← Прочие науки

Прочие науки · id 21503

تلخيص السفسطة

ابن رشد الحفيد

Полный текст (180 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله الغرض من الكتاب قال: الغرض فى هذا الكتاب هو القول في التبكيتات السوفسطائية التي يظن بها أنها تبكيتات حقيقية، وإنما هي مضللات.

стр. 2

ونحن مبتدئون بالنظر في ذلك من المقدمات المعروفة بالطبع في هذا الجنس، فنقول: إن من المعلوم أن من القياسات ما هو قياس في الحقيقة، ومنه ما يغلط، فيظن به أنه قياس، من غير أن يكون كذلك في الحقيقة. وما عرض في القياس من ذلك هو شبيه بما عرض في سائر الأشياء المتنفسة وغير المتنفسة، وذلك أنه كما أن من الناس من هو عابد بالحقيقة، ومن يظن

стр. 3

به أنه عابد، وهو مرائى؛ ومنهم من هو جميل بالحقيقة، ومنهم من يظن به أنه جميل لمكان الزى واللباس، وليس هو في الحقيقة جميلا؛ ومن الفضة أيضاً

стр. 4

والذهب ما هو في الحقيقة وذهب، ومنه ما يظن به أنه ذهب وفضة، كذلك الأمر في القياسات. وإنما يخفى هذا الصنف من القياس، أعنى الذي يوهم أنه قياس، وليس بقياس، على من لم يجرب الأقاويل، ولا اختبرها؛ لأن من لم يجرب الأشياء يشبه الذي ينظر إلى الأشياء من بعد. فأما القياس بإطلاق، فقد قيل فيه إنه قول، إذا وضعت فيه أشياء أكثر من واحد، لزم عنها بذاتها، لابالعرض، شيء آخر غيرها اضطراراً.

стр. 5

وأما القياس المبكت فهو القياس الذي يلزم عنه نتيجة هي نقيض النتيجة التي وضعها المخاطب. وذلك أنه إذا لزمت عن المقدمات التي اعترف بها المخاطب، فيلزمه عن ذلك أن يكون الشيء بعينه موجوداً كذا، وغير موجود كذا. والتبكيت السوفسطائى هو القياس الذي يوهم أنه بهذه الصفة، من غير أن يكون كذلك. وقد يقع مثل هذا القياس لأسباب نذكرها بعد. وأشهر هذه الأسباب هو ما يعرض للمعانى من قبل الألفاظ. وذلك أنه لما لم تكن مخاطبة إلا بألفاظ، أقيمت الألفاظ مقام المعانى، فأوهم ما يعرض في الألفاظ أنه يعرض في المعانى مثل ما يعرض للحساب من الغلط في العدد، في حين إقامتهم

стр. 6

العقد في الأصابع مقام العدد، فيظنون أن ما عرض في العقد في الأصابع هو شىء عرض في العدد. وإنما عرض ذلك للمعانى مع الألفاظ، لأن الألفاظ ليس يمكن أن تجعل مساوية للمعانى، ومتعددة بتعددها، إذ كانت المعانى تكاد أن تكون غير متناهية، والألفاظ متناهية. فلو جعلت الألفاظ معادة للمعانى، لعسر ذلك عند النطق بها، أو الحفظ لها، أو لم يمكن. ولذلك اضطر الواضع أن يضع الكلمة الواحدة دالة على معان كثيرة. وكما أن من كان من الحساب ليست عنده الجملة التى تسمى طرح الحساب

стр. 7

فليس يمكنه الوقوف على الصواب من الخطأ في المسائل العددية، كذلك مَنْ لم تكن عنده معرفة بطبائع الألفاظ فهو جدير أن يغلط إن هو تكلم بشىء، وإن هو أيضاً سمعه. فلهذا السبب ولغيره من الأسباب عرض أن يكون القياس والتبكيت السوفسطائى شيئاً موجوداً بالطبع.

стр. 8

ولأن كثيراً من الناس أيضاً يحبون أن يوصفوا بالحكمة ويعظموا بتعظيمها من غير كلفة ولا تعب، أو من غير أن يكونوا أهلا لذلك، إذا كانوا ممن لا يمكن فيهم تعلم الحكمة، كان ذلك سبباً لأن يعتمد هذا الجنس من القول كثير من الناس يراءون به، ويوهمون أنهم حكماء، من غير أن يكونوا في الحقيقة حكماء، ولذلك سموا باسم الحكمة المرائية وهو الذي يعنى باسم السفسطة والسوفسطائيين فى لسان اليونانيين. وبين أن هؤلاء حرصهم إنما هو أن يظن بهم أنهم يعملون عمل الحكماء، من غير أن يعملوا عملهم.

