← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فاعتضتم بالأدنى عن الأعلى: إما عجزاً وغما تفريطاً. ولا ريب أن أئمة اليهود والنصارى، بعد أن بدلوا الكتاب، ودخلوا فيما نهوا عنه احذق وأعرف بالله من أئمتكم، وعوام اليهود والنصارى الذين هم ضالون ومغضوب عليهم أصح عقلاً وإدراكاً وأصوب كلاما في هذا الباب من عوام أصحابكم، وهذا مما لا يشك فيه من له عقل وإنصاف. واعتبر ذلك بعوام النصيرية والإسماعيلية والدرزية والطرقية

стр. 1612

والعرباء وعوام التتر المشركين، الذين كان علماؤهم المشركون السحرة من البخشية والطوينية وأمثالهم، وكان خيار علمائهم رؤوس الملاحدة، فاعتبر عوام هؤلاء مع عوام اليهود والنصارى، تجد عوام اليهود والنصارى أقل فساداً في الدنيا والدين من أولئك، وتجد أولئك أفسد عقلاً وديناً. وأما متوسطوكم كالمنجمين والمعزمين وأمثالهم، ففيهم من الجهل والضلال والكذب والمحال مالا يحصيه إلا ذو الجلال، وهل كان

стр. 1613

الطوسي وامثاله ينفقون عند المشركين من التتر إلا بأكاذيب المنجمين، ومكايد المحتالين، المنافية للعقل والدين؟ وأما أئمتكم البارعون كأرسطو وذويه فغايته ان يكون مشركاً سحاراً وزيراً لملك مشرك سحار كالإسكندر بن فيلبس وأمثاله من ملوك اليونان الذين كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وإنما صار فيهم ما صار من الهدى والفلاح لما دخلت فيهم النصرانية بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة وتسع وعشرة سنة او اكثر منها وقد قيل إن ذلك كان على عهد آخر ملوكهم بطليموس صاحب المجسطي، فناهيك ممن تكون النصارى أعقل منهم وأعلم وأهدى إلى الدين الأقوم. ومن الضلال أن من يظن ذا القرنين المذكور في القرآن العزيز هو الإسكندر بن فيلبس الذي يقال إن أرسطو كان وزيره، وهذا

стр. 1614

جهل فإن ذا القرنين قديم متقدم على هذا بكثير، وكان مسلماً موحداً حنيفاً وقد قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة أو ما يقارب ذلك. وهذا الكلام وأمثاله إنما قيل لمقابلة لما في كلام هؤلاء من الاستخفاف بأتباع الأنبياء وأما أئمة العرب وغيرهم من أتباع الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كفضلاء الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس، ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى، فهل سمع في الأولين والآخرين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوم كانوا أتم عقولاً وأكمل أذهاناً وأصح معرفة وأحسن علماً من هؤلاء؟ فهم كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وما طمع أهل الإلحاد في هؤلاء إلا بجهل أهل البدع، كالرافضة والمتكلمين من المعتزلة ونحوهم.

стр. 1615

وابن سينا وأمثاله من ملاحدة الفلاسفة لما كانوا إنما يخاطبون من المسلمين من هو ناقص في العلم والدين: إما رافضي وإما معتزلي وإما غيرهما صاروا يتكلمون في خيار القرون بمثل هذا الكلام. وقد تواتر عن النبي ﷺ انه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ثم يقال لهذا الأحمق: أن كل أمة فيها ذكي وبليد

стр. 1616

بالنسبة إليها، لكن هل رأى في أجناس الأمم امة أذكى من العرب؟ واعتبر ذلك باللسان العام، وما فيه من تفصيل المعاني، والتمييز بين دقيقها وجليلها بالألفاظ الخاصة الناصة على الحقيقة ويليه في الكمال اللسان العبراني، فأين هذا من لسان أصحابك الطماطم، الذين يسردون ألفاظاً طويلة والمعنى خفيف؟ ولولا أن مثلك وأمثالك ممن شملته بعض سعادة المسلمين والعرب، فصار فيكم بعض كمال الإنسان في العقل واللسان، فعربتم تلك الكتب وهذبتموها وقربتموها إلى العقول، وإلا لكان فيها من التطويل والهذيان ما يشح بمثله على الزمان، وهي كما قال فيها ابو حامد الغزالي هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن أثم فإن ما يقوم عليه الدليل من الرياضي ونحوه كثير التعب قليل الفائدة، لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وما لم يقم عليه الدليل فظنون وأباطيل. ثم يقال له: هب أن ما ذكرته من غتم العرانيين والعرب أهل الوبر لا يمكنهم معرفة الدقيق، فهل يمكنك أن تقول ذلك في أذكياء

стр. 1617

العرب والعبرانيين وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس. واعتبر ذلك بأتباعهم فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي داود وعثمان بن سعد الدارمي بل ومثل أبي العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهم من امثالهم فإن شككت في ذلك فأنت مفرط في الجهل أو مكابر، فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى انه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف لواحد من الصحابة إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر.

стр. 1618

وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة أنهم فوقنا في كل عقل وعلم، وفضل وسب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو كما قال رحمة الله عليه. وأما قوله لو كلف الله رسولاً من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم إلى آخر كلامه. فيقال: لا ريب أن فيما غاب عن المشاهدة أموراً من الغيب، بعضها يمكن التعريف به مطلقاً، وبعضها لا يمكن التعريف به إلا بعد شروط واستعداد وبعضها لا يمكن التعريف به في الدنيا إلا على وجه مجمل، وبعضها لا يمكن التعريف به في الدنيا بحال وبعضها لا يمكن مخلوقاً أن يعلمه. ولهذا قال تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ السجدة ١٧. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فما لا يخطر بالقلوب إذا عرفت به لم تعرفه إلا إذا كان له نظير، وإلا لم يمكن التعريف على وجهه.

