قرأ بها مجاهد. وضم الشين والثاء فيهما –أي في المشورة والمثوبة- هو القياس. وقد حكى أهل اللغة فيهما الإسكان أيضاً تنبيهاً على أصله قولان أحدهما على وزن مفعولة وأصلها مثووبة.. وهو من المصادر التي جاءت على وزن مفعول.. والثاني أنها مفعلة بضم الواو، نقلت ضمتها لما قبلها.. ويقال مثوبة بسكون الثاء وفتح الواو، وكان من حقها الإعلال وأن يقال مثابة كمقامة، إلا أنهم صححوها كما صححوا الإعلال.. وقيل مثوبة كمشورة) .

стр. 117

وخلاصة الأمر أن الحريري صاحب درة الغواص أنكر المشورة بإسكان الشين وفتح الواو والراء، فجاء رد الخفاجي فأثبت المشورة بفتح الواو والمشورة بإسكانها، والمثوبة بفتح الواو والمثوبة بإسكانها. وقد اعتد ابن بري أن الأصل فيهما هو مفعلة بضم العين أي مثوبة ومشورة بإسكان الثاء والشين وضم الواو، فاستثقل الضم على الواو ونقل إلى ما قبل وأسكنت الواو. فضم الثاء والشين هو القياس، وإسكانهما هو الشذوذ. على أن المثوبة المضمومة الثاء ووزنها مفعلة بضم العين، خرّجت على زنة أخرى هي مفعولة وقيل إنها بهذا التخريج مصدر وقد أنكره سيبويه كما رأيت. وأكثر الأئمة أنها اسم على مفعلة بضم العين، أما مثوبة بإسكان الثاء وفتح الواو، وقد جاءت على التصحيح ولم تعل، فإنها اسم لا محالة. المفعلة بين الإعلال والتصحيح تبين مما تقدم جميعاً أن الأصل في مفعلة المعتلة العين هو الإعلال، كمشورة ومثوبة بضم الشين والثاء فيهما، على مفعلة بضم العين، أو مثابة ومشارة بفتحهما، على مفعلة بفتح العين. وقد أعلّ الأول بنقل حركة الواو إلى ما قبلها، وأعلّ الثاني بنقل حركة الواو ثم قلبها ألفاً لتجانس الفتح قبلها. أما ما أتوا به من مفعلة بفتح العين على غير الإعلال كمشورة ومثوبة بإسكان الشين والثاء فيهما فقد خرجوا به عن بابه، ونبهوا بذلك على أصله. وهذا الذي أبقوه على التصحيح تنبيهاً على أصله هو ما لم يتصل بالفعل كالمشورة والمثوبة بإسكان الشين والثاء وكالمطيبة والمبولة والمقودة بإسكان الطاء والباء والقاف، وهي من مفعلة السبب، وكالمثورة بإسكان الثاء من الثور، وهي من مفعلة الأعيان، كالمفيأة من مفعلة الاسم. أما ما جرى من مفعلة على الفعل كالمصادر وأسماء المكان والزمان فلا بد فيها من الإعلال. العدول بمفعلة عن الإعلال إلى التصحيح

стр. 118

قلنا إن العدول بمفعلة المعتلة العين من الإعلال إلى التصحيح مرده إلى بناء مفعلة. فإذا بنيت على اسم جاز فيها التصحيح، وإذا بنيت على فعل فلا مناص فيها من الإعلال. وذهب الشيخ ظاهر خير الله الشويري في (رسالة المفعلة) إلى أن المشورة بإسكان الشين قد أتت على التصحيح (دفعاً للالتباس بالمشارة) ، وأنها مصدر أريد به المبالغة. أقول لو كانت المشورة بإسكان الشين مصدراً لوجب فيها الإعلال لا محالة لاتصالها بالفعل.

стр. 119

ولم أر من نص على أنها مصدر البتة. وهم لم يراعوا في مسألة الإعلال بمفعلة الامتناع عن اللبس. فقد أورودوا المجازة للمكان الذي يكثر فيه الجوز بالإعلال كالملازة للمكان الذي يكثر فيه اللوز، ولم يخشوا اللبس بين المجازة هذه والمجازة اسم المكان من جاز، وقد لحقت به التاء. قال الزمخشري (وأرض مجازة كثيرة الجوز) ، وقال في موضع آخر وهو مجاز القوم ومجازتهم وعبرنا مجازة النهر، وهي الجسر بل هذه هي المشارة التي مثل بها الشيخ ظاهر الشويري. فالمشارة هي الأرض التي تُجتنى أي تُزرع، فهي اسم مكان لحقت به التاء، والمشارة مصدر من قولك شرت العسل شوراً ومشاراً ومشارة إذا اجتنبته. فقد جاء (المشارة) اسم المكان والمصدر بالإعلال على القياس، ولم يصححوا واحداً منهما لمنع اللبس بينهما. ومن ثم كان الأصل في مفعلة المعتلة العين أن تعل. وقد أوجبوا ذلك فيما اتصل منها بالفعل كالمصدر واسم المكان والزمان، ولم يوجبوه فيما لم يتصل منها بالفعل كالمشورة والمثوبة والمطيبة والمقودة والمنومة بإسكان الفاء فيها، وفتح ما بعدها، وقد جاءت مصححة. فالمثوبة بإسكان الثاء مصححة لبنائها على اسم. فإذا أعلت كانت (المثابة) والمثابة اسم مكان لحقت به التاء فهو من ثاب إذا رجع. قال صاحب المصباح (وثاب يثوب ثوباً وثؤوباً إذا رجع. وقد قيل للمكان الذي يرجع إليه الناس مثابة) وقال صاحب النهاية (المثابات جمع مثابة، وهي المنزل لأن أهله يثوبون إليه: يرجعون. ومنه قوله تعالى: (وإذا جعلنا البيت مثابة للناس) أي مرجعاً ومجمعاً (أما المثوبة بضم الثاء فقد أتت بالإعلال أيضاً لكنها على مفعلة بضم العين. المَصيَدة بإسكان الصاد وفتح الياء

стр. 120

جاء في الصحاح (المصيد والمصيدة) بكسر فسكون ففتح، فيكون على مفعل ومفعلة بكسر الميم وفتح العين. وما كان على هذه الزنة فقياسه التصحيح. وقد جاء (المصيدة) بفتح فكسر كالمعيشة، وهو على الإعلال البتة لأنه على مفعلة بكسر العين. وأما المصيدة بإسكان الصاد وفتح الياء فقد جاءت على التصحيح كما ذكر الرضي، ولكن ما سر تصحيحها خلافاً للأصل؟ المصيدة بإسكان الصاد وفتح الياء ليست موضعاً. لأن الموضع يصاغ من صاد يصيد على مفعل بكسر العين فيكون المصيد بكسر الصاد. وهو ليس من المصادر أيضاً لأن المصدر منه على مفعل بفتح العين أي المصاد بالإعلال. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق (٢٤٧) : (وإذا كان الفعل من ذوات الثلاثة من نحو كال يكيل وأشباهه فإن الاسم منه –أي اسم المكان أو الزمان- مكسور، والمصدر مفتوح. ومن ذلك مال يميل مميلاً وممالاً، يذهب بالكسر إلى الأسماء وبالفتح إلى المصدر. ولو فتحتهما جميعاً أو كسرتهما في المصدر والاسم لجاز. تقول العرب المعاش والمعيش والمعاب والمعيب والمسار والمسير) . فالمصيدة بإسكان الصاد وفتح الياء ليست مصدراً، ولو كانت كذلك لأعلت كالمعاش والمعاب والمسار على الأصل فما هي إذاً؟ قال صاحب اللسان: (المصيدة بفتح فكسر، والمصيدة بكسر فسكون ففتح، والمصيدة بفتح فسكون ففتح، كله: التي يصاد بها. وهي من بنات الياء المعتلة، وجمعها مصايد) فتبين بهذا أن المصيدة بإسكان الصاد وفتح الياء، اسم جُعل لما يصاد به، وجاء المصيد بإسكان الصاد وفتح الياء أيضاً بالتذكير، وقد صيغ على التصحيح ولم يجريا على الفعل. ولو جريا على الفعل واشتقا اشتقاق اسم الآلة لكانا على المصيدة والمصيد بكسر فسكون ففتح، فجاءا على التصحيح أيضاً، لأن زنة اسم الآلة لا تعل. فسرُّ التصحيح في المصيدة بفتح فسكون بناؤها على الاسم وعدم جريانها على الفعل. ولو أعلت لقيل المصادة.

