← Акыда

Акыда · id 21499

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ابن تيمية

Полный текст (196 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أمة محمد ﷺ وارثة الكتاب وأمة محمد ﷺ ، هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة، وليس ذلك مختصا بحفاظ القرآن، بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء، وقسمهم إلى ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، بخلاف الآيات التي في (الواقعة) (والمطففين) (والانفطار) فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة، كافرهم ومؤمنهم، وهذا التقسيم لأمة محمد ﷺ ، فالظالم لنفسه: أصحاب الذنوب المصرون عليها. والمقتصد: المؤدي للفرائض، المجتنب للمحارم، والسابق للخيرات: هو المؤدي للفرائض، والنوافل، كما في تلك الآيات. ومن تاب من ذنبه، أي ذنب كان، توبة صحيحة، لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين، كما

стр. 37

في قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ . وقوله: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ مما يستدل به أهل السنة، على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. القول في عذاب أهل الكبائر وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار، فهذا مما توارت به السنن عن النبي ﷺ ، كما تواترت بخروجهم من النار، وشفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر، وإخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا ﷺ ، وشفاعة غيره، فمن قال: إن أهل الكبائر مخلدون في النار، وتأول الآية على أن السابقين، هم الذين يدخلونها، وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها، كما تأوله (من تأوله) من المعتزلة، فهو مقابل بتأويل المرجئة، الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل

стр. 38

جميعهم الجنة من غير عذاب، وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي ﷺ ، ولإجماع سلف الأمة وأئمتها. وقد دل على فساد قول الطائفتين قول الله تعالى في آيتين من كتابه، وهو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، لأن الشرك يغفره الله لمن تاب، وما دون الشرك، يغفره الله أيضا للتائب، فلا تعلق بالمشيئة، وهذا لما ذكر المغفرة للتائبين، قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ . فهنا عمم المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له. ففي آية التوبة، عمم وأطلق، وفي تلك الآية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه

стр. 39

على المشيئة، ومن الشرك التعطيل للحالتين، وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه، كتعطيل الخالق، أويجوز أن لا يعذب بذنب، فأنه لو كان كذلك، لما ذكر أنه يغفر للبعض دون البعض، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورا له، بلا توبة ولا حسنات ماحية، لم يعلق ذلك بالمشيئة. وقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ دليل على أنه يغفر للبعض دون البعض، فبطل النفي والعفو العام. أصل الإيمان فصل وإذا كان أولياء الله ، هم المؤمنين المتقين، والناس يتفاضلون في الأيمان والتقوى، فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك، كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق، كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك. وأصل الإيمان والتقوى: الايمان برسل الله، وجماع ذلك: الايمان بخاتم الرسل محمد ﷺ ، فالايمان به يتضمن الايمان بجميع كتب الله ورسله. وأصل الكفر والنفاق، هو

стр. 40

الكفر بالرسل، وبما جاؤوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة، فإن الله تعالى أخبر في كتابه، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ وقال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ فأخبر أنه كلما ألقي في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير. وقال تعالى في خطابه لابليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه، فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم. فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع

стр. 41

الشيطان، وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له، فإنه ممن لم يتبع الشيطان ولم يكن مذنبا، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل. الإيمان المجمل والمفصل ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا (عاما) مجملا، وأما الايمان المفصل، فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك، فيؤمن بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه لم يعرفه، ولو بلغه لآمن به، ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانا مجملا، فهذا إذا عمل بما علم أن أمره به مع إيمانه وتقواه، فهو من أولياء الله تعالى، له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه. وما لم تقم عليه الحجة به، فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته، والايمان المفصل به، فلا يعذبه على تركه، لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك، فمن علم بما جاء به الرسول، وآمن به إيمانا مفصلا، وعمل به، فهو أكمل إيمانا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا، ولم يعمل به، وكلاهما ولي الله تعالى. والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما، وأولياء الله المؤمنون

стр. 42

المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال الله ﵎: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ . فبين الله ، أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظورا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ ، فبين الله سبحانه، أن أهل الاخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا، وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا، وقد بين تفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا﴾ .

стр. 43

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لوأني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة، وعمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» . وقد قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما﴾ وقال تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم

стр. 44

أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ وقال تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ ، وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾ .

стр. 45

لا يكون أحد من الكفار والمنافقين وليا فصل وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا، لقوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . وفي صحيح البخاري الحديث المشهور، وقد تقدم يقول الله ﵎ فيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ولا يكون مؤمنا تقيا حتى يتقرب إلىبالفرائض، فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل، حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله، وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار، ومن لم تبلغه الدعوة، وإن قيل: أنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم، فلا يكونون من أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين، فمن (لم) يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات، لم يكن من أولياء الله. المجنون والمكاشفات وكذلك المجانين والأطفال، فإن النبي ﷺ قال: «يرفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن

стр. 46

الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ» . وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة ﵄، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول، لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، ولا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة، فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب، بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع، وفي مواضع فيها نزاع. لا ولاية لمن لا يؤدي الفرائض وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى، ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليا لله،

стр. 47

فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لا سيما أن تكون حجته على ذلك، إما مكاشفة سمعها منه، أو نوع من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى أحد، فمات أو صرع، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب، لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية، كالكهان والسحرة وعباد المشركين، وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله، وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله، مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﷺ باطنا وظاهرا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أويعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق، أو هم قدوة على العامة، أنه ولي لله، ولكن إن كان له حالة في إفاقته، كان فيها مؤمنا بالله متقيا، كان له من ولاية الله بحسب ذلك، وإن كان له حال إفاقته فيه كفر أو نفاق، أو كان كافرا أو منافقا، ثم طرأ عليه الجنون، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق. بدعة التميز باللباس والحلاقة وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء. بل يوجد في جميع أصناف أمة محمد ﷺ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجد في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ . التحقيق في أسم الصوفية وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم: (القراء) فيدخل

стр. 48

فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء. واسم الصوفية: هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح. وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء. وقيل: إلى صوفة (بن مر) ابن أد بن طابخة، قبيلة من العرب، كانوا يعرفون بالنسك، وقيل إلى أهل الصفة. وقيل: إلى (أهل) الصفاء وقيل: إلى الصفوة. وقيل: إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة، فإنه لو كان كذلك لقيل: صفي، أو صفائي، أو صفوي أو صفي، ولم يقل: صوفي، وصار اسم الفقراء، يعنى به أهل السلوك، وهذا عرف حادث، وقد تنازع الناس: أيهما أفضل، مسمى الصوفي، أو مسمى الفقير؟ ويتنازعون أيضا أيهما أفضل، الغني الشاكر، أو الفقير الصابر؟. الناس معادن وتفاضلهم بالتقوى وهذه المسألة فيها نزاع قديم، بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء، وقد روي عن أحمد بن حنبل فيها روايتان، والصواب في هذا كله ما قاله الله ﵎، حيث قال: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ .

стр. 49

وفي الصحيح «عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه سئل: أي الناس أفضل؟ قال: (أتقاهم) قيل له: ليس عن هذا نسألك، فقال: يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن اسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله. فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام، إذا فقهوا» . فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم. وفي السنن عن النبي صلى أنه قال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب» . وعنه أيضا ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى أذهب عنكم

стр. 50

عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي» . فمن كان من هذه الأصناف اتقى لله، فهو أكرم عند الله، وإذا استويا في التقوى، استويا في الدرجة. لفظ الفقر شرعا ولفظ الفقر في الشرع، يراد به الفقر من المال، ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه، كا قال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ وقد مدح الله تعالى في القرآن صنفين من الفقراء: أهل الصدقات، وأهل الفيء. فقال في الصنف الأول: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل

стр. 51

أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا﴾ . وقال في الصنف الثاني، وهم أفضل الصنفين: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ . وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات، وجاهدوا أعداء الله باطنا وظاهرا، كما قال النبي ﷺ : «المؤمن من أمنه الناس علىدمائهم وأموالهم» و «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» «والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» .

стр. 52

لا أصل لحديث: رجعنا من الجهاد الأصغر وأما الحديث الذي يرويه بعضهم، أنه قال في غزوة تبوك: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فلا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله. جهاد الكفار من أعظم الجهاد وجهاد الكفار من أعظم الأعمال، بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان. قال الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما﴾ . أفضل الإيمان وقال تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة

стр. 53

منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ . وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير ﵁، قال: كنت عند النبي ﷺ ، فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن أعمل عملا بعد الاسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال علي ابن أبي طالب: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتما، فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر الرسول ﷺ ولكن إذا قضيت الصلاة سألته، فسأله فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يارسول الله أي الأعمال أفضل عند الله ؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد قي سبيل الله» . قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني.

стр. 54

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» . وفي الصحيحين أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه، أولا تطيقه» قال فأخبرني به، قال: «هل تستطيع إذا خرجت مجاهدا أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر؟» حق الله على عباده وفي السنن «عن معاذ ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن، فقال: يامعاذ اتق الله حيثما

стр. 55

كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وقال: «يا معاذ إني لأحبك، فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك» ، وقال له وهو رديفه: «يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه ألا يعذبهم» .

