← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2146

المصطلحات الأربعة في القرآن

أبو الأعلى المودودي

Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وبديهي أن مثل هذا القول لم يكن ليخاطب به إلا قوم لا يجدون بوجود الله تعالى وبكونه خالقاً ورباً لهذا العالم؟ فأنت ترى أنهم لا يجيبون لوطاً ﵇ بقول من مثل: "ما الله؟ " من أين له أن يكون خالقاً للعالم؟ " أو "أنى له أن يكون ربنا ورب الخلق أجمعين؟ " بل تراهم يقولون: (لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين) (الشعراء: ١٦٧) وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحديث في موضع آخر بالكلمات الآتية: (ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) (العنكبوت: ٢٨-٢٩) أفيجوز أن يكون هذا جواب قوم ينكرون وجود الله تعالى؟. لا والله ومن ذلك يتبين أن جريمتهم الحقيقية لم تكن إنكار ألوهية الله تعالى وربوبيته، بل كانت جريمتهم أنهم على إيمانهم بالله تعالى إلهاً ورباً فيما فوق العالم الطبيعي، كانوا يأبون أن يطيعوه ويتبعوا قانونه في شؤونه الخلقية والمدنية والاجتماعية، يمتنعون من أن يهتدوا بهدي نبيه لوط ﵇. قوم شعيب عليه السلام

стр. 37

ولنذكر في الكتاب بعد ذلك أهل مدين وأصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب ﵇. ومما نعرف عن أمرهم أنهم كانوا من ذرية إبراهيم ﵇. إذن لا حاجة إلى أن نبحث فيهم: هل كانوا يؤمنون بوجود الله تعالى وبكونه إلهاً ورباً أم لا؟ إنهم كانوا في حقيقة الأمر أمة نشأت على الإسلام في بداية أمرها، ثم أخذت بالفساد بما أصاب عقائدها من الانحلال وأعمالها من السوء. ويبدو مما جاء عنهم في القرآن كأن القوم كانوا بعد ذلك كله يدّعون لأنفسهم الإيمان، فإنك ترى شعيباً ﵇ يكرر لهم القول: يا قوم اعملوا كذا وكذا إن كنتم مؤمنين وفي خطاب شعيب ﵇ لقومه وأجوبة القوم له دلالة واضحة على أنهم كانوا قوماً يؤمنون بالله وينزلونه منزلة الرب والمعبود. ولكنهم كانوا قد تورطوا في نوعين من الضلال: أحدهما أنهم كانوا أصبحوا يعتقدون الألوهية والربوبية في آلهة أخرى مع الله تعالى، فلم تعد عبادتهم خالصة لوجه الله، والآخر أنهم كانوا يعتقدون أن ربوبية الله لا مدخل لها في شؤون الحياة الإنسانية من الأخلاق والاجتماع والاقتصاد والمدنية والسياسة، وعلى ذلك كانوا يزعمون أنهم مطلقوا العنان في حياتهم المدنية ولم أن يتصرفوا في شؤونهم كيف يشاؤون، ويصدق ذلك ما يأتي من الآيات: (وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينةٌ من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين) (الأعراف: ٨٥) (وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خيرُ الحاكمين) (الأعراف: ٨٧)

стр. 38

(ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ. قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاءُ إنكَ لأنت الحليم الرشيد) (هود: ٨٥-٨٧) والعبارات الأخيرة المخطوط تحتها خصوصية الدلالة على ضلالهم الحقيقي في باب الربوبية والألوهية. فرعون وآله وهيا بنا ننظر الآن في قصة فرعون وآله، فمن قد شاع عنهم في الناس من الأخطاء والأكاذيب أكثر مما شاع فيهم عن نمرود وقومه. فالظن الشائع أن فرعون لم يكن منكراً لوجود الله تعالى فحسب، بل كان يدعي الألوهية لنفسه أيضاً. ومعناه أن قد بلغت منه السفاهة أنه كان يجاهر على رؤوس الناس بدعوى أنه فاطر السماوات والأرض، وكانت أمته من البله والحماقة أنها كانت تؤمن بدعواه تلك. والحق الواقع الذي يشهد به القرآن والتاريخ هو أن فرعون لم يكن يختلف ضلاله في باب الألوهية والربوبية عن ضلال نمرود، ولا كان يختلف ضلال آله عن ضلال قوم نمرود. وإنما الفرق بين هؤلاء وأولئك أنه قد كان نشأ في آل فرعون لبعض الأسباب السياسية عناد وتعصب وطني شديد على بني إسرائيل، فكانوا لمجرد هذا العناد يمتنعون من الإيمان بألوهية الله وربوبيته، وإن كانت قلوبهم تعترف بها شأن أكثر الملحدين الماديين في عصرنا هذا.

стр. 39

وبيان هذا الإجمال أنه لما استتبت ليوسف ﵇ السلطة على مصر، استفرغ جهده في نشر الإسلام وتعاليمه بينهم. ورسم على أرضه من ذلك أثراً محكماً لم يقدر على محوه أحد إلى القرون. وأهل مصر وإن لم يكونوا إذ ذاك قد آمنوا بدين الله عن بكرة أبيهم، إلا أنه لا يمكن أن يكون قد بقي فيهم من لم يعرف وجود الله تعالى ولم يعلم أنه هو فاطر السماوات والأرض. وليس الأمر يقف عند هذا بل الحق أن كان تم للتعاليم الإسلامية من النفوذ والتأثير في كل مصري ما جعله – على الأقل – يعتقد بأن الله إله الآلهة رب الأرباب فيما فوق العالم الطبيعي ولم يبق في تلك الأرض من يكفر بألوهية الله تعالى. وأما الذين كانوا قد أقاموا على الكفر، فكانوا يجعلون مع الله شركاء في الألوهية والربوبية. وكانت تأثيرات الإسلام المختلفة هذه في نفوس أهل مصر باقية إلى الزمن الذي بعث فيه موسى ﵇ (١) . والدليل على ذلك تلك الخطبة التي ألقاها أمير من الأقباط في مجلس فرعون. وذلك أن

стр. 40

فرعون حينما أبدى إرادته في قتل موسى ﵇، لم يصبر عليه هذا الأمير القبطي من أمراء مجلسه، وكان قد أسلم وأخفى إسلامه، ولم يلبث أن قام يخطب: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذاب. يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) . (يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل داب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم) . (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً) .. (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علمٌ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) . (غافر – ٢٨ – ٣١ – ٣٤ – ٤١- ٤٢) وتشهد هذه الخطبة من أولها إلى آخرها بأنه لم يزل أثر شخصية النبي يوسف ﵇ باقياً في نفوس القوم إلى ذلك الحين، وقد مضت على عهده قرون متعددة. وبفضل ما علمهم هذا النبي الجليل، لم يكونوا قد بلغوا من الجهالة ألا يعلموا شيئاً عن وجود الله تعالى، أو ألا يعرفوا أنه الرب والإله، وأن سيطرته وسلطته غالبة على قوى الطبية في هذا العالم، وأن غضبه مما يخاف ويتقى. ويتضح أيضاً من آخر هذه الخطبة أن أمة فرعون لم تكن تجحد بألوهية الله وربوبيته جحوداً باتاً، وإنما كان ضلالها كضلال الأمم الأخرى مما ذكرناه آنفاً – أي كانت هذه الأمة أيضاً تشرك بالله تعالى في صفتي الألوهية والربوبية وتجعل له فيهما أنداداً.

