Полный текст (302 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٢- وتنوين العوض عن جملة يلحق بكلمتين فقط هما "إذ" و"إذا"، ومنهم بالنسبة لـ"إذا" قول الله ? وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ? [الإسراء: ٧٦] ، يقولون التقدير لهذه الآية الكريمة ـ والله أعلم ـ: "وإذا حصل ذلك لا يلبثون خلافك إلا قليلا"، فحُذفت جملة "حصل ذلك" وعُوِّض عنها بالتنوين، هذا تنوين العوض عن جملة.
٣- أو تنوين عوض عن كلمة واحدة، ففي ثلاث كلمات هي: كل، وبعض، وأي، قال الله ? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? [النساء: ٢٥] ، التقدير والله أعلم "بعضكم من بعضكم".
أما "أي" فشاهدها قول الله ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ? [الإسراء: ١١٠] ، حُذف المضاف إليه وهو كلمة واحدة، ? وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ? [الأعراف: ١٨٠] ، وقوله ? أَيًّا مَا تَدْعُوا ? [الإسراء: ١١٠] أي مدعوٍ أو اسمٍ أو نحو ذلك، الله أعلم كيف يكون تأويلها، لابد أن تكون متعلقةً بسياق الآية. المهم أن التنوين هنا عوضٌ عن كلمة واحدة.
أما "كل" فقولك "كلٌ يجتهد"، فالتقدير "كلنا يجتهد" مثلا، أو "كل رجلٍ يجتهد"، فحُذف المضاف إليه وعوِّض عنه بالتنوين، وهذا تنوين عوض عن كلمة.
стр. 37
٤- أما التنوين الذي يأتي عوضًا عن حرفٍ واحد: فهو في نحو "غواشٍ" و"جوارٍ"، يقولون كلمة "غواشٍ" كما قال الله ? مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ? [الأعراف: ٤١] ، أصلها "غواشيُ" لأنها على وزن فواعل، وفواعل صيغة منتهى الجموع فهي ممنوعة من الصرف لعلةٍ واحدة، فاستثقلت ـ كما يقولون ـ الضمة على الياء فسكنت، ثم حُذفت الياء هذه وعُوِّض عنها التنوين، قال الله ? وَالْفَجْرِ ?١? وَلَيَالٍ عَشْرٍ ? [الفجر: ١، ٢] ، أصلها ـ والله أعلم ـ "ولياليُ"، تُستثقل الضمة أيضًا على الياء فتُحذف ثم تُحذف الياء ثم يُعوض عنها التنوين.
هذا هو تنوين العوض عن حرف.
إذًا تنوين العوض ثلاثة أنواع، تنوين عوض عن جملة ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?٤? بِنَصْرِ اللَّهِ ? [الروم: ٤، ٥] ، تنوين عوض عن كلمة كقول الله ? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? [النساء: ٢٥] ، وقوله ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ? [الإسراء: ١١٠] ، وأما تنوين العوض عن حرفٍ واحد فهو في نحو قول الله ? وَالْفَجْرِ ?١? وَلَيَالٍ عَشْرٍ ? [الفجر: ١، ٢] .
هذا هو التنوين وقد انتهينا منه. فيه كلام طويل في التنوين لا نتعرض له من حيث أن
بعضهم زاد في التنوين، سمَّى واحدًا منهما بتنوين الترنم، وسمَّى الثاني بالتنوين الغالي، وكلا هذين التنوين ليسا مما يخص الأسماء، ولذلك تدخل على الأفعال وتدخل على الحروف، فلا نتحدث عنها لأنها ليست داخلةً معنا.
стр. 38
أما دخول الألف واللام، فمتى ما وجدت الكلمة يا أخي مُقترنةً بـ"الـ" سواءٌ كانت هذه "الـ" جنسية أو عهدية أو موصولية أو غيرها فاعلم أن هذه الكلمة التي دخلت عليها اسم، كـ "الرجل"، قال الله ? كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ ? [هود: ٢٤] ، و? وَالْفَجْرِ ?١? وَلَيَالٍ عَشْرٍ ? [الفجر: ١، ٢] ، وما شاكل ذلك. هذه كلها دخلت عليها "الـ" فهذا دليلٌ على أن الكلمة التي دخلت عليها "الـ" اسمٌ وليست فعلا ولا حرفًا.
قال الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضي حكومته ولا الأصيل ذي الرأي والجدل
دخلت "الـ" هنا على كلمة "تُرضى"، مع أن كلمة "تُرضى"، فماذا يُقال عنه؟ قال يُكتفى
بهذا الشاهد، وهي أولا لا تدخل على فعل ماض، ودخلت على الفعل المضارع لمشابهته لاسم الفاعل، فدخولها هنا خاصٌ بالشعر، ثم إنه لا يأتي في النثر أبدًا، لا يأتي إلا في ضرورة الشعر، ويُحفظ ولا يُقاس عليه، وقد ورد له عدة شواهد كلها داخلة على الفعل المضارع، ولكننا نقول يُكتفى بما ورد.
أما النداء فقد انتهيت منه قبل قليل، وهو دخول حرف النداء على الكلمة، وليس مجرد دخوله دليلا على أن الكلمة اسم، ومنه كما ذكرتُ لكم قبل قليلٌ قول الله ? قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ? [يس: ٢٦] .
انتهينا من الحديث عن علامات الأسماء، الخفض والتنوين ودخول الألف واللام والنداء.
بقي مما ذكر ابن مالك الإسناد إلى الاسم، وهذا في الحقيقة علامة جيدة، لأن بعض الأسماء لم تُعرف اسميتها إلا بهذه العلامة، ولا يصح لها شيءٌ من العلامات الأخرى وهي الضمائر، الضمائر ليس عندنا دليلٌ على أنها أسماء إلا بهذه العلامة وهي الإسناد.
стр. 39
أولا: ما معنى الإسناد، الإسناد في اللغة هي الإمالة، تقول "أسندت الخشبة إلى الجدار" بمعنى "أملتها إليه"، هذا في اللغة، لكن الإسناد في اصطلاح النحويين هو الحديث عن الشيء، أو نسبة شيءٍ إليه، فأنت إذا قلت "قمتُ" فقد أسندت القيام إليك، أي نسبته إليك، التاء هذه ظاهرها أنها حرف لأنها مكونة من كلمةٍ واحدة، فليس عندنا دليلٌ على اسميتها إلا هذا الإسناد وهو الحديث عنه.
"أنت مخلصٌ"، ليس عندنا أيضًا دليلٌ على أن "أنت" اسم إلا بالإسناد إليه، لماذا؟ لأننا نقول الضمير لايصلح لدخول حرف الجر، ولا يصلح للتنوين، ولا يصلح للنداء، ولا يُنادى إلا شاذًّا وفي الشعر خاصةً، لا يُنادى الضمير إلا شذوذًا، ومنه قول الشاعر:
يا أبجر بن أبجر يا أنتَ أنت الذي طلقت عام جُعْتَ
الشاهد دخول حرف النداء على الضمير، والشاهد أيضًا أن الضمائر لا يصلح لها شيءٌ من العلامات الأخرى، لا يصلح لها نداء، ولا تظهر عليها علامات الخفض حتى نقول إنه مخفوض، ولا يصلح للتنوين، ولا تدخل عليه "الـ"، فلا يبقى له إلا هذه العلامة الوحيدة وهي الإسناد كما ذكر بن مالك ﵀، مع أن مصنفنا ﵀ اكتفى بهذه العلامات الثلاث، وهي أبرز العلامات في الحقيقة.
بعد هذا نتحدث عن بعض كلام المصنف ﵀ وهو قوله (وحروف الخفض وهي: من وإلى
وعن وعلى وفي ورب والكاف واللام وحروف القسم وهي: الواو والباء والتاء) .
هو لا يزال يتحدث عن علامات الأسماء، واستطرد فذكر لنا حروف الخفض أو حروف الجر، ابن مالك ذكر حروف الجر فعدها عشرين حرفًا، اشترك معه ابن آجروم في معظم هذه الحروف، نذكر لكم أبيات من ابن مالك في ألفيته، قال:
هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على
стр. 40
مُذ منذ رُب اللام كي واو وتا والكاف والباء ولعل ومتى
هذه عشرون حرفًا، وبعض هذه الحروف في الحقيقة لا يُستعمل حرف جر إلا أحيانًا عند بعض القبائل، وأحيانًا شاذًّا، ومن هذه الحروف التي تُستعمل قليلا جدًا حروف جر "لعل" و"متى"، فالأصل في "لعل" أنها للترجي، وليست حرف جر، ولكن ورد منه في بعض لغات العرب قول الشاعر:
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة لعل أبي المغوار منك قريب
فـ"أبي" هنا جاءت مجرورةً ب"لعل"، وهذا قليلٌ جدًّا، ويختص بلغات بعض العرب. أيضًا "متى" لا تُستعمل إلا عند بعض العرب أيضًا، وهي بعض القبائل، ولعلها عُقيل أو هُذيل، يقولون "أخرجها متى كمه"، يعني من كمه، ومنه قول الشاعر "متى لجج خضر لهن نئيج" يعني من لجج، فهي تُستعمل بمعنى من، ولكنه أيضًا قليلٌ وخاصٌّ ببعض لغات العرب.
أما من وإلى وعن وعلى وفي والباء واللام فهذه كلها تجر الظاهر والمضمر، تدخل على الأسماء الظاهرة فتجرها، وتدخل على الأسماء المضمرة فتجرها، طبعًا الأسماء الظاهرة مبنية، ولكنها تكون في محل جر، قال الله ? وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ? [الأحزاب: ٧] ، "من" دخلت على الكاف ـوهو ضمير
ـ ونوح، وقال الله ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ? [المائدة: ١٨] ، وقال ? وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ ? [البقرة: ٢١٠] ، فجرت مرةً الظاهر ومرةً المضمر، وقال الله ? طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ? [المطففين: ١٩] ، فدخلت عن على اسمٍ ظاهر، وقال الله ? رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? [المائدة: ١١٩] ، دخلت على "هم" في الأول وعلى الهاء في الثاني، أما على نحو قول الله ? عَلَى
اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? [الأعراف: ٨٩] ، ودخولها على الضمير نحو قولك "عليك أن تعمل كذا وكذا".
أما "في" نحو قول الشاعر:
стр. 41
وفي النفس حاجاتٌ وفيك فطانةٌ
وهو أشعر الناس أبو الطيب المتنبي، فالنفس هنا اسم ظاهر و"فيك" دخلت على الضمير.
و"رُبَّ"، هذه "رُبَّ" تختص بالدخول على الأسماء الظاهرة، وهي أيضًا حرفٌ يدل على التقليل غالبا، ويدل على التكثير أحيانًا، وبعضهم يرى العكس، المهم أنها خاصةٌ بالدخول على الأسماء الظاهرة، "رُبَّ رجلٍ لاقيته فأكرمته".