стр. 1619

وفي الدعاء المشهور: اللهم إني أسألك اسم هو لم سميت به نفسك، أو انزلته في كتابك، او علمته أحداً من خلقك، أو أستأثرت به في علم الغيب عندك فإذا كان من أسمائه ما استأثر بعلمه لم يعلمه غيره، ذلك وما خص به بعض عباده لم يعلمه غيره. وفي الحديث الصحيح انه ﷺ كان يقول في دعائه لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وفي حديث الشفاعة ينفتح على محامد أحمده بها لا احسنها الآن.

стр. 1620

فإذا كان اعلم الخلق بالله لا يحصى ثناء عليه، فكيف غيره؟ وإذا كان يفتح عليه في الآخرة بمحامد لم يعرفها في الدنيا فكيف حال غيره؟ ونذكر في هذا قصة موسى والخضر ﵉ ونقر العصفور من البحر. وقال علي بن أبي طالب ﵁ فيما ذكره البخاري حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون ان يكذب الله ورسوله؟ وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.

стр. 1621

وعن ابن عباس ﵄ أنه سأل رجل تفسير أية فقال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بها لكفرت بها وكفرك بها تكذيبك بها فتبين انه ليس كل أحد يليق بمعرفة جميع العلوم. ولهذا قال تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ إلى قوله ﴿يضرب الله الأمثال﴾ الرعد ١٧، فإن هذا مثل ضربة الله فشبه فيه ما ينزله من السماء من العلم والإيمان بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، والأودية منها صغار وكبار، فكل واد يسيل بقدره. فهذا ونحوه حق، ولكن حقائق الأمور التي يدعيها هؤلاء الملاحدة، هي في الحقيقة نفي وتعطيل تنكرها القلوب العارفة الذكية، أعظم مما تنكرها قلوب العامة، وكلما قوي عقل الرجل وعلمه زاد معرفة بفسادها، ولهذا لا يستجيب لهم الرجل إلا بقدر نقص عقله ودينه. وقوله: هبك الكتاب العزيز جاء على لغة العرب في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، هو من أوله إلى آخره تشبيه صرف؟ إلى آخر كلامه. فيقال: هذا من أعظم حجج أهل الإثبات على نفاة الصفات،

стр. 1622

ومن أعظم الحجج على صدق الرسولين العظيمين، وصدق الكتابين الكريمين، اللذين لم يأت من عند الله كتاب أهدى منهما. قال تعالى ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ القصص ٤٣، إلى قوله: ﴿قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا﴾ القصص ٤٨، إلى قوله ﴿قل فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾ الآيات القصص ٤٩. وقال تعالى حكاية عن الجن ﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ الأحقاف ٣٠. وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ الأنعام ٩١، ٩٢. وقال تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون * وهذا

стр. 1623

كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ الأنعام ١٥٤ - ١٥٥. فقد قرن الله تعالى بين الكتابين العربي والعبري في غير موضع. ومن المعلوم ان موسى كان قبل محمد صلوات الله عليهما وسلامه. ولم يأخذ عنه شيئاً، وكل من عرف حال محمد ﷺ يعلم أنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئاً، فإذا أخبر هذا بمثل ما أخبر به مرسل واحد من غير تواطؤ ولا تشاعر فيما يمتن في العادة التوافق فيه من غير تواطؤ، كان هذا مما يدل على صدق كل من الرسولين في أصل الرسالة، وعلى صدق خبر كل من الرسولين فيما أخبر به صفات ربه، إذا كان كل منهما أخبر بمثل ما أخبر به الآخر. وهب أن بعض ألفاظ أحد الكتابين قد يحرفها المحرف، فالكتاب الآخر المصدق له يبطل ذلك التحريف، ويبين أن المقصود واحد. وما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق كما قال، ويبين ذلك أن النبي ﷺ بين من تحريف أهل الكتاب ما شاء الله، وذمهم على ما وصفوا الله تتعالى به من النقائص، كقولهم: إن الله فقير، وإن الله بخيل، وإنه تعب لما خلق

стр. 1624

السماوات والأرض فاستراح فقال تعالى ﴿وما مسنا من لغوب﴾ ق ٣٨. فلو كان ما في التوراة من إثبات الصفات مما بدلوه وافتروه، لكان إنكار هذا من أعظم الواجبات، ولكان الرسول يعيبهم بما ينكره النفاة متن التشبيه والتجسيم، وأمثال هذه العبارات، فلما كان الرسول العربي مقراً لما في التوراة من الصفات ومخبراً بمثل ما في التوراة، كان ذلك من أعظم دليل على أن ما في التوراة من الصفات التي أخبر بها الرسول العربي أيضاً، ليس مما كذبه أهل الكتاب. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن خبراً من اليهود لما أخبر النبي ﷺ أن الله يوم القيامة يمسك السماوات على اصبع والأرضين على أصبع، والجبال على اصبع، والشجر والثرى على اصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك ضحك رسول الله ﷺ تعجباً وتصديقاً لقول الخبر ثم قرأ قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧. وهذا الحديث رواه من هو من أعلم الصحابة وأعظمهم اختصاصاً

стр. 1625

بالنبي ﷺ : عبد الله بن مسعود ورواه عنه وعن أصحابه من هو أجل التابعين وأتباع التابعين قدراً، ورواه أيضاً عبد الله بن عباس الذي هو من أعلم الصحابة في زمانه، وأصحاب ابن مسعود وابن عباس من اعظم التباعين علماً وقدراً عند الأمة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وفيهما أيضاً من حديث ابن عمر في تفسير هذه الآية ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧، ما يناسب هذا الحديث

