← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وطائفة يقولون: هذا التأويل لا يعلمه إلا الله. ثم من هؤلاء من يقول: تجرى على ظواهرها، ويتكلم في إبطال التأويلات بكل طريق. ومن المعلوم أنه إذا كان لها تأويل يخالف ظاهرها، لم يحمل على ظاهره، وما حمل على ظاهره لم يكن له تأويل يخالف ذلك، فضلاً عن أن يقال: يعلمه الله أو غيره. بل مثل هذا التأويل يقال فيه: كما قال تعال: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨] ، فإن كان منتفيا لا وجود له، لا يعلمه الله إلا منتفياً لا وجود له، لا يعلمه ثابتاً موجوداً. وسبب هذا الاضطراب أن لفظ (التأويل) في عرف هؤلاء المتنازعين، ليس معناه معنى التأويل في التنزيل، بل ولا في عرف المتقدمين من مفسري القرآن فإن أولئك كان لفظ (التأويل) عندهم بمعنى التفسير، ومثل هذا التأويل يعلمه من يعلم تفسير القرآن. ولهذا لما كان مجاهد إمام أهل التفسير، وكان قد سأل ابن عباس ﵄ عن تفسير القرآن كله، وفسره له، كان يقول: إن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، أي التفسير المذكور. وهذا هو الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله، ممن يقولون: إن

стр. 1927

الراسخين في العلم يعلمون التأويل، ومرادهم به التفسير، وهم يثبتون الصفات، لا يقولون بتأويل الجهمية النفاة، التي هي صرف النصوص عن مقتضاها ومدلولها ومعناها. وأما لفظ (التأويل) في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها، فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية. وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله، ولهذا كان السلف يقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فيثبتون العلم بالاستواء وهو التأويل الذي بمعنى التفسير، وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه، ويقولون: الكيف مجهول، وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه، وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو. وأما التأويل بمعنى: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى، بمعنى استولى، ونحوه، فهذا عند السلف والأئمة- باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.

стр. 1928

فلا يقال في مثل هذا التأويل: لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، بل يقال فيه: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨] ، كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم، والصيام، بكتمان أسرارهم، والحج: بزيارة شيوخهم، والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر: بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين، والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة: بعائشة، وفرعون: بالقلب، والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل، ونحو ذلك. فهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تجعل حقاً حتى يقال إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل شهادة الزور، وكفر الكفار يعلم الله أنها باطل، والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي بها يعرف عباده: من نصب الأدلة وغيرها. وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف، الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى، كما فهمه الصحابة والتابعون، ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسول، لكن على وجه النفاق والخداع.

стр. 1929

وهو حال الباطنية وأشباههم، ممن يتظاهر بالإسلام واتباع القرآن والرسالة، بل بموالاة أولياء الله تعالى من أهل بيت النبوة وغيرهم من الصالحين، وهو في الباطن من أعظم الناس مناقضة للرسول فيما أخبر به وما أمر به، لكنه يتكلم بألفاظ القرآن والحديث، ويضم إلى ذلك من المكذوبات ما لا يحصيه إلا الله، ثم يتأول ذلك من التأويلات بما يناسب ما أبطنه من الأمور المناقضة لخبر الله ورسوله، وأمر الله ورسوله، ويظهر تلك التأويلات لمستجيبيه بحسب ما يراه من قبولهم وموافقتهم له. مثل أن يروا أن العالم كله مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول، فجعله هو رب الكائنات، ومبدع الأرض والسموات، ولكنه لازم للواجب بنفسه، ومعلول له، وأنه يلزمه عقل ونفس وفلك، ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر، الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء من العناصر والحيوان والمعادن وغير ذلك، وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والرسالة وغير ذلك في أنفس العباد، وعنه صدر القرآن والتوراة وغير ذلك. ثم يريد أن يوفق بين هذا وبين ما أخبرت به الرسل فيقول: هذه العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، وقد يقول عن هذا العقل الفعال: إنه جبريل، الذي ما هو على الغيب بضنين أي ببخيل، لأنه دائم الفيض بزعمه، لكن يحصل الفيض بحسب استعداد القوابل.