أما الباء فكقول الشاعر:
بالله يا ظبيات الحي قلن لنا ليلاي منكن أم ليلى من البشر
وكقولك مثلا "مررتُ به أو بك أو بهم"، أو "مررتَ بنا"، إلى آخره، المهم أنها تجر الظاهر وتجر الضمير.
أما الكاف فخاصةٌ بالدخول على الأسماء الظاهرة، قال الله ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? [الشورى: ١١] ، وهي حرفٌ يدل على التشبيه، "محمدٌ كعليٍّ" أو "زيدٌ كخالدٍ"، إلى آخره.
أما اللام فنحو قول الله ?لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? [البقرة: ٢٨٤] ، وكقول الله ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? [البقرة: ٢٥٥] ، فأحيانًا تدخل على الاسم الظاهر وأحيانًا تدخل على الضمير وتجرهما على السواء.
أما حروف القسم فهي بعض هذه الحروف، منها الباء، الباء حرف قسم، والواو تدخل على كل الأسماء الظاهرة ويُقسم بها، "والله" "ورب الكعبة" "والرحمن" "والرحيم"، وهذه طبعًا نحن بوصفنا مسلمين لا يجوز أن ندخلها للقسم إلا على ما يتعلق باسم الله أو بصفةٍ من صفاته، أما لو قال واحدٌ وحياتك أو نحو ذلك فهو جائزٌ لغةً، أما شرعًا فإنه لا يجوز الإقسام إلا بالله ، ولا يجوز الإقسام بغيره أبدًا، لأن نفس القسم بالشيء دليلٌ على التعظيم، ولا يستحق التعظيم الحقيقيَّ إلا الله .
стр. 42
هذه الواو، وأما الباء فتدخل على لفظ الجلالة، فتقول "بالله أن تعمل كذا وكذا"، هذا إذا كانت للقسم، أما إذا كانت حرف جر لا يُراد به القسم فهي تدخل على كل شيءٍ، فتدخل هذه الباء على لفظ الجلالة وعلى غيرها من أسماء الله متى ما أردت القسم.
التاء، الغالب أنها تدخل على لفظ الجلالة، قال الله ? وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ? [الأنبياء: ٥٧] ، "تالله" فأقسم بالله ، بعضهم يجيز الدخول على لفظ الرحمن، فيقول "تالرحمن"، بعضهم يجيز أيضًا ـ على قلة ـ دخولها على قولك "ربي" فتقول "تربي"، بعضهم يجيز دخولها على كلمة "رب الكعبة" فتقول "ترب الكعبة"، هذه التاء على ألفاظ محدودة، يعني ما يجوز أن تقول "تالرحيم" مثلا، ولم يرد، فهي خاصة بالأربعة ألفاظ التي ذكرتها لكم، والغالب أن تكون داخلةً على لفظ الجلالة وحده.
هذه بالنسبة لحروف الجر التي ذكرها ابن آجروم، بقيت بعض حروف الجر، وهي في باب الاستثناء، وهي مشتركة أحيانًا تصير أفعالا وأحيانًا تصير حروفًا، أحيانًا تصير حروف جر وأحيانًا تصير أفعالا، وهي ثلاثة خلا وعدا وحاشا، كيف تميز أنها فعل أو أنها حرف جر؟ انظر إلى الاسم الذي بعدها، فإن كان منصوبًا فهي فعل استثناء، وإن كان مجرورًا فهي حرف دالٌّ على الاستثناء فتكون حرف جر.
هذه الحروف الثلاثة، وطبعًا ابن آجروم لم يذكر هذه الحروف الثلاثة، خلا وعدا وحاشا.
стр. 43
تناوب حروف الجر، وقوع بعض حروف الجر موقع بعض للدلالة على المعنى أو تضمين الفعل الذي تعلق بحرف جر معنى فعلٍ آخر، هذا خلاف بين النحويين، ما المعتمد في فيه؟ هل تقع قال الله ? وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ? [طه: ٧١] ، هل "في" هنا تدل على الظرفية أو تدل على أنها بمعنى على؟ أو أنه تضمين "أصلبنكم" معنى فعلٍ يتعدى بـ"في"، هذا خلافٌ بين النحويين في ذلك، والمسألة في هذا سهلة، والذي أراه أن بعض الحروف لها معنًى أصلي يغلب أن يكون هو المقصود به، مثلا "من" تدل في الأصل على التبعيض، لكن يمكن أن تدل لابتداء الغاية سواءٌ في الزمان أو المكان، ويمكن أن تكون للتعليل، قال الشاعر:
يغضي حياءً ويُغضى من مهابته
وهكذا، المهم أن لها معنًى أصليٌّ، ولها معانٍ أخرى ليست بأصلية يمكن أن تكون عليها، هذا الذي أرجحه في هذه المسألة، وإلا بعضهم يقول لا، الحروف يمكن أن تضع أي حرف مكان أيِّ حرفٍ مطلقًا، ويمكن أن تقول لا، بل لكل حرفٍ معنًى واحدٌ فقط وإنما التغيير في الفعل الذي دخل عليه فتُضمنه معنًى يصح أن يكون داخلا على هذا الحرف المُستشهد به، فهذا بالنسبة لاستعمال حروف الجر من ناحية معناها، والله أعلم بالصواب.
الآن نقف عند هذا الحد ونتلقى الأسئلة منكم إذا كان لديكم بعض الأسئلة، وأنا أسألكم فيما ما مر شرحه إن شاء الله.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، قلتم في تعريف التنوين هو النون الداخلة على الاسم لفظًا تفارقه خطًّا لغير التوكيد، فهل إذا دخلت في التوكيد فلا يكون اسمًا؟
أجاب الشيخ:
стр. 44
بارك الله فيك، هذا سؤالٌ جيدٌ، وأنا ما شرحتُ تعريف التنوين شرحًا تامًّا، وإلا فله مُحرزان، أن أعيد التعريف مرةً ثانية، التنوين: نونُ ساكنة تلحق الآخر لفظًا لا خطًّا لغير توكيد، أحيانًا تكون الكلمة نون ساكنة وفي الأخير ولكنها للتوكيد، فإذا كانت تدل على التوكيد فليست داخلة على الاسم بل هي داخلة على فعل، قال الله ? لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ? [العلق: ١٥] ، وقال الله ? لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ? [يوسف: ٣٢] ، فالنون في ? لَيَكُونً ? صحيحٌ نون ساكنة وتلحق الأخير وتلفظ ولا تُكتب، لكن هذه النون وردت هنا للتوكيد، إذا كانت دالة على التوكيد فإنها لا تدخل على الأسماء، بل إن التوكيد علامة من علامات الأفعال، والله أعلم بالصواب.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا، نرجو من فضيلتكم أن تمثلوا لنا في خلا وحاشا وعدا.
أجاب الشيخ:
بار الله فيك، هذه أولا لا ترد إلا في الاستثناء، لا ترد بهذا المعنى إذا كنا نقصد بها حرف جر إلا في الاستثناء، فتقول "قام القوم خلا زيد وحاشا عمرٍو وعدا زيدٍ"، فإذا دخلت عليها "ما" تحولت، لا تصير حرف جر، ويصير ما بعدها منصوبًا، تصير فعل متى ما دخلت "ما"، تقول "دخل القوم ما خلا زيدًا" لابد أن تقول "زيدًا" ما تقول "زيدٍ"، لأن ما هذه تحولها إلى فعل وتصرفها عن الحروف، فهذا التمثيل بالنسبة لخلا وحاشا وعدا إذا كانت في الاستثناء خاصةً وإذا كانت حروف جر، ولا تكون حروف جر إلا في الاستثناء فقط.
سأل الشيخ:
أنا أريد منكم من يتحدث عن الحرف الذي يدل على التقليل غالبًا وعلى التكثير أحيانًا، وقال بعضهم بالعكس.
أجاب أحد الطلبة:
الحرف الذي يدل على التقليل غالبًا أو التكثير هو "رُبَّ".
سأل الشيخ:
تُمثل له؟
أجاب الطلبة:
"رُبَّ رجلٍ لاقيته فأكرمته".
أكمل الشيخ كلامه:
стр. 45
هذا كلامٌ صحيحٌ، بارك الله فيك. لكن أنا أريد أن أنبه على مسألة الاختلاف في الدلالة على التقليل وعلى التكثير، الذين يرون أنها دالةٌ على التكثير كثير، والذين يرون أنها دالة على التقليل قليل، ولذلك يستشهدون بقول الشاعر:
ألا رُبَّ مولودٍ وليس له أبٌ وذي ولد لم يلده أبوان
يقولون هذه لا يوجد إلا واحدٌ وواحد، مولود وليس له أبٌ وهو عيسى بن مريم، وذي ولدٍ شخص عنده أولاد وليس له أبوان، من هو؟ آدم ﵇، وهذا ما يوجد من كل واحدٍ منهما إلا واحد، لكن في قول الرسول ﷺ (يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ يوم القيامة) ، فـ"رُبَّ" على التكثير، فبعضهم وهو الغالب والكثير من النحويين أنهم يرون أنها تدل على التكثير، والقليل يرون أنها تدل على التقليل غالبًا.
هذه "رُبَّ"، أريد من حروف الجر التي تدخل على الظاهر والمُضمر مع التمثيل.
أجاب أحد الطلبة:
من الحروف التي تجر الظاهر والمضمر من وإلى وعن وعلى.
سأل الشيخ:
واحد منها مع تمثيله؟
أجاب الطلبة:
? وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ? [البقرة: ٢١٠] ، ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ? [المائدة: ١٨] .
أكمل الشيخ كلامه:
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونكتفي بهذا القدر اليوم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ.
стр. 46
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نواصل الحديث في شرح ما يتيسر من الآجرومية. قال المصنف ﵀ (والفعل يُعرف ب "قد" والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة) ، هذه علامات الأفعال، إذا وجدت الكلمة مبدوءةً بـ "قد" فاعلم أنها فعلٌ، فعل ماضي أم فعل مضارع؟ الوجهان، يمكن أن تدخل على الفعل الماضي، وهذا يدل على التحقيق، ويمكن أن تدخل على الفعل المضارع، وهذا يدل على التقليل غالبًا وعلى التحقيق أحيانًا. "قد يعلم الله الذين يخالفونك"، هذه للتحقيق، لكن "قد يجيء محمدٌ" هذه للتقليل، "قد أمر فلانٌ بكذا وكذا" للتحقيق، ولا يوجد وجه آخر.
إذًا قد لا تدخل على الأسماء، وطبعًا من باب أولى أن لا تدخل على الحروف، وإنما تدخل على الأفعال، هل تدخل على فعل الأمر؟ الجواب لا، هل تدخل على الفعل الماضي؟ الجواب نعم، هل تدخل على الفعل المضارع؟ الجواب نعم، ما دلالتها إذا دخلت على الفعل الماضي؟ التحقيق قولا واحدًا، ما دلالتها إذا دخلت على الفعل المضارع؟ التقليل غالبًا، والتحقيق أحيانًا، ? قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ? [النور: ٦٣] ، وهو يعلم سبحانه بدون شكٍ في ذلك.
