Полный текст (4 031 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الأرض، وإنما قال: إنه ينزل إلي السماء الدنيا عشية عرفة فيباهي اللائكة بالحجاج
стр. 107
ولا قال: إن الله ينزل كل ليلة إلي الأرض، وإنما قال: ينزل إلي سماء الدنيا وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علماً ضرورياً أنه لم يكن، ومن روي ذلك عنه أو أخذ يستدل علي ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار، كما يعلمون بطلان قول السوفسطائية، وإن لم يشتغلوا بحل شبههم.
وحينئذ فمن استدل بهذه الطريق، أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات، كان كذبه معلوماً بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي عليه هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها، وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل، فضلاً عن المتوسطين، فضلاً عن الوارثين له، العالمين بأقواله وأفعاله.
стр. 108
الثالث
الوجه الثالث: أن يقال: جميع ما ذكرتموه من أقوال الأنبياء أنها تدل علي مثل قولكم فلا دلالة في شيء منها، من وجوه متعددة، وذلك معلوم يقناً، بل فيها ما يدل علي نقيض قولكم، وهو مذهب أهل الإثبات، وهكذا عامة ما يحتج به أهل الباطل من الحجج، لا سيما السمعية، فإنها إنما تدل علي نقيض قولهم.
نقض الاستدلال بقصة إبراهيم ﵇
وأما قصة إبراهيم الخليل ﵇ فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية، وهو الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلاً، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة، كالمرض واصفرار الشمس: إنه أفول، لا يقال للشمس إذا اصفرت: إنها أفلت، وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب: أن آفلاً بمعني غائب، وقد أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولاً: أي غابت.
стр. 109
ومما يبين هذا أن الله ذكر عن الخليل أنه لما ﴿رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٦-٧٩] .
ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركاً، وهو الذي يسمونه تغيراً، فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغيراً لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغاً، وليس مراد الخليل بقوله: هذا ربي رب العالمين، ولا أن هذا هو القديم الأزلي الواجب الوجود، الذي كل ما سواه محدث ممكن مخلوق له، ولا كان قومه يعتقدون هذا حتى يدلهم علي فساده، ولا اعتقد هذا أحد يعرف قوله، بل قومه كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع.
ولهذا قال الخليل ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٥-٧٧] وقال ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨] فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر رباً يعبدونه ويتقربون إليه، كما هو عادة عباد الكواكب ومن يطلب تسخير روحانية الكواكب، وهذا مذهب مشهور، مازال
стр. 110
عليه طوائف من المشركين إلي اليوم، وهو الذي صنف فيه الرازي السر المكتوم وغيره من المصنفات.
فإن قال المنازعون: بل الخليل إنما أراد أن هذا رب العلمين.
قيل: فيكون إقرار الخليل حجة علي فساد قولكم، لأنه حينئذ يكون مقراً بأن رب العالمين قد يكون متحيزاً متنقلاً من مكان إلي مكان، متغيراً، وإنه لم يجعل هذه الحوادث تنافي وجوده، وإنما جعل المنافي لذلك أفوله، وهو مغيبه، فتبين أن قصة الخليل إلي أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم، ولا حجة لهم فيها بوجه من الوجوه.
وأفسد من ذلك قول من جعل الأفول بمعني الإمكان، وجعل كل ما سوي الله آفلاً، بمعني كونه قديماً أزلياً، حتى جعل السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة، وأن أفولها وصف لازم لها، إذ هو كونها ممكنة، والإمكان لازم لها، فهذا مع كونه افتراء علي اللغة والقرآن افتراء ظاهراً يعرفه كل أحد، كما افتري غير ذلك من تسمية القديم الأزلي محدثاً، وتسميته مصنوعاً ـ فقصة الخليل حجة عليه، فإنه لما رأي القمر بازغاً قال هذا ربي ولما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي
فلما أفلت قال: لا أحب الآفلين فتبين أنه أفل بعد أن لم يكن آفلاً، فكون الشمس والقمر والكواكب وكل ما سوي الله ممكنا هو وصف لازم له، لا يحدث له بعد أن لم يكن.
стр. 111
وهم يقولون: إمكانه له من ذاته، ووجوده من غيره، بناء علي تفريقهم في الخارج بين وجود الشيء وذاته، فالإمكان عندهم أولي بذاته من الوجود، ولو قال: فلما وجدت أو خلقت أو أبدعت قال: لا أحب الموجوديين والمخلوفين، كان هذا قبيحاً متناقصاً، إذ لم يزل كذلك، فكيف إذا قال: فلما صارت ممكنة، وهى لم تزل ممكنة.
وأيضاً فهي من حين بزغت وإلي أن أفلت ممكنة بذاتها تقبل الوجود والعدم، مع كونها عندهم قديمة أزلية يمنتع عدمها، وحينئذ يكون كونها متحركة ليس بدليل عند إبراهيم علي مونها ممكنة تقبل الوجود والعدم.
وأما قول القائل: كل متحرك محدث، أن كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية بإتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول: إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول: إنها باطلة عقلا وسمعا، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وهو نفسه يقدح فيها في عامة كتبه.
وأما قوله: كل متغير محدث أو ممكن فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلي المرض، والعادل إلي الظلم، والصديق إلي العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلي دليل.
وإن أراد بالتغير معني الحركة، أو قيام الحوادث مطلقاً ن حتى تسمي الكواكب حين بزوغها متغيرة،
стр. 112
ويسمي كل متكلم ومتحرك متغيراً، فهذا مما عليه إقامة الدليل فيه علي دعواه.