стр. 1626

ويوافق قول أهل الإثبات، ويبين أن النبي ﷺ لم يكن ينكر على أهل الكتاب ما يخبرون به من الصفات التي تسميها النفاة تجسيماً وتشبيهاً، وإنما أنكر عليهم ما وصفوا الله تعالى به من النقائص والعيوب. ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين أنهم ذموا أهل الكتاب بما يذمهم به نفاة الصفات، ولا يذكرون لفظ التجسيم ونحوه من الألفاظ التي أحدثها المحدثون: لا بمدح ولا ذم، ولا يقولون ما تقوله النفاة إن التوراة فيها تشبيه، كما قال ابن سينا الكتاب العبراني كله من أوله إلى آخره تشبيه صرف. فإنه يقال له: ما تعني بقولك: إنه تشبيه، أتعني أنه متضمن للإخبار بأن صفات الرب مثل صفات العباد، أو متضمن لإثبات الصفات التي يوصف الخلق بما هو بالنسبة إليهم كتلك الصفات بالنسبة إلى الله؟ فإن أردت الأول، فهذا كذب على التوراة، فليس فيها الإخبار بأن صفات كصفات عباده، بل فيها نفي التمثيل بالله. وإن أردت الثاني فهذا أمر لا بد منه لك ولكل أحد، فإنك وأمثالك تقولون: إن الله موجود، مع قولكم: إن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وتقولون، وتقولون إنه عقل وعاقل ومعقول. مع قولكم: إن اسم العقل يقع على العقول العشرة، وتقولون: إنه علة للعالم، مع

стр. 1627

قولكم: إن العلة تنقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وتقولون: إن له عناية، مع أن لفظ العناية يقال على صفات العباد، وتقولون: إنه مبدأ ومبدع ونحو ذلك من العبارات التي تسمون بها غيره، فإنكم تطلقون اسم المبادئ على العقول، وتطلقون الإبداع على العقول، وتقولون: إن كل عقل أبدع ما دونه، والعقل العاشر أبدع ما تحت فلك القمر، وتقولون: إنه موجب بالذات مع أن لفظ الإيجاب يطلق على غيره. ويقولون: إنه عاشق ومعشوق وعشق، مع أن لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال النقص مالا يخفى على عاقل، وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل ولا عاشق ولا معقول ولا معشوق. ويقولون أيضاً: إنه يلتذ ويبتهج، ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل، ويقولون إنه مدرك وأن اللذة أفضل إدراك لأفضل مدرك فيسمونه مدركاً ومدركاً. ثم أعجب من هذا كله انكم تقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ومن هنا دخل من وافقكم في إثبات تشبه العبد بالرب، في الذات والصفات والأفعال، كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها، ومن مشى خلفه من القائلين بالوحدة المطلقة

стр. 1628

والاتحاد، وقالوا: إن الإنسان مثل الله، وأن قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١ المراد أنه ليس كالإنسان الذي هو مثل الله شيء ويقولون إن الفلك إنما يتحرك تشبهاً بما فوقه، فيجعلون العبد قادراً على أن يتشبه بالله وأن الفلك يتشبه بالله، أو يتشبه بالعقل المشبه لله. فإذا كان في التوراة: أنا سنخلق بشراً على صورتنا يشبهنا، أو نحو هذا فغايته أن يكون الله خالقاً لمن يشبهه بوجه وأنتم قد جعلتم العبد قادراً على أن يتشبه بالله بوجه، فإن كان التشبه بالله باطلاً من كل وجه، ولا يمكن الموجود أن يشبهه بوجه من الوجوه، فتشبيهكم أنكر من تشبيه أهل الكتاب، لأنكم جعلتم العبد قادراً على ان يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن يخلق ما يشبهه. فكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدوراً للعبد، وأولئك مع إثبات التشبيه إنما جعلوه مقدوراً للرب، فأي الفريقين أحق بالذم والملام؟ أنتم أم أهل الكتاب؟ إن كان مثل هذا التشبيه منكراً من القول وزورا، وإن لم يكن منكراً من القول وزورا، فأهل الكتاب أقوم منكم، لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية، التي أثبتت مقدوراً لرب البرية، وانتم ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله. وأيضاً فيقال: إنه ما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فإنهما لا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأن

стр. 1629

كلا منهما له حقيقة: هي ذاته ونفسه وماهية، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافاً ظاهراً كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك، بل وفيما هو أخص من ذلك، مثل كون كل منهما لوناً وعرضاً وقائماً بغيره ونحو ذلك، وهما مع هذا مختلفان. وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق، فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء: لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله فلا يجوز ان يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها، ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته، ولا مشابهة في شيء من خصائصه سبحانه عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع فهو، سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له، وإذا أخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق مثل: مسمى الوجود، والحقيقة، والعالم والقادر، ونحو ذلك فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان. والمخلوق لا يشارك مخلوقاً في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك؟ لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلاً، والقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك، لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله تعالى، فما وجب للقدر المطلق المشترك، لا نقص فيه ولا عيب، وما نفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه.

стр. 1630

وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والافات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معاني شريفة بسطت في غير هذا الموضع. وما يذكره هؤلاء من تعظيم علوم الأسرار، والأمر بكتمانها عن الجمهور، وقصور الجمهور عن إدراك حقائق، هو كلام مجمل يقوله الصديق والزنديق. والمخالفون من نفاة الصفات الخبرية، أو نفي الأوامر الشرعية، من المتفلسفة ومن دخل معهم من متصوفة النفاة ونحوهم، يشيرون إلى ذلك، ويحملون ما يروى من الآثار الصحيحة والسقيمة على ذلك، فالأثر المروي: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكروه إلا أهل الغرة بالله تعالى. وهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح، فقد ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي وأبو حامد الغزالي وغيرهما.