стр. 1930

ومن المعلوم بالاضطرار لكل من تدبر ما أخبرت به الرسل من صفات الملائكة أن هذه العقول التي وصفها هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركون، ليست هي الملائكة فإنا نعلم بالاضطرار أنهم لم يجعلوا ملكاً واحداً أبدع جميع ما سوى الله تعالى، ولا ملكا أبدع جميع ما تحت السماء، ولا جعلوا الملائكة أرباباً ولا آلهة. بل قد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ٨٠] . وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦] ، إلى: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، ونحو ذلك من الآيات. فغاية الملك أن يكون شافعاً عند الله، ولا يشفع إلا من بعد إذنه. ومن المعلوم أن كفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى، فإن النصارى يقرون بإله خلق جميع المخلوقات، لا يجعلون له معلولا خلق المخلوقات، لكن يقولون: إنه اتحد بالمسيح. وأما هؤلاء فيثبتون عقولاً لا حقيقة لها، ثم يقولون إن كلاً منها أبدع الآخر وسائر العالم.

стр. 1931

وتسميتهم للعقول بالملائكة باطل، ثم يستدل من يجمع بين كلامهم، وكلام الأنبياء، بحديث موضوع، نبه على وضعه أبو حاتم البستي، والعقيلي، والدارقطني، والخطيب، وابن الجوزي. وهو ما روي عن النبي ﷺ انه قال: «أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب» . ومع هذا فهو لفظه: لما خلق الله العقل، فهذا اللفظ يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، لا يقتضي أنه أول المخلوقات، بل هذا اللفظ يقتضي أنه خلق قبله غيره، فإنه قال له: «ما خلقت خلقاً أكرم علي منك» . وإيضا فإنه وصف بالإقبال والإدبار، والعقل عندهم لا يقبل ولا يدبر. وإيضا فإنه قال: بك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب، وهؤلاء عندهم جميع الموجودات صادرة عنه: من العقول، والأفلاك، والأرض، والحيوان، والنبات، ونحو ذلك. والأعراض من العلوم والإرادات، فقول القائل: بك آخذ وبك أعطي ... إلى آخره، يقتضي أن به هذه الأعراض الأربعة، وعندهم

стр. 1932

جميع الكائنات هو مبدعها، وهو ربهم الأعلى، فمرتبته عندهم أجل مما وصف في هذا الحديث. فهؤلاء يتمسكون من السمعيات بمثل هذا الحديث المكذوب، وهو لا يدل إلا على نقيض المطلوب: لا إسناد ولا متن، ثم يفسرون هذه الأحاديث مقلوباً، ويعبرون بتلك الألفاظ عن معان غير ما عناه الرسول ﷺ كما يعبرون بلفظ (الملك) و (الملكوت) و (الجبروت) عن: الجسم والنفس والعقل. ولفظ الملك والملكوت والجبروت في كلام الله ورسوله صلى الاله عليه وسلم لا يراد به ذلك. وكذلك يعبرون بلفظ (الملائكة، والشياطين) عن: قوى النفس المحمودة والمذمومة. وبالضرورة من الدين أن الرسل أرادوا بالملائكة والشياطين أعياناً قائمة بأنفسها متميزين لا مجرد أعراض قائمة بنفس الإنسان، كالقوة الجاذبة والماسكة والدافعة والهاضمة، وقوة الشهوة والغضب، وإن كان قد يسمى بعض الإعراض باسم صاحبه. الوجه الثاني والأربعون أن يقال إن هؤلاء متناقضون تناقضاً بيناً، فإنهم جعلوا