стр. 9

وعمل الحكيم بالحقيقة هو أن يكون، إذا قال، قال صواباً، وإذا سمع كلام غيره ميز الكذب منه من الصواب. وهاتان الخصلتان الموجودتان فى الحكيم إحداهما هى فيما يقوله، والآخرى فيما يسمعه. ومن اللازم لمن أراد السوفسطائية طلب معرفة هذا الجنس من الكلام. فان بذلك يقوون على أن يراءون أنهم حكماء من غير أن يكونوا كذلك. إلا بحسب هواهم.

стр. 10

فأما أن هذا الجنس من الكلام شىء موجود، فمعروف بنفسه. وإنما الذى يفحص عنه هنا كم أنواع هذا الكلام السوفسطائى، وبكم من شىء تحصل هذه الملكة، وبالجملة: كم أجزاء هذه الصناعة، وما الأشياء التى تتم بها هذه الصناعة. وهذا هو قصد الذى قصد الفحص عنه هاهنا فنقول: أجناس المخاطبات إن أجناس المخاطبات الصناعية التى يمكن أن تتعلم بقول أربعة أجناس: المخاطبة البرهانية.

стр. 11

والمخاطبة الجدلية. والمخاطبة الخطبية. والمخاطبة السوفسطائية. وهذه المخاطبة إذا بها مستعملها بالحكماء خصت بهذا الاسم، وإذا تشبه بها بالجدليين، سميت مشاغبية. فالمخاطبة البرهانية هى التى تكون من المبادىء الأول الخاصة بكل تعليم، وهى التى تكون بين عالم ومتعلم بشأن أن يقبل ما يلقى إليه المعلم، لا أن يفكر فيما يبطل قول المعلم، مثل ما يفعله السوفسطائيون.

стр. 12

والمخاطبة الجدلية هى التى تأتلف من المقدمات المشهورة المحمودة عند الجميع أو الأكثر. والمخاطبة الخطبية هى التىتكون من المقدمات المظنونة التى فى بادىء الرأى. والمخاطبة المشاغبية هى المخاطبة التى توهم أنها جدلية من مقدمات محمودة، من غير أن تكون كذلك فى الحقيقة. فأما المخاطبة البرهانية فقد قيل فى كتاب البرهان؛ وكذلك الجدلية قد قيل فيها فى كتاب الجدل؛ والخطبية فى كتاب الخطابة. والتى يقال فيها ها هنا هى المخاطبة المشاغبية، أى المغلطة.

стр. 13

فلنقل أولا فى أغراض هذه المخاطبة، فنقول: إن مقصد هذا الجنس من الكلام هو أحد خمسة مقاصد: إما أن يبكت المخاطب. وإما أن يلزمه شنعة وأمراً هو فى المشهور كاذب. وإما أن يشككه. وإما أن يصيره بحيث يأتى بكلام مستحيل المفهوم.

стр. 14

وإما أن يصيره إلى أن يأتى بهذر من القول يلزم عنه مستحيل من المفهوم بحسب الظن. فهذه الأغراض الخمسة هى التى يؤمها السوفسطائيون. وأشهر هذه الأغراض الخمسة إليهم، وأكثرها مقصوداً عندهم هو التبكيت، ثم يتلو ذلك التشنيع على المخاطب، ثم يتلو ذلك التشكيك، ثم يتلو ذلك استغلاق الكلام واستحالته، ثم يتلو ذلك سوقه إلى الهذر والتكلم بالهذيان. والتبكيت والتغليط منه ما يكون من قبل الألفاظ من خارج، ومنه ما يكون من قبل المعانى.

стр. 15

والذي يكون من قبل الألفاظ ستة أصناف: أحدها اشتراك اللفظ المفرد، والثانى اشتراك التأليف، والثالث الذي من قبل الإفراد، والرابع الذي من قبل القسمة، والخامس اشتراك شكل الألفاظ، والسادس من قبل الإعجام.

стр. 16

وهذه القسمة تعرف من القياس والاستقراء. فمثال اشتراك الاسم المفرد قول القائل: المتعلم عالم، لأن المتعلم يعلم، والذي يعلم عالم، فالمتعلم عالم. ووجه المغالطة فى هذا أن لفظة (يعلم) تقال على الزمان المستقبل، وتقال على الحاضر، فهى تصدق على العالم فى الحاضر، وعلى المتعلم فى المستقبل.