стр. 1631

لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات الموافقة لقول أهل الإثبات. وأبو حامد قد يحمل هذا إذا تفلسف على ما يوافق أقوال الفلاسفة النفاة. وكذلك ما في البخاري عن علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقد حمله ابن رشد الحفيد على أقوال الفلاسفة الباطنية النفاة. ومن المعلوم ان أقوال النفاة لا توجد في كلام الله ورسوله، وإنما لا يحملها عقله أفضى إلى تكذيب الله ورسوله. والأمور الباطنة فيها إجمال، فالملاحدة يدعون الباطن المخالف للظاهر، وأما أهل الإيمان فالباطن الحق عندهم موافق للظاهر الحق، فما في بواطنهم من المعارف والأحوال وتحقيق التوحيد ومقامات أهل العرفان، موافق لما جاء به الكتاب والرسول، يزداد صاحبها بأخبار الأنبياء إيماناً بخلاف الملاحدة كلما امعن الواحد منهم فيه بعد عن الله ورسوله.

стр. 1632

وقول ابن سينا هو الإقرار بالصانع مقدساً عن الكم، والكيف، والأين، ومتى، والوضع والتغير حتى يصير الاعتقاد أنه ذات واحدة، لا يمكن أن يكون له شريك في النوع، أو يكون له جزء وجودي كمي او معنوي ... إلى آخره. فكلامه هذا يتوهم الجاهل أنه تعظيم لله تعالى ومراده انه ليس لله علم، ولا قدرة ولا إرادة، ولا كلام، ولا محبة، وأنه لا يرى ولا يباين المخلوقات. قلت: وقد تكلمنا على هذا وعلى ثبوت الكليات في الخارج التي ذكرها في إشارته وشرحها شارحو إشاراته، كالرازي والطوسي وابن كمونه اليهودي وأمثالهم فإنه ذكر دليل توحيدهم وقدم قبله مقدمات. كلام ابن سينا عن الصفات الذاتية والعرضية تعليق ابن تيمية عليه قال في الإشارات: كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها: فإما أن يكون ما تتفق فيه لازماً من لوازم ما تختلف فيه،

стр. 1633

فيكون للمختلفات لازم واحد، وهذا غير منكر. وإما أن يكون ما تختلف فيه لازماً لما تتفق فيه، فيكون الذي يلزم الواحد مختلفاً متقابلاً، وهذا منكر وإما أن يكون ما تتفق فيه عارضاً عرض لما تختلف فيه، وهذا غير منكر. وغما أن يكون ما تختلف فيه عارضاً عرض لما تتفق فيه، وهذا أيضاً غير منكر. قال الشارحون لكلامه: كل شيئين فلا بد أن يكونا متخالفين في هويتهما وتشخصهما، لأن تشخص هذا لو كان حاصلاً لذاك، لكان هذا ذاك لا غيره، والأشياء قد تكون متوافقة في شيء من المقومات، كالأجناس العالية، فإنها لا تكون متوافقة في شيء من المقومات، وإن كانت ربما توافقت في شيء من الصفات العرضية. وإذا كان كذلك، فإذا اتفقت في أمر مقوم لها، كان ما به الاختلاف مغايراً لما به الاشتراك لا محالة، فتكون هوية كل واحد منهما مركبة مما به شارك الآخر، ومما به امتاز عن الآخر، وعند ذلك فإما أن يكون ما به الاشتراك لازماً لما به الاختلاف أو بالعكس، أو يكون ما به الاشتراك عارضاً لما به الاختلاف أو بالعكس. فأما الأول فهو غير منكر، كفصول الأنواع الداخلة تحت جنس، فإن طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع تلك الفصول، وكالوجود

стр. 1634

اللازمين للمقولات، والتماثل والاختلاف والتضاد والتغاير اللوازم للحقائق الكثيرة المختلفة، فإن السواد والبياض وإن كانا مختلفين لكنهما مشتركان في كون كل منهما ضد الآخر. وأما الثاني، وهو كون ما به الاختلاف لازماً لما به الاشتراك فهو محال، كالناطق مع الحيوان لو كان لازماً له لكان كل حيوان ناطقاً. وأما الثالث والرابع فهما جائزان. قلت: وهذا الكلام مبني على أصول سلمها لهم من لم يفهمها، مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات المقومة والعرضية اللازمة، وكلامهم في تركب الأنواع من الأجناس والفصول ونحو ذلك. ونحن نبين ما يعرف الحق به. فنقول: معلوم أن هذا الإنسان يشابه غيره في الإنسانية، ويشابه سائر الحيوانات في الحيوانية، وهذا معنى قولهم: متفقان في مسمى الإنسانية أو الحيوانية، أو يشتركان في ذلك، لكن نفس إنسانيته التي تخصه، وحيوانيته التي تخصه، لم يشركه فيها غيره أصلا، وإن كان قد ماثله فيها وشابهه، فمشابهة الشيء الشيء ومماثلته لا تقتضي أن يكون عين أحدهما يشاركه الآخر فيها، أو في شيء من صفاتها القائمة بها، فزيد المعين ليس فيه شيء من غيره أصلا، ولا في شيء من صفاته القائمة به. فقول القائل: اشتركا في الإنسانية أو اتفقا فيها، ونحو ذلك، فيه إجمال فإن الاشتراك يراد به الاشتراك في الأمور الموجودة في الخارج،