(والفعل يُعرف بـ"قد" والسين وسوف) ،ماذا يُسمّى هذان الحرفان؟ يُسميان حروف التنفيس، وأحيانًا يُسميان حروف التسويف، السين وسوف، السين يقولون إنها أقرب من سوف، "سوف" أبعد، "سوف أسافر" يعني بعد مدة، "سيجيء محمدٌ" يعني بعد قليلٌ، فالبعض يرى أنهما حرفان للتنفيس، والبعض يرى أنهما حرفان للتسويف، أما السين فأقرب من سوف مدةً، هذا كما يقول أهل اللغة. والسين و"سوف" لا يدخلان إلا على الفعل المضارع، لا تدخلان على الفعل الماضي، ولا تدخلان على الفعل الأمر، فهما خاصان بالفعل المضارع.
стр. 47
وأما تاء التأنيث الساكنة، فاعلم بارك الله فيك أن تاء التأنيث أنواع، أحيانًا تكون اسمًا، وأحيانًا تكون حرفًا، فأما إن كانت اسمًا فهي الضمير إذا كانت للمخاطبة، مثل "أقبلتِ يا فاطمة" و"ذهبتِ يا هند"، فإن التاء الموجودة هذه هي تاء التأنيث، ولكنها كما ترون متحركة هنا، أما تاء التأنيث الساكنة فهي التي يقصدها المصنف هنا وهي حرفٌ، تدخل على الأفعال الماضية فقط، ولا تدخل على غيرها، وتدخل في آخر الفعل الماضي، "قامت هندٌ" و"حضرت دعدٌ" و"سافرت فاطمةُ". يعني إذا قلت "قد قامت الصلاة"،
التاء هنا ساكنة أم متحركة؟ هي ساكنة في الأصل ولكنها لالتقاء الساكنة حُركت، فسواءٌ كانت بقيت على سكونها أم حُركت لالتقاء الساكنين.
فإذًا عندنا التاء بأنواعها، متى ما وجدت التاء موجودةً في آخر الكلمة فاعلم أن هذه الكلمة فعل ماضي. هل هناك تاءاتٌ أخرى؟ نعم، عندنا تاء الفاعل، وهي ثلاثة أنواع، تاء المتكلم، وتاء المخاطب، وتاء المخاطبة، هذه التاء يسمونها تاء الفاعل، ولا تلحق إلا بالفعل الماضي، وكذلك تاء التأنيث الساكنة لا تلحق إلا آخر الفعل الماضي. يوجد عندنا تاء حرف ومتحرك وعلامة للفعل أيضًا، وهي التاء التي تلحق أول الفعل المضارع إذا كان المقصود به المخاطبة، "أنتِ تقومين يا هند"، فالعلامة هذه قد تكون في أول الفعل المضارع، وقد تكون في آخر الفعل الماضي، أعني التاء "أنتِ تقومين يا هند"، ولابد أن يكون المقصود بها المخاطبة بالنسبة للفعل المضارع، لأن عندنا تاء أحيانًا تكون دالةً على الغائب مثل "هندٌ تقوم"، أو "أنت تقوم"، فلابد أن يكون المقصود بها المخاطبة، فهي تلحق الفعل المضارع، وهي دالة على أن الكلمة فعل.
المهم أن تاء التأنيث الساكنة، والتاء إذا كانت اسمًا بأنواعها لا تلحق إلا الأفعال، قال ابن مالك:
بتا فعلت وأتت ويا افعلي...... ونون أقبلنّ فعل ينجلي
стр. 48
يعني ينجلي الفعل بواحدةٍ من هذه العلامات الأربع، أعيدها مرةً ثانية، "بتا فعلت" يعني تاء المخاطبة مثلا أو تاء الفاعل عمومًا، "وأتت" يعني تاء التأنيث الساكنة، "ويا افعلي" هذه ياء المخاطبة، ولا تلحق إلا الأفعال أبدًا "ونون أقبلنّ" هذه نون التوكيد ولا تلحق إلا الأفعال كما ذكرنا لكم في اللقاء الماضي.
الآن عندنا ثلاثة أنواع من الأفعال، فما علامة الفعل الماضي؟ وما علامة الفعل المضارع؟ وما علامة فعل الأمر؟ كيف يتبين لنا أن هذه الكلمة فعلٌ ماضي؟ أما الفعل الماضي فعلامته قبول التاء، سواءٌ أكانت تاء الفاعل أم كانت تاء التأنيث الساكنة، ولا تقع إلا في آخره، تقول "ضربتَ" و"ضربتُ" و"ضربتِ" و"ضربتْ"، هذه التاء دليلٌ على أن الكلمة التي لحقتها فعلٌ ماضٍ، فالفعل الماضي علامته قبول التاء، قال ابن مالك " وماضي الأفعال بالتا مز" أي ميز الفعل الماضي بقبوله التاء في آخره، سواءٌ كانت للفاعل أو كانت للتأنيث.
أما علامة الفعل المضارع فهي قبوله لـ "لم"، وقبول السين، وقبول سوف، إذا قبلت الكلمة دخول واحدة من هذه العلامات فهي فعلٌ مضارع، ولا تقع هذه الأدوات إلا قبل الفعل المضارع، ولا يصح أن تدخل لا على الماضي ولا فعل الأمر ولا الأسماء طبعًا من باب أولى، ولذلك قال ابن مالك أيضًا " فعل مضارع يلي لم كيشم".
في بعض الأحيان تدل الكلمة على معنى المضارع، ولكنها لا تقبل دخول "لم"، وفي بعض الأحيان تدل الكلمة على معنى الفعل الماضي ولكن لا يقبل التاء، وما ذكرنا فعل الأمر، ولكن سنذكره ثم بعد هذا نعود إلى هذه الأمور الثلاثة المُستثناة، في بعض الأحيان تدل الكلمة على معنى الأمر ومع ذلك لا يقبل علامة الأمر التي سأذكرها بعد قليل، فماذا نفعل في هذا الأمر؟ ننظر بعد قليل بعد أن نذكر لكم علامة فعل الأمر.
стр. 49
علامة فعل الأمر مكونة من أمرين، الدلالة على الطلب وقبول نون التوكيد، لابد من
الأمرين مجتمعين:
١ ـ الدلالة على الأمر.
٢ ـ وقبول نون التوكيد.
قولك مثلا "اضربنّ"، هذه قبلت النون ودلت على الأمر، وإذا قبلت النون ولم تدل على الأمر فهي فعل مضارع كما ذكرنا قبل قليل، وإذا لم تقبل النون ودلت على الأمر فهي اسم فعل أمر مثل "صه" بمعنى اسكت ومثل "دراكي" ومثل "جَلاسي" ومثل "مه" بمعنى كفَّ وما شاكل ذلك.
إذا دلت الكلمة إلى معنى الفعل المضارع ولم تقبل نون التوكيد أو لم تقبل دخول "لم" عليها فإنها حين إذٍ اسم فعل مضارع، مثاله "وي" بمعنى أتعجب، "أُوَّهْ" بمعنى أتوجع، "أُفٍّ" بمعنى أتضجر، هذه كلها تدل على الفعل المضارع، ولكنها لا تقبل دخول "لم" عليها، فهي اسم فعل مضارع.
الفعل الماضي أو ما يدل على الزمن الماضي، هل يوجد منه ما يدل على الزمن الماضي ولا يقبل علامة الفعل الماضي؟ نعم، يوجد مثلا "هيهات" بمعنى بَعُدَ، و"شَتَّان" بمعنى افترق، هذه كلها تدل على الزمن الماضي ولكن لا تقبل تاء التأنيث ولا تاء الفاعل.
فهذه علامات الأفعال جمعها المصنف هنا في بعض العلامات فقال (الفعل يُعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة) ، ومع الأسف لم يأت بعلامةٍ لفعل الأمر، ولكن فعل الأمر كما أخبرتكم لابد من اجتماع علامتين فيه حتى يدل على الأمر.
هذه علامات الأفعال.
ننتقل بعد هذا إلى قول المصنف (والحروف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الحرف) ، كيف تعرف أن الكلمة حرف؟ تعرف يا أخي بارك الله فيك بطريقة وهي أن تجرب علامات الأسماء، فإذا قبلت الكلمة علامةً من هذه العلامات فهي اسم، وإذا لم تقبل لم تقبل فانتقل إلى علامات الأفعال وجرب عليها، فإذا لم تقبل علامةً من هذه العلامات فهي حرفٌ.
стр. 50
وهناك طريقة ثانية وهي أن تنظر إلى المعنى، فإن كان للكلمة معنًى في نفسها غير مقترن بزمن فهي اسم، إن كان للكلمة معنًى في نفسها مقترنًا بزمن فهي فعل، إن كانت الكلمة ليس لها معنًى في نفسها وإنما معناها فيما تدخل عليه فهي حرفٌ، والله أعلم بالصواب. ولذلك قال المصنف هنا (والحروف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الحرف) ، فما كان كذلك فهو حرفٌ، والله أعلم بالصواب.
والحروف يا إخواني أنواع، الحروف منها ما يختص بالدخول على الأسماء، وهي حروف الجر وإن وأخواتها، وحروف تختص بالدخول على الأفعال، وهي الجوازم ونواصب الأفعال، وحروف مشتركة تدخل على الأسماء وعلى الأفعال، والحروف المشتركة هذه مثل همزة الاستفهام و"هل" في الاستفهام فإنها يمكن أن تدخل على الأسماء ويمكن أن تدخل على الأفعال، والأولى طبعًا دخولها على الأفعال، ولكنها قد تدخل على الأسماء وقد تدخل على الأفعال، والله أعلم بالصواب.
ننتقل الآن إلى قضية جديدة، بعد أن انتهى المصنف ﵀ من الحديث عن علامات الأسماء وعلامات الأفعال وعلامات الحرف، وعلامة الحرف علامة عديمة، وهي أن تجرب عليها علامات الأسماء فإذا قبلت خرجت، أو تجرب عليها علامات الأفعال فإذا قبلت خرجت، وإذا لم تقبل علامةً من علامات الأسماء ولا من علامات الأفعال فهي حرفٌ بدون شكٍ.