стр. 41

أما مثار الشبهة في أمر فرعون فهو سؤاله لموسى ﵇ (وما رب العالمين) حينما سمع منه: (إنا رسول رب العالمين!) ثم قوله لصاحبه هامان: (ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) ووعيده لموسى ﵇: (لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين) ، وإعلانه لقومه: (أنا ربكم الأعلى) وقوله لملئه: (لا أعلم لكم من إله غيري) . – فمثل هذه الكلمات التي قالها فرعون قد خيلت إلى الناس أنه كان ينكر وجود الله تعالى وكان فارغ الذهن من تصور رب العالمين، ويزعم لنفسه أنه الإله الواحد، ولكن الواقع الحق أنه لم يكن يدعي ذلك كله إلا بدافع من العصبية الوطنية. وذلك أنه لم يكن الأمر في زمن النبي يوسف ﵇ قد وقف على أن شاعت تعاليم الإسلام في ربوع مصر بفضل شخصيته القوية الجليلة، بل جاوز ذلك إلى أن تمكن لبني إسرائيل نفوذ بالغ في الأرض مصر تبعاً لما تهيأ ليوسف ﵇ من السلطة والكلمة النافذة في حكومة مصر. فبقيت سلطة بني إسرائيل مخيمة على القطر المصري إلى ثلاثمائة سنة أو أربعمائة. ثم أخذ يخالج صدور المصريين من العواطف الوطنية والقومية ما جعلهم يتعصبون على بني إسرائيل، واشتد الأمر حتى الغوا سلطة الإسرائيليين ونفوذهم إلغاء. فتولى الأمر بعدهم الأسر المصرية الوطنية وتتابعت في الحكم. وهؤلاء الملوك الجدد لما أمسكوا زمام الأمر لم يقتصروا على إخضاع بني إسرائيل وكسر شوكتهم، بل تعدوه إلى أن حاولوا محو كل أثر من آثار العهد اليوسفي في مصر وإحياء تقاليد ديانتهم الجاهلية. فلما بعث إليهم في تلك الآونة موسى ﵇، خافوا على غلبتهم وسلطتهم أن تنتقل من أيديهم إلى أيدي بني إسرائيل مرة أخرى. فلم يكن يبعث فرعون إلا هذا العناد واللجاج على أن يسأل موسى ﵇ ساخطاً متبرماً: وما رب العالمين؟ ومن يمكن أن يكون إلهاً غيري؟ وهو في الحقيقة لم يكن جاهلاً وجود رب العالمين. وتتضح هذه

стр. 42

الحقيقة كأوضح ما يكون مما جاء في القرآن الكريم من أحاديثه وأحاديث ملئه وخطب موسى ﵇. فيقول فرعون – مثلا – تأكيداً لقوله إن موسى ﵇ ليس برسول الله. (فلولا ألقي عليه أسورةٌ من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين) (الزخرف: ٥٣) أفكان لرجل فارغ الذهن من وجود الله تعالى والملائكة أن يقول هذا القول وفي موضع آخر يقص القرآن الحوار الآتي بين فرعون وبين النبي موسى ﵇: (فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً. قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مبثوراً) (بني إسرائيل: ١٠١-١٠٢) وفي محل آخر يظهر الله تعالى ما في صدور قوم فرعون بقوله: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرةً قالوا هذا سحرٌ مبينٌ وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) (النمل: ١٣-١٤) ويصور لنا القرآن نادياً آخر جمع موسى ﵇ وآل فرعون بهذه الآية: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذابٍ وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما بطريقتكم المثلى) (طه: ٦١-٦٣) والظاهر أنه لم يكن قام النزاع ونشأ الأخذ والرد بينهم وبين نبيهم موسى ﵇ حين أنذرهم عذاب الله ونبههم على سوء مآل ما كانوا يفترون، إلا لأنهم قد كان في قلوبهم ولاشك بقية من أثر عظمة الله تعالى وجلاله وهيبته ولكن حاكمهم الوطنيين لما أنذروهم بخطر الانقلاب السياسي العظيم، وحذروهم عاقبة اتباعهم لموسى وهارون، وهي عودة غلبة الإسرائيليين على أبناء مصر، قست قلوبهم واتفقوا جميعاً على مقاومة النبيين.

стр. 43

وبعد ما قد تبين لنا من هذه الحقيقة، من السهل علينا أن نبحث: ماذا كان مثار النزاع بين موسى ﵇ وفرعون، وماذا كانت حقيقة ضلاله وضلال قومهن وبأي معاني كلمة (الرب) كان فرعون يدعي لنفسه الألوهية والربوبية. فتعال نتأمل لهذا الغرض ما يأتي من الآيات بالتدريج. ١- إن الذين كانوا يلحون من ملأ فرعون على حسم دعوة موسى ﵊ واستئصالها من أرض مصر، يخاطبون فرعون لبعض المناسبات ويسألونه: (أتذرُ موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذركم وآلهتكَ) (الأعراف: ١٢٧) وبخلاف ذلك يناديهم الذي كان قد آمن بموسى ﵇: (تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علمٌ) (المؤمن: ٤٢)

стр. 44

فإذا نظرنا في هاتين الآيتين وأضفنا إليهما ما قد زودنا به التاريخ وآثار الأمم القديمة أخيراً من المعلومات عن أهالي مصر زمن فرعون، يتجلى لنا أن كلاً من فرعون وآله كانوا يشركون بالله تعالى في المعنى الأول والثاني لكلمة (الرب) ويجعلون معه شركاء من الأصنام ويعبدونها. والظاهر أن فرعون لو كان يدعي لنفسه الربوبية فيما فوق العالم الطبيعي، أي لو كان يدعي أنه هو الغالب المتصرف في نظام الأسباب في هذا العالم، وأنه لا إله ولا رب غيره في السماوات والأرض، ولم يعبد الآلهة الأخرى أبداً (١)

стр. 45

(٢) أما كلمات فرعون هذه التي قد وردت في القرآن: (يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري) (القصص: ٣٨) (لئن اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين) (الشعراء: ٢٩) فليس المراد بذلك أن فرعون كان ينفي جميع ما سواه من الآلهة. وإنما كان غرضه الحقيقي من ذلك رد دعوة موسى عليها لسلام وإبطالها. ولما كان موسى ﵇ – يدعو إلى إله لا تنحصر ربوبيته في دائرة ما فوق الطبيعة فحسب، بل هو كذلك مالك الأمر والنهي، وذو القوة والسلطة القاهرة بالمعاني السياسية والمدنية، قال فرعون لقومه: يا قوم لا أعلم لكم مثل ذلك الإله غيري، وتهدد موسى ﵇، أنه إن اتخذ من دونه إلهاً ليلقينّه في السجن. ومما يعلم كذلك من هذه الآيات، وتؤيده شواهد التاريخ وآثار الأمم القديمة، أن فراعنة مصر لم يكونوا يدعون لأنفسهم مجرد الحاكمية المطلقة، بل كانوا يدعون كذلك نوعاً من القداسة والتنزه بانتسابهم إلى الآلهة والأصنام، حرصاً منهم على أن يتغلغل نفوذهم في نفوس الرعية ويستحكم استيلاؤهم على أرواحهم. ولم تكن الفراعنة منفردة بهذا الادعاء، بل الحق أن الأسر الملكية ما زالت في أكثر أقطار العالم تحاول الشركة – قليلاً أو كثيراً – في الألوهية والربوبية في دائرة ما فوق الطبيعة، علاوة على ما كانت تتولاه من الحاكمية السياسية، وما زالت لأجل ذلك تفرض على الرعية أن تقوم بين يديها بشيء من شعائر العبودية، على أن دعواهم تلك للألوهية السماوية لم تكن هي المقصودة بذاتها في الحقيقة، وإنما كانوا يتذرعون بها إلى تأثيل حاكميتهم السياسية. ومن ذلك نرى أنه ما زالت الأسر الملكية في مصر وغيرها من الأقطار الجاهلية تذهب ألوهيتها بذهاب سلطانها السياسي، وقد بقيت الألوهية تتبع العرش في تنقله من أيد إلى أخرى.