стр. 121

وإذا كان المصيدة بفتح الياء قد أتت شاذة من حيث خروجها عن الإعلال، وقد قال الرضي بشذوذها، فإنها مقيسة لفوات ما يوجب الإعلال وهو الاتصال بالفعل. ما عدل به عن الإعلال عامة نحا الشيخ ظاهر خير الله إلى ما نحونا إليه عامة، ولو تباين ما خلص إليه وما اعتمدناه. وهو لم يعوّل على ما قاله الأئمة في هذا الباب أو يستظهر بما نصوا عليه. قال الشيخ في رسالته: (جاء ماء مسوَدةِ، والمأيمة والمشيخة والمضيعة دون إعلال. وذلك لأن المشتقات الجوفاء ما كان منها مبنياً من فعل على المعنى المصدري يعلّ بحسب القواعد. وما كان منها مبنياً من اسم غير مصدر لإفادة معنى آخر مع إفادة المصدر لا يعل. ولذلك يعُل أراحه يريحه، واستجابه يستجيبه، لأنهما من الراحة والإجابة، ولا يعل أروح اللحم مثلاً يُروِح، واستجوبه يستجوبه لأنهما من الرائحة والجواب. ومن ثم لم يعل المَسوَدة لأنها مبنية من السواد بضم السين وهو داء للغنم. والمأيمة من الأيم، والمشيخة من الشيخ، والمضيعة بفتح الياء من الضيعة بفتح فسكون، وأما من الضياع فهي مضيعة بفتح فكسر. يقال تركه بدار مضيعة بفتح فكسر، وأصلها مضيعة بكسر الياء فأعلت بالنقل. ومن ثم إذا بنيت المفعلة من الثوم والفول والنيل والتين، يقال فيها: مثومة ومفولة ومثيلة ومتينة، بفتح فسكون، وفول بعضهم متانة عن عدم تحقيق) . وإن لنا في شرح ما قاله الشيخ والتعليق عليه ما يلي: الأول: إن شرط الاتصال بالفعل في (مفعلة) إنما جعل لما يجب فيه الإعلال، فإذا تخلف هذا الشرط، جاز التصحيح ولم يجب، كما بينا فيما تقدم نصاً وشاهداً. فما سُمع من مفعلة المعتلة العين بالإعلال كـ (متانة ومتاتة ومجازة وملازة) ، وهي من التين والتوت والجوز واللوز، يُتقبل ويعمل به، ولو كان المختار هو التصحيح.

стр. 122

الثاني: إن (المأيمة) بفتح فسكون ففتح، من مفعلة السبب. ففي الأساس (الحرب مأيمة ميتمة) أي تؤول بالنساء إلى أن يصبحن أيامى، والأولاد يتامى. وقد أشار الشيخ إلى هذا في موضع آخر. وفي المخصص لابن سيده (١٦/١٧٤) : (أبو عبيد: في الحديث الولد مجبنة مجهلة مبخلة. والحرب مأيمة وميتمة) أي يقتل فيها الرجال فتئيم النساء، ويُتيم الأولاد. الثالث: جاء في القاموس والصحاح أن المشيخة بإسكان الشين من جموع الشيخ. وفي المصباح (والمشيخة اسم جمع للشيخ وجمعها مشايخ) . وقد ورد في الأساس والقاموس بالإعلال بكسر الشين، وبالتصحيح بإسكانها. فالمشيخة بفتح الياء مفعلة جاءت على التصحيح فما سرّ تصحيحها؟ قال الشيخ في موضع آخر (وقد استفيد من صنيع القاموس أنه يصح في المشيخة اعتباران: كونها من مفعلة السبب، أي الفعل أو الصفة التي توصل إلى الشيخية، فتكون بفتح العين، وكونها من مفعلة التأثر والانفعال كما يجيء فتكون بكسر العين) . فهو قد علل تصحيح المشيخة المفتوحة الياء بأنها مفعلة السبب. أقول لو صحّ هذا لقيل مثلاً (المصائب مشيخة) أي تؤول بصاحبها إلى الشيخوخة، كما قيل (كثرة الأكل منومة) بفتح الواو، أي تؤول بالأكل إلى النوم وتحمل عليه. ولم يسمع المشيخة بهذا المعنى. وإنما قيل (هم مشيخة) أي شيوخ فأين هذا المعنى من ذاك. فعلة تصحيح المشيخة بفتح الياء أنها اسم لم يبنَ على فعل كمصدر أو اسم مكان، وكل اسم على هذا جاز فيه التصحيح. أما تخريج قولهم (هم مشيخة) وليست مشيخة من الجموع في الأصل، فقد يكون (هم أهل مشيخة) والحذف هاهنا مجاز. فالمشيخة اسم من الشيخوخة. وأما قولهم (هم ميتمة) والميتمة كما مر مفعلة للسبب، فيمكن أن يكون مجازاً أيضاً، لذكر السبب وهو الميتمة وإرادة المسبب، بفتح الباء المشددة الأولى، وهو (الأيتام) ، كما في قولك: رعينا غيثاً: أي نباتاً سببه الغيث.

стр. 123

الرابع: قول الشيخ: (ولا يُعل أروح اللحم يُروحُ، واستجوبه يستوجبه، لأنهما من الراحة والإجابة) ، لا يمكن أن يجري على إطلاقه. وعندي أن كل ما صحح فقد أريد به الدلالة على اسم يتصل به. فاسودت المرأة بمعنى ولدت غلاماً أسود لوحظ فيه سواد الولد فاتصل به، وأخوصت النخلة من الخوص بضم الخاء وهو ورق النخل، وأشوكت النخلة من الشرك، وأحول الغلام إذا أتى عليه الحول بفتح الحاء، وأعوه القوم بفتح الواو إذا أصابت ما شيتهم عاهة، وأغيمت السماء بفتح الياء إذا غشيها الغيم، وأغيل فلان ولده بفتح الياء من الغيل بفتح الغين. على أنه قيل أعاه بالإعلال بمعنى أعوه، وأغام بمعنى أغيم وأغال بمعنى أغيل وأساد بمعنى أسود.