стр. 1933

المعلومات ثلاثة أقسام: ما لا يعلم إلا بالعقل، وما لا يعلم إلا بالسمع، وما يعلم بكل منهما. وجعلوا من المعلومات التي لا تعلم إلا بالسمع الإخبار عما يمكن وجوده وعدمه. ومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضا، وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه، إذ دل الدليل السمعي على أحد طرفيه، وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتاً، أمكن هنا أيضا أن لا يكون ذلك المدلول المخبر به ثابتاً في نفس الأمر، وأن يكون الشارع لم يرد ما دل عليه قوله، ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك، فإن المعارض الدال على أن مدلول الدليل السمعي غير ثابت، أو أن الشارع لم يرد بكلامه ما دل عليه إذا قدر عدمه، لم يلزم انتفاء مدلوله، فإن الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل العقلي النافي لموجب الدليل السمعي عدم مدلوله، إذا جوزنا أن يكون مدلوله ثابتاً في نفس الأمر فإن كما لا يلزم من عدم علمنا عدم الدليل، لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه. وحينئذ فلا يستدل بالسمع على ما لا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية، وهذا نهاية الإلحاد. فإن اعتذروا من ذلك بأن الشارع لا يجوز أن يريد بكلامه ما يخالف ظاهره، إلا أن يكون في العقل ما يدل على ذلك. قيل: جوابكم عن هذا كجوابكم للمعتزلة لما قالوا: لا يجوز أن

стр. 1934

يسمعه الخطاب الذي أراد به خلاف ظاهره، إلا إذا أخطر بباله العقلي المعارض. فلما قلتم له: هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وأيضاً فالتفريط من المكلف، كما تقدم إيراده. فيقال لكم هنا كذلك: هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وأيضا فالتفريط من المكلف، لأنه لما اعتقد في الأدلة السمعية أنها تفيد اليقين، وهي لا تفيد اليقين، كان مفرطا، فكان جزمه بمدلول خبر الشارع مطلقاً تفريط منه، مع تجويزه أن يريد بخطابه خلاف ظاهره. فإن سلكوا طريقة أخرى: وهو أنه لا يحتج بالسمع على شيء من المسائل العلمية، وقالوا: المعاد ونحوه معلوم بالضرورة من دين الرسول ﷺ ، كما علم وجوب الصلاة، وأجابوا به ابن سينا، وكان هذا أيضاً جواباً لأهل الإثبات، فإن إثبات الأسماء والصفات، والأفعال معلوم بالضرورة، بل وإثبات لعلو أيضاً. ومنشأ الضلال قوله: (لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي) وإثبات هذا التقدير هو الذي أوقعكم في هذه المحاذير، فكان ينبغي لكم أن تعلموا أن هذا التقدير يجب نفيه قطعاً، وأنه يمتنع أن يقوم دليل قاطع عقلي مخالف للدليل السمعي.

стр. 1935

ثم هؤلاء يحكمون إجماعات يجعلونها من أصول علمهم، ولا يمكنهم نقلها عن واحد من أئمة الإسلام، وإنما ذلك بحسب ما يقوم في أنفسهم من الظن، فيحكون ذلك عن الأئمة: كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المحافل. فإذا قيل لأحدهم في الخلوة: أنت حكيت أن هذا قول هؤلاء الأئمة: فمن نقل ذلك عنهم؟ قال هذا: العقلاء. والأئمة لا يخالفون العقلاء، فيحكون أقوال السلف والأئمة، لاعتقادهم أن العقل دل على ذلك. ومن المعلوم أنه لو كان العقل يدل على ذلك باتفاق العقلاء، لم يجز أن يحكى عن الإنسان قول لم ينقله عنه أحد، ولهذا كان أهل الحديث يتحرون الصدق، حتى أن كثيراً من الكلام، الذي هو في نفسه صدق وحق موافق للكتاب والسنة، يروى عن النبي ﷺ فيضعفونه أو يقولون: هو كذب عليه، لكونه لم يقله، أو لم يثبت عنه، وإن كان معناه حقاً. ولكن أهل البدع أصل كلامهم الكذب: إما عمداً وإما بطريق الابتداع، ولهذا يقرن الله بين الكذب والشرك في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ [الأعراف: ١٥٢] ، وقوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به﴾ [الحج: ٣٠-٣١] .