لفظ أحد وواحد
وأما استدلالهم بما في القرآن من تسمية الله أحدا وواحدا علي نفي الصفات، الذي بنوه علي نفي التجسيم.
فيقال لهم: ليس في كلام العرب، بل ولا عامة أهل اللغات، أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمي واحداً ولا تسمي أحداً في النفي والإثبات، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا وأحدا، حيث أطلقوا ذلك، ووحيداً.
قال تعالى ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١] وهوالوليد ابن المغيرة.
وقال تعالى ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١] فسماها واحدة، وهو امرأة واحدة متصفة بالصفات، بل جسم حامل للأعراض.
وقال تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] .
وقال تعالى ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦] وقال تعالى ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال تعالى ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ [الحجرات: ٩] .
стр. 113
وقال ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ [الإخلاص: ٤] وقال ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ بالجن: ٢٢] وقال تعالى ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] .
فإن كان لفظ الأحد لا يقال علي ما قامت به الصفات، بل ولا علي شيء من الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة، لم يكن في الوجود غير الله من الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد، بل لم يكن في الموجودين ما يقال عليه في النفي أنه أحد، فإذا قيل ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ لم يكن هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له، ولم يكن في الموجودات ما أخبر عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤاً لله.
وكذلك قوله ﴿ولا أشرك بربي أحدا﴾ [الكهف: ٣٨] ، ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ فإنه إذا لم يكن الأحد إلا ما لا ينقسم، وكل مخلوق وجسم منقسم، لم يكن في المخلوق ما يدخل في مسمي أحد، فيكون التقدير: ولا أشرك به ما لم يوجد، ولا يشرك بربه ما لا يوجد.
وإذا كان المراد النفي العام، وأن كل موجود من الإنس والجن يدخل في مسمي أحد، يقال: إنه أحد الرجلين، ويقال للأنثى: إحدى المرأتين، ويقال للمرأة: واحدة، وللرجل: واحد، ووحيد ـ علم أن اللغة التي نزل بها القرآن لفظ الواحد والأحد فيها يتناول الموصوفات، بل يتناول الجسم الحامل
стр. 114
للأعراض، ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف أصلاً، بل ولا عرف منهم أنهم لا يستعملونه إلا في غير الجسم، بل ليس في كلامهم ما يبين استعمالهم له في غير ما يسميه هؤلاء جسماً، فكيف يقال: لا يدل إلا علي نقيض ذلك، ولم يعرف استعماله إلا في النقيض ـ الذي أخرجوه منه ـ الوجودي، دون النقيض الذي خصوه به وهو العدمي؟ وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا؟ .
لفظ الصمد
وكذلك اسمه الصمد ليس في قول الصحابة: إنه الذي لا جوف له ما يدل علي أنه ليس بموصوف بالصفات: بل هو علي إثبات الصفات أدل منه علي نفيها من وجوه مبسوطة غير هذا الموضع.
وكذلك قوله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشوري: ١١] ، وقوله ﴿هل تعلم له سمياً﴾ [مريم: ٦٥] ، ونحو ذلك، فإنه لا يدل علي نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا علي نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه.
وأما احتجاجهم بقولهم: الأجسام متماثلة فهذا ـ إن كان حقاً ـ فهو تماثل يعلم بالعقل، ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل علي كل جسم، ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول: إن السماء مثل الأرض، والشمس والقمر والكواكب مثل الجبال، والجبال مثل البحار، والبحار مثل التراب، والتراب مثل الهواء، والهواء مثل الماء، والماء مثل النار، والنار مثل الشمس، والشمس
стр. 115
مثل الإنسان، والإنسان مثل الفرس والحمار، والفرس والحمار مثل السفرجل والرمان، والرمان مثل الذهب والفضة، والذهب والفضة مثل الخبز واللحم، ولا في اللغة التي نزل بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون كل منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر، ولا أنه إذا كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر، بل ولا فيها أن كل شيئين كانا مركبين من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة كان أحدهما مثل الآخر.
بل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين ـ مع اشتراكهما في أن كلا منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك، بادي البشرة ـ قد لا يكون أحدهما مثل الآخر، كما قال تعالي ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [محمد: ٣٨] ، فقد بين أنه يستبدل قوماً لا يكونون أمثال المخاطبين، فقد نفي عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ذكرناه.
فكيف يكون في لغتهم أن كل إنسان فإنه مماثل للإنسان، بل مماثل لكل حيوان، بل مماثل لكل جسم نام حساس، بل مماثل لكل جسم مولد عنصري، بل مماثل لكل جسم فلكي وغير فلكي؟
والله إنما أرسل الرسول بلسان قومه، وهم قريش خاصة، ثم العرب عامة، لم ينزل القرآن بلغة من قال: الأجسام متماثلة حتى يحمل القرآن علي لغة هؤلاء.
стр. 116
هذا لو كان ما قالوه صحيحاً في العقل، فكيف وهو باطل في العقل؟ كما بسطناه في موضع آخر، إذ المقصود هنا بيان أنه ليس لهم في نصوص الأنبياء إلا ما يناقض قولهم، لا ما يعاضده.
لفظ الكفء
وكذلك الكفء، قال حسان بن ثابت:
أتهجوه، ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء
فقد نفى أن يكون كفواً لمحمد، مع أن كليهما جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، ولكن النصوص الإلهية لما دلت على أن الرب ليس له كفء في شيء من الأشياء، ولا مثل له في أمر من الأمور، ولا ند له في أمر من الأمور، علم أنه لا يماثله شيء من الأشياء في صفة من الصفات، ولا فعل من الأفعال، ولا حق من الحقوق، وذلك لا ينفي كونه متصفاً بصفات الكمال.