стр. 124

الخامس: ماء مسودة بفتح فسكون ففتح هو مفعلة للسبب، أي يؤول بصاحبه إلى السواد بضم السين، والسواد اسم الداء. والكلام في هذا واضح. أما المضيعة بإسكان الضاد وفتح الياء فقد جعلها الشيخ من الضيعة، على حين جعل المضيعة بكسر الضاد وسكون الياء من الضياع. ومذهبه في هذا غريب. ذلك أن الضيعة والضياع سيان ففي اللسان (والضيعة في الأصل المرة من الضياع، والضيعة والضياع: الإهمال) . والضاد فيها جميعاً بالفتح. وفي اللسان أيضاً (ضاع الشيء ضيعة وضياعاً) . فما الفرق إذاً بين (المضيعة) بكسر الضاد، و (المضيعة) بإسكان الضاد وفتح الياء؟ الذي عليه الأمهات أن المضيعة بالكسر مفعلة من الضياع؟ أي أنها اسم منه. ولذا قيل (هو بدار مضيعة) بكسر الضاد أي بدار ضياع، كما ذكر التاج وقد اعتقد الأستاذ عبد الرحمن تاج، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة (المضيعة) بكسر الضاد اسم مكان لحقت به التاء، كما جاء في مجلة المجمع القاهري للدورة الثالثة والثلاثين. وعندي أن قولهم (بدار مضيعة) بكسر الضاد. يمنع أن يكون مضيعة هذه اسم مكان. وقد فسّر التاج (دار مضيعة) بـ (دار ضياع) وقال صاحب النهاية (مضيعة: مفعلة من الضياع وقد قيل تركهم بيعة بفتح الضاد، ومضيعة: بكسر الضاد) كما أورده المرزوقي في شرح الحماسة (٧٥) . فيكون الباء للظرفية المجازية، والضيعة اسم معنى كالضياع، وقد عطف المضيعة بكسر الضاد عليها فلم يبقَ في المضيعة هذه محل لاسم مكان. أما المضيعة بإسكان الضاد وفتح الياء، فهو مفعلة للسبب، كما يتبين من قولهم (بلدكم منساة العلم ومضيعة العالم) على ما جاء في الأساس. ومعناه أن بلدكم يؤول بالعلم إلى النسيان، وبالعالم إلى الضياع، وهو يدعو إلى ذلك ويبعث عليه فيكون سبباً له.

стр. 125

على أنه جاء في التاج (ويقال هو بدار مضيعة كمعيشة، وعليه اقتصر الجوهري، ومضيعة مثل مهلكة، أي بدار ضياع، مفعلة من الضياع، وهو الإطراح والهوان) . ويدل هذا أن من الأئمة من جعل (المضيعة) بكسر الضاد و (المضيعة) بإسكانها، سواء فعطف الأخيرة على الأولى، خلافاً للجوهري، فقد جاء في اللسان (وتركهم بضيعة ومضيعة بكسر الضاد، ومضيعة بإسكان الضاد) . والأرجح عندي أن (المضيعة) بإسكان الضاد مفعلة للسبب. وإذا كان قد جاء عطفها على المضيعة بكسر الضاد في حكاية، فإنه لم يجئء في حكاية الجوهري، والجوهري كما يقول ابن بري: أنحى اللغويين. وليس يمتنع على كل حال أن تأتي (المضيعة) بالإسكان على حالين في الأصل. فقد جاء (المأدبة) بفتح الدال بمعنى الطعام أو الدعوة، لكنه فسر في حديث (أن القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم) بأنها مفعلة من الأدب. قال المرتضى في أماليه (١/٧٥٤) : (وقال غيره: المأدبة بفتح الدال مفعلة من الأدب، ومعناه أن الله تعالى أنزل القرآن أدباً للخلق وتقويماً لهم) . أي أنه أنزل القرآن من أجل تأديبهم وتقويمهم. وفي الكامل للمبرد (٢/٧٣) إشارة إلى جواز هذا التخريج إذ قال (وكلاهما في العربية جائز) . مجمع اللغة العربية القاهري ومفعلة ومما يجدر بنا ذكره والتنبيه عليه أن مجمع اللغة العربية القاهري، قد أقر قياس مفعلة الأعيان، ولم يكشف عن رأيه في معتل العين منها، هل يجري فيه الإعلال، كما يجري فيما اتصل بالفعل من مصدر أو اسم مكان أو زمان. وقد تنبه لهذا الأستاذ عباس حسن عضو المجمع فقال: المجمع لم يبن رأيه في ذلك فكان قراره:

стр. 126

(القاعدة في صوغ مفعلة مما وسطه حرف علة، هي الإعلال فيقال في مثل توت، وخوخ وتين: متاتة ومخاخة ومتانة. لكن وردت ألفاظ كثيرة بالتصحيح لا الإعلال مثل مثوبة ومشورة ومصيدة ومبولة، بفتح الواو وإسكان ما قبلها. ويرى النحاة أن الاحتفاظ بالأصل يلجأ إليه أحياناً. ولا شك أن بقاء الكلمة من غير إعلال أبين في الدلالة على المعنى. والإعلال في هذا الباب غير مستحكم. وقد نقل عن أبي زيد النحوي إجازة التصحيح في أفعل واستفعل.. وإذا أجيز التصحيح في الأفعال، فالإجازة في الأسماء مقبولة، لأن الأسماء في هذا الباب محمولة على الأفعال) . وأنت ترى أنك إذا حاولت الاعتماد على هذا القرار المتردد فاتك الانتهاء منه إلى يقين. فكلّ جائز، ولا تمييز بين مفعلة وأخرى. قال الأستاذ عباس حسن: (وإني ألحظ في هذا القرار غموضاً وتعارضاً يتطلب التجلية والتوفيق. والقرار ينص على أن القاعدة هي الإعلال، لكنه يعود بعد ذلك فيقول: وردت ألفاظ كثيرة في اللغة بالتصحيح لا بالإعلال، فما مراد الكثرة؟ وما المراد من قول التقرير إذا أجيز التصحيح في الأفعال، فالإجازة في الأسماء مقبولة: فهل اطرد التصحيح في الأفعال حتى يحمل عليه الأسماء فيه..) وينتهي الأستاذ حسن إلى القول: (ويدور بخلدي أن القرار لو اقتصر على سرد القاعدة التي جاءت في صدره وزاد عليها إباحة التصحيح في حالة واحدة، وهي أن يخفى معنى الكلمة بالإعلال أو يلتبس بغيره. ولا نجاة من الخفاء واللبس، إلا بالتصحيح. لو فعل هذا لكان سليماً من الغموض، بعيداً من التعارض، مسايراً بعض المذاهب اللغوية) فما الرأي في هذا كله؟

стр. 127

أقول لا وجه لما جاء في قرار المجمع من إطلاق إجازة التصحيح في كل ما اعتلت عينه من مفعلة، وكسر قاعدة انتظمت صياغة ما لا يحصى من الألفاظ بالإعلال. بل لا وجه لاعتماد قول من أباح التصحيح في أفعل واستفعل، وإغفال ما يضبط صوغ ما لا يعد ولا يحصى من الأفعال. ولو أُجيز إفساد قاعدة بما شذّ عنها لأبطلت القواعد جميعاً. ولم يعدل الأئمة عن الإعلال إلى التصحيح، إلا عللوه فكان ذلك إرساء للأصل وتوكيداً للقاعدة. فانظر إلى ما جاء في كتاب التصريف لابن جني: (وما صحّ من ذلك لأنه في معنى ما تجب صحته قولهم عوِر وحوِلَ، صحّ لأنه في معنى أعور وأحول. وكذلك صَيِدَ البعير يصح لأنه في معنى أصيد. وكذلك اعتونوا واعتوروا واهتوشوا واجتوروا، لأنه في معنى ما لا بد من صحته لسكون ما قبله، وهو تعاونوا وتعاوروا وتهاوشوا وتجاوروا، فجعل التصحيح أمارة للمعنى) .