стр. 56

وقال أيضا لمعاذ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» وقال: «يا معاذ ألا أخبرك بأبواب البر؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقيام الرجل في جوف الليل ثم قرأ: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ ثم قال: يا معاذ ألا أخبرك بما هو أملك لك من ذلك؟ فقال: امسك عليك لسانك هذا، فأخذ بلسانه، قال: يا رسول الله وإنا لمؤخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» .

стр. 57

ليس في السنة إفراط ولا تفريط وتفسير هذا ما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضا، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أبوإسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه» . وثبت في الصحيحين عن أنس أن رجالا سألوا عن عبادة رسول الله ﷺ ، فكأنهم تقالوها. فقالوا: وأينا مثل

стр. 58

رسول الله ﷺ ؟ ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الاخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، فقال رسول الله ﷺ : «ما بال رجال يقول أحدهم: كذا وكذا ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، أي سلك غيرها ظانا أن غيرها خير منها فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله، وقال تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة. هل يعصم الأولياء فصل وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي عليه بعض علم الشريعة،

стр. 59

ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى، وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان، وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى، فإن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. الدعاء بالآية: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا ... فقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير * لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ . وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال: «قد فعلت» . ففي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄،

стр. 60

قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ . قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها قبل ذلك شيء أشد منه، فقال النبي ﷺ : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الايمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ إلى قوله ﴿أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال: قد فعلت. وقد قال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ » . أجرالمحتهد وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ مرفوعا، أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وأن أخطأ فله أجر» . فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرا

стр. 61

على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورا له، ولكن المجتهد المصيب له أجران، فهو أفضل منه، ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط، ولم يجب على الناس الايمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله، إلا أن يكون نبيا. لا يجوز لولي الاعتماد على ما يلقى في قلبه بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه، إلا أن يكون موافقا، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ماجاء به محمد فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه. والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: طرفان ووسط، فمنهم من من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله، وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال او فعل ما ليس بموافق للشرع، أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا، وخيار الأمور أوساطها، وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده. وجوب اتباع ما بعث الله رسوله والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف، ويقول: هذا خالف الشرع.

стр. 62

أحاديث في فضائل عمر ﵁ وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم» . وروى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» . وفي حديث آخر: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» .

стр. 63

وفيه: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» وكان علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبي. وقال ابن عمر: ما كان عمر يقول في شيء: إني لأراه كذا، إلا كان كما يقول. وعن قيس بن طارق قال: كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك. وكان عمر يقول: اقتربوامن أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تتجلى لهم أمور صادقة. وهذه الامور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب ﵁، انها تتجلى للمطيعين، هي الأمور التي يكشفها الله لهم، فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات، وأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر

стр. 64

بن الخطاب ﵄، فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر، بأنه محدث في هذه الأمة فأي محدث ومخاطب فرض في أمة محمد ﷺ ، فعمر أفضل منه، ومع هذا فكان عمر ﵁ يفعل ما هو الواجب عليه، فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول ﷺ ، فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر، كما نزل القرآن بموافقته غير مرة، وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك، كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين، والحديث معروف في البخاري وغيره، فإن النبي ﷺ قد اعتمر سنة ست من الهجرة، ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة، وهم الذين بايعوه تحت الشجرة، وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم، على أن يرجع في ذلك العام، ويعتمر من العام القابل، وشرط لهم شروطا فيها نوع غضاضة على المسلمين في الظاهر، فشق ذلك على كثير من المسلمين، وكان الله ورسوله أعلم

стр. 65

وأحكم بما في ذلك من المصلحة. حديث.. " اني رسول الله ... ولست أعصيه " حديث.. اني رسول الله ... ولست أعصيه وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال النبي ﷺ : يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى» ، قال: أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى» ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له النبي ﷺ : «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أعصيه» ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به، قال: «بلى» ، قال: «أقلت لك: إنك تأتيه العام؟» قال: لا، قال: «إنك آتيه ومطوف به» . فذهب عمر إلى أبي بكر ﵄ فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ ، ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبي ﷺ ، ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبي ﷺ . فكان أبو بكر ﵁ أكمل موافقة لله وللنبي ﷺ من عمر، وعمر ﵁ رجع عن ذلك، وقال فعملت لذلك أعمالا. وكذلك لما مات النبي صلى الله عليه، أنكر عمر موته أولا، فلما قال أبو بكر: إنه مات. رجع عمر عن ذلك.