стр. 46

(٣) ولم تكن دعوى فرعون الأصلية الغالبة المتصرفة في نظام السنن الطبيعية، بل بالألوهية السياسية! فكان يزعم أنه الرب الأعلى لأرض مصر ومن فيها بالمعنى الثالث والرابع والخامس لكلمة (الرَّب) ويقول إني أنا مالك القطر المصري وما فيه من الغنى والثروة وأنا الحقيق بالحاكمية المطلقة فيه، وشخصيتي المركزية هي الأساس لمدينة مصر واجتماعها، وإذن لا يجرينَّ فيها إلاّ شريعتي وقانوني. وكان أساس دعوى فرعون بعبارة القرآن: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) (الزخرف – ٥١) وهذا الأساس نفسه هو الذي كانت تقوم عليه دعوى نمرود للربوبية. و (حاجَّ إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك) (البقرة: ٢٥٨) وهو كذلك الأساس الذي رفع عليه فرعون المعاصر ليوسف ﵇ بنيان ربوبيته على أهل مملكته. (٤) أمّا دعوة موسى ﵇ التي كانت سبب النزاع بينه وبين فرعون وآله، فهي في الحقيقة أنه لا إله ولا ربَّ بجميع معاني كلمة (الرب) إلا الله رب العالمين، وهو وحده الإله والرّب فيما فوق العالم الطبيعي، كما أنه هو الإله والرب بالمعاني السياسية والاجتماعية، لأجل ذلك يجب ألا نخلص العبادة إلا له، ولا نتبع في شؤون الحياة المختلفة إلا شرعه وقانونه، وانه – أي موسى ﵇ – قد بعثه الله تعالى بالآيات البينات وسيُنزل الله تعالى أمره ونهيه لعباده بما يوحي إليه؛ لذلك يجب أن تكون أزمّة أمور عباده بيده، لا بيد فرعون. ومن هنا كان فرعون ورؤساء حكومته يُعلون أصواتهم المرّة بعد المرّة بأن موسى وهارون – ﵉ – قد جاءا يسلبان أرض مصر. وأرادا أن يذهبا بنظمنا الدينية والمدنية ليستبدلا بها ما يشاءان من النظم والقواعد. (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) (هود: ٩٦-٩٧)

стр. 47

(ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسولٌ كريم. أن أدُّوا إليَّ عبادَ الله إني لكم رسول أمين. وان لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين) (الدخان: ١٧-١٩) (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول فأذناه أخذاً وبيلاً) (المزملَّ: ١٥-١٦) (قال فمن ربكما يا موسى. قال ربّنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى) (طه: ٤٩-٥٠) (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمنّ حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين) (الشعراء: ٢٣-٢٩) (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) (طه: ٥٧) (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) (غافر: ٢٦) (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) ... (طه – ٦٣) وبإنعام النظر في هذه الآيات بالتدريج الذي قد سردناها به، يتجلى أن الضلال الذي تعاقبت فيه الأمم المختلفة من أقدم العصور، كان هو عينه قد غشت وادي النيل ظلماته، وأن الدعوة التي قام بها جميع الأنبياء منذ الأبد، كانت هي نفسها يدعو بها موسى وهارون ﵉. اليهود والنصارى

стр. 48

وتطلع علينا بعد آل فرعون بنو إسرائيل والأمم الأخرى التي دانت باليهودية والنصرانية. وهؤلاء لا مجال للظن فيهم أن يكونوا منكرين لوجود إله العالم، أو يكونوا لا يعتقدون بألوهيته وربوبيّته فإن القرآن نفسه يشهد بكونهم أهل الكتاب. وأما السؤال الذي ينشأ في ذهن الباحث عن أمرهم فهو أنه ما هو على التحديد الخطأ في عقيدتهم ومنهج عملهم في باب الربوبية – الذي قد عدهم القرآن من أجله من القوم الضالين؟ والجواب المجمل على السؤال تجده في القرآن نفسه في آيته الكريمة: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلوا من قبلُ وأضلوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل) (المائدة – ٧٧) فيعلم من هذه الآية أن ضلال اليهود والنصارى هو من حيث الأصل والأساس نفس الضلال الذي ارتطمت فيه الأمم المتقدمة، وتدلنا هذه الآية أيضاً أن ضلالهم هذا كان آتياً من غلوّهم في الدين. وها نحن نرى بعد ذلك كيف يفصل القرآن هذا الإجمال: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) (التوبة: ٣٠) (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) (المائدة – ٧٢) (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) . (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (المائدة: ٧٣، ١١٦) (ما كان لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) (آل عمران: ٧٩-٨٠)

стр. 49

فكان ضلال أهل الكتاب حسب ما تجل عليه هذه الآيات: أولاً أنهم بالغوا في تعظيم النفوس المقدسة كالأنبياء والأولياء والملائكة التي تستحق التكريم والتعظيم لمكانتها الدينية، فرفعوها من مكانتها الحقيقية إلى مقام الألوهية وجعلوها شركاء مع الله ودخلاء في تدبير أمر هذا العالم، ثم عبدوها واستغاثوا بها واعتقدوا أن لها نصيباً في الألوهية والربوبية الميمنتين على ما فوق العالم الطبيعي، وزعموا أنها تملك لهم المغفرة والإعانة والحفظ. وثانياً أنهم: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (التوبة – ٣١) أي أن الذين لم تكن وظيفتهم في الدين سوى أن يعلموا الناس أحكام الشريعة الإلهية، ويزكوهم حسب مرضاة الله، تدرج بهم هؤلاء حتى أنزلوهم بحيث يحلون لهم ما يشاؤون ويحرمون عليهم ما يشاؤون، ويأمرونهم وينهونهم حسب ما تشاء أهواؤهم بدون سند من كتاب الله، ويسنون لهم من السنن ما تشتهي أنفسهم. كذلك وقع هؤلاء في نفس النوعين من الضلال الأساسي الخطير اللذين قد وقع فيهما قبلهم أمم نوح وإبراهيم وعاد وثمود وأهل مدين وغيرهم من الأمم، فأشركوا بالله الملائكة وعبادة المقربين – كما أشرك أولئك – في الربوبية المهيمنة على ما فوق العالم الطبيعي، وجعلوا الربوبية بمعانيها السياسية والمدنية – كما جعل أولئك – للإنسان بدلاً من الله رب السماوات. وراحوا يستمدون مبادئ المدنية والاجتماع والأخلاق والسياسة وأحكامها جميعاً من بني آدم، مستغنيين في ذلك عن السلطان المنزل من عند الله تعالى. وأفضى بهم الغي إلى أن قال فيهم القرآن: (ألم تر إلى الذين أتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) (النساء: ٥١) (قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنهُ الله وغضبَ عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. أولئك شرٌّ مكاناً وأضل عن سواء السبيل) (المائدة: ٦٠)

стр. 50

(الجبتُ) كلمة جامعة شاملة لجميع أنواع الأوهام والخرافات من السحر والتمائم والشعوذة والتكهّن واستكشاف الغيب والتشاؤم والتفاؤل والتأثيرات الخارجة عن القوانين الطبيعية. والمراد من (الطاغوت) كل فرد أو طائفة أو إدارة تبغي وتتمرد على الله، وتجاوز حدود العبودية وتدعي لنفسها الألوهية والربوبية. فلما وقعت اليهود والنصارى في ما تقدم ذكره من النوعين من الضلال، كانت نتيجة أولها أن أخذت جميع أنواع الأوهام مأخذها من قلوبهم وعقولهم، وأما الثاني فاستدرجهم من عبادة العلماء والمشايخ والصوفية والزهاد إلى عبادة الجبابرة وطاعة الظالمين الذين كانوا قد بغوا على الله علانية! المشركون العرب هذا ولنبحث الآن في المشركين العرب الذين بعث فيهم خاتم النبيين ﷺ ، والذين كانوا أول من خاطبهم القرآن، من أي نوع كان ضلالهم في باب الألوهية والربوبية، هل كانوا يجهلون الله رب العالمين، أو كانوا ينكرون وجوده، فبعث إليهم النبي ﷺ ليبث في قلوبهم الإيمان بوجود الذات الإلهية! وهل كانوا لا يعتقدون الله إلهاً للعالمين ورباً، فأنزل الله القرآن ليقنعهم بألوهيته وربوبيته؟ وهل كانوا يأبون عبادة الله والخضوع له؟ أو كانوا لا يعتقدونه سميع الدعاء وقاضي الحاجة؟ وهل كانوا يزعمون أن اللات والعزّى ومناة وهبل والآلهة الأخرى هي في الحقيقة فاطرة هذا الكون ومالكته والرازقة فيه والقائمة على تدبيره وإدارته؟ أو كانوا يؤمنون بأن آلهتهم تلك مرجع القانون ومصدر الهداية والإرشاد في شؤون المدنية والأخلاق؟