فإذا قيل هو حي، ولا يماثله شيء من الأحياء في أمر من الأمور، وعليم وقدير وسميع وبصير، ولا يماثله عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير في أمر من الأمور، كان ما دل عليه السمع مطابقاً لما دل عليه العقل من عدم مماثلة شيء من الأشياء له في أمر من الأمور.
стр. 117
وأما كون ماله حقيقة أو صفة أو قدر يكون بمجرد ذلك مماثلاً لما له حقيقة أو صفة أو قدر فهذا باطل عقلاً وسمعاً، فليس في لغة العرب ولا غيرهم إطلاق لفظ المثل على مثل هذا، وإلا فليلزم أن يكون كل موصوف مماثلاً لكل موصوف، وكل ما له حقيقة مماثلاً لكل ما له حقيقة، وكل ما له قدر مماثلاً لكل ما له قدر، وذلك يستلزم أن يكون كل موجود مماثلاً لكل موجود.
وهذا ـ مع أنه في غاية الفساد والتناقض ـ لا يقوله عاقل، فإنه يستلزم التماثل في جميع الأشياء، فلا يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط، وحينئذ فيلزم أن يكون الرب مماثلاً لكل شيء، فلا يجوز نفي مماثلة شيء من الأشياء عنه، وذلك مناقض للسمع والعقل، فصار حقيقة قولهم في نفي التماثل عنه يستلزم ثبوت مماثلة كل شيء له، فهم متناقضون مخالفون للشرع والعقل.
الرابع
الجواب الرابع: أن يقال فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة من مقدمات دليلكم، فتلك كافية بالضرورة عند العقلاء، بل لا بد من ضم مقدمة أو مقدمات أخر ليس في القرآن ما يدل عليها ألبته، فإذا قدر أن الأفول هو الحركة، فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة علي أن كل متحرك محدث أو ممكن؟ وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن؟ وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها؟ وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؟ وأين في القرآن امتناع حوادث لا أول لها؟
بل أين في القرآن أن الجسم الاصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا تقبل الانقسام، أو من المادة والصورة، وأن كل جسم فهو منقسم ليس بواحد؟
стр. 118
بل أين في القرآن أو لغة العرب، أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ما له مقدار فهو جسم؟ وأن كل ما شاركه في ذلك فهو له في الحقيقة؟
ولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧] ، وفي قوله ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ [المنافقون: ٤] .
وقد قال أهل اللغة: إن الجسم هو البدن.
قال الجوهري في صحاحه: قال أبو زيد: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان.
قال: وقال الأصمعي: الجسم والجسمان: الجسد.
ومعلوم أن أهل الاصطلاح نقلوا لفظ الجسم من هذا المعني الخاص إلي ما هو أعم منه، فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسماً، وهذا لا تسميه العرب جسماً، كما لا تسميه جسداً ولا بدناً.
ثم قد يراد بالجسم نفس الجسد القائم بنفسه، وقد يراد به غلظه، كما يقال: لهذا الثوب جسم.
وكذلك أهل العرف الاصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا، وتارة هذا، ويفرقون بين الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمي المادة والهيولى، وبين الجسم الطبيعي الموجود.
وهذا مبسوط في موضع آخر.
стр. 119
والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها ـ من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقاً، وهذا ليس في القرآن.
والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها ـ من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقاً، وهذا ليس في القرآن.
فإن قيل: بل كون الأجسام تستلزم الحوادث ظاهر، فإنه لا بد للجسم من الحوادث، وكون الحوادث لا أول لها ظاهر، بل هذا معلوم بالضرورة، كما ادعى ذلك كثير من نظار المتكلمين، وقالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو من الحوادث، فهو حادث، فإن ما لم يسبقها ولم يخل منها لا يكون قبلها، بل إما معها وإما بعدها، وما لم يكن قبل الحوادث بل معها أو بعدها لم يكن إلا حادثاً، فإنه لو لم يكن حادثاً لكان متقدماً علي الحوادث، فكان خالياً منها وسابقاً عليها.
قيل: مثل هذه المقدمة وأمثالها منشأ غلط كثير من الناس، فإنها تكون لفظاً مجملاً يتناول حقاً وباطلاً، وأحد نوعيها معلوم صادق، والآخر ليس كذلك، فيلتبس المعلوم منها بغير المعلوم، كما في لفظ الحادث والممكن والمتحيز والجسم والجهة والحركة والتركيب وغير ذلك من الألفاظ المشهورة بين النظار التي كثر فيها نزاعهم، وعامتها ألفاظ مجملة تتناول أنواعاً مختلفة:
стр. 120
إما بطريق الاشتراك لاختلاف الاصطلاحات، وإما بطريق التواطؤ مع اختلاف الأنواع، فإذا فسر المراد وفصل المتشابه تبين الحق من الباطل والمراد من غير المراد.
فإذا قال القائل: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما يخلو منها فهو حادث، فقد صدق فيما فهمه من هذا اللفظ، وليس ذلك من محل النزاع، كلفظ القديم إذا قال قائل: القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة، وهو القديم في اللغة، أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن، فإن هذا مما لا نزاع فيه.
وكذلك إذا قال: غير مخلوق وأراد به أنه غير مكذوب، فإن هذا مما لم يتنازع فيه أحد من المسلمين وأهل الملل المؤمنين بالرسل.