стр. 128

وعندي أن ما جاء فيه التصحيح قد أتوا به كذلك لأمر انتووه. ذلك أن كل ما صحح قد أريد به الدلالة على اسم يتصل به، كما رأيت. فقد جاء التصحيح مثلاً فيما يبنى من استفعل على الاسم خاصة كاستتيست الشاة واستنوق الجمل واستفيل. قال الرضي (وأبو زيد جوّز التصحيح في باب الأفعال والاستفعال مطلقاً قياساً، إذا لم يكن لهما فعل ثلاثي) . كما جاء التصحيح في استفعل وأفعل إذا أريد بهما الاسم لتأكيد معناه، كاستحوذ من الحوذ أو الاحواذ، واستصوب من الصوب أو الصواب واستجوب من الجواب.. ونظير ذلك أُغيل من الغيل، وأغيم من الغيم، وأعوه من العاهة، وأقول من القول، وأخوص وأشوك. وجاء في كتاب الصرف للإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني المتوفى (٨٥٥ هـ) : (وقوله لا يعل مثل ما أقوله لأنه تعجب، وهو شبه الأسماء في عدم تصرفه، يعني لا يتصرف لفظ التعجب إلى المضارع والأمر والنهي، فلما شابه الاسم صححت واوه وياؤه، كما صححت واو دلو وياء ظبي. ولا يعل أيضاً قولك أغيلت المرأة إذا أرضعت ولدها في حال حملها، واستحوذ أي استولى وغلب، وكذلك استصوب، أي وجد الشيء صواباً، واستروح أي وجد الرائحة والراحة، وأطيب أي جعلت الشيء طيباً، وذلك حتى يدللن على الأصل..) . أما تعليق إجازة التصحيح على خوف اللبس، كما ذهب إليه الأستاذ عباس حسن، فلا مساغ لقبوله على إطلاقه، بلا حد ولا ضابط، في كل مفعلة. والرأي عندي أن يكون الأصل عامة هو الإعلال في كل ما بني من مفعلة على الفعل، إذا كان معتل العين، كمصدر أو اسم مكان أو زمان، كما قرر النحاة، ودل عليه الاستقراء. وأن يجاز التصحيح فيما جاء على خلافه غير متصل بالفعل، لأن الإعلال ليس شرطاً فيه، كما رأيت. ثم يوجب التصحيح في هذا وحده، كلما خيف اللبس، وفي هذا بيان.

стр. 129

جمع المصادر اتسعت في المصدر ودلالته وجمعه، أقوال النحاة، وتشعبت في ذلك مذاهبهم، فدعت الضرورة في قليل من كلام النحاة، إلى النظر والتدبير، وفي كثير منه إلى التبيين والإيضاح. قال صاحب المصباح، في (قصد) حول ما اشترطه النحاة لجمع المصدر: وبعض الفقهاء جمع القصد على قصود، وقال النحاة المصدر المؤكد لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس، والجنس يدل بلفظه على ما دل عليه الجمع. فإن كان المصدر عدداً كالضربات أو نوعاُ كالعلوم والأعمال، جاز ذلك لأنها وحدات وأنواع جمعت، فتقول ضربت ضربين، وعملت علمين، فيثنى لاختلاف النوعين، لأن ضرباً يخالف ضرباً في كثرته وقلته، وعلماً يخالف علماً، في معلومة ومتعلقه كعلم الفقه وعلم النحو. كما تقول عندي تمور، لذا اختلفت الأنواع.. وكذلك الظن يجمع على ظنون لاختلاف أنواعه، لأن ظناً يكون خيراً وظناً يكون شراً.

стр. 130

وقال ابن جني في صدد اعتلاله لاختيار سيبويه لفظ (الكلم) على (الكلام) في قوله (هذا باب ما الكلمُ من العربية) ، قال ابن جني في الخصائص (١ / ٢٣) : (وذلك أن الكلام اسم من كلم بمنزلة السلام من سلم، وهما بمعنى التكليم والتسليم، وهما المصدران الجاريان على كلَّم وسلَّم. فلما كان الكلام مصدراً يصلح لما يصلح له الجنس، ولا يختص بالعدد دون غيره، عدل عنه إلى الكلم الذي هو جمع كلمة، بمنزلة سلِمَة وسلِم.. ذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة، وهي الاسم والفعل والحرف، فجاء بما يخص الجمع وهو الكلم، وترك ما لا يخص وهو الكلام. فأما قول مزاحم العقيلي.. الكلام الطرائف، فوصفه بالجمع، فإنما ذلك وصف على المعنى) . وقال (١ / ٢٥) : (وهذا طريق المصدر لما كان جنساً لفعله، ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام، وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام، وإذا قام مائة قومة فقد كان منه قيام. فالكلام إذاً إنما هو جنس للجمل التوام مفردها ومثناها ومجموعها. كما أن القيام جنس للقومات مفردها ومثناها ومجموعها. فنظير القومة الواحدة من القيام، الجملة الواحدة من الكلام، وهذا جلي) هذا وقد سمى سيبويه (المصدر) فعلاً وحدثاً. فما وجه الرأي في هذا كله؟

стр. 131

أقول المصدر جنس لفعله كما ذكر ابن جني، فهو يدل إذاً على الحدث من حيث تعلقه بفاعله، ولكن على وجه العموم والإبهام. فإذا صح هذا فالمصدر لا يثنى ولا يجمع، لا لأنه يتناول الجنس والجنس يدل على القليل والكثير فحسب، بل لدلالته على الحدث المتعلق بفاعله من حيث هو حدث أيضاً، قال صاحب الكليات (٣٢٥) : (وعدم تثنيته وجمعه، أي المصدر، لا لكونه اسم جنس، بل لكونه دالاً على الماهية، من حيث هي هي، وإلا كان الأصل في اسم الجنس ألا يثنى ولا يجمع، ولم يقل به أحد) ! أقول ليس الأمر على ما ذكره أبو البقاء الكفوي، ذلك أن الأصل اسم الجنس ألا يجمع لأنه يدل على القليل والكثير، لكنه إذا جمع فقد عُدل بدلالته هذه. فالتمراسم جنس، فإذا جمعته على (تمور) فذلك لاختلاف أنواعه، وبذلك يكون قد جُذب من الجنس ودلالته العامة وشموله، إلى النوع ودلالته المحددة وخصوصه، فأمكن جمعه قال صاحب المصباح (لأن الجنس لا يجمع في الحقيقة، وإنما تجمع أصنافه. والجمع يكون في الأعيان كالزيدين، وفي أسماء الجنس إذا اختلفت أنواعها كالأرطاب والأعناب والألبان واللحوم، وفي المعاني المختلفة كالعلوم والظنون) . فالمصدر إذا حدّ بما ذكرناه فلا سبيل إلى جمعه البتة سماعاً أو قياساً، لكنه إذا عُدل به عما وضع له، كأن يخرج به عن دلالته الجنسية، أو حدثه المتعلق بالفاعل، جاز جمعه في الأصل، قياساً على الأسماء عامة. وسترى أن كل ما جمعوه من المصادر وتأولوا له بالسماع واختلاف الأنواع، هو من قبيل ما خرجوا به عن جنسه أو حدثه العام الصادر عن الفاعل. فليس جمعه إذاً على الشذوذ أو الندرة كما ذهب بعضهم، وإنما لما زال عنه عارض المنع من الجمع عاد له حكمه الذي يقتضيه حال الأسماء في الأصل.