стр. 51

كل واحد من هذه الأسئلة إذا راجعنا فيه القرآن فإنه يجيب عليه بالنفي؛ ويبين لنا أن المشركين العرب لم يكونوا قائلين بوجود الله تعالى فحسب، بل كانوا يعتقدونه مع ذلك خالق هذا العالم كله – حتى آلهتهم – ومالكه وربه الأعلى، وكانوا يذعنون له بالألوهية والربوبية. وكان الله هو الجناب الأعلى الأرفع الذي كانوا يدعونه ويبتهلون إليه في مآل الأمر عندما يمسهم الضر أو تصيبهم المصائب، ثم كانوا لا يمتنعون عن عبادته والخضوع له، ولم تكن عقيدتهم في آلهتهم وأصنامهم أنها قد خلقتهم وخلقت هذا الكون، وترزقهم جميعاً، ولا أنها تهديهم وترشدهم في شؤون حياتهم الخلقية والمدنية، فالآيات الآتية تشهد بما تقول: (قلن لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. سيقولن الله، قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيءٍ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله، قل فأنى تسحرون، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) (المؤمنون: ٨٤-٩٠) (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكانٍ وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) (يونس: ٢٢-٢٣) (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً) (الإسراء: ٦٧) ويروي القرآن عقائدهم في آلهتهم بعبارتهم أنفسهم فيما يأتي: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: ٣) (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) (يونس: ١٨)

стр. 52

ثم إنهم لم يكونوا يزعمون لآلهتهم شيئاً من مثل أنها تهديهم في شؤون حياتهم، فالله تعالى يأمر رسوله صلى الله لعيه وسلم في سورة يونس (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) الآية: ٣٥ فيرميهم سؤاله هذا بالسكات، ولا يجيب أحد منهم عليه بنعم! عن اللات والعزى ومناة والآلهة الأخرى تهدينا سواء السبيل في العقيدة والعمل، وتعلمنا مبادئ العدالة والأمن والسلام في حياتنا الدنيا، وإننا نستمد من منبع علمها معرفة حقائق الكون الأساسية، فعند ذلك يقول الله لنبيه ﷺ : (قل الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون) (يونس: ٣٥) ويبقى بعد هذه النصوص القرآنية أن نطلب جواب هذا السؤال: ماذا كان ضلالهم الحقيقي في باب الربوبية الذي بعث الله نبيه ﷺ نرده إلى الصواب، وأنزل كتابه المجيد ليخرجهم من ظلماته إلى نور الهداية؟ وإذا تأملنا القرآن للتحقيق في هذه المسألة، نقف في عقائدهم وأعمالهم كذلك على النوعين من الضلال اللذين مازالا يلازمان الأمم الضالة منذ القدم. فكانوا بجانب يشركون بالله آلهة وأرباباً من دونه في الألوهية والربوبية فيما فوق الطبيعة، ويعتقدون بأن الملائكة والنفوس الإنسانية المقدسة والسيارات السماوية – كل أولئك دخيلة بوجه من الوجوه في صلاحيات الحكم القائم فوق نظام العلل والأسباب. ولذلك لم يكونوا يرجعون إلى الله تعالى وحده في الدعاء والاستعانة وأداء شعائر العبودية، بل كانوا يرجعون كذلك في تلك الأمور كلها إلى آلهتهم المصنوعة الملفقة. وكانوا بجانب آخر يكادون لا يتصورون في باب الربوبية المدنية والسياسية أن الله تعالى هو الرب بهذه المعاني أيضاً. فكانوا قد اتخذوا أئمتهم الدينيين ورؤساءهم وكبراء عشائرهم أرباباً بتلك المعاني، ومنهم كانوا يتلقون القوانين لحياتهم. أما النوع الأول من ضلالهم فيشهد به القرآن فيما يلي من الآيات:

стр. 53

(ومن الناس من يعبد الله على حرفٍ فان أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) (الحج: ١١-١٣) ... (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في (١) ، سبحانه وتعالى عما يشركون) (يونس: ١٨) (قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً) (حم السجدة: ٩) (قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً والله هو السميع العليم) (المائدة: ٧٦) (وإذا مسَّ الإنسان ضرٌ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداداً (٢) ليضل عنه سبيله) (الزمر: ٨) (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضرّ فإليه تجأرون. ثم إذا كشف الضرّ عنكم إذا فريقٌ منكم بربهم يشركون. ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً (٣)

стр. 54

مما رزقناهم، تالله لتسئلنّ عما كنتم تفترون) (النحل: ٥٣ –٥٦) وأما الآخر فشهادة القرآن ما يأتي: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) (الأنعام: ١٣٧) ومن الظاهر أنه ليس المراد بـ (شركاء) في هذه الآية: الآلهة والأصنام، بل المراد بهم أولئك القادة والزعماء الذين زينوا للعرب قتل أولادهم وجعلوه في أعينهم مكرمة. فأدخلوا تلك البدعة الشنعاء على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉. وظاهر كذلك أن أولئك الزعماء لم يكن القوم قد اتخذوهم شركاء من حيث كانوا يعتقدون أن لهم السلطان فوق نظام الأسباب في هذا العالم، أو كانوا يعبدونهم ويدعونهم، بل كانوا قد جعلوهم شركاء مع الله في الألوهية والربوبية من حيث كانوا يسلمون بحقهم في أن يشرعوا لهم ما يشاؤون من النظم والقوانين لشؤونهم المدنية والاجتماعية، وأمورهم الخلقية والدينية. (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (الشورى: ٢١) وسيأتي تفصيل معاني كلمة (الدين) في موضعه من هذه الرسالة، وهناك سنتبين سعة معاني هذه الآية وشمولها. على أنه يتضح في هذا المقام أن ما كان يتولاه أولئك الزعماء والرؤساء من وضع الحدود والقواعد التي هي بمثابة الدين بغير إذن من الله تعالى، وأن اعتقاد العرب بكونها مما يجب اتباعه والعمل به، كان هو عينه شركة مع الله من أولئك في ألوهيته وربوبيته، وإيماناً من هؤلاء بشركتهم تلك! دعوة القرآن:

стр. 55

أن هذا البحث الذي قد خضنا غماره في الصفحات السابقة بصدد تصورات الأمم الضالة وعقائدها، ليكشف القناع عن حقيقة أن جميع الأمم التي قد وصمها القرآن بالظلم والضلال وفساد العقيدة من لدن أعرق العصور في القدم إلى زمن نزول القرآن، لم تكن منها جاحدة بوجود الله تعالى ولا كانت تنكر كون الله رباً وإلهاً بالإطلاق. بل كان ضلالها الأصلي المشترك بين جميعها أنها كانت قد قسمت المعاني الخمسة لكلمة (الرب) التي قد حددناها في بداية هذا الباب – مستشهدين باللغة والقرآن – قسمين متباينين: فأما المعاني التي تدل على أن (الرب) هو الكفيل بتربية الخلق وتعهده وقضاء حاجته وحفظه ورعايته بالطرق الخارجة عن النظام الطبيعي، فكانت لها عندهم دلالة أخرى مختلفة، وهم وإن كانوا لا يعتقدون إلا الله تعالى ربهم الأعلى بموجبها، إلا أنهم كانوا يشركون به في الربوبية الملائكة والجن والقوى الغيبية والنجوم والسيارات والأنبياء والأولياء والأئمة الروحانيين.