стр. 17

وكذلك قول القائل أيضاً: بعض الشر واجب، والواجب خير، فبعض الشر خير. والمغالطة فى هذا أن اسم) الواجب (دل فى قولنا:) بعض الشر واجب (على ما يدل عليه اسم) الضرورى (، ودل فى قولنا:) والواجب خير (على ما يدل عليه) المؤثر والشىء الذى ينبغى (. وأما اشتراك التأليف فهو أصناف، وذلك أنه قد يكون من قبل التقديم والتأخير، كمن يقول: الشريف هو العالم، إذا أراد أن العالم هو الشريف،

стр. 18

فيوهم بتقديم الشريف وتأخير العالم أن المحمول فى هذا القول هو العالم، والشريف هو الموضوع. وقد يكون اشتراك التركيب من قبل تردد الضمير بين معنى أكثر من واحد. مثل قول القائل: ما يعرف الإنسان فهو يعرف، والإنسان الحجر، فالحجر إذن يعرف. وإنما وقعت هذه المغالطة، لأن لفظ) يعرف (قد يقع على العارف والمعروف. ومثل قول القائل: ما قال الإنسان إنه كذلك، فهو كذلك، وقال الإنسان صخرة، فالإنسان صخرة.

стр. 19

والسبب فى ذلك أن لفظة) هو (مرة تعود على الإنسان، ومرة تعود على القول. وقد يكون الاشتراك من قبل الإضافة مثل قولك: أعجبنى ضرب زيد. فإنه يحتمل أن يكون زيد مضروباً وضارباً.

стр. 20

وقد يكون من قبل الحذف والنقصان، مثال ذلك أن يقول القائل: إن الذى لا يمشى، يستطيع أن يمشى. والذى لا يكتب، يستطيع أن يكتب. فيكون ذلك صادقاً. فإذا حذفت لفظة) يستطيع (فقال: الذى لا يمشى، يمشى؛ والذى لا يكتب، يكتب، أوهم أن الذي ليس بماش ماش، والجاهل بالكتابة كاتب. ويشبه أن يعد هذا فى باب الإفراد والتركيب. وذلك أن النقصان هو تصير المركب مفرداً.

стр. 21

وأما الموضع الذي يكون من قبل إفراد اللفظ المركب، فمثل قولك: سقراط عالم بالطب، فسقراط إذن عالم. وذلك أنه قد يصدق على سقراط أن عالم بالطب، وليس يصدق عليه أنه عالم بإطلاق. وإنما كان ذلك كذلك، أنه ليس يلزم إذا صدق القول المركب على شىء أن تصدق أجزاؤه مفردة على ذلك الشىء. وأما الموضع الذي من القسمة: فهو أن تكون أشياء إذا حملت مفردة على أجزاء الشىء صدقت، أو على الشىء بأسره صدقت. فإذا ركب بعضها إلى بعض، كذبت. فيوهم المغالط أنها إذا صدقت مفردة أنه يلزم أن تصدق مركبة. وهو عكس الموضع الأول.

стр. 22

فمثال التى تصدق على أجزاء الشىء مفردة، ولا تصدق على كلمه مجموعة، قول القائل: الخمسة منها زوج، والخمسة منها فرد، فالخمسة إذن زوج وفرد. وذلك كذب. فإن الزوجية والفردية إنما صدق كل واحد منهما على جزء من الخمسة غير الجزء الذي صدق عليه الآخر. فإذا حمل على الكل، كان كذباً. ومثال المحمولات التى تصدق مفردة على كل الشىء، ولا تصدق عليه مركبة، قول القائل: أنت عبد، وأنت لى، فأنت عبد لى. وذلك مما قد يكذب.

стр. 23

وأما الموضع الذى من الإعجام فمثل أن يتغير إعراب اللفظ، فيتغير مفهومه، أو يغير من المد إلى القصر، أو من التشديد إلى التخفيف، أو من الوصل إلى الوقف، أو يهمل إعرابه، أو يبدل لفظه وإعجامه. والذي يكون من قبل النقط إنما يكون من قبل المكتوب فقط، مثل ما يعتذر به جالينوس عن أبقراط فى مواضع انتقدت عليه. وأمثلة تغير المفهوم بتغير الإعراب، أو لإهماله كثيرة موجودة، مثل قول القائل: ضرب زيد عمراً. إذا كان زيد هو المضروب، وعمرو هو الضارب. وذلك كثير. وكذلك ما يعرض عند تغير النقط أو إهماله، وهو الذي يسمى التصحيف.