стр. 132

فكلام الأئمة مثلاً على أن مصدر الوحدة ومصدر الهيئة يثنيان ويجمعان. وأنت إذا قلت (جلت جولة) و (مشيت مشية الفزع) لم تر في (الجولة والمِشية) ما يدل على جنس الفعل عامة بعد أن حُد بالوحدة أو خُص بالهيئة، ولو دلّ على الحدثَ. فلا شذوذ على هذا في اطراد جمعهما. قال ابن جني (فنظير القومة الواحدة من القيام، الجملة الواحدة من الكلام، وهذا جليّ) . وكلام الأئمة على أن (العقول والألباب والحلوم والعلوم والظنون) مصادر قد جمعت لاختلاف الأنواع. وهي على التحقيق أسماء ليس لها من مصدريتها إلا اللفظ. ذلك أنه قال عُدل بها عما للمصدر من دلالة على جنس الفعل وحدثه المتعلق بالفاعل. قال صاحب المصباح (ثم أطلق العقل الذي هو مصدر على الحجا واللب) . وقال صاحب المفردات (والعقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم) . وقال ابن القوطية: (ولبَّ لُباً ولبابة: عقل) . فدل هذا على أن (اللبَّ) في الأصل مصدر. وقال صاحب المفردات (اللب العقل الخالص من الشوائب، سمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه كاللباب واللب من الشيء) . فدل هذا على أن (اللب) قد حيد به عن مصدريته إلى مجرد الاسمية. وقال ابن القوطية: (حلمُ حلماً عَقَل) . وقال ابن منظور (الحلمِ بالكسر الأناة والعقل وجمعه أحلام وحلوم) .

стр. 133

وروى ابن منظور عن صاحب المحكم أن (الظن) يكون اسماً ومصدراً وأن الذي جُمع على (الظنون) هو الاسم لا المصدر. وأشار إلى نحو من هذا صاحب المصباح حين قال: (الجمع يكون في الأعيان كالزيدين ... وفي المعاني المختلفة كالعلوم والظنون) فنبه بهذا على أن العلم والظن إذا جمعا فقد عريا من الحدث وجنسه، إذ أصبحا محض اسمين للمعنى. فـ (العلم) مصدر (عَلم) هذا هو الأصل لكنه ليس مصدراً حين يجمع، وهذا ما أراد الشيخ مصطفى الغلاييني أن يلحظه في كتابه (جامع الدروس العربية ٢ / ٤١٤) حيث قال: (فالمصدر قد يراد به الاسم، لا حدوث الفعل، كما تقول العلم نور، فإن لم يرد به الحدث فلا يعمل) . لبس شيء مما جُمع، وأصله المصدر، باقياً على مصدريته أقول ليس شيء مما جُمع كالعقول والألباب والحلوم والعلوم والظنون، قد أريد به الحدث البتة. فليس هو مصدراً بحال من الأحوال، وإن كان أصله كذلك. قال صاحب المصباح في الاعتلال لجمع (العلم) : (إن ضرباً يخالف ضرباً في كثرته، وعلماً يخالف علماً في معلومه ومتعلقه، كعلم الفقه وعلم النحو) . والصحيح أنه ليس في (العلم) من قولك (علم الفقه وعلم النحو) ما يدل على الحدث. بل ليس فيه ما يصدق على الجنس أيضاً. ومن ثم جاز جمعه جمع الأسماء. وكل ما جمعته من ذلك فقد جذبته إلى الاسمية وخرجت به عن المصدرية.

стр. 134

قال الجرجاني فيما حكاه المصباح (ولا يجمع المبهم إلا إذا أريد به الفرق بين النوع والجنس، وأغلب ما يكون فيما ينجذب إلى الاسمية نحو العلم والظن، ولا يطرد) .والغلبة التي أشار إليها الجرجاني قياس لا ينكسر. وتصحيح قوله أن كل ما جمع فقد انجذب إلى الاسمية. وعلى ذلك قول صاحب المصباح: (وإن لم يُسمع عللوا أن المصدرباق على مصدريته) وليس قول الأئمة فيما جمع أنه مصدر إلا على الاعتداد بالأصل. وإلا فليس المصدر مصدراً بلفظه وحسب، وإنما هو مصدر بدلالته، ودلالته التي تتناول جنس الفعل وحدثه العام المبهم الصادر عن فاعله، فإذا تخلفت عنه الدلالة، تخلف معها ما تقتضيه من امتناع جمعه، فجُمع. التضاعف والأثناء: وانظر إلى ما قاله ابن يعيش في قول الزمخشري من خطبة المفصل: (ثم إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فضلها) ، قال: "التضاعيف جمع تضعيف، وهو مصدر ضعفته إذا أردت مثله أو أكثر) . وقال (وإنما جمع، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، لأنه أراد أنواعاً من التضعيف مختلفة، كما يقال العلوم والأشغال) . فانظر كيف جعل (التضعيف) مصدراً فذكر بهذا حاله الأولى، على شهرته في انفكاكه عنها، وغلبة اسم الذات عليه. فالتضاعيف هي الغضون والأثناء. قال صاحب الأساس (وكل شيء ثني بعضه على بعض أطواقاً، فكل طاق من ذلك ثني، بكسر الثاء، حتى يقال أثناء الحية لمطاويها) . وقال الجوهري (والثني واحد أثناء الشيء، أي تضاعيفه ... والثني من الوادي والجبل منعطفه، وثني الحبل ما ثنيت) . وقال المرزوقي في شرح ديوان الحماسة (٥١٤) : (ويقال ثنيت الشيء ثنياً ثم يسمى المثني ثنياً، بكسر الثاء، وما ثني به هو أيضاً ثنياً) . هذا وإذا قلنا إن المصدر قد ينتهي به الاستعمال إلى الاسم، اسم الذات أو اسم المعنى، فلابد من التنبيه على أن اسم الذات في الأصل أعرق في النشوء وأسبق، من المصدر الدال على حدث الفعل وجنسه، من حيث التوالد اللغوي وتكامله. الأصوات والصلوات والزكوات:

стр. 135

والصوت مصدر صات يصوت كالقول مصدر قال يقول. فإذا جمع على أصوات كان اسماً. ومن النحاة من يقول إنه مصدر لكنه يردف أنه خرج بالتسمية عن حكم المصادر. قال ابن سيده في المخصص (١٣ / ٨٥ ـ ٨٦) : (إذا كانت الصلاة مصدراً وقع على الجميع والمفرد على لفظ واحد كقوله: صوت الحمير، فإذا اختلف جاز أن يجمع لاختلاف ضروبه، كما قال جلّ وعزّ: إن أنكر الأصوات) . وأضاف: وإذا جمعت المصادر نحو قوله: إن أنكر الأصوات، فإنك تجمع ما صار بالتسمية، كالخارج عن حكم المصادر، أجدر.. فهذا قول من جمع نحو قوله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) . أقول الصوت هنا هو ما يحدثه الشيء إذا صات وجمعه أصوات أي أنه الأثِر الذي حصل بالحدث ومن ثم كان اسماً خارجاً عن حكم المصدر. وإذا قلت (له صوتٌ صوتَ حمام) فصوتٌ الأول ليس هو حدث الفعل بل أثره المسموع، ومن ثم كان العمل في (صوت) الثاني لفعل مقدر، لا لـ (صوت) الأول. وكذا (الصلاة) إذا جمعته على (الصلوات) . قال ابن سيده (فالتسمية به مما يقوي الجمع فيه، إذا عُني به الركعات لأنها جارية مجرى الأسماء) . أي أن (الصلاة) إذا كانت مصدراً بمعنى (الدعاء) فقد سميت بها الركعات أو العبادة المخصوصة فأنزلت منزلة الأسماء فجمعت. وهكذا الزكاةَ حين جمعت على (الزكوات) في نهج البلاغة (٢ / ١٧٣) : (كما حرس الله عباده بالصلوات والزكوات) . ولا يخفى أن (الصلاة والزكاة) من الألفاظ الإسلامية التي اكتسبت معاني اشتقت من أصول معانيها. ففي كتاب الزينة للشيخ أبي حاتم الرازي (المتوفى ٣٢٢ هـ) : (فالإسلام هو اسم لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ وكذلك أسماء مثل الأذان والصلاة والركوع والسجود، لم تعرفها العرب إلا على غير هذه الأصول. فكانوا يعرفون الصلاة أنها الدعاة، قال الأعشى في صفة الخمر: لها حارس ما يبرح الدهر بينها فإن ذبحت صلى عليها وزمزما