стр. 51
ننتقل بعد هذا إلى حديث المصنف عن الإعراب، والآن دخل بنا في باب الجمل، لأن باب الإعراب والبناء خاصّان بالجمل، ولا تعرف أن هذه الكلمة مبنية ولا مُعربة ولا أنها فاعل ولا أنها مفعولٌ به ولا أنها مُبتدأ ولا أنها خبر إلا إذا كانت في جملة، وهذا قول المصنف هنا (الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه لفظًا أو تقديرًا) ، بعضهم يُعرف الإعراب وبعضهم يُعرف المُعرب، والمسألة في هذا سهلةٌ، إما أن تعرف بشيءٍ معنويٍّ وإما أن تعرف بشيءٍ محسوسٍ، الذين يعرفون بشيءٍ محسوسٍ هم الذين يعرفون المعرب، والذين يعرفون بشيءٍ معنويٍّ هم الذين يعرفون الإعراب، فالمصنف هنا اعتمد على الناحية المعنوية، فقال الإعراب هو تغيير أواخر الكلم، الكلم جمع كلمة أو اسم جنس جمعي للكلمة، واسم الجنس الجمعي هو الذي يُفرق بينه وبين واحده بالتاء في المفرد، مثل كلم وكلمة، وشجر وشجرة، وتمر وتمرة، إلى آخره.
فإذا وجدت أن الكلمة بسبب ما يدخل عليها من العوامل مرة تكون مرفوعة ومرة تكون منصوبة ومرة تكون مجرورة ومجرة تكون مجزومة فاعلم أن هذه الكلمة مُعربة، وإذا رأيتها ثابتةً في كل أحوالها مهما تغيّرت العوامل عليها فاعلم أن الكلمة مبينة، فأنت تستطيع أن تقول هذا الجدار مبنيٌّ لأنه لا يتحرك، أما المعرب فإنه يتحرك آخره، يعني تتغير حركته، تقول "جاء رجلٌ" و"رأيتُ رجلا" و"مررتُ برجلٍ"، "رجل" لما صارت فاعلا صارت مرفوعة ولما صارت مفعولا به صارت منصوبة ولما دخل عليها حرف الجر صارت مجرورة دليلٌ على أنَّ كلمة "رجل" معربة وليست مبنية لتغيرها بسبب تغير العوامل.
стр. 52
يقولون إن كلمة "حيث" مبنية، ويجيزون فيها أن تقول "جلستُ حيثُ زيدٌ جالسٌ" و"جلستُ حيثَ زيدٌ جالسٌ" وتقول "جلستُ حيثِ زيدٌ جالسٌ"، ومع ذلك يعدونها مبنية مع أنها تغيرت حركتها، فهل عندنا من مخرجٍ من هذه المشكلة؟ الجواب نعم، لأننا حددنا لك هنا أن يكون سبب التغيير هو بتغير دخول العوامل، العامل هنا في حيث لم يتغير لأنك تقول "جلستُ حيثُ" و"جلستُ حيثَ" و"جلستُ حيثِ" فما الذي تغيّر؟ التغير في لغات العرب فقط، لأن بعض العرب وهو الغالب الكثير يبنيها على الضم، ومنه قول الله ? وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? [البقرة: ١٤٩] ، فلم يقل "وَمِنْ حَيْثِ"، ولكن بعض لغات العرب ـ وهي أقل منها درجةً ـ يجعلها مبنيةً على الفتح فيقول "من حيثَ"، وبعضهم يرى أنها مبنية على الكسر، وهذا قليل.
إذًا الإعراب المُعتد به أو التغير المعتد به هو ما كان بسبب دخول العوامل، أما ما لم يكن بسبب دخول العوامل وإنما هو بسبب اختلاف لغات العرب فلا نعده من المعرب، وإنما نعده مبنيًّا، هذا قول المصنف (الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه لفظًا أو تقديرًا) ، الذين عرّفوا المعرب قالوا المعرب: هو الذي يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه من عوامل، والمسألة في هذا سهلةٌ والحمد لله رب العالمين.
قوله (الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه لفظًا أو
تقديرًا) (لفظًا) انتهينا منه،
стр. 53
الآن ننتقل إلى الإعراب التقديري، أحيانًا تكون الكلمة لا تظهر عليها علامة الإعراب مطلقًا لأنها مكسورة مثلا، أو لأنها متصلة بياء المتكلم، مثلا تقول "جاء موسى" و"رأيت موسى" و"مررتُ بموسى"، "موسى" هنا مُعرب، لكنه مرفوعٌ بضمة مقدرة، "رأيت موسى" منصوب بفتحة مقدرة، "مررتُ بموسى" مجرور بكسرة مقدرة، إذًا لماذا لا تقول إنه مبنيٌّ طالما لم يتغير حاله؟ أقول لك لأن هذه الكلمة اسمٌ والأسماء الأصل فيها الإعراب، ولا تُبنى إلا إذا شابهت الحروف، وهذا ليس بينه وبين الحروف أي شبه –أي كلمة "موسى" ـ، فنقول صحيحٌ أنه مُعرب، لكن علامات تقديرية. هذا نوعٌ مما تُقدر عليه جميع علامات الإعراب.
النوع الثاني: مما تُقدر عليه جميع علامات الإعراب هو المُضاف إلى ياء المُتكلم مثل "هذا كتابي" و"ورأيتُ كتابي" و"قرأتُ في كتابي"، "هذا" مُبتدأ، "كتاب" خبرٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الباء، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة للياء، لماذا؟ لأن الياء هذه –أي ياء المتكلم ـ لا يقع ما قبلها إلا مكسورًا، ولذلك إذا دخل عليها فعلٌ يجيئون بنون الوقاية حتى تقي الفعل من الكسر، لأن الفعل لا يُكسر.
إذًا هذه تُقدر عليها جميع علامات الإعراب، بعضهم هنا قال إن المضاف إلى ياء المتكلم اكتسب البناء من إضافته إلى الياء لأن الياء مبنية فهو مبنيٌّ، لكن الصواب أنه مُعربُ، وأنه معربٌ بحركاتٍ مقدرة، ومنع من ظهروها اشتغال المحل بحركة المناسبة. هذا بالنسبة للمضاف إلى ياء المتكلم، بعضهم يرى أنه في منزلةٍ بين المنزلتين، لا هو معربٌ ولا هو مبنيٌّ بل قسمٌ مُستقلٌ بنفسه، الذي هو المُضاف إلى ياء المتكلم، لكن نعود مرةً أخرى ونقول لا، بل هو معرب، ومعربٌ بعلاماتٍ مقدرة.
стр. 54
أحيانًا يكون الإعراب التقديري في بعض الأحيان، فمثلا الاسم المنقوص مثل "القاضي" و"الساعي" و"الداعي" و"المرتدي" وإلى آخره، هذه مختومة بياء، وما قبل الياء مكسور، هذه تُسمى أسماء منقوصة أو ناقصة، هذه تظهر عليها العلامة الإعرابية في حالة النصب، أما في حالة الجر وفي حالة الرفع فلا تظهر عليها العلامة الإعرابية، أقول "جاء القاضي" و"ورأيتُ القاضيَ" و"مررت بالقاضي"، في حالة الرفع وفي حالة الجر ساكنة ولكن الحركات مقدرة عليها، ويقولون إن هذا التقدير للثقل وليس للتعذر، فالتقدير في الأسماء المنقوصة للثقل.
الفعل المضارع المختوم بالواو أو الياء تُقدر عليه العلامة الإعرابية في حالة الرفع فقط، تقول "محمدٌ يدعو ربه" و"محمدٌ يرمي عدوه" في حالة الرفع، فأما إذا جئت بالنصب فإن الفتحة تظهر فتقول "محمد لن يدعوَ الشيطان" أو "لن يدعوَ عدوه" وتقول "لن يرميَ أحبابه"، ظهرت عليها الفتحة، أما في حالة الجزم نحذف حرف العلة، تقول "لم يدعُ" و"لم يرمِ" و"لم يسعَ"، "واحذف جازما ثلاثهن تقض حكما لازما"، هذا في الفعل المضارع المعتل الآخر، وسيأتينا بيانه إن شاء الله.
إذًا قد تكون العلامة مقدرةٌ مطلقًا، يعني في كل الأوقات رفعًا ونصبًا وغيرها، وقد تكون في بعض الحالات كما رأيتم وكما مثلنا في حالة الاسم المنقوص وفي حالة الاسم المقصور والفعل المضارع المعتل الآخر والكلمة المضافة إلى ياء المتكلم، ونكون بهذا أنهينا الحديث عن الإعراب الظاهر والإعراب المقدر.
البناء:
стр. 55
المبني هو الذي لا يتغير آخره بسبب ما يدخل عليه من العوامل، ولم يذكر هذا الكلام ابن آجروم ﵀، لم يذكر المبني اكتفاءً بالمعرب، قال الإعراب هو تغيير أواخر الكلم، ومعناه عكسه هو المبني، البناء هو عدم تغيير أواخر الكلم بسبب ما يدخل عليه من العوامل، تقول "جاء من أحبه" و"رأيتُ من أحبه" و"مررتُ بمن أحبه"، "من" هذه اسم موصول، وقد جاءت ساكنة في الأحوال الثلاثة، في الرفع والنصب والخفض، معنى هذا أنها كلمة مبنية، ولا تتأثر بما يدخل عليها من العوامل، و"من" اسمٌ موصولٌ مبني لا يتأثر بما يدخل عليه من العوامل، فهذا هو المبني.
ولا بأس أن نعد لكم المبنيات، المبنيات هي:
١ ـ الحروف كلها مبنية بدون استثناء، لا يوجد حرف إلا وهو مبنيٌّ.
٢ ـ الضمائر كلها مبنية، لا يوجد ضميرٌ إلا وهو مبنيٌّ.
٣ ـ أسماء الإشارة، وسأعود لأسماء الإشارة بعد قليل.
٤ ـ الأسماء الموصولة.
٥ ـ أسماء الشرط.
٦ ـ أسماء الاستفهام.
٧ ـ أسماء الأفعال.
٨ ـ أسماء الأصوات، وهذه قليلة الاستعمال.
نعود إلى بعض الأسماء التي ذكرتها لكم وقُلتُ إنها مبنية، عندنا في أسماء الإشارة لفظان وهما "هذان" و"هاتان"، تكون في حالة الرفع بالألف وفي حالة النصب والجر بالياء، فهل هي معربة بهاتين الصورتين أو مبنية؟ في هذا خلاف، لكن الصحيح أنها معربة، إذًا "هذان" و"هاتان" تُرفعان بالألف وتُنصبان وتجران بالياء، والبقية كل أسماء الإشارة مبنية.