стр. 1936

ولهذا قال النبي ﷺ : «عدلت شهادة الزور والإشراك، مرتين أو ثلاثاً» . وقال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [القصص: ٧٤-٧٥] . وهذا كحكاية الرازي. وإجماع المعتبرين على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمكن أحد أن ينقل عن نبي من أنبياء الله تعالى، ولا من الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة، ولا أعيان أئمتها وشيوخها، إلا ما يناقض هذا القول، ولا يمكنه أن يحكي هذا عمن له في الأمة لسان صدق أصلاً. وكما تقول طائفة - كأبي المعالي وغيره: اتفق المسلمون على أن الاجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفراداً، فكل جزء لا يتجزأ، وليس له طرف واحد.

стр. 1937

ومعلوم أن هذا القول لم يقله إلا طائفة من أهل الكلام، لم يقله أحد من السلف والأئمة، وأكثر طوائف أهل الكلام من الهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية على خلاف ذلك.

стр. 1938

الوجه الثالث والأربعون أن يقال: المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن كل واحد من الدليلين المتعارضين هو يقيني، وقد تناقضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقوله، ولكن نهاية ما يقولونه: إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وإن ما ناقضها من الأدلة السمعية الشرعية ويثبتونه لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة، التي يدعون أنها براهين قطعية. ولهذا كان لازم قولهم والإلحاد والنفاق، والإعراض عما جاء به الرسول، والإقبال على ما يناقض ذلك، كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلي الرسل كما قال: ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥] .

стр. 1939

وقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ [غافر: ٤] . وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] . ، وأمثال ذلك، وهذا باب واسع في كتاب الله. ومقصودنا تنبيه المؤمنين على حال مثل هؤلاء الكفار في كتاب الله، وإلا فالمقصود هنا دفعهم عن الرسل. ومن جاهد الكفار والمنافقين لم يحتج عليهم بأقوال من كذبوه من المرسلين، ولكن المؤمن بالرسل يستفيد بهذا: أن جنس هؤلاء هم المكذبون للرسل. وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك: الأول: أن نبين فساد ما ادعوه معارضاً للرسول ﷺ من عقلياتهم. الثاني: أن نبين أن ما جاء به الرسول معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة اليقينية وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من آمن بالرسول.

стр. 1940

الثالث: أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه، إما بأن ذلك معلوم بضرورة العقل، وإما بأنه معلوم بنظره، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقاً، سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول، وبأنه أخبر بذلك، أو لم يكن كذلك، فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان بالرسالة، وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا. وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم والذين قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها، فإن النصوص التي في الكتاب والسنة بإثبات علو الله على خلقه كثيرة منتشرة، قد بهرتهم بكثرتها وقوتها، ولي سمعهم في نفي ذلك لا آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله ﷺ ، ولا قول أحد من سلف الأمة، إلا أن يرووا في ذلك ما يعلم أنه كذب، كحديث عوسجة وأمثاله، وإما أن يحتجوا بما يعلم أنه لا دلالة له على مطلوبهم، كاستدلالهم بأنه أحد، والأحد لا يكون فوق العرش،

стр. 1941

لأنه لو كان فوق العرش. لم يكن أحداً بناءً على أن ما فوق العرش يكون جسماً، والجسم منقسم فلا يكون أحداً والأجسام متماثلة، فيكون له كفو ونظير. وقد بين فساد مثل هذه الأدلة السمعية بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع، وبينا أن اسم الواحد والأحد لا يقع في لغة العرب إلا على نقيض مطلوبهم، كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] . وقوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١] ، وقوله: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١] ، وقوله: ﴿يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب﴾ [البقرة: ٢٦٦] ، وقوله: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ [الكهف: ١٩] ، وقوله: ﴿ولا يشعرن بكم أحدا﴾ [الكهف: ١٩] ، وقوله: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [المائدة: ١٠٦] ، وقوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦] ، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤] ، وقوله:

стр. 1942

﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ [الجن: ٢٢] ، وقوله: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠] ، وأمثال ذلك كثير وأن لفظ المثل والمساوي منتفيان في لغة العرب عما ادعوا هم تماثلهما وتساويهما. كقوله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [محمد: ٣٨] ، فقد نفى التماثل عن صنفين من بنى آدم، فنفي التماثل عن الحيوان والإنسان والفلك، والتراب أولى. فعلم أنه ليست في لغة العرب أن يكون كل ما كان متحيزاً مماثلاً لكل ما هو متحيز، وإن ادعى بعض المتكلمين تماثل ذلك عقلاً، فالمقصود أن هذا ليس مثلاً في اللغة. والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم، لو كان معناه صحيحاً، فكيف إذا كان باطلاً في العقل. وقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ [فاطر: ١٩] ، ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ٢٢] ، وقوله: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] .

стр. 1943

وعقلاؤهم يعلمون فساد ما يستدلون به من الأدلة الشرعية. وكلهم يعترف بأن مثل هذه الأدلة لا تعارض ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك. ولهذا لم يكن معهم على نفي ذلك أصل يعتصمون منه من جهة الرسول ﷺ وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات، فيحتاجون إلى بيان تقديم ذلك على الأدلة الشرعية. وإذا كان كذلك، فنحن نبين أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية، لا معارضة لها، ونذكر ما ذكروه هم في ذلك ليكون أبلغ في الحجة. كلام الرازي عن الجهة والمكان قالوا: وهذا لباب ما ذكره الرازي في (الأربعين) قال: (إنه تعالى ليس من جهة ولا مكان) قال: (وادعى كثير من المخالفين العلم البديهي بأن موجودين لا بد من كون أحدهما سارياً في الآخر كالعرض والجوهر. أو مبايناً عنه في الجهة كالجوهرين) .

стр. 1944

قال: وهذا باطل لوجوه. أحدهما: لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة والكرامية. الثاني: أن مسمى الإنسان مشترك بين الأشخاص ذوات الأحياز المختلفة والمقادير المختلفة، فهو من حيث هو ممتنع أن يكون له قدر معين وحيز معين، وإلا لم يكن مشتركاً فيه بين كل الأشخاص. فإن قلت: فالإنسان من حيث هو إنسان لا وجود له إلا في العقل، والكلام في الموجودات الخارجية. قلت: الغرض: منه أنه لا يمتنع تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدراً، وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية. الثالث: أن الخيال والوهم لا يمكننا أن نستحضر لنفسيهما

стр. 1945

صورة ولا شكلاً، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى. الرابع: أن العقل يتصور النفي والإثبات، ثم يحكم بتناقضهما، مع أنه لا يحكم بكون أحدهما سارياً على الآخر، أو مبايناً عنه في الجهة أو لا سارياً ولا مبايناً. ثم أنا نجد العقل يتوقف عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه، وأن العقل يدرك ماهيات مراتب الأعداد مع أنه لا يمكنه أن يحكم على أحد منها بأن موضوعها كذا ومقدارها كذا. إذا عرفت ذلك فنقول: المعني من اختصاص الشيء بالجهة والمكان: أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك. والعالم مختص بالجهة والمكان بهذا المعنى، فإن الباري كذلك كان مماساً للعالم أو محاذياً له قطعاً. ثم قالت الكرامية: إنه تعالى مختص بجهة فوق، مماساً للعرش، أو مبايناً عنه ببعد متناه، وهو قول اكثر طوائفهم، وإما مبايناً عنه ببعد غير متناه، وهو قول الهيصمية، وهذا لا يعقل مع إثبات الجهة،