стр. 136

أي دعا لها) وأصل الذبح الشق، ويقال ذبحت الدن أي بزلته، والدن الوعاء الذي ترقد فيه الخمر. وزمزم بمعنى ترنم. وجاء في كتاب الزينة أيضاً: (الزكاة هو من النموّ والزيادة يقال زكا الزرع إذا نما وطال وزاد. ويكون من الطهارة. قال تعالى (قد أفلح من زكاها (أي طهرها على أن الصلاة على التحقيق اسم مصدر، والأصل صلى تصلية وكذلك الزكاة. قال صاحب الكليات (٢٢٣) : (الصلاة اسم مصدر، أي الثناء الكامل، وكلاهما مستعملان، بخلاف الصلاة بمعنى أداة الأركان فإن مصدرها لم يستعمل.. ويقال صليت صلاة ولا يقال صليت تصلية) . على أن اسم المصدر هنا قد حل محل المصدر واستُغني به عنه. المصادر المؤكدة: جاء كلام الأئمة على أن المصدر المؤكد لا يجمع، وهو صحيح على ما انتحيناه، فالمصدر في قولك قمت قياماً وجلست جلوساً، قد ماثل فعله من حيث دلالته على الحدث وجنسه دون تحديد، فهو باق على مصدريته، دال على جنس فعله وإبهامه. قال صاحب الهمع (١ / ١٨٦) : (المصدر نوعان مبهم، وهو ما يساوي معنى عامله من غير زيادة كقمت قياماً وجلست جلوساً، وهو لمجرد التأكيد، ومن ثم لا يثنى ولا يجمع، لأنه بمنزلة تكرير الفعل فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع) . أما الحكم بقصوره عن العمل فذلك أنه قد أتى مؤكداً لعامله، لا نائباً عنه كالمصدر المضاف المبين للنوع في نحو قولك (ضربت فلاناً ضرب زيد أخاه) أي ضرباً مثل ضرب زيد أخاه، كما جاء في حاشية الصبان على الأشموني (٢ / ١٠٣) و (ضرب) على هذا قد عمل رفعاً في فاعله المضاف إليه، ونصباً في مفعوله، خلافاً للمصدر المؤكد لعامله. المصادر المنتهية بالتاء:

стр. 137

وكلام الأئمة على جمع المصادر المنتهية بالتاء. قال العلامة: (ياسين) في حاشية التصريح: (إن المصدر لا يثنى ولا يجمع ما لم يكن بالتاء. وسترى أن ما انتهى بالتاء من المصادر قد جمع حملاً على الاسمية أيضاً، وقد تأولوا له باختلاف الأنواع فدلوا بذلك على خروجه عن جنس فعله قال ابن الأثير في (النهاية) : (التحيات جمع تحية، قيل أراد بها السلام. يقال: حياك الله أي سلم عليك. وقيل التحية الملك، وقيل البقاء. وإنما جمع التيحة لأن ملوك الأرض يحيَّون بتحيات مختلفة. فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعم صباحاً، ولبعضهم: اسلم كثيراً، ولبعضهم: عش ألف سنة، فقيل للمسلمين قولوا: التحيات لله، أي الألفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء، هي لله تعالى) . فانظر إليه كيف اعتل لجمع المصدر باختلاف أنواع التحيات فأخرجه عن جنسه، ثم أشار إلى دلالته على لفظ السلام والملك والبقاء، فأخرجه عن حدثه. و (النية) التي تجمع على (النيات) اسم لا مصدر. قال صاحب المصباح: (والنية: الأمر والوجه الذي تنويه) . وقد جمعوا (النُهية) على (النُهى) . قال ابن سيده في المخصص (١٥ / ١٤٠) (والنُّهى مقصور العقل يكون واحداً وجمعاً، واحدته نُهية. قال الفارسي: النُهى لا يخلو أن يكون مصدراً أو جمعاً كالظُلَم. وقوله تعالى: (لأولى النهي (، يقوي أنه جمع لإضافة الجمع إليه) . والنُهية اسم مصدر وقد جمع على النُهى كما رأيت، واسم المصدر كالمصدر في جواز جمعه أو امتناعه. وجاء في الكليات (٣٢٧) : (ويجوز جمع المصادر وتثنيتها إذا كان في آخرها تاء التأنيث كالتلاوات والتلاوتين) . وليست التلاوة المجموعة مصدراً، كالتلاوة في قوله تعالى (يتلونه حق تلاوته (. هل يجوز الخروج بالمصدر إلى الاسمية وجمعه كلما دعت الحاجة:

стр. 138

يتبين بما تقدم أن المصدر لا يجمع ما بقي على دلالته من حيث حدثه وجنسه، فإذا انفك عنها سقط عنه مقتضاها، وهو عدم الجمع. على أن بيت القصيد هاهنا هل يسوغ التصرف في المصدر كلما مست إليه الحاجة ودعت الضرورة، فيُخرج به عن مصدريته ويُجمع على إرادة الاسمية؟. أكثر نصوص الأئمة على الوقوف بهذه الإرادة عند حد السماع، عدا ما انتهى من المصادر بالتاء. فليس لك. على هذا. أن تجمع وتقول أردت بالمصدر الاسمية، إذا أدّاك التعبير إليه، إلا أن يكون العرب قد فعلوِه فنقل عنهم، وهو الحكم الذي يرجع إليه، ويقتاس به عند الأكثرين. ولكن ألا يخالف هذا، العرفَ اللغوي من وجوه؟ قال صاحب المصباح فيما أسلفنا: (فإن كان المصدر عدداً كالضربات أو نوعاً كالعلوم والأعمال، جاز ذلك لأنها وحدات وأنواع جمعت) . وأضاف: (وقال الجرجاني: لا يُجمع المبهم إلا إذا أريد به الفرق بين النوع والجنس. وأغلب ما يكون فيما ينجذب إلى الاسمية نحو العلم والظن) . ولا تكاد تحسب بهذا أنهما آخذان بالقياس حتى يستدرك الجرجاني فيقول: (ولا يطرد، ألا تراهم لم يقولوا في قتل وسلب ونهب: قتول وسلوب ونهوب) . ويستدرك الفيومي فيقول (وقال غيره لا يجمع ـ الوعد ـ لأنه مصدر، فدل كلامهم على أن جمع المصدر موقوف على السماع، فإن سمع الجمع عللوا باختلاف الأنواع، وإن لم يسمع عللوا بأنه مصدر باق على مصدريته، وعلى هذا فجمع القصد موقوف على السماع) . القول بقياس جمع المصدر إذا أريد به الاسم ذهب بعض الأئمة إلى الأخذ بقياس جمع المصدر إذا أريد به الاسم، جرياً على ما استن به العرب أنفسهم حين جمعوا (العلوم والظنون والحلوم والعقول والأعمال والأشغال..) . قال صاحب الهمع (١ / ١٨٦) : (أما النوع ففيه قولان: أحدهما يثنى ويجمع، وعليه ابن مالك، قياساً على ما سُمع منه كالعقول والألبان والحلوم، والثاني: لا، وعليه الشلوبين قياساً للأنواع على آحاد، فإنها لا تثنى ولا تجمع لاختلافها.