مناقشة قولهم: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث
وذلك أن القائل إذ قال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان: أحدهما أنه لا يسبق الحادث المعين، أو الحوادث المعينة أو المحصورة، أو الحوادث التي يعلم أن لها ابتداء، فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء، واحداً كان أو عدداً، فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله، بل لا يكون إلا معه أو بعده، فيكون حادثاً.
وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما يقولان.
وليس هذا مورد النزاع، ولكن مورد النزاع هو: ما لم يخل من الحوادث المتعاقبة التي لم تزل متعقابة، هل هو حادث؟ وهو مبني علي أن هذا هل يمكن وجوده أم لا؟ فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئاً بعد شيء دائمة لا ابتداء
стр. 121
لها ولا انتهاء؟ وهل يمكن أن يكون الرب متكلماً لم يزل متكلماً إذا شاء؟ وتكون كلماته لا نهاية لها، لا ابتداء ولا انتهاء، كما أنه في ذاته لم يزل ولا يزال ابتداء لوجوده ولا انتهاء له؟ بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال، فهل يمكن أن يكون لم يزل متكلماً بمشيئته، فلا يكون قد صار متكلماً بعد أن لم يكن ن ولا يكون كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه، ولا يكون متكلماً بغير قدرته ومشيئته، بل يكون متكلماً بمشيئته وقدرته، ولم يزل كذلك، ولا يزال كذلك.
هذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك، وبين من نازعهم في ذلك.
والفلاسفة يقولون: إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركاً، لكن هذا القول باطل من وجوه كثيرة.
ومعلوم بالاضطرار أن هذا مخالف لقولهم، ومخالف لما أخبر به القرآن والتوراة وسائر الكتب، بخلاف كونه لم يزل متكلماً أو لم يزل فاعلاً أو قادراً علي الفعل، فإن هذا مما قد يشكل علي كثير من الناس سمعاً وعقلاً.
وأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم، فهذا إنما نازع فيه طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه.
وأما جمهور الفلاسفة، مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم، ومع المجوس وغيرهم، ومع أهل الكتاب وغيرهم، فهم متفقون علي أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن، ولكن تنازعوا في مادة ذلك،
стр. 122
هل هي موجودة قبل هذا العالم؟ وهل كان قبله مدة ومادة، أم هو أبدع ابتداء من غير تقدم مدة ولا مادة؟
فالذي جاء به القرآن والتوراة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله، كما أخبر في القرآن أنه: ﴿استوى إلى السماء وهي دخان﴾ أي بخار ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت: ١١] ، وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش والماء، كما قال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧] وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر، كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
والشمس والقمر هما من السماوات والأرض، وحركتهما بعد خلقهما، والزمان المقدر بحركتهما ـ وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما ـ إنما حدث بعد خلقهما، وقد أخبر الله أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخري غير حركة الشمس والقمر.
وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون: إن هذا العالم مخلوق محدث، وله مادة متقدمة عليه، لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعنية قديمة أزلية، وهذا أيضاً باطل، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلي قول من يقول: إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع.
стр. 123
فإن قيل: إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالي ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [الرعد: ٨] وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] كما ذكر ذلك طائفة من النظار، فإن ما لا ابتداء له ليس له كل، وقد أخبر أنه أحصي كل شيء عدداً.
قيل: هذا لو كان حقاً لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها، كنفي ما دل علي الصفات، فإن تلك نصوص كثيرة جلية، وهذا ـلو قدر أنه دليل صحيح ـ فإنه يحتاج إلي مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقاً، مثل أن يقال: هذا يستلزم بطلان حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم حدوث الجسم، لأن الجسم لو كان قديماً للزم حوادث لا بداية لها، لأن الجسم يستلزم الحوادث، فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو الحركات أو الأعراض، ثم يقال بعد هذا: وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسماً.
وهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالي، فكيف وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ لا يدل علي ذلك؟ فإنه سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢] فقد أحصي وكتب ما يكون قبل أن يكون إلي أجل محدود، فقد أحصي المستقبل المعدوم، كما أحصي الماضي الذي وجد، ثم عدم.
стр. 124
ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا، فإن كان الإحصاء يتناول ما لا يتناهى جملة فلا حجة في الآية، وإن قيل: بل أحصي المستقبل، تقديره: جملة بعد جملة، لم يكن في الآية حجة، فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك.
ومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة علي القولين، ليس الغرض هنا إنهاء القول فيها، بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام كونه لم يزل متكلماً
المعاني المختلفة لحدوث العالم عند النظار
ومما يشبه هذا إذا قيل: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله، فإن هذه العبارة لها معني في الظاهر المعروف عند عامة الناس أهل الملل وغيرهم، ولها معني في عرف المتكلمين، وقد أحدث الملاحدة لها معني ثالثاً.
المعني الأول
فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم تقدمه، بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، فهو المختص بالقدم، كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية، وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له.
وهذا العني هو المعروف عن الأنبياء وأتباع من المسلمين واليهود والنصارى، وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم.
المعنى الثاني
والمعني الثاني أن يقال: لم يزل الله لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، مثل أن يقال: إن كونه لم يزل متكلماً بمشيئته أو فاعلاً بمشيئته، بل لم يزل قادراً، هو ممتنع، وإنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، فهذا المعني هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية
стр. 125
والمعتزلة ومن أتبعهم بحدوث العالم، وقد يحكونه عن أهل الملل، وهو بهذا المعني لا يوجد لا في القرآن ولا غيره من كتب الأنبياء، لا التوراة ولا غيرها، ولا في حديث ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا يعرف هذا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
المعنى الثالث
والمعنى الثالث، الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله، قالوا: نقول العالم محدث، أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي، وغيره الحدوث الزماني.
والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعني لا يعرف عن أحد من أهل اللغات، لا العرب ولا غيرهم، إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعني، والقول بأن العالم محدث بهذا المعني فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة علي هذا القول، إنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس.
وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين، كابن سينا وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه: أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه، ويقولون: إنه محدث، ولم يثبت في كتبه للعالم فاعلاً موجباً له بذاته، وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها، ثم جاء الذين
стр. 126
أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أو لي لغيرها، كما جعلها الفارابي وغيره، ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة، لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق للمعشوق وإن كان لا شعور له ولا قصد، وجعلوه مدبراً بهذا الاعتبار ـ كما فعل ابن رشد وابن سينا ـ جعلوه موجباً بالذات لما سواه، وجعلوا ما سواه ممكناً.
الخامس
الوجه الخامس: أن يقال: غاية ما يدل عليه السمع ـ إن دل ـ علي أن الله ليس بجسم، وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم، وينفيه بعضهم ويتوقف فيه بعضهم، ويفصل القول فيه بعضهم.
ونحن نتكلم علي تقدير تسليم النفي، فنقول: ليس في هذا النفي ما يدل علي صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك علي تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفي شيئاً من الصفات لكون إثباته تجسيماً وتشبيهاً يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك، وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك
стр. 127
إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم.
فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض.
قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه ـ وإن كان بعضاً ـ فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضاً، ومحلها ليس بجسم، جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضاً.
فإن قال نافي الصفات: أنا لا أثبت شيئاً منها.
قال له: أنت أبهمت الأسماء، فأنت تقول: هو حي عليم قدير، ولا تعقل حياً عليماً قديراً إلا جسماً، وتقول: إنه هو ليس بجسم، فإذا جاز لك أن تثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم، مع أن هذا ليس معقولاً لك، جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه الصفات، وإن كان هذا غير معقول لي.
فإن قال الملحد: أنا أنفي الأسماء والصفات.
قيل له: إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع، له صانع فاعله، أو تقول: إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غني عن الصانع.
стр. 128
فإن قلت بالأول فصانعه، إن قلت: هو جسم فقد وقعت فيما نفيته، وإن قلت: ليس بجسم، فقد أثبت فاعلاً صانعاً للعالم ليس بجسم، وهذا لا يعقل في الشاهد.
فإذا أثبت خالقاً فاعلاً ليس بجسم، وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسماً، كان لمنازعك أن يقول: هو حي عليم ليس بجسم، وإن كان يعرف حياً عليماً إلا جسماً، بل لزمك أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه.
وإن قال الملحد: بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع، فقد أثبت واجبا بنفسه قديماً أزلياً هو جسم، حامل للأعراض، متحيز في الجهات، تقوم به الأكوان، وتحله الحوادث والحركات، وله أبعاض وأجزاء، فكان ما فر منه من إثبات جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه، ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد الخالق، وتكذيب رسله، ومخالفة صريح المعقول، والضلال المبين الذي الذي هو منتهى ضلال الضالين وكفر الكافرين.
فقد تبين أن قول من نفي الصفات أو شيئاً منها لأن إثباتها تجسيم قول لا يمكن أحداً أن يستدل به، بل ولا يستدل أحد علي تنزيه الرب عن شيء من النقائص بأن ذلك يستلزم التجسيم، لأنه لا بد أن يثبت شيئاً يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه غيره فيما نفاه، وإذا كان اللازم في الموضعين واحداً، وما أجاب هو به، أمكن المنازع له أن يجيب بمثله، لم يمكنه أن يثبت شيئاً وينفي شيئاً علي هذا
стр. 129
التقدير، وإذا انتهي إلي التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه، فعلم أن مثل هذا الاستدلال علي النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع.
الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه. الأول
الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه.
الأول
وأما الجواب لأهل المقام الثاني ـ وهم محققو النفاة الذين يقولون: السمع لم يدل إلا علي الإثبات، ولكن العقل دل علي النفي ـ فجوابهم من وجوه:
أحدها ـ أن يقال: نحن في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع، وقد تبين أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق المستلزمة للنفي طريقة الأعراض، وأن الذين آمنوا بهم وعلموا صدقهم لم يعلموه بهذه الطريق، وحينئذ فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن هذا المعقول أصلاً في السمع، ولم يكن السمع قد ناقض المعقول الذي عرفت به
صحته، وهذا هو المطلوب.
وإذا قلتم: نحن لم نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق، أو قلتم: لا نعرف السمع إلا بهذه الطريق.
قيل لكم: أما شهادتكم علي أنفسكم بأنكم لم تعرفوا السمع إلا بهذه الطريق، فقد شهدتم علي أنفسكم بضلالكم وجهلكم بالطرق التي دعت بها الأنبياء أتباعهم،
стр. 130
وإذا كنتم لا تعرفون تلك الطرق فأنتم جهال بطرق الأنبياء، وبما بينوا به إثبات الصانع وتصديق رسله، فلا يجوز لكم حينئذ أن تقولوا: إن صدقهم لا يعرف إلا بمعقول يناقض المنقول عنهم.