стр. 56
الأسماء الموصولة يوجد فيها ثلاثة ألفاظ "اللذان" و"اللتان" و"أي"، أما "أي" فقولا واحدًا معربة إذا كانت موصولة أو إذا كانت استفهامية أو إذا كانت شرطية إلا في حالة واحدة وهي إذا كانت اسمًا موصولا وقد أُضيفت وحُذف صدر صلتها كقول الله ? لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ? [مريم: ٦٩] ،اعلم بارك الله فيك أن كلمة "أَيُّ"هنا في محل نصب مفعول به، ولم يقل "أَيَّهُمْ"،لماذا؟ قال لأنها اسمُ موصولٌ مُضافٌ وقد حُذف صدر صلتها، لأن التقدير والله أعلم "أَيُّهُمْ هُوَ أَشَدُّ"، وقد أُضيفت إلى كلمة "هُمْ" فهي هنا مبنية، فيما عدا ذلك كلما رأيت "أي" فأعربها، قال الله ? فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ? [الأنعام: ٨١] ،هنا استفهامية، قال الله عزّوجلّ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ? [الإسراء: ١١٠] ، وكقولك مثلا "أيَّ رجلٍ قابلتَه؟ " و"بأيِّ رجلٍ مررت"، فهذه "أي" معربة.
"اللذان" و"اللتان" رفعًا بالألف، ونصبًا وجرًا بالياء، أهما مُعربان أم مبنيان؟ فيه خلاف، والصحيح أنهما مُعربان، يعني إعراب المثنى، بقية الأسماء من الثمانية أمور التي ذكرتها لكم كلها مبنية، والله أعلم بالصواب.
انتهينا من باب المُعرب والمبني أو مما يتحدث فيه المصنف في باب المُعرب والمبني.
стр. 57
قال المصنف (وأقسامه أربعة) ، أقسام ماذا؟ الضمير عائد إلى ماذا؟ إلى الإعراب، لأنه لم يتحدث عن المبني، فقال (أقسامه أربعة: رفعٌ ونصبٌ وخفضٌ وجزمٌ، فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض، ولا جزم فيها، وللأفعال من ذلك الرفع والنصب والجزم، ولا خفض فيها) ، لأن الخفض خاصٌّ بالأسماء، والجزم خاصٌّ بالأفعال، ولا يوجد عندنا اسم مجزوم، ما تقولون في "من" وفي "مهما"؟ أليست ساكنة الآخر؟ تقول "جاء من نحبه" مثلا، أو "سافر من أوده"، و"رأيت من أوده"، ألا ترى أنها ساكنة الآخر ونحن نقول إن الجزم خاصٌّ بالأفعال، ومن هذه اسم موصول، الجواب عن هذا أنها هنا مبنية وليست مجزومة، هناك فرقٌ بين الجزم والبناء، فالجزم علامة إعراب، والسكون علامة بناء، فالجزم المقصود به هنا علامة من علامات الإعراب، ولا تقع في الأسماء.
(رفعٌ ونصبٌ وخفضٌ وجزمٌ، فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض) تقول "هذا زيدٌ"، و"رأيتُ زيدًا" و"نظرت إلى زيدٍ"، فهذه أخذت العلامات الإعرابية الثلاثة وهي الرفع والنصب والجر أو الخفض كما عبّر صاحبنا هنا.
(وللأفعال من ذلك الرفع والنصب والجزم، ولا خفض فيها) تقول "محمدٌ يقوم"، و"محمدٌ لن يقوم"، و"محمد لم يقم"، فـ "يقوم" فعلٌ معرب وقد تحرك بالحركات الثلاث وهي الرفع في قولك "يقومُ" لأنه لم يتقدم عليه ناصب ولا جازم، والنصب في قولك "لن يقومَ" لأنه تقدمت عليه "لن"، والجزم في قولك "لم يقم"، لأنه تقدمت عليه "لم" الجازمة، ولا يوجد في الأفعال خفض. أحيانًا في آخر البيت من القصيدة تُحركه بالكسر لكنه ليس من أجل أن الفعل يجوز أن تكسره، مثلا في قول زُهير:
أمن أُمِّ أوفى دمنةٌ لم تكلمِ بحومانة الدراج فالمتثلم
стр. 58
"لم تكلم"، "تكلم" هنا فعل مضارع، وأصله "لم تتكلم"، دخلت عليها "لم"، ومع ذلك رأينا أن الفعل هنا عليه الكسرة كما ترون، ولكننا لا نقول إنه مكسور ولكن نقول من أجل الإشباع، لأنه لو قال "لم تكلمْ" لا يكن عنده فرصة للإشباع، فحول السكون إلى كسرة.
ونكتفي بهذا القدر اليوم، ونتوجه إليكم بالأسئلة أو تتوجهون أنتم بالأسئلة التي لديكم متعلقة بما في هذا الباب.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، قلنا أن التقدير لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا، هل يجوز أن يُحمل التقدير هاهنا على العوامل؟
أجاب الشيخ:
لا، وحفظك الله، العوامل هي التي تؤثر بسبب دخولها، أما التقدير فلا أظن أن له وجه نحمله على أن يكون العامل مقدرًا، يكون العامل مقدرًا في حروف الجر أحيانًا، يُحذف حرف الجر ويُقدر، مثلا يقولون في واو "رُبَّ" إن الكلمة التي تأتي مجرورة بعد واو "رُبَّ" تكون مجرورة بحرفٍ مقدر، لكن الصواب في أن المصنف هنا أراد بأن التقدير في علامة الإعراب نفسها، إما أن تكون ظاهرة أو أن تكون مقدرة، هذا الظاهر لي، والله أعلم.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا يا شيخ، ذكرتم أن حروف الخفض لا تدخل إلا على الأسماء، فكيف يُوجَّهُ قول القائل "سقطتُ من على شجرة"؟
أجاب الشيخ:
هذا أحيانًا ربما تحدثنا فيه أو لم نتحدث، لا أدري ربما توسعنا في هذا، يقولون بعض حروف الجر تُستعمل أحيانًا حروفًا وأحيانًا أسماءً، كالكاف مثلا، الكاف يقولون تأتي بمعنى "مثل" و"على" وتأتي بمعنى "فوق"، فحينئذٍ يجوز دخول حرف الجر عليها لأنك ضمنت الحرف الذي هو في الأصل حرف معنى اسمٍ آخر فجاز دخول حرف الجر عليه، ومنه قول الشاعر "غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها"، وهي حروف مجموعة وأظنها خمسة حروف تأتي أحيانًا أسماءً فتدخل عليها حروف الجر لأنها تحولت دلالتها من الحروف إلى الأسماء.
стр. 59
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، قلنا في مثال الكلمات المعربة ولكن تقديرًا منع من ظهور العلامة عليها الاستثقال أنها تكون معربة، فهل في كلمة "قاضي" مثلا أو كلمة "ليالي" إن حذفنا الياء فنقول مثلا "مررتُ بقاضٍ من القضاة" فهل هنا تكون معربة تقديرًا؟
أجاب الشيخ:
بارك الله فيك، سؤال جميل جزاك الله خيرًا عليه، إذا قلت "مررتُ بقاضٍ" فكيف تُعربها؟ تقول "مَرَّ": فعلٌّ ماضٍ، والتاء: فاعل، والباء: حرف جر، و"قاضٍ": اسم مجرور بحركة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، الساكنان هما الياء هذه التي استثقلت عليها الحركة فسكنت، والساكن الثاني هو التنوين، فلما اجتمع التنوين والياء -والياء حرف علة متطرفة ـ حذفوا الياء، فالحركة مقدرة على الياء المحذوفة.
سأل الشيخ:
توجد بعض الكلمات مبنية، ومع ذلك تتغير حركة آخرها، فما توجيه ذلك؟ وما هذه الكلمات؟
أجاب أحد الطلبة:
الكلمة هي "حيث"، وتوجيهها حسب لسان العرب.
سأل الشيخ الطالب:
تحكم عليها بأنها مبنية أم معربة؟
أجاب الطالب:
هي مبنية، لكن يُوجه رفعها أو خفضها أو نصبها حسب لغات العرب، وليس هذا لأن الكلمة نفسها معربة.
أكمل الشيخ كلامه:
هذا كلام حق، بارك الله فيك.
ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ.
стр. 60
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سهل لنا يا رب أمورنا، واغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا أرحم الراحمين. لازلنا في مجالس العلم، ونتحدث في بعض أبواب الآجرومية، وقد وصلنا إلى بعض التفصيلات في علامات الإعراب، لأنه لما انتهى المصنف من ذكر أنواع الإعراب شرع الآن في علامات هذا الإعراب، كيف يكون الرفع؟ كيف يكون النصب؟ كيف يكون الجر؟ كيف يكون الجزم؟، وأحوال هذه الأمور بتفصيلٍ نوعًا ما، وسيفصله تفصيلا آخر في ما بعد، ولكننا سنمشي في التفصيل الأخير بإيجازٍ شديد إن شاء الله تعالى.
المصنف انتهى من بيان أن الاسم والفعل يشتركان في نوعين من أنواع الإعراب، هما الرفع والنصب، وأن الأفعال تختص بالجزم، وأن الأسماء تختص بالجر أو بالخفض كما هي عبارة الكوفيين، والآن بدأ يتحدث في معرفة علامات الإعراب فقال:
(باب معرفة علامات الإعراب: للرفع أربع علامات: الضمة، والواو، والألف، والنون) ، هذه العلامات هي علامات الإعراب، وقبل أن نشرع في هذه التفاصيل لابد أن نعرف معرفةً يقينية غير منسية علامات الإعراب الأصلية، لأن ما سواها إنما هو علاماتٌ فرعية، فالعلامة الأصلية للرفع هي الضمة، والعلامة الأصلية للنصب هي الفتحة، والعلامة الأصلية للخفض هي الكسرة، والعلامة الأصلية للجزم هي السكون، ويتفرع عن كل واحدة من هذه العلامات بعض الفروع، والمصنف قد بدأ في ذكر هذه الفروع، فبدأ بالعلامات التي تكون للرفع، ذكر أولا العلامة الأصلية منها، العلامة الأصلية للرفع هي الضمة، ويتفرع عنها -يعني يكون الرفع أحيانًا- بغير الضمة، ولكنه علامةٌ فرعيةٌ، فالضمة هي الأصلية، ويتفرع عنها أحيانًا الواو، قد تكون الكلمة مرفوعةً بالواو، وقد تكون الكلمة مرفوعةً بالألف، وقد تكون الكلمة مرفوعةً بالنون، هذه ثلاث علامات فرعية، والعلامة الأصلية هي الضمة.
стр. 61
ثم فصل المصنف فبيّن أن الضمة تكون في حالات، وأن الألف تكون في حالات، وأن الواو تكون في حالات، وأن النون تكون في حالات، فنتبين الآن إن شاء الله تعالى، قال المصنف ﵀ (فأما الضمةفتكون علامةً للرفع في أربعة مواضع: في الاسم المفرد، وفي جمع التكسير، وفي جمع المؤنث السالم، وفي الفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيءٌ) ، وهذا كلامٌ حقٌ، الضمة هي العلامة الأصلية، وتكون في المواضع الأربعة هذه التي نذكرها تباعًا.