стр. 139

وقال في جمع المصدر (٢ / ١٨٣) : (ولم تطرد فيه قاعدة بحيث تكون مقيسة في جمع ذلك الاسم، فإنه إذ ذاك يجمع جمع ما كان أشبه به. مثال الأول أن يسمى بضرب، فإنه لم يجمع وهو مصدر فجمع وهو مسمى به على أفعُل في القلِّة فتقول أضرب ككلب وأكلب، وضروب في الكثرة ككعب وكعوب) . وهذا يعني أنك إذا سميت بمصدر جمعته على ما يجمع به ما هو نظيره من الأسماء. قال الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع دروس اللغة العربية (٢ / ١٩٩) : (والمفيد عدداً يثنى ويجمع بلا خلاف، والمفيد نوعاً فالحق أنه يثنى ويجمع قياساً على ما سمع منه كالعقول والألباب والحلوم وغيرها) . تصرف الأئمة في جمع المصدر كلما دعت حاجة التعبير إلى إنزاله منزلة الاسم على أن المانعين من القياس في جمع المصدر لم يثبتوا على المنع فيما تناولته أقلامهم وذاع في مصنفاتهم. فقد جمعوا من المصادر ما لم يرد بجمعه سماع، وعللوا لذلك باختلاف الأنواع، وجمعهم هذا وتعليلهم دليلان على انصراف الأئمة إلى القياس غالباً لاشتداد الداعي إليه. أما قول صاحب المصباح (ألا تراهم لم يقولوا في قتل وسلب ونهب، قتول وسلوب ونهوب) فجوابه أنهم لو احتاجوا إلى ذلك في معنياتهم ومتصرف أفكارهم لقالوه وأثبتوه. قال الإمام الرضي في شرح الكافية (٢ / ١٨٧) : (ومنه قولك الإكرامات والتخريجات، والانطلاقات ونحوها، لأن والواحد إكرامة وتخريجة وانطلاقة بناء الوحدة، لا إكرام وتخريج. وجمع المجرد أكاريم وتخاريج عند اختلاف الأنواع. فالإكرامات كالضربات والقتلات، والأكاريم كالضروب والقتول. ولذا يقال ثلاث إكرامات وتخريجات بتجريد العدد من التاء، وثلاثة أكاريم وتخاريج إذا قصدت ثلاثة أنواع من الإكرام..) وهكذا جمع قتلاً على قتول خلافاً لما تصوره صاحب المصباح. أما قصره جمع إكرام على أكاريم دون إكرامات، لعدم انتهائه بالتاء، فسترى أن الأئمة قد تجاوزوه.

стр. 140

هذا وسنورد عليك مما جرت به أقلام الأئمة، قياساً على ما سمع عن العرب، ما يدل دلالة سديدة واضحة على أن التصرف في المصادر لا يمكن أن يحده سماع. وإن اللغة تقتضيه اقتضاء كلما احتيج إلى تجديد المعاني وتوليدها وتصريفها حيثما اتجه الفكر، وأن أصولها، إلى ذلك، لا تأباه ولا تعافه، بحاال من الأحوال. فأنت إذا تقصيت ما كتبوه واستقريته وجدت أن أحدهم لم يتورع عن جمع المصدر إذا نوى فيه الاسمية، ولو لم يرد النص بسماع جمعه. فالعرب قد جمعت من المصادر ما احتاجت إلى إرادة الاسمية فيه لحاجة في التعبير، وتصرفت فيما اضطرت أن تخرج به عن دلالته، وليس هذا مما يمثل أو يمكن أن يحصره سماع أو تحده رواية. قال صاحب المصباح: (واستعمل العيب اسماً وجمع على عيوب) . وقال: (ثم استعمل النسب وهو المصدر في مطلق الوصلة بالقرابة، فيقال بينهما نسب أي قرابة، وجمعه أنساب) . وقال: (وفرض الله الأحكام فرضاً أوجبها. فالفرض المفروض، جمعه فروض، مثل فلس وفلوس) . وقال: (الغيم السحاب الواحدة غيمة, وهو مصدر في الأصل من غامت السماء من باب سار، إذا أطبق بها السحاب) . وقال: (والشق بالفتح انفراج في الشيء، وهو مصدر في الأصل، والجمع شقوق) . وقال: (والجمع أيضاً الجماعة تسمية بالمصدر ويجمع على جموع مثل فلس وفلوس) . وقال في (لفظ) : (واستعمل المصدر اسماً وجمع على ألفاظ كفرخ وأفراخ) . قال: (والمكس الجباية، وهو مصدر من باب ضرب أيضاً، فاعله مكَّاس، ثم سمي المأخوذ مكساً تسمية بالمصدر، وجمع على مكوس مثل فلس، وفلوس) . وقال: (والبعث الجيش تسمية بالمصدر، والجمع بعوث) . وقال: (ووقف أيضاً تسمية المصدر والجمع أوقاف) . وقال: (ثم أطلق الرهن على المرهون، وجمعه رهون مثل فلس وفلوس) . وقال: (وسمي ما يصاد صيداً، إما فعل بمعنى مفعول، وإما تسمية بالمصدر، والجمع صيود) . وقال: (ووهمت وهماً، وقع في خلَدي، والجمع أوهام) . وقال ابن منظور: (والفتح افتتاح دار الحرب وجمعه فتوح) .

стр. 141

وقال: (والوضع أيضاً الموضوع، سمي بالمصدر ... والجمع أوضاع) . وقد ورد (النص) عنهم مصدراً منقولاً إلى الاسمية بمعنى المنصوص، فجمع على نصوص، ثم أسمي به الكتاب والسنة، وأصل معناه الرفع أو الإظهار. قال صاحب الكليات: (ثم نقل في الاصطلاح إلى الكتاب والسنة، وإلى ما لا يحتمل إلا معنى واحداً) . وقال الجوهري: (الغم واحد الغموم، تقول منه غمه فاغتم) . والغم مصدر، قال الجوهري: (وليلة غم أي غامة، وصف بالمصدر، كما تقول ماء غور) . وفي المخصص (١٢ / ١٣٢) : (قال ابن جني: لام الفضاء واو، لقولهم فضا يفضو فُضوا وفضاء، والفاضي الواسع، وأفضى إلى الشيء صار في فضائه وفرجته، وجمعه أفضية) . وقال الجوهري: (وفرقت الشيء تفريقاً وتفرقة فانفرق، وافترق وتفرق، وأخذت حقي منه بالتفاريق) . ونظائر ما ذكرناه لك، مما جمعته العرب من المصادر حملاً على الاسمية، أو جمع قياساً على ما جمعوه، لا يحصيه عد. طرف مما جمعه الأئمة من المصادر حملاً على الاسمية يتبين بالاستقراء أن كثرة الأئمة قد جروا على جمع مصادر ما فوق الثلاثي فأكثروا منه، وترددوا في جمع مصادر الثلاثي فأقلوا منه. فهم جمعوا استعمالاً على استعمالات واختراعاً على اختراعات واحتمالاً على احتمالات واعتقاداً على اعتقادات واحتجاجاً على احتجاجات، كما جمعوا تقريراً على تقريرات وتحديداً على تحديدات، وإلزاماً على إلزامات والتزاماً على التزامات وتدقيقاً على تدقيقات وإلحاقاً على إلحاقات، واعتماداً على اعتمادات، وانتقالاً على انتقالات وتصحيفاً على تصحيفات وتنبيهاً على تنبيهات وتنزيلاً على تنزيلات وتأويلاً على تأويلات وتفريعاً على تفريعات وتصرفاً على تصرفات وترخيصاً على ترخيصات واختياراً على اختيارات وابتداءً على ابتداءات وإشكالاً على إشكالات وإعراباً على إعرابات وغير ذلك.