стр. 24

وأما الموضع الذى من شكل الألفاظ فمثل أن تكون صيغة لفظ المذكر صيغة لفظ المؤنث، أو صيغة لفظ المفعول صيغة لفظ الفاعل، فيوهم أن المذكر مؤنث، مثل قول القائل: عاصم بمعنى معصوم. قال: فهذه هي المضللات التي تكون من قبل الألفاظ، وقد يظهر أنها ستة بطريق القسمة. وذلك أن اللفظ إنما يغلط إذا لم يطابق المعنى. وإذا لم يطابق المعنى: فظاهر أنه دل على معنى أكثر من واحد. لأنه لا يخلو أن يدل على

стр. 25

ذلك المعنى وعلى معنى زائد عليه، أو على ذلك المعنى وعلى معنى ناقص عنه. وإذا كان ذلك كذلك، فقد دل على معنى أكثر من واحد إما بزيادة منه على المعنى، أو نقصان منه. وإذا كان ذلك كذلك، فلا تخلو دلالته على معنى أكثر من واحد إما من قبل ما يؤخذ مفرداً، وإما من قبل ما يؤخذ مضموماً إلى غيره. ثم إذا كان من جهة ما هو مفرد، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: إما أن يكون ذلك لا من قبل صيغته الأولى الموضوعة، وهذا هو الاسم المشترك. وإما أن يكون ذلك له من قبل زيادة أو نقصان فى حروفه، أو تبدل ترتيبها. وهو التغليط الذي قيل فيه إنه من قبل الشكل. وإما أن يكون فى أحواله الخارجة وهو التغليط الذى يعرض من قبل الإعراب، والتثقيل، والتشديد، وغير ذلك من الأشياء التى جرت بها العادة فى الألسنة. وإذا عرض له ذلك من قبل ما هو مضموم إلى غيره. فلا يخلو أن يعرض

стр. 26

له ذلك فى نفس التركيب؛ وإما أن يعرض له عند تغيره من إفراد إلى تركيب، وهو موضع القسمة، وإما من تركيب إلى إفراد وهو موضع التركيب. وإذا كان من المعروف بنفسه أن ليس هاهنا قسمة سابعة للفظ يدل بها على أكثر من معنى واحد من جهة ما هو مغلط بذاته، لا من جهة ما هو مغلط بالعرض، مثل التغليط الذي يعرض عنه عند الإبدال، أعنى إبدال لفظ مكان لفظ. فظاهر أن المواضع المغلطة من الألفاظ هى هذه الستة.

стр. 27

القول من المغلطات من المعاني قال: والمواضع المغلطة من المعاني سبعة مواضع: أحدها: إجراء ما بالعرض مجرى ما بالذات؛ والثانى: أخذ المقيد مطلقاً، بأن يؤخذ ما سبيله أن يصدق مقيداً فقط، على أنه صادق بإطلاق. وأعنى ما كان مقيداً بصفة، أعنى بصفة ما، إما بزمان، أو بمكان، أو غير ذلك من أنواع التقييدات؛ والثالث: الغلط الذي يقع من قلة العلم بشروط التبكيت، وإنتاج مقابل ما اعترف الخصم بوجوده؛ والرابع: موضع اللاحق؛ والخامس: المصادرة على المطلوب؛ والسادس: أخذ ما ليس بسبب على أنه سبب؛ والسابع: أخذ المسائل الكثيرة على أنها مسألة واحدة.

стр. 28

فالمغلطات التى تكون مما بالعرض تقع متى اتفق أن يحمل شىء على شىء بالذات، ويتفق لأحد الشيئين أمر بالعرض، فإنه يظن أن ما بالعرض يوجد لأحد ذينك الشيئين بالذات. ومثال ذلك قول القائل: زيد المشار إليه غير الإنسان، وزيد إنسان، فالإنسان غير الإنسان. وذلك أن حمل الإنسانية على زيد هو بالذات. وعرض لزيد من جهة ما هو شخص أن كان غير الإنسان الذي هو نوع كلى، فظن لذلك أنه يلز

стр. 29

ومثال ذلك أيضاً قول القائل: زيد غير عمرو، وعمرو إنسان، فزيد غير إنسان.