стр. 1946

لأنه إذا كان في جانب والعالم في جانب، كان البعد بينهما محصوراً. فهذا ما ذكروه. تعليق ابن تيمية فيقال: قد ذكرتم عمن ذكرتموه من منازعيكم أنهم ادعوا العلم البديهي ببطلان قولكم وصحة نقيضه، حيث جوزتم وجود موجود لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك، وأنه يجوز وجود موجودين ليس أحدهما سارياً في الآخر ولا مبايناً عنه بالجهة. فقال هؤلاء المنازعون: نحن نعلم بالبديهة بطلان هذا، فاحتجتم إلى مقامين. أحدهما: أن تبينوا أن بطلان هذا ليس معلوماً بالبديهة، وإلا فإذا كان بطلان القول معلوماً بالبديهة، لم يمكن إقامة الدليل على صحته، لأن النظريات لا تعارض الضروريات، بل ما عارضها كان من باب السفسطة. والمقام الثاني: بيان ثبوت ذلك، فإنه لا يلزم من عدم العلم بامتناعه أو العلم بإمكانه ثبوت ذلك في الخارج. وإذا ثبت هذان المقامان لكم، فإما أن يمكن مع ذلك القول بمقتضى النصوص من أن الله فوق العرش أو لا يمكن، فإن أمكن ذلك لم يكن بين ما ذكرتموه من المعقولات وبين النصوص الإلهية تعارض، وإن لم يمكن ذلك ثبت التعارض بينهما، فقد تبين أن ثبوت التعارض

стр. 1947

مبني على هذه المقدمات الثلاث، فإن لم تثبت الثلاث بطل كلامكم، فكيف إذا تبين بطلان واحدة منها، فكيف إذا تبين بطلانها كلها. وبيان ذلك في كل مقام. المقام الأول أما المقام الأول: فإن المثبتين قالوا: إنهم يعلمون بالبديهة امتناع وجود موجودين لا يكون أحدهما سارياً في الآخر ولا مبايناً له بالجهة، وانه لا يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه، بل قد يقولون: إن علمتم بأن الله فوق العالم علم ضروري فطري، وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو حاجة في أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه، وأن هذا أمر متفق عليه بين الأمم التي لم تغير فطرتها، لم يحصل بينهم بتواطئ واتفاق. ولهذا يوجد هذا في فطرة الأعراب والعجائز والصبيان، من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، ومن لم يقرأ كتاباً ولم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ. وهذا القدر ما زال يذكره المصنفون في هذا الباب، من أهل الكلام والحديث وغيرهم. قالوا: وإذا كان مما يجيز هؤلاء الذين لم يتواطئوا بثبوته عندهم كانوا صادقين، فإنه يمتنع على الجمع الكثير الكذب من غير تواطئ وبمثل هذا علم ثبوت ما يخبر به أهل التواتر مما يعلم بالحس والضرورة، فإن المخبر إذا لم يكن خبره مطابقاً فإما أن يكون متعمداً للكذب، وإما أن يكون مخطئاً، وتعمد الكذب يمتنع في العادة على الجمع الكثير من غير تواطئ والخطأ على الجمع الكثير ممتنع في

стр. 1948

الأمور الحسية والضرورية. قالوا: وهذا بخلاف إثبات موجودين ليس أحدهما داخلاً في الآخر، ولا خارجاً عنه، فإن هذا لا تقوله إلا طائفة يذكرون أنهم علموا ذلك بالنظر لا بالضرورة، وقد تلقاه بعضهم عن بعض، فهو قول تواطئوا عليه، ولهذا لا يقول ذلك من لم ينظر في كلام النفاة. وإما الإقرار بعلو الله تعالى: ورفع الأيدي إليه، فهو مما اتفقت عليه الأمم، الذين يقولون ذلك ويفعلونه، من غير اتفاق ولا مواطأة. وحينئذ فالجمع الكثير: إما أن يجوز عليهم الاتفاق على مخالفة البديهيات، وإما أن لا يجوز، فإن لم يجز ذلك عليهم، ثبت أن هذه المقدمة بديهة، لأنه اتفق عليها أمم كثيرة بدون التواطؤ، وإن جاز ذلك عليهم بطل احتجاجهم على أن هذه المقدمة ليست بديهية، فإن الجمع الكثير أنكروها، وإذا بطلت حجتهم على أنها ليست بديهية، بقي أحد المتناظرين يقول: إن مقدمته معلومه له بالبديهة، والآخر لا يمكنه إبطال قوله، فلا تكون له حجة عقلية على بطلان قوله، وهو المطلوب. فكيف والنفاة لا يدعون بديهيات فطرية ولا سمعيات شرعية