стр. 1635

كاشتراك الشركاء في العقار، بحيث يكون لهذا بعضه ولهذا بعضه، مشاعاً أو مقسوماً، وإذا اقتسما ذلك كان لهذا بعضه ولهذا بعضه، والمقسوم لا يصدق على كل من القسمين ولا يعمهما، فهذا اشتراك في الكل وقسمة للكل إلى أجزائه، كالقسمة التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، وقسمة النبي ﷺ الغنائم والمواريث. ومنه انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف. ومعلوم أن اشتراك الأعيان ف بالنوع أو الجنس. وانقسام الأجناس إلى الأنواع والأشخاص ليس من هذا فإن هذا قسمة الكلي إلى جزئياته واشتراك الجزئيات في كلي يتناولها، فالكليات لا توجد في الخارج كليات، فلا بد إلا مشخصة معينة. وإذا قال القائل: الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وهو المطلق لا بشرط كالإنسان من حيث هو هو، والحيوان من حيث هو هو، فإن أراد بذلك أنه يوجد ما يصدق عليه المعنى الذي يقال له إذا كان في الذهن كلياً، مثل أن يوجد الشخص الذي يقال له إنسان وحيوان وجسم ونحو ذلك فقد صدق، وإن أراد أنه يوجد الكلي كلياً فقد أخطأ، فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فكيف يكون ذاك جزءاً من هذا، منحصراً في هذا؟ وهو يصلح لأن يدخل فيه من الأعيان أضعاف هذا؟ وكيف يكون الكبير جزءاً من لا قليل، والعظيم جزءاً من الصغير؟ ولا ريب أن الذهن يتصور إنساناً مطلقاً، لا يمنع تصوره من وقوع

стр. 1636

الشركة فيه، فيكون كليا في التصور والذهن، فإذا وجد فلا يوجد إلا معينا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. فمن أراد بقوله: الكلي يوجد في الأعيان، ما يراد بوجود الصور الذهنية في الخارج، مثل قول القائل: ما كان في نفسي فقد حصل ولله الحمد، وما كان في نفسي فقد فعله زيد، ونحو ذلك، فإن أول الفكرة آخر العمل. والإنسانية يتصور في نفسه أشياء ثم يفعل ما تصوره، ولا يريد بذلك أن نفس الصورة الذهنية التي تصورها وقصدها وجدت في الخارج بعينها، ولكن وجد في الخارج ما هو مطابق لها موافق لها. وقد يقال: إن هذا هو هذا، كما يقال للمكتوب أنه الملفوظ، وللملفوظ إنه المعلوم، وللمعلوم إنه الموجود، فإن الأشياء لها وجود في الأعيان ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان ووجود في البيان: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي، فإذا كتب اسم زيد وقيل إن هذا هو زيد لم يرد بذلك أن الخط هو الصوت، ولا أن الصوت هو العلم، ولا أن العلم هو الشخص المعين، بل الناس يعلمون أن القائل إذا قال: هذا هو زيد، فالمراد هذا المكتوب اسمه زيد، ونظائر هذا كثيرة. فإذا قيل: إن الكلي وجد في الخارج بهذا الاعتبار فهو صحيح، لأن الكلي يتصوره الذهن مطلقاً غير مشروط بشرط، فيوجد في الخارج ما يطابقه، بمعنى انه يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط، فيوجد في الخارج ما يطابقه، بمعنى انه يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط، إذا قيل: هذا حيوان، هذا إنسان، لكن إذا صدق عليه المطلق لا بشرط لم يلزم أن يكون قد وجد المطلق مطلقاً لا بشرط، فإن صدقه عليه

стр. 1637

يقتضي أن يكون صفة له ومحمولاً عليه، وهذا عين التقييد والتخصيص. وهذا كما إذا قلنا: هذا حيوان، هذا جسم لم يلزم من ذلك أن يكون قد وجد حيوان مطلق، فضلا عن أن يكون إنسانا أو فرساً أو نحو ذلك من الأنواع، أو جسم معين مجرد عن أن يكون معيناً من الأجسام المعينة. وقول القائل: المطلق لا بشرط ينفي اشتراط الإطلاق، فإن ذلك هو المطلق بشرط الإطلاق، وذاك ليس بموجود في الخارج، بلا نزاع من هؤلاء المنطقيين أتباع أرسطو فإن المنطق اليوناني يضاف إليه ولهذا لا يذكرون فيه نزاعاً وإنما يثبته في الخارج أصحاب أفلاطون، وإذا لم يكن الإطلاق شرطاً فيه، لم يمتنع اقتران القيد به، فيكون وجوده مقيداً، وإذا كان وجوده مقيداً امتنع أن يكون مطلقاً فإن الإطلاق ينافي التقييد. وإن قلت: المقيد يدخل في المطلق بلا شرط. قلت: وإذا دخل فيه هو إياه في الذات، مغايراً له في الصفات. كما إذا قلت: الناطق حيوان، لم يكن هناك جوهران: أحدهما مطلق، والآخر مقيد. وهذا أمر يشهد به الحس، ولا ينازع فيه من تصوره، فليس في الموجودات المعينة إلا صفاتها المعينة القائمة بها، وكل ذلك مشخص

стр. 1638

معين، وما ثم إلا عين قائمة بنفسها، سواء سميت جوهراً، أو جسماً أو غير ذلك، أو صفة لها: سواء سميت عرضاً أو لم تسم بذلك. والمقصود أن الشيئين إذا اتفقا واشتركا في شيء، كالإنسانية والحيوانية، واختلفا وامتاز كل منهما عن الآخر بشيء كتعينة وتخصصه، فكل ما اتفقا فيه واختلفا فيه يمكن أخذه مطلقا ومعينا، فإذا أخذ معينا لم يكن واحد منهما شارك الآخر ووافقه في ما تعين فيه، وإذا أخذ مطلقا أو كلياً، كان كل منهما قد شارك الآخر ووافقه في الكلي المطلق الذي يصدق عليهما، ولكن الكليات في الأذهان، وليس ف بالأعيان إلا ما هو معين مختص. لكن بين المعينات تشابه واختلاف وتضاد. فإذا قيل: هذا الإنسان يشارك هذا في الإنسانية ويمتاز عنه بالتعين. قيل له: يشاركه في إنسانيته التي تخصه أو في مطلق الإنسانية؟ فالأول باطل ومخالف لقوله: ويمتاز عنه بالتعيين، وإن أراد الثاني. قيل له: وكذلك التعين، فإنه يشاركه في مطلق التعين، فلكل منهما تعين يخصه، ويشتركان في مطلق التعين، كما قلنا في الإنسانية. فقول هؤلاء: كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها، فإما أن يكون ما تتفق فيه لازماً لما تختلف فيه أو ملزوما له أو عارضا له أو معروضا له. فالأول والثالث والرابع جائز، والثاني يمتنع.