وأما إذا قلتم: لا يمكن أن يعرف الله إلا بهذه الطريق، فهذه شهادة زور وتكذيب بما لم تحيطوا بعلمه، ونفي لا يمكنكم معرفته، فمن أين تعرفون أن جميع بني آدم من الأنبياء وأتباع الأنبياء لا يمكنهم أن يعرفوا الله إلا بإثبات الأعراض وحدوثها ولزومها للجسم، وامتناع حوادث لا أول لها، أو بنحو هذا الطريق؟ وهل الإقدام علي هذا النفي إلا من قول من هو أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته، والأسباب التي بها يعرف الناس ما لم يعرفوه، وهذا النفي قاله كثير من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، وهذه حاله، وهذا النفي عمدة هؤلاء.
الثاني
الوجه الثاني: أن يقال لهم: بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلي هذا النفي، كما أقر بذلك جمهور النظار، حتى إن مسألة حدوث العالم اعترف بها أكابر النظار من المسلمين وغير المسلمين، حتى إن موسى ابن ميمون صاحب دلالة الحائرين وهو في اليهود كـ أبي حامد الغزالي في المسلمين، يمزج الأقوال
стр. 131
النبوية بالأقوال الفلسفية ويتأولها عليها، حتى الرازي وغيره من أعيان النظار اعترفوا بأن العلم بحدوث العالم لا يتوقف علي الأدلة العقلية، بل يمكن معرفة صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة، ثم يعلم حدوث العالم بالسمع، فهؤلاء اعترفوا بإمكان كونها سمعية، فضلاً عن وجوب كونها عقلية، فضلاً عن كونها أصلاً للسمع، فضلاً عن كونها لا أصل للسمع سواها.
وأيضاً فقد اعترف أئمة النظار بطرق متعددة لا يتوقف شيء منها علي نفي الجسم ولا نفي الصفات.
الثالث
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصي عددهم إلا الله من غير أن يعتمدوا علي هذه الطريق، وهم يخبرون أنهم علموا صدق الرسول يقيناً لا ريب فيه، وظهر منهم من أقوالهم وأفعالهم ما يدل علي أنهم عالمون بصدق الرسول، متيقنون لذلك، لا يرتابون فيه، وهم عدد كثير أضعاف أضعاف أضعاف أي تواتر قدر، فعلم أنهم لم يجتمعوا ويتواطئوا علي هذا الإخبار الذي يخبرون به عن أنفسهم ـ علم قطعاً أنه حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات.
الرابع
الوجه الرابع: أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء، وفساد طرقها التي جعلها أصحابها براهين عقلية، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 132
الخامس
الوجه الخامس: أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية، توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع، لا تخالف شيئاً من السمع، وهذا ـ ولله الحمد ـ قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف، فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلاً صحيحاً يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، حتى الفلاسفة القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه: ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي، فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، وكذلك سائر طوائف النظار من أهل النفي والإثبات، لا يذكرن دليلاً عقلياً في مسألة إلا والصحيح منه موافق لا مخالف.
وهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفاً لأخبار الأنبياء علي وجه التفصيل، كما نذكره إن شاء الله في موضعه، ونبين أن من خالف الأنبياء فليس لهم عقل ولا سمع، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالي ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾ [الملك: ٨-١١] .
ثم نذكر وجوها أخر لبيان فساد هذا الأصل الذي يتوسل به أهل الإلحاد إلي رد ما قاله الله ورسوله فنقول:
стр. 133
الوجه الرابع
أن يقال: العقل إما أن يكون عالماً بصدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإما أن لا يكون عالماً بذلك.
فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلوماً له، لأن المعلوم لا يعارضه المجهول، وإن لم يكن المعقول معلوماً له لم يتعارض مجهولان.
وإن كان عالماً بصدق الرسول امتنع ـ مع هذا ـ أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر.
غايته أن يقول: هذا لم يخبر به، والكلام ليس هو فيما لم يخبر به، بل إذا علم أن الرسول أخبر بكذا، فهل يمكنه ـ مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه أخبر بكذا ـ أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر، أم يكون علمه بثبوت مخبره لازماً له لزوماً ضرورياً، كما تلزم سائر العلوم لزوماً ضرورياً لمقدماتها؟
وإذا كان كذلك فإذا قيل له في مثل هذا: لا تعتقد ثبوت ما عملت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق، كان حقيقة الكلام: لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه، فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور، فإذا قيل: لا تصدقه لئلا يلزم أن لا تصدقه، كان كما لو قيل: كذبه لئلا يلزم أن تكذبه.
فيكون المنهي عنه هو المخوف المحذور من فعل المنهي عنه، والمأمور به هو المحذور من ترك المأمور به، فيكون واقعاً في المنهي عنه، سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع
стр. 134
أو عصي، ويكون وقوعه في المخوف المحذور علي تقدير الطاعة لهذا الآمر الذي أمره بتكذيب ما تيقن أن الرسول أخبر به أعجل وأسبق منه علي تقدير المعصية، والمنهي عنه علي هذا التقدير هو التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذوراً أو لم يكن، فإن لم يكن محذوراً لم يجز أن ينهى عنه، وإن كان محذوراً، فلا بد منه علي التقديرين، فلا فائدة في النهي عنه، بل إذا كان عدم التصديق هو المحذور كان طلبه ابتداء أقبح من طلب غيره لئلا يفضي إليه، فإن من أمر بالزنا كان أمره به أقبح من أن يأمر بالخلوة المفضية إلي الزنا.
فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به، بعد علمهم أنه رسول الله، لئلا يفضي تصديقهم له إلي عدم تصديقهم له، بل إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان هذا أمراً له بما يناقض ما علم به صدقه، فكان أمراً له بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره، فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره.
ولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلي انهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئاً من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالي وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد، وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة، بل هذا يقول: ما أثبته عقلك فأثبته، وإلا فلا، وهذا يقول: ما أثبته كشفك فأثبته، وإلا فلا،
стр. 135
فصار وجود الرسول صلي الله عليه وسلم عندهم كعدمه في المطالب الإلهية وعلم الربوبية، بل وجوده ـ علي قولهم ـ أضر من عدمه، لأنهم لم يستفيدوا من جهته شيئاً، واحتاجوا إلي أن يدفعوا ما جاء به: إما بتكذيب، وإما بتفويض، وإما بتأويل، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
فإن قالوا: لا يتصور أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل، فإنه منزه عن ذلك، وهو ممتنع عليه.
قيل لهم: فهذا إقرار منكم بامتناع معارضة الدليل العقلي للسمعي.
فإن قالوا: إنما أردنا معارضة ما يظن أنه دليل وليس بدليل أصلاً، أو يكون دليلاً ظنياً لتطرق الظن إلي بعض مقدماته: إما في الإسناد، وإما في المتن كإمكان كذب المخبر أو غلطه، وكإمكان احتمال اللفظ لمعنيين فصاعداً.
قيل: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل، أمكن أن يفسر الدليل العقلي المعارض للشرع بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل.
وحينئذ فمثل هذا ـ وإن سماه أصحابه براهين عقلية أو قواطع عقلية، وهو ليس بدليل في نفس الأمر، أو دلالته ظنية ـ إذا عارض ما هو دليل
стр. 136
سمعي يستحق أن يسمي دليلاً لصحة مقدماته، وكونها معلومة، وجب تقديم الدليل السمعي عليه بالضرورة واتفاق العقلاء.
فقد تبين أنهم بأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير الجنس الآخر بنظيره وترجيحه كما رجحوه، وهذا لأنهم وضعوا وضعاً فاسداً، حيث قدهموا ما لا يستحق التقديم لا عقلاً ولا سمعاً، وتبين بذلك أن تقديم الجنس علي الجنس باطل، بل الواجب أن ينظر في عين الدليلين المتعارضين، فيقدهم ما هو القطعي منهما أو الراجح إن كانا ظنيين، سواء كان هو السمعي أو العقلي، ويبطل هذا الأصل الفاسد الذي هو ذريعة إلي الإلحاد..
الوجه الخامس
أنه إذا علم صحة السمع، وأن ما أخبر به الرسول فهو حق، فإما أن يعلم أنه أخبر بمحل النزاع، أو يظن أنه أخبر به، أو لا يعلم ولا يظن.
فإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو غيره، فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك.
وإن كان مظنوناً أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه، وحينئذ فيجب تقديم العلم علي الظن، لا لكونه معقولاً أو مسموعاً، بل لكونه علماً، كما يجب تقديم ما علم بالسمع علي ما ظن بالعقل، وإن كان الذي عارضه من العقل ظنياً، فإن تكافآ وقف الأمر، وإلا قدم الراجح.
وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ، فتبين أن الجزم بتقديم العقل مطلقاً خطأ وضلال.
стр. 137
الوجه السادس
أن يقال: إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف علي كل ما يخبر به العقل.
مهمة العقل
ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم: كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه.
وقال بعضهم: العقل متول، ولي الرسول ثم عزل نفسه، لأن العقل دل علي أن الرسول صلي الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
والعقل يدل علي صدق الرسول دلالة عامة مطلقة.
وهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفت، ثم اختلف العامي الدال والمفتي وجب علي المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله علي قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفت، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفت، ودللت علي ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو اعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد وإستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال، الذي خالفت به من يجب عليك
стр. 138
تقليده وإتباع قوله، وإن لم تكن مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده.
هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول صلي الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالي، لا يجوز عليه الخطأ، فتقديمه قول المعصوم علي ما يخالفه من أستدلاله العقلي أولي من تقديم العامي قول المفتي علي قوله الذي يخالفه.
وكذلك أيضاً إذا علم الناس وشهدوا أن فلاناً خبير بالطب أو القيافة أو الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم أهل العلم بذلك، وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم علي قول الشهود الذين شهدوا لهم، وإن قالوا: نحن زكينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم، فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم.
كما قال بعض الناس: إن العقل مزكي الشرع ومعدله، فإذ قدم الشرع عليه كان قدحاً فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحا فيه.
стр. 139
قيل لهم: أنتم شهدتم بما علمتم من أنه أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحاً في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قلوكم: هو أعلم منا، وخطؤكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.
والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء والخياطة وغير ذلك من الصناعات، وإن لم يكن عالماً بتفاصيل تلك الصناعة، فإذا تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد النزاع قدحاً فيما علم به أنه أعلم منه.
ومن المعلوم أن مباينة الرسول صلي الله عليه وسلم لذوي العقول أعظم من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالماً بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولاً إلي الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالي رسولاً إلي الناس، فإن
стр. 140
النبوة لا تنال بالاجتهاد، كما هو مذهب أهل الملل، وعلي قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفسلفة وغيرهم فإنها عندهم أصعب الأمور، فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلي العلم بالصناعات والعلوم العقلية.
وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلي من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه علي قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب.
فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات، واستعمالها علي وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلي حصول الشفاء لي، مع علمه بان الطبيب يخطئ كثيراً، وأن كثيراً من الناس لا يشفي بما يصفه الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه سبباً في هلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!.