стр. 1949

وإنما يدعون نظريات عقلية. والمثبتون يقولون: معنا نظريات عقلية مع البديهيات الفطرية ومع السمعيات اليقينية الشرعية النبوية. وأيضاً فيقال: إذا قال المنازعون المثبتون: إن قولنا معلوم بالبديهة، لم يمكن أن يناظر بقضية نظرية، لأنه لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات، كما لا يقبل قدح السوفسطائي بنظره فيما يقول الناس إنه معلوم بالبديهة، ولا يقبل مجرد قوله على منازعه، بل المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر السليمة، التي لم تتغير فطرتهم بالاعتقادات الموروثة والأهواء. ومن المعلوم أن هذه المقدمة مستقرة في فطر جميع الناس، الذين لم يحصل لهم ما يغير فطرتهم من ظن أو هوى. والنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت الفطرة، لكن يزعمون أن هذا من حكم الوهم والخيال، وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات. قالوا: ويتبين خطأ الوهم والخيال في ذلك بأن يسلم للعقل مقدمات تستلزم نقيض حكمه، مثل أن يسلم للعقل مقدمات تستلزم ثبوت موجود ليس بجسم ولا في جهة فيعلم حينئذ أن حكمه الأول باطل. والمثبتون يقولون: هذا كلام باطل لوجوه:

стр. 1950

أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحاً في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهية. الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بين النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهية، وكلاهما باطل، فإنا إذا جوزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل، لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى، وما هو كاذب مقبول التمييز، حتى يعلم أنها من القسم الصحيح، وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة، وتلك لا يعلم أنها من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى فيفضي إلى التسلسل الباطل، أو ينتهي الأمر إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز، فلا يبقى طريق يعلم به الحق من الباطل، وذلك يقدح في التمييز، والنظريات موقوفة على البديهيات، فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة. وبتقدير ثبوت السفسطة، لا تكون لنا عقليات يثبت بها شيء فضلاً عن أن تعارض الشرعيات.

стр. 1951

الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه، ممنوع. الرابع: أنه بتقدير التسليم بكون المقدمة جدلية، فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع العقل بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهة الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية، لا برهانية، وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية. الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي ما لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وهذا أول المسألة، فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك. فإذا قيل لهم: حكم الوهم والخيال مقبول في الحسيات دون العقليات. والمراد بالعقليات موجودات خارجة قائمة بأنفسها لا يمكن الإشارة الحسية إليها. قالوا: إبطال لحكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال، موقوف على ثبوت هذه العقليات، وثبوتها موقوف على إبطال هذا

стр. 1952

الحكم، وإذا لم يثبت هذا إلا بعد هذا، ولا هذا بعد هذا، كان هذا من الدور الممتنع. السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم القلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، موجودات خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود، فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهية. السابع: أن يقال: الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقاً وما كان مخالفاً، فأما المطابق، مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه، وتوهم الشاة أن الذئب يريد أكلها، وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه، ونحو ذلك، فهذا الوهم والخيال حق، وقضاياه صادقة، وأما غير المطابق: فمثل أن يتخيل الإنسان أن في الخارج ما لا وجود له في الخارج، وتوهمه ذلك مثل من يتوهم فيمن يحبه أنه يبغضه، ومثل ما يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه، والأمر بالعكس، والله لا يحب كل مختال فخور، فالمختال الذي يتخيل في نفسه أنه عظيم، فيعتقد في نفسه أكثر مما يستحقه، وأمثال ذلك. قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فلم قلتم: إن حكم الفطرة بأن الموجودين إما متباينان وإما متحايثان من حكم الوهم والخيال الباطل، ونحن نقول: إنه من حكم الوهم والخيال المطابق.