стр. 56

وأما المعنى الذي يدل على أن (الرب) هو مالك الأمر والنهي وصاحب السلطة العليا، ومصدر الهداية والإرشاد، ومرجع القانون والتشريع، وحاكم الدولة والمملكة وقطب الاجتماع والمدنية، فكانت له عندهم دلالة أخرى متباينة: وبموجب هذا المفهوم كانوا إما يعتقدون أن النفوس الإنسانية وحدهم رباً من دون الله، وإما يستسلمون لربوبية تلك النفوس في شؤون الأخلاق والمدنية والسياسة مع كونهم يؤمنون إيماناً نظرياً بأن الله هو الرب، هذا هو الضلال الذي مازالت تبعث لحسمه الرسل عليهم اللام من لدن فجر التاريخ، ولأجل ذلك بعث الله أخيراً محمداً ﷺ . وكانت دعوتهم جميعاً أن الرب بجميع معاني الكلمة واحد ليس غير، وهو الله تقدست أسماؤه. والربوبية ما كانت لتقبل التجزئة ولم يكن جزء من أجزائها ليرجع إلى أحد من دون الله بوجه من الوجوه، وأن نظام هذا الكون مرتبط بأصله ومركزه وثيق الارتباط، قد خلفه الله الواحد الأحد، ويحكمه الفرد الصمد، ويملك كل السلطة والصلاحيات فيه الإله الفذّ الموحد! فلا يد لأحد غير الله في خلق هذا النظام ولا شريك مع الله في إدارته وتدبيره ولا قسيم له في ملكوته. وبما أن الله تعالى هو مالك السلطة المركزية، فإنه هو وحده ربكم في دائرة ما فوق الطبيعة، وربكم في شؤون المدنية والسياسة والأخلاق، ومعبودكم ووجهة ركوعكم وسجودكم، ومرجع دعائكم وعماد توكلكم، والمتكفل بقضاء حاجاتكم، وكذلك هو الملك، ومالك الملك، وهو الشارع والمقنن، وهو الآمر والناهي. وكل هاتين الدلالتين للربوبية اللتين قد فصلتم إحداهما عن الأخرى لجاهليتكم، هي في حقيقة الأمر قوام الألوهية وعمادها وخاصة إلهية الإله. لذلك لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى، كما لا يجوز أن يشرك مع الله أحد من خلقه باعتبار أيهما. وأما الأسلوب الذي يدعو به القرآن دعوته هذه فها هو ذا بعبارته:

стр. 57

(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل والنهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين) ... (الأعراف: ٥٤) (قل من يرزقكم من السماء والأرض، أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق، فما بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) ... (يونس: ٣١-٣٢) (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) .. (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) (الزمر: ٥،٦) (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) ... (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين. هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين) (غافر: ٦١، ٦٢، ٦٤، ٦٥) (والله خلقكم من تراب) ... (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مسمى، ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) (فاطر: ١١ و ١٣-١٤) (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) .. (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يعقلون. بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) .. (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: ٢٦ و ٢٨ – ٢٩،٣٠)

стр. 58

(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عما يُشركون) (الزمر: ٦٧) (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين. وله الكبرياءُ في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الجاثية: ٣٦-٣٧) (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (مريم: ٦٥) (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه) (هود: ١٢٣) (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) (المزمل: ٩) (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) (الأنبياء: ٩٢-٩٣) (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) (الأعراف: ٣) (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) (آل عمران: ٦٤) (قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس) (الناس: ١-٣) (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) (الكهف:١١٠) فبقراءة هذه الآيات بالترتيب الذي سردناها به، يتبين للقارئ أن القرآن يجعل (الربوبية) مترادفة مع الحاكمية والملكية (Sovereignty) ويصف لنا (الرب) بأنه الحاكم المطلق لهذا الكون ومالكه وآمره الوحيد لا شريك له. وبهذا الاعتبار هو ربنا ورب العالم بأجمعه ومريبنا وقاضي حاجاتنا. وبهذا الاعتبار هو كفيلنا وحافظنا ووكلينا. وطاعته بهذا الاعتبار هي الأساس الفطري الصحيح الذي يقوم عليه بنيان حياتنا الاجتماعية على الوجه الصحيح المرضي، والصلة بشخصيته المركزية تسلك شتى الأفراد والجماعات في نظام الأمة. وبهذا الاعتبار هو حري بأن نعبده نحن وجميع خلائفه، ونطيعه ونقنت له. وبهذا الاعتبار هو مالكنا ومالك كل شيء وسيدنا وحاكمنا.

стр. 59

لقد كان العرب والشعوب الجاهلية في كل زمان اخطأوا - ولا يزالون يخطئون إلى هذا اليوم - بأنهم وزعوا هذا المفهوم الجامع الشامل للربوبية على خمسة أنواع من الربوبية، ثم ذهب بهم الظن والوهم أن تلك الأنواع المختلفة للربوبية قد ترجع إلى ذوات مختلفة ونفوس شتى، بل ذهبوا إلى أنها راجعة إليها بالفعل. فجاء القرآن فأثبت باستدلاله القوي المقنع أنه لا مجال أبداً في هذا النظام المركزي لأن يكون أمر من أمور الربوبية راجعاً - في قليل أو كثير- إلى غير من بيده السلطة العليا، وأن مركزية هذا النظام نفسها هي الدليل البيّن على أن جميع أنواع الربوبية مختصة بالله الواحد الأحد الذي أعطى هذا النظام خلقه. ولذلك فإن من يظن جزءاً من أجزاء الربوبية راجعاً إلى أحد من دون الله، أو يرجعه إليه، بأي وجه من الوجوه، وهو يعيش في هذا النظام، فإنه يحارب الحقيقة ويصدف عن المواقع ويبغي على الحق، وباقي بيديه إلى التهلكة والخسران بما يتعب نفسه في مقاومة الحق الواقع.

стр. 60

٣- العبادة التحقيق اللغوي العبودة والعبودية؛ معناها اللغوي قال ابن فارس في (مقاييس اللغة) ٥/٢٠٠ في مادة (عبد) : عبد: "العين والباء أصلان صحيحان، كأنهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ" اهـ وقال ابن سيده في المخصص) ١٣/٩٦: "اصل العبادة في اللغة: التذليل، ... والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني،.. وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل في عبادة والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر، والشكر والعبادة لا تستحق إلا بالنعمة، لأن أقل القليل من العبادة يكبر عن أن يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة إلا الله سبحانه فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله" اهـ.: الخضوع والتذلل، أي استسلام المرء وانقياده لأحد غيره انقياداً لا مقاومة معه ولا عدول عنه ولا عصيان له، حتى يستخدمه هو حسب ما يرضى وكيف ما يشاء. وعلى ذلك تقول العرب: (بعير معبَّد) للبعير السلس المنقاد، و (طريق معبّد) للطريق الممهد الوطء. ومن هذا الأصل اللغوي نشأت في مادة هذه الكلمة معاني العبودية والإطاعة والتأله والخدمة والقيد والمنع. فقد جاء في لسان العرب تحت مادة (ع ب د) ما نلخصه فيما يلي (١) : (١) (العبد) المملوك خلاف الحر: (تعبد الرجل) : اتخذه عبداً أي مملوكاً أو عامله معاملة العبد، وكذلك (عبد الرجل واعبده واعتبده) وقد جاء في الحديث الشريف: ثلاثة أنا خصمهم: رجل اعتبد محرراً - وفي رواية أعبدُ محرراً - أي اتخذ رجلاً حراً عبداً له ومملوكاً: وفي القرآن أن موسى ﵇ قال لفرعون: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) اتخذتهم عبيداً لك. (٢) (العبادة) الطاعة مع الخضوع: ويقال (عبد الطاغوت) أي أطاعه؛ (إياك نعبد) أي نطيع الطاعة التي يخضع معها؛ و (اعبدوا ربكم) أي أطيعوا ربكم؛ و (قومهما لنا عبادون) أي دائنون وكل من دان لملك فهو عابد له؛ وقال ابن الأنباري: (فلان عابد) وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره. (٣) (عبده عبادة ومعبداً ومعبدة) تأله له. (التعبّد) : التنسك. هو (المعبَّد) المكرم المعظم: كأنه يعبد. قال الشاعر: ... ... ... أرى المال عند الباخلين معبداً (٤) (وعبد به) : لزمه فلم يفارقه. (٥) (ما عبدك عني) أي ما حبسك.