стр. 66

قتال مانعي الزكاة وكذلك في قتال مانعي الزكاة قال عمر لأبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ألا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها» فقال له أبو بكر ﵁: ألم يقل: «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى اللله عليه وسلم لقتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. مرتبة الصديق ومرتبة المحدث ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر، مع أن عمر ﵁ محدث، فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث، لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله، والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء، وقلبه ليس بمعصوم، فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي المعصوم.

стр. 67

لا ولاية لمن خالف الكتاب والسنة ولهذا كان عمر ﵁ يشاور الصحابة ﵃، ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويقرهم على منازعته، ولا يقول لهم: أنا محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني، فأي أحد ادعى، أو ادعى له أصحابه أنه ولي لله، وأنه مخاطب يجب على أتباعه ان يقبلوا منه كل ما يقوله، ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة، فهو وهم مخطئون، ومثل هذا أضل الناس، فعمر بن الخطاب ﵁ أفضل منه، وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه ويعرضون ما يقوله - وهو وهم - على الكتاب والسنة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . الأنبياء وحدهم يطاعون في كل ما يأمرون به وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، يجب لهم الايمان بجميع ما يخبرون به عن الله ، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء، فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، ولا الايمان بجميع ما يخبرون به، بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله، وما خالف الكتاب والسنة كان مردودا، وإن كان صاحبه من

стр. 68

أولياء الله، وكان مجتهدا معذورا فيما قاله، له أجر على اجتهاده، ولكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا، وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع، فإن الله تعالى يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ معنى: " اتقوا الله حق تقاته " معنى: اتقوا الله حق تقاته وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ . قال ابن مسعود وغيره: حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. أي بحسب استطاعتكم، فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، كما قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ وقال تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ . كيف يكفر أدعياء الولاية وقد ذكر الله الايمان بما جاءت به الأنبياء في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما

стр. 69

أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ وقال تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ وقال تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ . وهذا الذي ذكرته، من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله ، ومن خالف في هذا

стр. 70

فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله باتباعهم، بل إما ان يكون كافرا، وإما ان يكون مفرطا في الجهل. أقوال لأبي سليمان الداراني والجنيد وهذا كثير في كلام المشايخ، كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: انه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال أبو القاسم الجنيد ﵀ عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث، لا يصلح له أن يتكلم في علمنا، أو قال: لا يقتدى به. وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا، نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ . وقال أبو عمر بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. غلط الناس في اتباع من خالف السنة والكتاب وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع، فيظن في شخص أنه ولي لله، ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل مايفعله، وإن خالف الكتاب والسنة، فيوافق ذلك الشخص له، ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع

стр. 71

الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، وجعله الفارق بين أوليائه واعدائه، وبين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء، فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين، وجنده المفلحين، وعباده الصالحين، ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال، وآخر إلى الكفر والنفاق، ويكون له نصيب من قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ وقوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ مشابهتم للنصارى وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات

стр. 72

عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ . وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ . وفي المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الاية، لما سأل النبي ﷺ عنها فقال: ما عبدوهم، فقال النبي ﷺ «احلو عليهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم» ولهذا قيل في مثل هؤلاء: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول، فإن أصل الأصول تحقيق الايمان بما جاء به الرسول ﷺ فلا بد من الايمان بأن محمدا رسول الله ﷺ إلى جميع الخلق، إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، علمائهم وعبادهم،

стр. 73

ملوكهم وسوقتهم، وأنه لاطريق إلى الله لأحد من الخلق إلا بمتابعته باطنا وظاهرا حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم اتباعه، كا قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ . ميثاق الله على الأنبياء للايمان بمحمد ﷺ قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، لئن بعث محمد وهن أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وقد قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا * وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن

стр. 74

الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما * فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ . الاغترار بالمكاشفات والتصرفات الخارقة للعادة وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول، مقلدا في ذلك لمن يظن أنه ولي لله، فإنه بنى أمره على أنه ولي الله، وان ولي الله لا يخالف في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله، كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك؟! وتجد كثيرا من هؤلاء، عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله، أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أويطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه، فقضى حاجته، او يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله، على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على

стр. 75

الماء، لم يعتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. معنى الكرامة وكرامات أولياء الله تعالى، أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة، وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله، فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الايمان والقرآن وبحقائق الايمان الباطنة وشرائع الاسلام الظاهرة. مثال ذلك أن الأمور المذكورة وأمثالها، قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف وقد قال النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا كلب» وقال
следующие страницы →