стр. 141
والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم علي خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟
فإن قيل: فالشهود إذا عدلوا شخصاً ثم عاد ذلك المعدل فكذبهم كان تصديقه في جرحهم جرحاً في طريق تعديله.
قيل: ليس هذا وزان مسألتنا، فإن المعدل إما أن يقول: هم فساق لا يجوز قبول شهادتهم، وإما أن يقول: هم في هذه الشهادة المعينة أخطأوا أو كذبوا، فإن جرحهم مطلقا كان نظير هذا أن يكون الشرع قد قدح في دلالة العقل مطلقا، وليس كذلك، فإن الأدلة الشرعية لا تقدح في جنس الأدلة العقلية.
وأما إذا قدح في شهادة معينة من شهادات مزكيه، وقال: إنهم أخطأوا فيها، فهذا لا يعارض تزكيتهم له باتفاق العقلاء فإن المزكي لشاهد ليس من شرطه أن لا يغلط، ولا يلزم من خطئه في شهادة معينة خطؤه في تعديل من عدله، وفي غير ذلك من الشهادات.
وإذا قال المعدل المزكي في بعض شهادات معدله ومزكيه: قد أخطأ فيها، لم يضره هذا باتفاق العقلاء، بل الشاهد العدل قد ترد شهادته لكونه خصماً
стр. 142
أو ظنيناً لعداوة أو غيرها، وإن لم يقدح ذلك في سائر شهاداته، فلو تعارضت شهادة المعدل والمعدل وردت شهادة المعدل لكونه خصماً أو ظنيناً لم يقدح ذلك في شهادة الآخر وعدالته، فالشرع إذا خالف العقل في بعض موارد النزاع ونسبه في ذلك إلي الخطأ والغلط، لم يكن ذلك قدحا في كل ما يعلمه العقل، ولا في شهادته له بأنه صادق مصدوق.
ولو قال المعدل: إن الذي عدلني كذب في هذه الشهادة المعنية، فهذا أيضاً ليس نظيراً لتعارض العقل والسمع، فإن الأدلة السمعية لا تدل علي أن أهل العقول الذين حصلت لهم شبه خالفوا بها الشرع تعمدوا الكذب في ذلك.
وهب أن الشخص الواحد والطائفة المعينة قد تتعمد الكذب، لكن جنس الأدلة المعارضة لا توصف بتعمد الكذب.
وأيضاً فالشاهد إذا صرح بتكذيب معدليه ل يكن تكذيب المعدل من عدله في قضية معينة مستلزماً للقدح في تعديله، لأنه يقول: كان عدلاً حين زكاني، ثم طرأ عليه الفسق، فصار يكذب بعد ذلك، ولا ريب أن العدول إذا عدلوا شخصاً، ثم حدث ما أوجب فسقهم، لم يكن ذلك قادحا في تعديلهم الماضي، كما لا يكون قادحاً في غير ذلك من شهاداتهم.
стр. 143
فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس فيه حجة علي تقديم آراء العقلاء علي الشرع بوجه من الوجوه.
وأيضاً فإذا سلم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال: من المعلوم أن الحاكم إذا سمع جرح المعدل وتكذيبه لمن عدله في بعض ما أخبر به لم يكن هذا مقتضياً لتقدم قول الذين زكوه، بل يجوز أن يكونوا صادقين في تعديله، كاذبين فيما كذبهم فيه، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، وفي هذا، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، صادقين في هذا، سواء كانوا متعمدين للكذب أو مخطئين، وحينئذ فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر، لا يرد قول الذين عدلوه بمجرد معارضته لهم، فلو كان هذا وزان تعارض العقل والشرع لكان موجب ذلك تقديم العقل.
الوجه السابع
أن يقال: تقديم المعقول علي الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلوماً بالعقل، أو غير معلوم بالعقل، ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر.
والمسائل التي بقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء، ولم يتفقوا فيها علي أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء
стр. 144
يقول: إن العقل أثبت، أو أوجب، أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه، أو أحاله، أو منع منه، بل قد آل الأمر بينهم إلي التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية.
كما يقول أكثر العقلاء: نحن نعلم أن بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئي من غير معاينة ومقابلة، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.
وقول أكثر العقلاء: إنا نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الموصوف عالماً بلا علم قادراً بلا قدرة حياً بلا حياة ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الشيء الواحد أمراً نهياً خبراً ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون العقل والعاقل والمعقول، والعشق والمعشوق، والوجود والموجود، والوجوب والعناية أمراً واحدا، هو ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول جمهور العقلاء: إن الوجود ينقسم إلي واجب وممكن وقديم ومحدث، وإن لفظ الوجود يعمهما ويتناولهما، وإن هذا معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
стр. 145
ويقول جمهور العقلاء: إن حدوث الأصوات المسموعة من العبد بالقرآن أمر معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
وجمهور العقلاء يقولون: إثبات موجودين ليس أحدهما مباينا للأخر ولا داخلاً فيه، أو إثبات موجود ليس بداخل العالم ولا خارجه معلوم الفساد بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك.
وجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة الكلية، والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك، وهذا باب واسع.
فلو قيل بتقديم العقل علي الشرع، وليست العقول شيئاً واحداً بيناً بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس علي شيء لا سبيل إلي ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه.
وأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق، وهذه صفة لازمة له، لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن، ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلي الكتاب والسنة، كما قال تعالي ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩] ، فأمر الله تعالي المؤمنين عندا لتنازع بالرد إلي الله والرسول، وهذا
следующие страницы →