стр. 61

ويتضح من هذا الشرح اللغوي لمادة (ع ب د) أن مفهومها الأساسي أن يذعن المرء لعلاء أحد وغلبته، ثم ينزل له عن حريته واستقلاله ويترك إزاءه كل المقاومة والعصيان وينقاد له انقياداً. وهذه هي حقيقة العبدية والعبودية، ومن ذلك أن أول ما يتمثل في ذهن العربي لمجرد سماعه كلمة (العبد) و (العبادة) هو تصور العبدية والعبودية. وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي إطاعة سيده وامتثال أوامره، فحتماً يتبعه تصور الإطاعة. ثم إذا كان العبد لم يقف به الأمر على أن يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللاً، بل كان مع ذلك يعتقد بعلائه ويعترف بعلو شأنه وكان قلبه مفعماً بعواطف الشكر والامتنان على نعمه وأياديه، فإنه يبالغ في تمجيده وتعظيمه ويتفنن في إبداء الشكر على الآئه وفي أداء شعائر العبدية له، وكل ذلك اسمه التأله والتنسك. وهذا التصور لا ينضم إلى معاني العبدية إلا إذا كان العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضاً. وأما المفهومان الباقيان فإنهما تصوران فرعيان لا أصليان للعبدية. استعمال كلمة العبادة في القرآن وإذا رجعنا إلى القرآن بعد هذا التحقيق اللغوي رأينا أن كلمة (العبادة) قد وردت فيه غالباً في المعاني الثلاثة الأولى. ففي بعض المواضع قد أريد بها المعنيان الأول والثاني معاً، وفي الأخرى المعنى الثاني وحده، وفيا لثالثة المعنى الثالث فحسب، كما قد استعملت في مواضع أخرى بمعانيها الثلاثة في آن واحد. أما أمثلة ورودها بالمعنيين الأول والثاني في القرآن فهي: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين. فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) (١) . (المؤمنون: ٤٥-٤٧)

стр. 62

(وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) (١) . (الشعراء: ٢٢) والمراد بالعبادة في كلتا الآيتين هو العبودية والإطاعة. فقال فرعون: أن قوم موسى وهارون عابدون لنا، أي عبيد لنا وخاضعون لأمرنا، وقال موسى: إنك عبَّدت بني إسرائيل، اتخذتهم عبيداً وتستخدمهم حسب ما تشاء وترضى. العبادة بمعنى العبوية والإطاعة (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (٢) . (البقرة: ١٧٢) إن المناسبة التي أنزلت بها هذه الآية هي أن العرب قبل الإسلام كانوا يتقيدون بأنواع من القيود في المآكل والمشارب، امتثالاً لأوامر أئمتهم الدينيين واتباعاً لأوهام آبائهم الأولين، فلما أسلموا قال الله تعالى: إن كنتم تعبدونني فعليكم أن تحطموا جميع تلك القيود وتأكلوا ما أحللته لكم هنيئاً مريئاً، ومعناه أنكم إن لم تكونوا عباداً لأحباركم وأئمتكم، بل لله تعالى وحده، وإن كنتم قد هجرتم طاعتهم إلى طاعته، فقد وجب عليكم أن تتبعوا ما وضعه لكم من الحدود، لا ما وضعوه في الحلال والحرام. ومن ذلك جاءت كلمة (العبادة) في هذا الموضع أيضاً بمعاني العبودية والإطاعة.

стр. 63

(قل هل أُنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت) (١) . (المائدة: ٦٠) (ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: ٣٦) (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) (الزمر: ١٧) المراد بعبادة الطاغوت في كل من هذه الآيات الثلاث هو العبودية للطاغوت وإطاعته. ومعنى الطاغوت في إصطلاح القرآن – كما سبقت الإشارة إليه – كل دولة أو سلطة وكل إمامة أو قيادة تبغي على الله وتتمرد، ثم تنفذ حكمها في أرضه وتحمل عباده على طاعتها بالإكراه أو بالإغراء أو بالتعليم الفاسد. فاستسلام المرء لمثل تلك السلطة وتلك الإمامة والزعامة وتعبّده لها ثم طاعته إياها – كل ذلك منه عبادة – ولا شك – للطاغوت! العبادة بمعنى الطاعة وخذ بعد ذلك الآيات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعناها الثاني فحسب؛ قال الله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين) . (يس: ٦٠) الظاهر أنه لا يتأله أحد للشيطان في هذه الدنيا، بل كل يلعنه ويطرده من نفسه، لذلك فإن الجريمة التي يصم بها الله تعالى بنى آدم يوم القيامة ليست تألههم للشيطان في الحياة الدنيا، بل إطاعتهم لأمره وابتاعهم لحكمه وتسرعهم إلى السبل التي أراهم إياها.

стр. 64

(احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون. من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) ... (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين. وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين) (الصافات: ٢٢ – ٢٣، ٢٧ –٣٠) ويتضح بإنعام النظر في هذه المحاورة التي حكاها القرآن بين العابدين وبين ما كانوا يعبدون، أن ليس المراد بالمعبودين في هذا المقام الآلهة والأصنام التي كان يتأله لها القوم، بل المراد أولئك الأئمة والهداة الذين أضلوا الخلق متظاهرين بالنصح، وتمثلوا للناس في لبوس القديسيين المطهرين، فخدعوهم بسبحاتهم وجباتهم وجعلوا تبعاً لهم، والذين أشاعوا فيهم الشر والفساد باسم النصح والإصلاح. فالتقليد الأعمى لأولئك الخداعين والاتباع لأحكامهم هو الذي قد عبر الله عنه بكلمة العبادة في هذه الآية. (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً) (التوبة: ٣١) والمراد باتخاذ العلماء والأحبار أرباباً من دون الله ثم عبادتهم في هذه الآية هو الإيمان بكونهم مالكي الأمر والنهي، والإطاعة لأحكامهم بدون سند من عند الله أو الرسول، وقد صرح بهذا المعنى رسول الله ﷺ نفسه في الأحاديث الصحيحة، فلما قيل له: إننا لم نعبد علماءنا وأحبارنا، قال: ألم تحلوا ما أحلوه وتحرموا ما حرّموه؟ العبادة بمعنى التأله ولننظر بعد ذلك في الآيات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعناها الثالث. وليكن منك على ذكر في هذا المقام أن العبادة بمعنى التأله تشتمل على أمرين اثنين حسبما يدل عليه القرآن:

стр. 65

أولهما: أن يؤدي المرء لأحد من الشعائر كالسجود والركوع والقيام والطواف وتقبيل عتبة الباب والنذر والنسك، ما يؤديه عادة بقصد التأله والتنسك، ولا عبرة بأن يكون المرء يعتقده إلهاً أعلى مستقلاً بذاته، أو يأتي بكل ذلك إياه وسيلة للشفاعة والزلفى إليه أو مؤمناً بكونه شريكاً للإله الأعلى وتابعاً له في تدبير أمر هذا العالم. والثاني: أن يظن المرء أحداً مسيطراً على نظام الأسباب في هذا العالم ثم يدعوه في حاجته ويستغيث به في ضره وآفته، ويعوذ به عند نزول الأهوال ونقص الأنفس والأموال. فهذان لوجهان من كلاهما داخل في معاني التأله، والشاهد بذلك ما يأتي من آيات القرآن: (قل إني نُهيتُ أنْ أعبُدَ الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي) (غافر: ٦٦) (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي) .. (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق) (مريم: ٤٨، ٤٩) (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) (١) . (الأحقاف: ٥-٦) ففي كل من هذه الآيات الثلاث قد صرح القرآن نفسه بأن المراد بالعبادة فيها هو الدعاء والاستغاثة. (بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون) (سبأ: ٤١) والمراد بعبادة الجن والإيمان بهم في هذه الآية، تفصله الآية الآتية من سورة الجن: (وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن) (الجن: ٦) فيتبين منه أن المراد بعبادة الجن هو العياذ بهم واللجوء إليهم في الأهوال ونقص الأموال والأنفس، كما أن المراد بالإيمان بهم هو الاعتقاد بقدرتهم على الإعاذة والمحافظة.

стр. 66

(ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل. قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء) (١) . ... (الفرقان: ١٧-١٨) ويتجلى من بيان هذه الآية أن المقصود بالمعبودين فيها هم الأولياء والأنبياء والصلحاء والمراد بعبادتهم هو الاعتقاد بكونهم أجل وأرفع من خصائص العبدية والظن بكونهم متصفين بصفات الألوهية وقادرين على الإعانة الغيبية وكشف الضر، والإغاثة، ثم القيام بين يديهم بشعائر التكريم والتعظيم فما يكاد يكون تألهاً وقنوتاً!. (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) (سبأ: ٤٠-٤١) والمقصود بعبادة الملائكة (٢) في هذه الآية هو التأله والخضوع لهياكلهم وتماثيلهم الخيالية، كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكان غرضهم من وراء ذلك أن يرضوهم، فيستعطفوهم ويستعينوا بهم في شؤون حياتهم الدنيا. (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) (يونس: ١٨) (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: ٣) والمراد بالعبادة في هذه الآية أيضاً هو التأله، وقد فصل فيها أيضاً الغرض الذي كانوا لأجله يعبدونهم. العبادة بمعنى العبدية والإطاعة والتأله:

стр. 67

ويتضح كل الوضوح من جميع ما تقدم من الأمثلة أن كلمة (العبادة) في القرآن قد استعملت في بعض المواضع بمعنيي العبودية والإطاعة وفي الأخرى بمعنى الإطاعة فحسب، وفي الثالثة بمعنى التأله وحده والآن قبل أن نسوق لك الأمثلة التي قد جاءت فيها كلمة (العبادة) شاملة لجميع المعاني الثلاثة، لا بد أن تكون على ذكر من بعض الأمور الأولية. إن الأمثلة التي قد سردناها آنفاً، تتضمن جميعاً ذكر عبادة غير الله، أما الآيات التي قد وردت فيها كلمة (العبادة) بمعنيي العبودية والإطاعة، فإن المراد بالمعبود فيها إما الشيطان، وإما الأناس المتمردون الذين جعلوا أنفسهم طواغيت، فحملوا عباد الله على عبادتهم وإطاعتهم بدلاً من عبادة الله وإطاعته، أو هم الأئمة والزعماء الذي قادوا الناس إلى ما اخترعوه من سبل الحياة وطرق المعاش جاعلين كتاب الله وراء ظهرهم. وأما الآيات التي قد وردت فيها (العبادة) بمعنى التأله، فإن المعبود فيها عبارة إما عن الأولياء والأنبياء والصلحاء الذين اتخذهم الناس آلهة لهم على رغم أنف هدايتهم وتعليمهم، وإما عن الملائكة والجن الذين اتخذوهم لسوء فهمهم شركاء في الربوبية المهيمنة على قانون الطبيعة، أو هو عبارة عن تماثيل القوى الخيالية وهياكلها. التي أصبحت وجهة عبادتهم وقبلة صلواتهم بمجرد إغراء الشيطان والقرآن الكريم يعد جميع أولئك المعبودين باطلاً ويجعل عبادتهم خطأ عظيماً سواءاً تعبدهم الناس أو أطاعوهم أم تألهوا لهم، ويقول إن جميع من طفقتم تعبدونهم عباد الله وعبيده، فلا يستحقون أن يعبدوا ولا أنتم مكتسبون من عبادتهم غير الخيبة والمذلة والخزي، وأن مالكهم في الحقيقة ومالك جميع ما في السماوات والأرض هو الله الواحد، وبيده كل الأمر وجميع السلطات والصلاحيات ولأجل ذلك لا يجدر بالعبادة إلا هو وحده.

стр. 68

(إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم فادعو فليستجيبوا (١) لكم إن كتم صادقين) ... (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) (الأعراف: ١٩٤، ١٩٧) (وقالوا اتّخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عبادٌ مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) (٢) . (الأنبياء: ٢٦-٢٨) (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) (الزخرف: ١٩) (وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون) (الصافات: ١٥٨) (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً) (النساء: ١٧٢) (الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان) (الرحمن: ٥-٦) (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء: ٤٤) (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) (الروم: ٢٦) (ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها) (هود: ٥٦) (إن كلُّ من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً. لقد أحصاهم وعدهم عداً. وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) (مريم: ٩٣-٩٥) (قل اللهم ما لك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاءُ وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) (آل عمران: ٢٦) كذلك بعد أن يقيم القرآن البرهان على كون جميع من عبدهم الناس بوجه من الوجوه عبيداً لله وعاجزين أمامه، يدعو جميع الإنس والجن إلى أن يعبدوا الله تعالى وحده بكل معنى من معاني (العبادة) المختلفة، فلا تكن العبدية إلا له، ولا يطع إلا هو، ولا يتأله المرء إلا له، ولا تكن حبة خردل من أي تلك الأنواع للعبادة لوجه غير الله!

стр. 69

(ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: ٣٦) (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) (الزمر: ١٧) (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين. وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم) . (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً) (التوبة: ٣١) (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) (البقرة: ١٧٢) قد أمر الله تعالى في هذه الآيات أن تختص له العبادة التي هي عبارة عن العبدية والعبودية والإطاعة والإذعان، وقرينة ذلك واضحة في الآيات، فإن الله تعالى يأمر فيها أن اجتنبوا إطاعة الطاغوت والشيطان والأحبار والرهبان والآباء والأجداد واتركوا عبديتهم جميعاً، وادخلوا في طاعة الله الواحد الأحد وعبديته. (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البيّنات من ربي وأُمرت أن أسلم لرب العالمين) (غافر: ٦٦) (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم. إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر: ٦٠) (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) (فاطر: ١٣-١٤) (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم) (المائدة: ٧٦) وقد أمر الله تعالى في هذه الآيات أن تختص له العبادة بمعنى التأله. وقرينة ذلك أيضاً واضحة في الآية، وهو أن كلمة (العبادة) قد استعملت فيها بمعنى الدعاء. وقد جاء فيما سبق وما لحق من الآيات ذكر الآلهة الذين كانوا يشركونهم بالله تعالى في الربوبية المهيمنة على ما فوق الطبيعة.