أولا: الاسم المفرد، سواءٌ أكان معرفةً أم نكرة، مذكرًا أم مؤنثًا، فإن علامة الاسم المفرد هي الضمة، ولا تهتم وتظن أنه يقصد بالضمة غير الضمتين في حالة التنوين مثلا، لا، ليس هذا مقصوده، وإنما المقصود إن كانت الكلمة منصرفة فستكون طبعًا مع التنوين، بخاصة إذا لم تدخل عليها ال، وإن كانت غير منصرفة أو دخلت عليها ال فإنها ستكون بالضمة فقط، فنبدأ فنقول الضمة هي علامة للرفع في الاسم المفرد.
الاسم المفرد معروف طبعًا أنه ليس مثنًى ولا مجموع، وقوله (الاسم) يخرج الفعل والحرف، فإن الفعل لا شأن له في هذا الموضع، والحرف أيضًا كما قررنا أن الحروف كلها مبنية، قال ﷺ (المسلمُ أخو المسلم) ، (المسلمُ) مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وهو اسمٌ مفرد.
стр. 62
أما الموضع الثاني الذي يُرفع بالضمة فهو جمع التكسير، واعلموا بارك الله فيكم أن ما يدل على الجمع أنواع، منها جمع التكسير، منها جمع المذكر السالم، منها جمع المؤنث السالم، منها اسم الجمع، منها اسم الجنس الجمعي، هذه كلها تدل على الجموع، ولكل واحدٍ منها تعريف، فنبدأ بتعريف جمع التكسير الذي هو في بابنا الآن، ولا بأس أن نضم معه اسم الجنس الجمعي واسم الجمع لأن علامتهما أيضًا هي الضمة، فأما جمع التكسير فهو ما دلّ على أكثر من اثنين ولم يسلم مفرده من التغيير، لذلك سُمِّي تكسيرًا لأن مفرده يتكسر، يتكسر بمعنى أنها تتغير حركاته أحيانًا، تتغير بعض الحروف فيه، ينقلب حرف إلى حرف، وهكذا، كلمة "رجل" جمعها "رجال"، كلمة "مسجد" جمعها "مساجد"، انظر بارك الله فيك إلى "رَجُل" الأول الراء مفتوحة والجيم مضمومة، ثم لما جمعتها قلتَ "رِجَال"، فتغيرت الحركة في الراء والجيم معناه أنه لم يسلم مفرده من التغيير، هذا هو جمع التكسير. "مَسْجِد" تقول في جمعه "مَسَاجِد"، تغيرت السكون إلى فتحة، وهكذا، فمادام لم يسلم مفرده من التغيير فهو جمع تكسير، ما علامة الرفع في جمع التكسير سواءٌ أكان مصروفًا ككلمة "رجال" أم غير مصروف ككلمة "مساجد"؟ علامة رفعه هي الضمة، قد انتهينا من تعريفه.
ننتقل الآن إلى اسم الجمع، واسم الجنس الجمعي، أما اسم الجمع يا أيها الأحباب فإنه ما دل على أكثر من اثنين لكن لا مفرد له من لفظه، مثلا "نساء" مفردها "امرأة" لا مفرد له من لفظه، "قوم" مفرده "رجل"، "رهط" مفرده "واحد"، وهكذا، هذه كلها تُسمَّى بأسماء الجموع، وكلها علامة رفعها الضمة.
стр. 63
ننتقل إلى اسم الجنس الجمعي، اسم الجنس الجمعي يا أيها الأحباب هو أيضًا ما دل على أكثر من اثنين، ولكن يُفرَّق بينه وبين واحده بالتاء في المفرد، يعني التاء تكون في المفرد والجمع يكون خاليًا منها، وهذا هو الغالب فيه، تقول "شجر" هذا اسم جنس جمعي، مفرده "شجرة"، فيها تاء، تقول "تمر" مفرده "تمرة"، تقول "لبن" مفرده "لبنة"، "كلم" -كما مر بنا- مفرده "كلمة"، فإذا كان يُفرق بينه وبين واحده بالتاء، والتاء تكون في المفرد هذا يُسمى باسم الجنس الجمعي.
فيه نوع آخر من اسم الجنس الجمعي، هو الذي يُفرق بينه وبين واحده بياء النسب في المفرد، تقول "عرب" و"عربي"، و"روم" و"رومي"، و"ترك" و"تركي"، المفرد فيه ياء النسب، والجمع ليست فيه ياء النسب، هذا كله يُسمى باسم الجنس الجمعي، وكذلك هذا النوع علامة إعرابه الضمة، وسواءٌ كان منونًا أم غير منونًا، الغالب فيه أن يكون منونًا إلا أن تدخل عليه "ال"، فإن "ال" والتنوين لا يجتمعان.
نعود مرة ثانية إلى جموع التكسير، أنبه إلى أنها نوعان، نوعٌ منها يُسمى جموع قلة، ونوعٌ منها يُسمَّى جموع كثرة، جموع القلة هذه تكون من الثلاثة إلى العشرة، وجموع الكثرة ما زاد على ذلك، وفي بعض الأحيان يحل جمع الكثرة محل جمع القلة لأنه لا يجود جمع قلة، أو بالعكس يحل جمع القلة مكان جمع الكثرة لأنه لا يوجد جمع كثرة في هذا اللفظ.
المهم أن عندنا أربعة أوزان جموع قلة، وما عداها جموع كثرة، وقد أحصاها بعضهم فزادت على ثلاثين وزنًا –يعني جموع الكثرة-، أما جموع القلة فهي أربعة أوزان، جمعها ابن مالك في قوله:
أفعلة أفعل ثم فعلة ثمة أفعال جموع قلة
"أفعلة" مثل "رغيف" و"أرغفة"، "أفعل" مثل "عبد" و"أعبد"، "أفعال" مثل "ثوب" و"أثواب" و"قفل" و"أقفال"، "فعلة" نحو "فتى" و"فتية"، هذه جموع القلة، ولم يسلم مفردها من التغيير.
стр. 64
أما جموع الكثرة فهي أوزان كثيرة، مثل "مساجد"، مثل "رجال"، وأوزانها كثيرة، أربعة وثلاثون وزنًا، أوصلها بعضهم إلى هذا العدد، مثلا وزن "فُعْل" مثل "حُمر"، ووزن "فِعَل" مثل "كِسَر"، ووزن "فَعَلَة" مثل "سحرة"، ووزن "فعلى" كـ"جرحى"، ووزن "فُعَّل" كـ"صائم" و"صُوَّم"، وهكذا، هذه كلها جموع تكسير، وتدل على الكثرة.
ننتقل الآن إلى النوع الثالث مما يُرفع بالضمة، وهو جمع المؤنث السالم، وجمع المؤنث السالم بعضهم يُسميه تسميةً أحسن من هذه التسمية، وهو أن يُسمَّى بما جُمع بألفٍ وتاءٍ مزيدتين، لماذا قلنا إنه أفضل؟ لأنه في بعض الأحيان ما يسلم مفرده من التغيير، وفي بعض الأحيان يجيء هذا الجمع جمعًا لغير مؤنث، مثلا تقول في "سجدة" يكون جمعها "سجدات"، "ركعة" "ركعات"، ما سلم مفرده من التغيير، تقول أيضًا في جمع "حُبلى" "حُبليَات" لم يسلم جمعه من التغيير، فكيف نسميه جمع مؤنثٍ سالمًا؟!، ما سمَّيناه جمع مؤنثٍ سالم، سميناه ما جُمع بألفٍ وتاءٍ مزيدتين.
وفي بعض الأحيان يكون هذا الجمع ليس جمعًا لمؤنث، يُقال "اسطبل" تجمعه على "اسطبلات"، وهو مذكر، تقول في جمع سرادق "سرادقات"، وهكذا، فإذًا الأوْلى أن يُسمَّى هذا ما جُمع بألفٍ وتاءٍ مزيدتين.
إذًا لماذا سماه بعض النحويين جمع مؤنث سالم؟ لأن الغالب فيه أن يكون جمعًا لمؤنث، وأن يكون سالمًا، "حسنة" "حسنات"، "درجة" "درجات"، سلم مفرده من التغيير، فهذا هو الغالب، ومن أجل هذا سُمِّي بهذه التسمية.
قال ﷺ (الظلم ظلماتٌ يوم القيامة) ، "ظلمات" هنا جمع مؤنث سالم، وقد جاء مرفوعًا، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
انتهينا مما يُرفع بالضمة، وقلنا إنه أربعة مواضع، أولها الاسم المفرد، ثانيها جمع التكسير، ثالثها جمع المؤنث السالم، وبقي النوع الرابع.
стр. 65
والآن ننتقل إلى النوع الرابع وهو الفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيءٌ، هو يريد بهذا الاستثناء أن يُخرج ما يُسمى بالأفعال الخمسة، الأفعال الخمسة يتصل بالفعل المضارع إما ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، وسيأتي بيانه إن شاء الله إذا وصلنا له، فهذا لم يتصل لا بألف الاثنين ولا واو الجماعة ولا ياء المخاطبة، هذا يُرفع بالضمة، وسواءٌ أكانت الضمة ظاهرةً أم كانت الضمة مقدرة لا يضير، فتقول
"محمدٌ يشرب الماء"، وتقول "محمد يسقي جاره"، هذه ما ظهرت عليها الضمة، ولكنها مقدرة، لا يضير سواءٌ أكانت ظاهرة أم مقدرة، أسألكم سؤالا، هل ندخل في الفعل المضارع ما كان منونًا؟ ولماذا؟
أجاب أحد الطلبة:
التنوين ليس من علامات الفعل.
أكمل الشيخ كلامه:
بارك الله فيك، صحيح، قلنا في الأسماء قبل قليل في جمع المؤنث السالم وفي اسم المفرد وفي جمع التكسير، قلنا إنه لا يمكن أن تكون منونة ويمكن أن تكون غير منونة، أما هنا فلا، ليس فيه تنوين، هذا هو الفعل المضارع، الفعل المضارع يُرفع بالضمة، سواءٌ أكانت الضمة ظاهرةً أم مقدرة، بشرط ألا يتصل بآخره شيءٌ.
стр. 66
أحيانًا تتصل بآخره غير هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرتها، وهي ألف الاثنين وواو الجماعة وياء المخاطبة، أحيانًا يتصل بآخره نون التوكيد، فحينئذٍ يكون مبنيًّا، أحيانًا يتصل بآخره نون النسوة، حينئذٍ يكون مبنيًّا، وسيتبين هذا فيما بعد إن شاء الله. المهم أن حق الفعل المضارع أن يكون معربًا، ولا يُبنى إلا في حالتين، الحالة الأولى أن تتصل به نون النسوة، قال الله ? وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ? [البقرة: ٢٢٨] ، "يتربص" هنا فعل مضارع، ولم يسبقه لا ناصبٍ ولا جازم، ومع ذلك بُني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وكذلك قال الله ? وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَالصَّاغِرِينَ? [يوسف: ٣٢] ، "يُسجن" هنا فعل مضارع، حقه أن يكون مرفوعًا لأنه لم يتقدم عليه لا ناصب ولا جازم، ومع ذلك جاء هنا مبنيًّا على الفتح، فالفعل المضارع –مرة أخيرة- حقه أن يكون معربًا، ولا يُبنى إلا في حالتين، الحالة الأولى أن تتصل به نون النسوة فيُبنى على السكون، والحالة الثانية أن تتصل به نون التوكيد فيُبنى على الفتح.