стр. 1639

يقال لهم: الأشياء المعينة كالإنسانيين والموجودين سواء قدرا واجبين أو ممكنين أو قدر أحدهما كذلك لم تتفق في أمر هو بعينه في هذا وفي هذا، سواء سمي مقوماً أو لم يسم، فهذا الإنسان لم يوافق هذا في نفس إنسانيته، وإنما وافقه في إنسانية مطلقة، وتلك المطلقة يمتنع أن تقوم بالمعين، فالتي وافقه فيها يمتنع أن تكون بعينها موجودة في الخارج، فضلا عن أن تكون مقومة لشيء من الأشياء والأشياء المعينة لا تقوم بها، ولا يقومها إلا ما هو مختص بها، لا يشركها فيه غيره. فهذا الإنسان المعين لا يقومه ولا يقوم به ولا يلزمه ولا يعرض له قط إلا ما هو مختص به سواء كان جوهراً أو عرضا كما أن يده ورجله ورأسه مختصة به، فما يقوم ببدنه ونفسه من الحياة والنطق والحس والحركة والجسمية وغير ذلك، كل ذلك مختص به، ليس بقائم بغيره. فليتدبر العاقل اللبيب هذا المكان الذي حصل بسبب الضلال فيه من فساد العقول والأديان ما لا يعلمه إلا الله . وباشتباه هذا اشتبه الأمر على هؤلاء المنطقيين، وعلى من قلدهم وأتبعهم، فضلوا في العقليات المنطقيات والإلهيات ضلالاً بعيداً،

стр. 1640

وجعلوا الصور الذهنية الخيالية حقائق موجودة في الخارج، حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا لواجب الوجود الخالق للسماوات والأرض رب العالمين وجوداً مطلقاً في إذ انهم، وعرضا ثابتاً في نفوسهم، ليس له حقيقة في الخارج، ولا وجود، ولا ثبوت ويقولون: وجوده معقول لا محسوس، وإنما هو معقول في عقولهم، كما يعقلون الكليات الثابتة في العقول، فالوجود المطلق: كالحيوان المطلق، والإنسان والجسم المطلق، والشمس المطلقة، والقمر المطلق، والفالك المطلق ونحو ذلك مما لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان. وهذا هو نهاية التوحيد، الذي زعموا أن الرسل جاءت به ولا ريب أن أقل أتباع الرسل أصح وأكمل عقلاً من أن يجعل هذا ثابتاً ف بالوجود الخارج، فضلاً عن أن يجعله رب العالمين، مالك يوم الدين، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا. وقوله إما أن يكون المتفق لازماً أو ملزوماً أو عارضاً أو معروضاً. فيقال: ما سميته متفقا ومشتركاً، هو ما جعلته مختلفاً مميزاً لازماً له

стр. 1641

وملزوماً، يشتركان في العموم والخصوص والإطلاق والتعيين، فالاشتراك والامتياز والاتفاق والاختلاف إذا أخذته باعتبار الذهن والخارج، فكل شيئين اشتركا في أمر فذلك المشترك هو في الذهن، وكل منهما هو في الخارج متميز، فالحيوانان المشتركان في الحيوانية هما مشتركا في الحيوانية المطلقة، ويمتاز أحدهما عن الآخر بالحيوانية الموجودة التي تخصه، كما يشترك الناطقان في الناطقية، ويمتاز أحدهما عن الآخر بالناطقية التي تخصه. وأما الأمور الموجودة في الخارج فبينها تشابه وتماثل، واختلاف وتضاد، ليس فيها شيء يشارك شيئاً لا في ذاته ولا في صفة من صفاته. فقولهم في القسم الأول هو مثل فصول الأنواع الداخلة تحت جنس واحد، فإن طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع الفصول، كالوجود والوجود والوحدة، والتماثل والاختلاف، والتضاد والتغاير، اللوازم للحقائق الكثيرة. يقال لهم: فصول الأنواع: كالناطقية والصاهلية ونحوهما، التي هي فصول أنواع الحيوان كالفرس والإنسان وغيرهما مما يدخل تحت جنس الحيوان إذا قيل طبيعة الجنس وهو الحيوان لازمة

стр. 1642

لطبائع هذه الفصول، كما هو لازم لهذه الأنواع، فإذا أخذت عين اللازم والملزوم في الخارج، كان التلازم من الطرفين يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه فلا يقال إن أحدهما أعم من الآخر ولا أخص. وإذا قيل: إنهما يشتركان في الحيوانية، وكل منهما متميز عن الآخر بالناطقية والصاهلية، فكل من هذه الموجودات متميزعن غيره بحيوانيته، كما هو متميز بناطقيته وصاهليته، ونوع الناطقية لا يميز معينا عن معين، وإنما يميز نوعاً عن نوع، والأنواع إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فإن الحيوان إذا لزم الناطق والصاهل، فنفس الحيوان هو نفس الصاهل ونفس الناطق ليس الحيوان فيه. وهم قد يقولون: إن في الناطق والصاهل حيواناً وهذا غلط، فإن الحيوان هو الموصوف بأنه صاهل وأنه ناطق وليس في الجوهر المعين جوهر آخر: لا مطلقاً ولا معينا بل هو جوهر واحد موصوف بهذا وبهذا بل وهذا الصاهل المعين هو حيوان وليس هو هذا الصاهل المعين الذي هو حيوان، فضلاً عن أن يكون هذا الناطق المعين.