стр. 30

وأما التغليط الذي يعرض من أخذ المقيد مطلقاً، فمثل أن يقول قائل: إن كان ما ليس بموجود فهو متوهم، والمتوهم موجود، فما ليس بموجود فهو موجود. أو يقول: إن كان ما هو موجود متوهماً ليس بموجود، فما هو موجود، فليس بموجود. وهذا إنما يصدق إذا قيد، لا إذا أطلق. وذلك أن ما ليس بموجود خارج الذهن، فهو موجود فى الوهم لا بإطلاق. وكذلك ما هو موجود فى الوهم، فهو غير موجود خارج الوهم لا بإطلاق. وأعنى أن يكون الشىء يصدق لا بإطلاق، فيلزم منه أن يصدق، وإنما يعرض الغلط فى هذا الموضع إذا عرض أن يكون الخلاف بين المطلق والمقيد فى المعنى يسيراً وخفياً. وكلما كان الخلاف أخفى، كان الغلط فيه أكثر، والوقوف على وجه الغلط فيها أعسر. وكلما كان أظهر، كان الغلط فيه أقل، والوقوف عليه أسهل. وذلك يختلف بحسب المواد. وفى بعض المواضع يمكن أن يعرض فيه غلط ليس يسهل حله. وفى بعض المواضع يعرض فيه غلط بسهل حله. ومثال ذلك أن يقول قائل: الزنجى أسود، والزنجى أبيض الأسنان، فالزنجى إذاً أسود أبيض معاً. فإنه قد يمكن أن يعرض فى مثل هذا هذا الغلط، إذ كان الخلاف الذي بين سواد الزنجى وبياض أسنانه خفي. ولذلك يمكن أن يسلم إنسان ما أن الزنجى

стр. 31

أسود، ويسلم أنه أبيض من قبل بياض أسنانه، وذلك أنه ليس يخفى جداً. ولذلك قد يسهل على كثير من الناس حله.

стр. 32

وفى بعض المواضع لا يقع فى ذلك غلط لظهور الخلاف بينهما، مثل أن يقول قائل: الزنجى إنسان أسود، والإنسان أبيض. فإنه ليس يعرض عن هذا القول أن يظن أن الإنسان الأسودأبيض، إذ كان الأبيض والأسود صنفين من الناس معلومين، واخلاف بينهما ظاهر جداً، ومكشوف للجميع. ولذلك ليس يمكن أحد أن يسلم أن الإنسان الزنجى أسود، والإنسان أبيض. ويمكن أن يسلم أن الزنجى أسود وأبيض من قبل أسنانه. وأما الموضع الذي يعرض الغلط فيه من إغفال أحد شروط التبكيت، فلذلك يقع من عدم المعرفة بشروط القياس المنتج للتبكيت، وعدم معرفة شروط النقيض. وذلك أن النقيض ليس هو الذي يناقض فى اللفظ فقط، بل وفى المعنى،

стр. 33

أعنى أن يكون المعنى بعينه فى القضية الموجبة هو بعينه المعنى فى القضية السالبة التى تقابلها من جميع الجهات. وإنما يكون كذلك، إذا كان المعنى المحمول فيهما واحداً والموضوع واحداً، وتكون سائر الشرائط التى تشترط بعينها فى إحدى القضيتين المتقابلتين هى بعينها مشترطة فى الثانية: من زمان، ومكان، وجهة، وغير ذلك مما قيل فى الكتاب المسمى) بارى أرميناس (. وإنما كان هذا الموضع مغلطاً، لأن بعض الناس يرى أنهم إذا نقضوا القضية التى يدعيها الخصم أنهم قد بكتوا، من غير أن ينقضوها على الشروط التى حددت فيما سلف، مثل أن يضع واضع أن هذا ضعف لهذا، فبين مبين أنه ليس بضعف. ويكون قولنا فيه إنه ليس بضعف، يصدق عليه بجهة غير الجهة التى تصدق بها أنه ضعف، فيظن الفاعل لهذا أنه قد بكت، مثل أن يصدق أن الخط ضعف للحظ من جهة الطول، وغير ضعف من جهة العرض، إذا الخط طول لا عرض له.

стр. 34

وأما التغليط الذي يعرض من قبل المصادرة على المطلوب الأول، فلذلك يقع على عدد الأنحاء التى يمكن أن يؤخذ فيها مقابل الشىء عند السؤال على أنه غير المقابل، أعنى مقابل الشىء الذى يقصد إبطاله، فيقع بذلك التبكيت، وذلك إذا قرن بالشىء نفسه، على ما تبين فى المقاييس التى تركب من المتقابلات، وهى صنفان: مصادرة على المطلوب، وهى التى ذكرها أرسطو هاهنا، لأنها التى يعرض فيها التبكيت أكثر ذلك.