وهذا آخر ما يُقال في العلامة الأولى التي ذكرها المصنف.
ننتقل الآن إلى قول المصنف في العلامة الثانية، وهي علامة فرعية للرفع، وهي الواو، قال المصنف (وأما الواو فتكون علامةً للرفع في موضعين، في جمع المذكر السالم، وفي الأسماء الخمسة) ، ثم عدد الأسماء الخمسة فقال (وهي: أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مالٍ) ، هذا هو العدد الذي ذكره المصنف من الأشياء التي تُرفع بالواو.
стр. 67
اعلم بارك الله فيك أن الواو علامة للرفع، ولكنها علامةٌ فرعية، وتكون في موضعين، الأول: في جمع المذكر السالم، والموضع الثاني: في الأسماء الستة أو في الأسماء الخمسة، بعضهم يجعلها ستة، وسنذكر هذا عند الحديث عنها، لكن الأصوب أنها خمسة أسماء فقط.
فنبدأ أولا بالحديث في جمع المذكر السالم، هذا حقه أن يكون جمعًا لمذكر، فلا يكون جمعًا لمؤنث، وثانيًا حقه أن يسلم مفرده من التغيير، تقول في جمع "مسلم" "مسلمون"، و"صالح" "صالحون"، و"زيد" "زيدون"، و"عمرو" "عمرون"، إلى آخره، هذا الجمع ليس كل كلمة تُجمع جمع مذكر سالم، بل لابد أن تجتمع ثلاثة أمور رئيسة، ثم يتفرع عنها بعد ذلك أمورٌ أخرى:
الشرط الأول: أن يكون لمذكر.
الشرط الثاني: أن يكون لعاقل.
الشرط الثالث: أن يكون خاليًا من التاء.
لمذكر يخرج به المؤنث، لعاقل يخرج به غير العاقل، مثلا عندك حصان سميته "سابقًا"، لا تجمعه فتقول "سابقون"، لا يجوز لأنه لغير عاقل، ثم عندك مثلا "طلحة" لا تجمعها على "طلحين" مثلا، وإنما تقول "طلحات"، "معاوية" "معاويات"، لمَ؟ لأنها مختومة بالتاء، فلابد من اجتماع ثلاثة أمور، الأول أن يكون لمذكر، الثاني أن يكون لعاقل، الثالث أن يكون خاليًا من التاء، وبعدها هذا فلابد أيضًا أن يكون إما علمًا غير مركب تركيبًا مزجيًا ولا تركيبًا إسناديًّا، مثلا "تأبط شرًّا" هذا علم، لا يجوز أن تجمعه جمع مذكرٍ سالم، إذًَا لكونه مركب تركيبًا إسناديًّا، مثلا معدي كرب هذا مركب تركيبًا مزجيًّا، لا يجوز أن تجمع جمع مذكرٍ سالم.
стр. 68
إذًا أن يكون إما علم غير مركبٍ تركيبًا مزجيًّا ولا تركيبًا إسناديًّا، وإما أن يكون وصفًا، المقصود بالوصف هنا اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعال التفضيل، وما شاكل ذلك، ولكن اشترطوا فيه شرطًا إضافيًّا أيضًا أن يكون وصفًا يقبل مؤنثه التاء أو يدل على التفضيل، "مسلم" ما تقول في مؤنثه؟ "مسلمة"، يصح أن تجمعه، "جريح" لا تستطيع أن تجمعه، لما؟ لأن جريح هذه مؤنثها "جريح"، إذًا "أفضل" و"أكبر" هل يجوز أن تجمعهما جمع مذكر سالمٍ؟ تقول نعم يجوز، ومؤنثه لا يقبل التاء لأن مؤنثه كبرى أو فضلى، تقول لأنه يدل على التفضيل، إذا دل على التفضيل ما فيه مانع، قال الله ? وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ? [آل عمران: ١٣٩] ، "الأعلى" فجمع على "الأعلين"، إذًا لابد أن يكون لمذكرٍ عاقلٍ خالٍ من تاء التأنيث، وأن يكون بعد هذا إما علم غير مركب تركيبًا مزجيًّا ولا تركيبًا إسناديًا، أو أن يكون وصفًا يقبل مؤنثه التاء أو يدل على التفضيل، فهذا هو الذي يُجمع جمع مذكر سالم.
ومن أجل هذه الشروط الكثيرة وجدناهم ألحقوا به عددًا كبيرًا من الألفاظ لأنهم وجدوها تُرفع بالواو، وتُنصب وتُجر بالياء، فما هذه الأشياء التي ألحقوها؟ ألحقوا
مثلا "عالمون"، قالوا لأن مفرده "عالم"، والعالم كل ما سوى الله، ونحن قلنا قبل قليل أنه لابد أن يكون لعاقل، وكل ما سوى الله يكون فيه العاقل ويكون فيه غير العاقل، فما يمكن أن يكون الجمع أقل من المفرد، فقالوا هذا ملحقٌ بجمع المذكر السالم، "عشرون" وبابه، عشرون، ثلاثون أربعون إلى تسعين، هذه كلها ملحقة بجمع المذكر السالم، "وابلون" وهو المطر الغزير كذلك، "أهلون" كذلك، "أرضون" كذلك، "بنون" كذلك، "سنون" كذلك، كل هذه ملحقة بجمع المذكر السالم، تُرفع بالواو وتنصب وتجر بالياء، هذا هو جمع المذكر السالم بإيجاز.
стр. 69
بعضهم فيما أُلحق بجمع المذكر السالم يُجيز فيه غير أن يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، فيقول مثلا يجوز في "سنين" أن نعاملها معاملة "غسلين"، يعني نلزمها الياء ونجعل الحركات على آخرها، ومنه ما رُوي عن الرسول ﷺ في قوله (اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنينِ يوسف) ، لكن لو قيل مثلا "سنينَ" لكان ملحقًا بجمع المذكر السالم، (كسنينِ يوسف) لأنه تُحذف النون للإضافة، وهذه روايةٌ للحديث، لكن الحديث أيضًا له رواية أخرى تكون خارجة عن هذا المقياس، تكون مرفوعةً بالضمة ومنصوبة بالفتحة ومجرورة بالكسرة، هذه بعض اللغات الجائزة فيها، ولا نريد أن نطيل في هذا المبحث.
ننتقل الآن إلى الأسماء الخمسة أو الأسماء الستة، أما الأسماء الخمسة وقد مثلها المصنف بقو له، وهي: أبوك وأخوك وفوك وحموك، ثم قال وذو مالٍ، ولم يقول وذوك، ما لفتت انتباهكم يا إخواني، أنا أقول لكم لماذا؟ لأنهم يقولون إن الأصل في "ذو" ألا تُضاف إلى الضمير، أما بقية الأسماء الأخرى فإن إضافتها إلى الضمير أو غير الضمير واحد ما فيها إشكال، "أبو محمدٍ" أو"أبوك"، و"أبوهم" و"أبوك" إلى آخره، لكن هذه الأسماء الخمسة يُشترط لإعرابها بالواو رفعًا والألف نصبًا والياء جرًا أربعة شروط، لا يمكن أن تُعرب هذا الإعراب إلا إذا اجتمعت فيها أربعة شروط:
الشرط الأول: أن تكون مفردًا، فإن كانت مثناةً أعربت إعراب المثنى، تقول "جاء الأبوان"، ورأيت "الأبوين"، ترفع بالألف، وتنصب وتجر بالياء، وإن كان جمعًا فإن كان جمع تكسير رفعته بالضمة، تقول "هؤلاء آباؤك"، "وآباء عليٍّ وإخوانه وأحماؤه" إلى آخره، وإن كان جمع مذكر سالم –وهذا قليلٌ- فإنه يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء.
الشرط الثاني: أن يكون مُكبَّرًا، فإن كان مصغرًا أُعرب بالحركات أيضًا، تقول "هذا أبيُّ عليٍّ"، "رأيتُ أُبيَّ عليٍّ"، و"مررت بأُبيِّ عليٍّ".
стр. 70
الشرط الثالث: أن يكون مضافًا، فإن لم يكن مضافًا بأن كان مقطوعًا عن الإضافة أو مفردًا فإنه يُعرب بالحركات الظاهرة، تقول "هذا أبٌ"، و"رأيتُ أبًا"، و"مررتُ بأبٍ" أو "نظرتُ إلى أبٍ"، قال الله ? إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ? [يوسف: ٧٨] ، ? أَبًا ? اسم إن مؤخر منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، ولا تغتر بهذه الألف الموجودة في آخره، فإنها ألفٌ ناتجة عن تنوين الفتح.
الشرط الرابع والأخير: أن تكون الإضافة إلى غير ياء المتكلم، فإن مضافًا إلى ياء المتكلم أُعرب بحركاتٍ مقدرة على ما قبل الياء، قال الله ? إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ? [ص: ٢٣] ، "أخ" هنا حقها أن تكون مرفوعة، فلو كانت مستوفيةً للشروط لرفعت بالواو، ولكنها هنا مرفوعة بضمة مقدرة على ما قبل الياء منعًا من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
نعيد الشروط مرةً ثانيةً وأخيرة، يُشترط لإعراب الأسماء الستة بهذا الإعراب أربعة شروط:
١- أن تكون مفردةً.
٢- أن تكون مكبرةً.
٣- ثلاثة أن تكون مضافةً.
٤- أن تكون إضافتها إلى غير ياء المتكلم.
يشترطون أيضًا في كلمة "فو" أن تكون خالية من الميم، فإن كانت الميم معها فإنها تُعرب بالحركات الظاهرة، تقول "هذا فمُه"، "رأيت فمَه"، و"نظرتُ إلى فمِه"، ويشترطون في "ذو" أيضًا أن تكون بمعنى "صاحب"، هل تكون ذو بغير معنى "صاحب"؟ نعم، تكون "ذو" على لغة الطائيين اسمًا موصولا مشتركًا، يعني يُطلق على المفرد والمثنى والمجموع كله بلفظٍ واحد، وعلى المذكر والمؤنث، تقول "جاء ذو أحبه" يعني الذي أحبه، و"جاء ذو أحبهما"، و"جاء ذو أحبهم"، وهكذا، فتكون واردةً للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع على لغة الطائيين، فإذا كانت بهذه اللغة فإنها لا تدخل معنا في بابنا، ولا تُرفع بالواو ولا تُنصب بالألف ولا تجر بالياء.