стр. 1643

ولو قيل: إن هذا الصاهل المعين فيه حيوان، فليس الحيوان الذي فيه هو الحيوان الذي فيه الصاهل المعين، فكيف بما في الناطق وأمثاله؟ وإذا أراد أن الطبيعة العامة أو المطلقة أو الكلية لازمة لهذه الطبائع الخاصة، فالمعنى الصحيح: أن هذا المعنى الذي يوجد في الذهن عاماً مطلقاً كلياً، والذي يوجد أعيانه في الخارج أكثر من أعيان الطبيعة الخاصة هو لازم للطبيعة الخاصة، فحيث كان ناطق أو صاهل كان هناك ما هو حيوان وليس إذا كان حيوان يلزم أن يكون هناك ناطق أو صاهل. وهنا كلام ليس هذا موضعه وهو أن الحيوانية التي للإنسان مثلاً، هي مماثلة للتي للفرس مخالفة لها، فهؤلاء يقولون: هي مماثلة والمختلفات يلزمها امور متماثلة، وغيرهم يقولون: بل لوازم المختلفات مختلفة، وليست الحيوانية التي في هذا النوع مثل الحيوانية التي في النوع الآخر. وهذا نظير اختلافهم في الحكم الواحد بالنوع: هل يجوز تعليله بعلتين مختلفتين؟ فمن قال بالأول جوز ذلك. ومن قال بالثاني منع ذلك، وقال: اختلاف العلل يقتضي

стр. 1644

اختلاف الأحكام ويجيبون عن قول من يقول إن الملك نوع واحد وهو يستفاد بالبيع والإرث والاتهاب ونحو ذلك بأن الملك أنواع مختلفة، وليس هذا مثل هذا، وإن اشتركا في كثير في كثير من الأحكام، وكذلك حل الدم الثابت بالردة والقتل والزنا. وقد عورضوا بنقض الوضوء الثابت بأسباب مختلفة فأجابوا بأنه قد يختلف الحكم بالقوة والضعف. وهذا الآن كلام في تماثل الأحكام والعلل المختلفة وتماثل لوازم الأنواع المختلفة، وأما كون هذا المعين ليس هو هذا المعين فهذا مما لا نزاع فيه. والمقصود هنا أن المتفقات في أنر من الأمور، إذا قيل: إن ما به الاشتراك لازم لما به الامتياز فما اشتركا فيه لا يفارق ما به من الامتياز من جهة كونه مشتركا ولا يوجد معه، فضلا عن أن يلزمه، إذ الاشتراك إنما هو فيه إذا كان في الذهن، وهو من هذه الجهة لا يوجد في الخارج، ولكن الوصف الذي يقال إنهما تشاركا فيه، معناه انه يوجد لهذا معينا، ويوجد لهذا من نوعه آخر معين والمعين لا اشتراك فيه، فلا يظن انه وجد في الخارج ما اشتركا فيه في الخارج، وإن كان مشتركا فيه في الذهن.

стр. 1645

واعتبر عموم المعاني والاشتراك فيهما، بعموم الألفاظ والاشتراك فيهما، فإذا قلت: لفظ إنسان يشترك فيه هذا وهذا ويعمها ولفظ حيوان يشترك فيه أكثر مما يشترك في لفظ إنسان لم يكن بين المسميات في الخارج شيء اشتركت فيه، فليس بين هذا الإنسان وهذا الإنسان، ولا بينهما وبين الفرس في الخارج شيء مشترك بينهما لأجل الاشتراك والاتفاق في لفظ إنسان ولفظ حيوان فكذلك اتفاقهما واشتراكهما في المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ. وكذلك اتفاقهم واشتراكهم في الخط المرقوم المطابق لهذا اللفظ، فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى والثلاثة تتناول الأفراد الموجودة في الخارج وتعمها، والأعيان متفقة فيها مشتركة، من غير أن يكون بين الأعيان في الخارج شيء اشتركت فيه لكن بينها تشابه بحسب ذلك المعنى الشامل لها، واللفظ المطابق له، والخط المطابق للفظ. وبذلك يتبين الكلام في القسم الثاني وهو أن ما به الاختلاف لازم لما به الاشتراك انه قسم ممتنع فإنه ليس في الخارج إلا ما به الاختلاف الذي هو ضد الاشتراك إذ ليس في الخارج مشترك بل كل شيء فهو نفسه، ليس مشاركا لغيره في شيء فيكون مخالفاً له إذا جعل الاختلاف قسم الاشتراك، وأما الاختلاف الذي هو قسيم التشابه ن فهذا قد يكون في الخارج وقد لا يكون. فالبياضان المتماثلان هما غير مختلفين بهذا الاصطلاح، وهما مختلفان بالاصطلاح