стр. 35

ومصادرة على المطلوب نفسه. وقد قيل فى الأنحاء التى يمكن أن يعرض منها هذا العارض حقيقة فى كتاب القياس، وفى الأنحاء التى يظن أنه قد عرض هذا، ولم يعرض، فى كتاب الجدل. وأما الموضع الذى يعرض فيه التغليط فى التبكيت من قبل اللاحق فالسبب فيه توهم عكس الموجبة الكلية كلية. مثال ذلك: أنه إذا كان عند الإنسان أن كل حامل منتفخة الجوف، فقد يغلب على ظنه أن كل منتفخة الجوف حامل.

стр. 36

ومن هذا الموضع يعرض كثيراً الغلط للحس، حتى يظن بالمرار مثلا أنه عسل، لأنه أحس أن الأرض الممطورة مبلولة. وهذا ليس بصحيح. ولذلك قيل إنه لا ينتج قياس من موجبتين فى الشكل الثانى. وقياس العلامة الذي يكون فى الخطابة قد يكون من موجبتين فى الشكل الثانى، لأن أمثال هذه الأقيسة قد تستعمل فى الخطابة من الأمور التى تلحق الطرفين، مثل إذا أراد الخطيب أن يبين أن هذا زان، أخذ الذى يلحق الزانى، وهو التزين مثلا، والمشى بالليل، فيقول: هذا متزين، والزانى متزين فهذا زان. وهذا ليس بصحيح. فإن الزينة قد توجد للزانى ولغير الزانى وكذلك المشى بالليل.

стр. 37

ومن هذا الموضع غلط مالسيس حين قال: إن الكل ليس له مبدأ. وذلك أنه لما وجد صادقاً أن كل متكون فله مبدأ، ظن أن كل ما له مبدأ فمتكون. ولما ظن هذا، صح له عكس نقيضه: وهو أن ما ليس بمتكون، فليس له مبدأ. والعالم ليس بمتكون. فأوجب ألا يكون له مبدأ، وأن يكون

стр. 38

غير متناه. وليس إن كان كل مكون له مبدأ، فواجب أن يكون له مبدأ مكوناً. كما أنه كان كل محموم حار البدن، فليس واجباً أن يكون كل حار البدن محموماً.

стр. 39

وأما الموضع الذي يعرض فيه التبكيت المغالطى من أخذ ما ليس بعلة للنتيجة على أنه علة، فلذلك يكون إذا أخذ فى القياس مقدمة ما مع

стр. 40

مقدمات تلزم عنها نتيجة كاذبة، فأوهم الآخذ أن النتيجة إنما لزمت عن تلك المقدمة. وهذا يعرض فى القياس السائق إلى المحال، وهو قياس الخلف. فإن هذا القياس لما كان يرفع بعض المقدمات الموضوعة فيه بما ينتج من الكذب والاستحالة، يعرض فيه كثيراً أن تدخل المقدمة التى يقصد المغالط إبطالها فى جمل المقدمات الكاذبة التى يعرض عنها الكذب. فإذا عرض الكذب، أوهم أنه إنما عرض عن تلك المقدمة التى غلط فى إبطالها. والكذب نفسه لازم لا عن تلك المقدمة بل عن ما عاداها من المقدمة أو المقدمات الكاذبة التى وضعها. مثال ذلك أن يقول قائل: إنه ليس النفس والحياة شيئاً واحداً، لأنه إن كانت النفس والحياة شيئاً واحداً، وكانت جميع أصناف الكون مضادة لجميع أصناف الفساد، فلصنف صنف من أصناف الفساد صنف صنف من أصناف الكون يخصه، هو له ضد. والموت فساد ما، فله صنف من أصناف الكون هو ضده. والذي يضاد الموت هو الحياة. والموت فساد ما، فالحياة كون ما. وإذا كانت الحياة كوناً، والحياة ما كان وفرغ، والكون ما يتكون، فما يتكون فقد كان. هذا خلف لا يمكن. فإذاً ليست النفس والحياة شيئاً واحداً. فإن هذا المحال يلزم عن هذا القول وإن لم نضع أحد مقدماته أن النفس والحياة شىء واحد. ولذلك لا نقول إنه غير منتج على الإطلاق، لكن نقول
следующие страницы →