стр. 71
إذًا يُشترط في الأسماء الستة الشروط التي ذكرتها لكم، ويُضاف إليها شرطٌ خاصٌّ بـ"فو"، وشرطٌ آخر خاصٌّ بـ"ذو"، "ذو" أن تكون معنى "صاحب"، ولا يجوز أن تكون غير ذلك. هذه الأسماء فيها لغتان أخريان، لا بأس أن نذكرهما على وجه السرعة، يُجيزون في الأسماء الستة لغتين أخريين، اللغة الأولى إلزامها الألف في كل أحوالها، ويُسمونه بإعراب المقصور، تقول "هذا أباك"، و"رأيتُ أباك"، و"مررتُ بأباك"، ويستشهدون له بقول الشاعر "إن أباها وأبا أباها"، طبعًا الشاهد فيه الأخيرة "أباها"، لأنها في محل جر مضاف إليه، قالوا ألزموها الألف، هذه اللغة أشهر من اللغة التي ستأتي الآن.
اللغة الثالثة هذه تُسمَّى بلغة النقص، والمقصود بلغة النقص أن يُحذف الألف والواو والياء من آخر الاسم هذا المعرب إعراب الأسماء الستة، فيُعرب بحركاتٍ ظاهرة، فتقول "هذا أبُ محمدٍ"، و"رأيتُ أبَ محمدٍ"، و"مررتُ بأبِ محمدٍ"، لكن هذه اللغة قليلة، وليست جائزةً في كل الأسماء الستة، وإنما هي خاصَّة بثلاثة أسماء، وهي "الأب" و"الأخ" و"الحمو"، أما "فو" و"ذو" فلا تدخل فيها هذه اللغة، لا لغة القصر، ولا لغة النقص، هاتان اللغتان جائزتان في ثلاثة أسماء، هذا الذي أحببت أن أشير إليه.
ما شاهد لغة النقص؟ لغة النقص يعني الإعراب بالحركات، شاهدها قول الشاعر:
بأبِه اقتدى عديٌّ في الكرم ومن يُشابه أبه فما ظلم
موضع الشاهد في "أبِه" الأولى و"أبَه"، فإنها هنا جرّت بالكسرة، وهنا نصبت بالفتحة.
ولا بأس أن نختم الحلقة باستقبال أسئلتكم إذا أرتم حتى ننتقل إلى موضوعٍ جديد في اللقاء القادم، إن كان عندكم أسئلة أو أنا أسأل.
سأل أحد الطلبة:
ما الاسم السادس؟
أجاب الشيخ:
стр. 72
الاسم السادس هو اسمٌ ترددتُ في قوله، ولم يذكره كثيرٌ من النحويين، وهو كلمة "هنو"، و"هنو" هذه يُكنَّى بها عما يُستقبح ذكره، ويرى بعضهم أنها تدل على الشيء القليل، ويرى بعضهم أنها تدل على الشيء الحقير، والغالب فيها أن تُعرب بالحركات الظاهرة، حتى لو كانت مستوفية للشروط، ولكن بعضهم جعلها داخلةً ضمن الأسماء الستة، فأعربها بالواو رفعًا وبالياء جرًا والألف نصبًا، لكن الغالب فيها أن تُعرب هذا الإعراب الذي ذكرته لك، وهو أن تكون اسمًا عاديًّا لا شأن لها، وكثيرٌ من النحويين لا يذكرون هذا الاسم.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، ذكر المؤلف هنا قوله (وحموكَ) ، ومعروف أن الحمو هو قريب الزوج، فنقول "حموكِ"؟
أجاب الشيخ:
بارك الله فيك، سؤالٌ طيب وجيد، ودليلٌ على تنبهك، لأن الحقيقة أن الحمو هو قريب الزوج، وليس قريب الزوجة، يعني هذا هو المعروف في اللغة أن الحمو قريب الزوج، ولذلك قال رسول الله ﷺ (الحمو الموت) ، لما سُئل عن دخول الحمو على الزوجة، فهو في الأصل كما ذكرتُ، ولو حركت كلمة هذه جعلتها بالكسرة لكان أولى، وهذا سؤالٌ جيدٌ بارك الله فيك.
ما بقي عندكم أسئلة، أنا أسأل ولو سؤالا واحدًا إذا تمكنَّا إن شاء الله تعالى. ما الذي يُشترط لجمع الكلمة جمع مذكرٍ سالمًا؟
أجاب أحد الطلبة:
أن يكون لمذكر، وأن يكون لعاقل، وأن يكون خاليًا من تاء التأنيث، فإن كانت التاء موجودة جمعناه جمع مؤنثٍ سالم، حتى لو دل على مذكر ولعاقل، مثل "طلحة" أو "معاوية" فإننا نجمعهما جمع مؤنثٍ سالمًا.
سأل الشيخ:
أعطوني شيئًا مما ألحق بجمع المذكر السالم، يعني أُعرب إعرابه مع أنه غير مستوفي للشروط.
أجاب أحد الطلبة:
مثل كلمة بنون.
سأل الشيخ:
стр. 73
ما الذي ينقصها، نحن قلنا في الشروط أن يكون لمذكرٍ عاقلٍ خالٍ من التاء، هذا مذكر وعاقل وخالي من التاء، فما الذي نقص من الشروط؟
ما سلم مفرده من التغيير، فيه شيء ثاني مهم جدًا، لأننا قلنا فيه شروط إضافية بعد هذا، قلنا أن يكون إما علمًا وإما وصفًا، وهذا ليس علمًا وليس وصفًا، يعني لا هو اسم فاعل ولا هو اسم مفعول ولا هو علم على شخصٍ بعينه.
هذا واحدٌ، تزيدوننا مما ألحق بجمع المذكر السالم، وهو كثير، عشرون وبابه، الثلاثون والأربعون والخمسون والستون إلى التسعين.
بقي شيءٌ مهمٌ جدًا نسيتُ أن أذكره، وهو أن مما أُلحق بجمع المذكر السالم ما سُمي به من هذا الجمع، مثلا تسمي واحدًا "زيدون"، وكما قال الله ? كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ?١٨? وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ?١٩? ? [المطففين: ١٨، ١٩] ، "عليُّون" هو اسمٌ لموضعٍ في أعلى الجنة، جعلنا الله وإيّاكم من أهلها، ? كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ? جُرَّ بالياء، ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ? رُفع بالواو.
فيه عندنا إشكال هنا، لا سميت شخص بـ "زيدين"، فماذا تفعلون؟ أو سميت شخصًا بـ "زيدون"، فماذا تفعلوا فيه في الرفع والجر والنصب؟ في الحقيقة هم اختلفوا فيه، لعلنا إن شاء الله في لقائنا القادم نوضح لكم ذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ.
стр. 74
الدرس السادس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.
أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قبل أن نواصل الحديث أريد الرجوع قليلا إلى الملحق بجمع المذكر السالم مما سُمِّي به من هذا الجمع، لأننا كنا بدأنا في سؤالٍ ولم ننهي الكلام فيه، أو لعلنا أجبنا بعض الإجابات المغلوطة أو الخطأ. أقول ما سُمي به من هذا الجمع لا يخلو من أن يكون بالواو والنون أو بالياء والنون، فبعض النحويين يرى أنه مطلقًا يعامل معاملة جمع المذكر السالم سواءٌ أكان مسمًّ بالياء والنون، أي سمّيت شخصًا "زيدين" مثلا، أو كان بالواو والنون كقولك "زيدون"، فإنه يُعامل معاملة جمع المذكر السالم، يعني يُرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، بعضهم يرى خلاف هذا، ولعل الصواب في الثاني، وهو أنه إذا كان مُسمى بالواو والنون، أن تبقي الواو والنون، تقول "جاء زيدونٌ" و"رأيتُ زيدونًا" و"مررتُ بزيدونٍ"، وإن كان
بالياء والنون فتُبقي الياء والنون في كل الحالات وتعربه بحركاتٍ ظاهرة، لكن هذا ليس هو الرأي الغالب عند النحويين، لكني أنا الذي أرى أنه الأيسر والذي يدل على المقصود، بوصف العلم مُسمًّى بالواو والنون، فلو قلت "رأيتُ زيدين" فيُحتمل ألا يتنبه المخاطب إلى أنك تقصد الشخص المعين الذي اسمه زيدون فيتوقع شيئًا آخر، أقول لعل هذا هو الأصوب، والله أعلم بالصواب.
ثم ننتقل بعد هذا إلى حديث المصنف عن علامة الرفع وهي الألف، قال المصنف:
стр. 75
(وأما الألف فتكون علامةً للرفع في تثنية الأسماء خاصةً) ، فقط الألف تكون علامةً للرفع في المثنى ولا تكون في غيره، قال الله ? قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ? [المائدة: ٢٣] ، الشاهد عندنا في قوله ? قَالَ رَجُلَانِ ? فإنه مرفوعٌ بالألف، فما المثنى؟ المثنى هو ما دل على اثنين وأغنى عن المتعاطفين بزيادة ألفٍ ونون أو ياء ونون في آخره، هذا هو تعريف المثنى، "ما دل على اثنين" يخرج ما دل على واحد وما دل على أكثر من اثنين، "وأغنى عن المتعاطفين" يُغني عن قولك "جاء مسلمٌ ومسلمٌ" فتقول "جاء مسلمان"، هذا أغنى عن المتعاطفين، "بزيادة ألفٍ ونون أو ياءٍ ونون في آخره"، الدلالة جاءت من هذه الزيادة، فلو كانت الدلالة على التثنية جاءت من غيرها فإنه لا يدخل في بابنا، مثلا يقولون "شفع" يدل على اثنين، "زوج" يدل على اثنين، هذا لا يُعامل معاملة المثنى لأن الدلالة على الاثنين لم تأت من الألف والنون ولا من الياء والنون، وإنما جاءت من الصيغة نفسها أو من الكلمة نفسها، وهي ألفاظ قليلة، فلابد أن يكون دالا على اثنين ومغنيًا عن المتعاطفين وتكون هذه الدلالة بزيادة ألفٍ ونون أو ياء ونون في آخره.
المثنى يُرفع بالألف وينصب ويجر بالياء، وسيأتينا بيان هذا، ونسينا أن نقول لكم أن الأسماء الستة تُرفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، ونسينا أيضًا أن نقول في جمع المذكر السالم أنه يُرفع بالواو ويُنصب ويجر بالياء، فأرجو ألا تنسوا هذا لأن هذه قواعد رئيسة، يعني الإعراب بالعلامات الفرعية وبالعلامات الأصلية كثيرًا من يُخطئ فيها بعض الناس، فإذا أتقناها بالأمثلة والأدلة بإذن الله تعالى لا ننساها ولا نُخطئ فيها.
следующие страницы →