стр. 1646

الأول الذي هو بمعنى الامتياز، فإذا كان كل من البياضين ممتازاً عن الآخر ببياضه الذي يخصه فهو ممتاز عنه أيضاً بلونيته وعرضيته التي تخصه وكذلك الإنسانان فما امتاز به كل منهما عن الآخر لازم للمشترك الكلي الذي في الذهن فذاك ليس بلازم ولا ملزوم إذ يمكن تقدير حيوان ولون مجرداً في الذهن ليس له لازم ولا ملزوم وأما الحيوان الموجود في الخارج فهو حيوان معين يلزمه معين إما إنسان معين وإما فرس معين وإما نحو ذلك وهذا المعين حاصل مع هذا المعين أبداً ولكن ليس لازماً لحيوان آخر فإذا عدم هذا الإنسان المعين عدم هذا الحيوان المعين فإذا وجد آخر لم يكن هو المستلزم لهذا المعين فالحاصل أن كل موجود في الخارج بعينه فجميع صفاته اللازمة متلازمة يلزم من وجود إنسانيته وجود حيوانيته ويلزم من وجود حيوانيته وجود إنسانيته. تابع كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية عليه وأما المقدمة الثانية فإنه قال: قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سبباً لصفة من صفاته، وأن تكون صفة له سبباً لصفة أخرى، مثل الفصل للخاصة، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي بسبب ماهيتة التي ليست هي الوجود، أو بسبب

стр. 1647

صفة أخرى، لأن السبب متقدم في الوجود، ولا متقدم بالوجود قبل الوجود. فيقال له: هذه مبنية على أن ماهية الشيء مباينة لوجوده، فنقول: إما أن تعني بالماهية والوجود: الماهية العلمية الذهنية، والوجود العلمي الذهني، وإما أن تعني بهما الماهية الموجودة في الخارج، والوجود الثابت في الخارج، وإما أن تعني بالماهية ما في الذهن، وبالوجود ما في الخارج، وإما بالعكس. فإن عني الثاني فلا ريب أن الذي في الخارج هو الموجود المعين وهو الحقيقة المعينة والماهية المعينة ليس هناك شيئان ثابتان أحدهما هو الموجود والآخر ماهيته. ومن قال إن المعدوم شيء في الخارج أو أن الماهية مباينة للموجود الخارج كما قال هذا طائفة من المعتزلة وقال هذا طائفة من الفلاسفة فقوله في غاية الفساد كما هو مبسوط في موضعه. وإن عني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج فلا ريب أن أحدهما مغاير للآخر وكذلك بالعكس وليس هذا مما يتنازع فيه العقلاء لكن لما غلب على مسمى الماهية الوجود الذهني وعلى مسمى الوجود الثبوت في الخارج وأحدهما غير الآخر توهم من توهم أن للموجود ماهية مغايرة للموجود المعين وهو غلط محض.

стр. 1648

وإذا كان كذلك فقول القائل يجوز أن تكون ماهية الشيء أو بعض صفاته سبباً لصفة أخرى ولا يجوز أن تكون الماهية سبباً للصفة التي هي الوجود لأن السبب متقدم على الوجود ولا يتقدم بالوجود على الوجود. كلام مبني على أصول فاسدة. أحدها كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج وهذا غلط بل نفس ما في الخارج هو الموجود الذي هو ماهيته والوجود إن عني به المصدر فذاك قائم بالواحد وإن عني به الموجود فهو الموجود فليس في الموجود وجود يزيد على حقيقته الموجودة. والثاني قوله إن الماهية أو صفتها تكون سبباً لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة. فإن عني بالماهية ما في النفس فليس هناك مسبب ولا سبب بل الذهن هو الذي يصور الجميع وإن عني بها ما في الخارج فالفاعل المعين مبدع لصفاتها اللازمة وصفاتها العارضة قد تكون موقوفة على شرط آخر وليست إحدى الصفتين اللازمتين سبباً لها وإن كان قد يكون شرطاً. الثالث أن لفظ السبب إن عني به الفاعل فالصفة لا تفعل الصفة ولا الماهية تفعل صفاتها اللازمة لا سيما عندهم حيث يقولون الواحد لا يكون فاعلاً وقابلاً وإن عني به ما يقف المسبب

стр. 1649

عليه ولو كان شرطاً فالمحل حينئذ سبب وهم يزعمون أن الماهية قابلة لوجودها فتكون سبباً لوجودها فتناقض قولهم. وأما عند التحقيق فيجوز أن تكون الماهية أو شيء من صفاتها شرطاً في صفة أخرى ولو كنا ممن يقول إن في الخارج ماهية مغايرة لوجوده لجوزنا أن تكون الماهية شرطاً لوجودها لأن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بخلاف العلة فإنها تتقدم المعلول ولكن لما لم يكن في الخارج إلا الوجود الذي هو ماهية نفسه امتنع أن تكون هناك ماهية تكون شرطاً لوجود نفسها أو لا تكون شرطاً لوجود نفسها. ثم قال ابن سينا في تقرير توحيدهم واجب الوجود المتعين إن كان تعينه ذلك لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره وإن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول لأنه إن كان وجوب الوجود لازماً لتعينه كان الوجوب لازماً لماهية غيره أو صفة وذلك محال وإن كان عارضاً فهو أولى أن يكون لعلة وإن كان ما تعين به

стр. 1650

لخصوصية ما لذاته يجب وجوده هذا محال وإن كان عروضه بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي أقسامه محال. قلت وإيضاح هذا الكلام أنه إذا قدر واجبان كان قد اشتركا في مسمى الوجوب وامتاز كل منها عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ما به الاشتراك لازماً لما به الامتياز أو ملزوماً أو عارضاً أو معروضاً فغن كان المشترك لازماً كلزوم الحيوانية للإنسانية مثلاً فهذا لا يجوز في هذا الموضع كما قال لأنه كان واجب الوجود لازماً لتعينه كان الوجود الواجب لازماً لماهية غيره وصفة وذلك محال. وإن كان المشترك وهو الوجوب عارضاً للمختص وهو التعين الذي هو الماهية فهو أولى أن يكون لعلة والوجود الواجب لا يكون لعلة. وإن كان التعين عارضاً للوجوب المشترك فهو لعلة كتعين آحاد النوع. ولهذا قال بعد هذا أعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة
следующие страницы →