стр. 142

كما جمعوا تركيباً على تراكيب وتقليباً على تقاليب وتعليلاً على تعاليل وتكبيراً على تكابير وتصغيراً على تصاغير وتصنيفاً على تصانيف وتأليفاً على تآليف. وتفعيلاً على تفاعيل وتقسيماً على تقاسيم وتعبيراً على تعابير وتصريفاً على تصاريف وتفسيراً على تفاسير. شاع ذلك في مؤلفات الأئمة شيوعاً متعالماً، كما هو الحال في كلام ابن جني في خصائصه والقاضي الجرجاني في وساطته والخفاجي في سر الفصاحة والزمخشري في أساسه. بل الجاحظ في بعض رسائله. فقد جاء مثلاً في (التربيع والتدوير) : (وعادته كطبيعته وآخره كأوله، تحكي اختياراته التوفيق ومذاهبه التسديد /٢١٧) . وهكذا ابن هشام في مغنيه والسيوطي ومن حكى عنهم في مزهره وهمعه. والصبان في حاشيته على الأشموني، والأشموني في شرح الألفية.

стр. 143

وانظر إلى ما قاله ابن منظور في التعليق على ذلك (وقول ابن جني المضاف والمضاف إليه عندهم وفي كثير من تنزيلاتهم كالاسم الواحد.. إنما جمع تنزيلاً هنا لأنه أراد للمضاف والمضاف إليه تنزيلات في وجوه كثيرة، منزلة الاسم الواحد.. فكنى بالتنزيلات عن الوجوه المختلفة. ألا ترى أن المصدر لا وجه له إلا تشعب الأنواع وكثرتها. مع أن ابن جني تسمَّح بهذا تسمَّح تحضر وتحذق، فأما على مذهب العرب فلا وجه له، إلا ما قلناه) . أقول إن ما فعله ابن جني وتسمَّح به قد جرى عليه العرب أنفسهم، كما بسطنا القول فيه. ولابد لمثل هذا التسمح، مادام تسمح تحذق وتحضر، أن يتسع نطاقه وتمتد آفاقه، ما مسَّت إليه الحاجة في التعبير. وإذا كان الأئمة قد استسهلوا فيما جمعوه من مصادر ما فوق الثلاثي، جمعه السلامة أو منتهى الجموع فلظهور القياس فيه. وقد استحبوا جمع المصادر بالتاء، فيما لم يسمع جمعه عن العرب، وقد ضمنوا سلامة صيغته. وأكثروا من جمع ما ساغ جمعه على صيغه منتهى الجموع، فلا يعترضهم شك في تعرف واحده. وقد جمع الرضي في شرح الكافية (٢ / ١٨٧) إكراماً على أكاريم وخص إكرامات بجمع إكرامة. وجمع صاحب المصباح (في رهب) إفساداً على إفسادات، كما جمع التاج السبكي في شرح المنهاج، على ما حكاه المزهر (١ / ١٧٥) ، إنشاء على إنشاءات. وأقل الأئمة من جمع مصادر الثلاثي، لاختلاف صيغ جمعه، على وفرة ما نقل منه عن العرب كما رأيت، لكنهم جمعوا من مصادره ما يقتاد النظر إلى الأخذ به، كما اتفق لابن جني، وهو من تعلم في حذقه لفقه اللغة وعلومها واستقرائه لدقائقها وتمحيصه لدخائلها. طرف مما جمعه ابن جني من مصادر الثلاثي

стр. 144

جمع ابن جني (قصداً) على (قصود) حين انتوى فيه الاسمية، فقد قال في الخصائص: (١ / ٤٢٧) (فإن قلت فما تنكر أن يكون ذلك شيئاً طبعوا عليه وأجيئوا إليه، من غير اعتقاد منهم لعلله، ولا لقصد من قصوده التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه) . وقال (١ / ٢٥٥) : (وتضطر إلى معرفته من أغراضها وقصودها) ، وقال: (وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود) . وهكذا جمع (الحذف) وهو مصدر (حذف) على (حذوف) فقال (١ / ٨٨) : (ألا ترى إلى ما في القرآن وفصيح الكلام من كثرة الحذوف، كحذف المضاف وحذف الموصوف) . وعلى ذلك جمعه (حملاً) بفتح الحاء على (حمول) ، قال (١ / ٢٢٢) : (ثم قالوا علباوان حملا بالزيادة على حمراوان، ثم قالوا كساوان تشبيهاً له بعلباوان. ثم قالوا قرّاوان حملا له على كساوان، على ما تقدم. وسبب هذه (الحمول) والإضافات والإلحاقات، كثرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها) . ومثله جمع (الفصل) خلاف (الوصل) ، على فصول. قال ابن جني (١ / ٣٣٤) : (وأنشدنا وأيضاً فقد والشك بيَّن لي عناءٌ بِوَشكِ فراقهم صُردٌ يصيح أراد فقد بيَّن لي صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك عناء.. فقد ترى إلى ما فيه من ـ الفصول ـ التي لا وجه لها ولا لشيء منها) . وكذا (الوصل) فقد جمعه ابن جني على (وصول) . فقد جاء في اللسان (قال ابن جني: فقول الأخفش يلزم بعد الروي الوصل، لا يريد به أنه لابد مع كل روي أن يتبعه الوصل.. وجمعه ابن جني على وصول، وقياسه ألا يجمع) !

стр. 145

وجمع ابن جني (الغلط) على (أغلاط) فقال (١ / ٤٨) : (فكان يروي من أغلاط الناس منذ ذاك إلى أن شاع واستمر فساد هذا الشأن مشهوراً ظاهراً) . ولعله أول من جمع الغلط على أغلاط. وقد جمعه كذلك صاحب القاموس في خطبته فقال: (واختصصت كتاب الجوهري من الكتب اللغوية مع ما في غالبها من الأوهام الواضحة والأغلاط الفاضحة، لتدواله واشتهاره بخصوصه، واعتماد المدرسين على نقوله ونصوص) ورواه عنه صاحب المزهر (١ / ٦٣) وقال صاحب التاج (ويجمع الغلط على أغلاط) ، وربما استند في ذلك إلى ابن جني. وغريب على هذا قول الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العراقي في كتابه (المباحث اللغوية في العراق / ١٢٨) : (ولم نجد للفصحاء استعمال الأغلاط جمعاً، وإن كان مقيساً ومستعملاً عند غير اللغويين من المتأخرين، ومنه كتاب ـ أغلاطي ـ لصفي الدين الحلي الشاعر المشهور) . أقول إن الفصحاء قد قالوا (الأغلاط) كما رأيت، واستعمله اللغويون المتقدمون قبل سواهم. وقد جمع ابن جني (الغلط) على (غلاط) أيضاً. قال ابن منظور: (والغلط في الحساب وكل شيء، والغلت لا يكون إلا في الحساب. قال ابن سيده: ورأيت ابن جني قد جمعه على غلاط، ولا أدري ما وجه ذلك؟ (. أقول قد أجبت عن ذلك في كتابي (أخطاؤنا في الصحف والدواوين) الصادر عام ١٩٣٩، على ما بدا لي، فقلت (ووجه ذلك عندي أن ابن جني، لما وضع ـ الغلط ـ وهو مصدر، موضع الاسم، وجعل بمنزلة ـ المغلوط فيه ـ جمعه جمع قلة على ـ أغلاط ـ وجمع كثرة على ـ غلاط ـ على ما هو القياس. قال سيبويه ـ ٢ / ١٧٧ ـ وما كان على ثلاثة أحرف وكان فعلاً فإنك إذا كسرته لأدنى العدد بنيته على أفعال، وذلك قولك جمل وأجمال وجبل وأجبال، وأسد وآساد، فإذا جاوزوا به أدنى العدد فإنه يجيء على فعال وفعول. فأما الفعال فنحو جمال وحبال، وأما الفعول فنحو أسود وذكور، والفعال في هذا أكثر) .
следующие страницы →