стр. 70

فالآن ليس من الصعب في شيء على ذي عينين أن يتفطن إلى أنه حيثما ذكرت في القرآن عبادة الله تعالى ولم تكن في الآيات السابقة أو اللاحقة مناسبة تحصر كلمة العبادة في معنى بعينه من المعاني المختلفة للكلمة، فإن المراد بها في جميع هذه الأمكنة معانيها الثلاثة: العبودية والإطاعة والتأله. فانظر في الآيات التالية مثلاً: (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني) (طه: ١٤) (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (الأنعام: ١٠٢) (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين) (يونس: ١٠٤) (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (يوسف: ٤٠) (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه) (هود: ١٢٣) (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً. رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته) (مريم: ٦٤، ٦٥) (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) (الكهف: ١١٠) فلا داعي لأن تخص كلمة (العبادة) في هذه الآيات وما شاكلها بمعنى التأله وحده أو بمعنى العبدية والإطاعة فحسب. بل الحق أن القرآن في مثل هذه الآيات يعرض دعوته بأكملها. ومن الظاهر أنه ليست دعوة القرآن إلا أن تكون العبدية والإطاعة والتأله، كل أولئك خالصاً لوجه الله تعالى: ومن ثم إن حصر معاني كلمة (العبادة) في معني بعينه، في الحقيقة، حصر لدعوة القرآن في معان ضيقة. ومن نتائجه المحتومة أن من آمن بدين الله وهو يتصور دعوة القرآن هذا التصور الضيق المحدود، فإنه لن يتبع تعاليمه إلا اتباعاً ناقصاً محدوداً.

стр. 71

٤- الدين التحقيق اللغويتستعمل كلمة الدين في كلام العرب بمعان شتى وهي: (١) القهر والسلطة والحكم والأمر، والإكراه على الطاعة، واستخدام القوة القاهرة (Sovereignty) فوقه، وجعله عبداً، ومطيعاً، فيقولون (دان الناس) أي قهرهم على الطاعة، وتقول (دنتهم فدانوا) أي قهرتهم فأطاعوا. و (دنت القوم) أي أذللتهم واستعبدتهم، و (دان الرجل) إذا عز و (دنت الرجل) حملته على ما يكره. و (دُيّن فلان) إذا حمل على مكروه. و (دنته) أي سسته وملكته. و (ديَّنته القوم) وليته سياستهم، ويقول الحطيئة يخاطب أمه: لقد دينت أمر بنيك حتى ... ... تركتهم أدق من الطحين وجاء في الحديث النبوي على صاحبه الصلاة والسلام: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) أي قهر نفسه وذللها، ومن ذلك يقال (ديان) للغالب القاهر على قطر أو أمة أو قبيلة والحاكم عليها، فيقول الأعشى الحرمازي يخاطب النبي ﷺ : ... ... ... ... يا سيد الناس وديان العرب وبهذا الاعتبار يقال (مدين) للعبد والمملوك و (المدينة) للأمة فـ (ابن المدينة) معناه ابن الأمة كما يقول الأخطل: ... ... ... ... ربت وربا في حجرها ابن مدينة (٤) وجاء في التنزيل: (فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين) ... (الواقعة: ٨٦-٨٧)

стр. 72

(٢) الإطاعة والعبدية والخدمة والتسخر لأحد والائتمار بأمر أحد، وقبول الذلة والخضوع تحت غلبته وقهره. فيقولون (دنتهم فدانوا) أي قهرتهم فأطاعوا، و (دنت الرجل) أي خدمته، وجاء في الحديث، قال رسول الله ﷺ (أريد من قريش كلمة تدين بها العرب) أي نطيعهم ونخضع لهم. بهذا المعنى يقال للقوم المطيعين (قوم دين) بهذا المعنى نفسه قد وردت كلمة الدين في حديث الخوارج (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية) (١) (٣) الشرع والقانون والطريقة والمذهب والملة والعادة والتقليد، فيقولون (ما زال ذلك ديني وديدني) أي دأبي وعادتي. ويقال (دان) إذا اعتاد خيراً أو شراً. وفي الحديث (كانت قريش ومن دان بدينهم) أي من كان على طريقتهم وعادتهم، وفيه (أنه ﵇ كان على دين قومه) أي كان يتبع الحدود والقواعد الرائجة في قومه في شؤون النكاح والطلاق والميراث وغير ذلك من الشؤون المدنية والاجتماعية.

стр. 73

(٤) الجزاء والمكافأة والقضاء والحساب. فمن أمثال العرب (كما تدين تدان) أي كما تصنع يصنع بك. وقد روى القرآن قول الكفار (أإنا لمدينون) أي هل نحن مجزيون محاسبون؟ وفي حديث ابن عمر رضي عنهما قال رسول الله ﷺ (لا تسبوا السلاطين، فإن كان لا بد فقولوا اللهم دنهم كما يدينون) أي افعل بهم كما يفعلون بنا. ومن هنا تأتي كلمة (الديان) بمعنى القاضي وحاكم المحكمة وسئل أحد الشيوخ عن علي كرم الله وجهه فقال: (إنه كان ديان هذه الأمة بعد نبيها) أي كان أكبر قضاتها بعده. استعمال كلمة (الدين) في القرآن فيتبين مما تقدم أن كلمة (الدين) قائم بنيانها على معان أربعة، أو بعبارة أخرى هي تمثل الذهن العربي تصورات أربعة أساسية. أولها: القهر والغلبة من ذي سلطة عليا. والثاني: الإطاعة والتعبد والعبدية من قبل خاضع لذي السلطة. والثالث: الحدود والقوانين والطريقة التي تتبع. والرابع: المحاسبة والقضاء والجزاء والعقاب. وكانت العرب تستعمل هذه الكلمة قبل الإسلام بهذا المعنى تارة أخرى حسب لغاتهم المختلفة؛ إلا أنهم لما لم تكن تصوراتهم لتلك الأمور الأربعة واضحة جلية ولا كان لها من السمو والبعد نصيب، كان استعمال كلمة (الدين) مشوباً بشوائب اللبس والغموض، ولذلك لم يتح لها أن تكون مصطلحاً من مصطلحات نظام فكر متين، حتى نزل القرآن فوجد هذه الكلمة ملائمة لأغراضه؛ فاقتناها واستعملها لمعانيه الواضحة المتعينة، واصطنعها مصطلحاً له مخصوصاً. فأنت ترى أن كلمة (الدين) في القرآن تقوم مقام نظام بأكلمه، يتركب من أجزاء أربعة هي: الحاكمية والسلطة العليا. الإطاعة والإذعان لتلك الحاكمية والسلطة. النظام الفكري والعملي المتكون تحت سلطان تلك الحاكمية. المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له أو على التمرد عليه والعصيان له.

стр. 74

ويطلق القرآن كلمة (الدين) على معنيها الأول والثاني تارة، وعلى المعنى الثالث أخرى وعلى الرابع ثالثة، وطوراً يستعمل كلمة (الدين) ويريد بها ذلك النظام الكامل بأجزائه الأربعة في آن واحد. ولإيضاح ذلك يجمل بنا النظر فيما يأتي من الآيات الكريمة: الدين بالمعنيين الأول والثاني: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين، هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين) (غافر: ٦٤-٦٥) (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين) .. (قل الله أعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه) ... (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) .. (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص) (الزمر: ١١-١٢ و ١٧، و ٢-٣) (وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون) (النحل: ٥٢) (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) (آل عمران: ٨٢) (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (البينة: ٥)

стр. 75

في جميع هذه الآيات قد وردت كلمة (الدين) بمعنى السلطة العليا، ثم الإذعان لتلك السلطة وقبول إطاعتها وعبديتها. والمراد بإخلاص الدين لله ألا يسلم المرء لأحد من دون الله بالحاكمية والحكم والأمر، ويخلص إطاعته وعبديته لله تعالى إخلاصاً لا يتعبد بعده لغيره الله ولا يطيعه إطاعة مستقلة بذاتها. (١) الدين بالمعنى الثالث (قل يا أيها الناس إن كنتم في شكٍ من ديني فلا أعبدُ الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين. وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين) (يونس: ١٠٤-١٠٥) (إن الحُكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (يوسف: ٤٠) (وله من في السماوات والأرض كلٌ له قانتون) ..
следующие страницы →