стр. 1953

فإذا قلتم: إن العقل دل على أنه باطل، كان الشأن في المقدمات التي ينبني عليها ذلك، وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من هذه المقدمات، فكيف يدفع الأقوى بالأضعف. الثامن: أن المثبتين قالوا: بل المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم والخيال الباطل، مثل إثبات الكليات في الخارج، وتصور النفي والإثبات المطلقين ثابتين في الخارج، وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج، فإن هذه المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن، ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له، وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا البديهية. التاسع: أن يقال: لا نسلم أن في الفطرة قضايا تستلزم نتائج تناقض ما حكمت به أو لا كما يدعونه، فإن هذا مبني على أن المقدمات المستلزمة ما يناقض الحكم الأول مقدمات صحيحة، وليس الأمر كذلك، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فإن هذه المقدمات هي النافية لعلو الله على خلقه ومباينته لعباده، والمقدمات المستلزمة لهذا ليست مسلمة، فضلاً عن أن تكون بديهية. الوجه العاشر: أن الذين جعلوا هذه القضايا من حكم الوهم الباطل هم طائفة من نفاة الصفات الجهمية، من المتكلمين والمتفلسفة، ومن تلقى ذلك عنهم، وهذا معروف في كتب ابن سينا ومن اتبعه من أهل المنطق.

стр. 1954

وكثير من أهل المنطق، كابن رشد الحفيد وغيره، يخاف ابن سينا فيما ذكره في هذا الباب من الإلهيات والمنطقيات، ويذكر أن مذهب الفلاسفة المتقدمين بخلاف ما ذكروه، وأما الأساطين قبله فالنقل عنهم مشهور بخلافهم في هذا الباب. كلام ابن سينا في الإشارات عن الخيال والوهميات والمقصود أن هذا الكلام عامة من تكلم به من المتأخرين أخذوا من ابن سينا. ومن تدبر كلامه وكلام أتباعه فيه وجده في غاية التناقض والفساد، فإنه قال في (إشارته) التي هي كالمصحف لهؤلاء المتفلسفة الملحدة - لما ذكر مواد القياس، وتكلم عن القضايا من جهة ما يصدق بها وذكر أن: أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة: مسلمات، ومظنونات وما معها. ومشتبهات بغيرها، ومتخيلات. قلت: المتخيلات هي مواد القياس الشعري، والمشتبهات هي مواد السوفسطائي، وما قبل ذلك هو مواد البرهان والخطابي والجدلي. قال: والمسلمات: إما معتقدات، وإما مأخوذات. والمعتقدات أصنافها ثلاثة: الواجب قبولها، والمشهورات

стр. 1955

والوهميات. والواجب قبولها: أوليات، ومشاهدات، ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا أقيستها معها. وتكلم عن القضايا الواجب قبولها بما ليس هذه موضعه، وقد بسط الكلام فيما في منطقهم اليوناني من الفساد - مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات اللازمة للماهية، ودعواهم أن الحد الحقيقي يفيد تعريف الماهية، وأن الحقائق مركبة من الأجناس والفصول، وكلامهم في الكليات الخمسة، وما ذكروه في مواد البرهان، ودعواهم أن التصورات المكتسبة لا تنال إلا بحدهم، والتصديقات المكتسبة لا تحصل إلا بمثل قياسهم، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه. والمقصود هنا أنه قال: (وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة، لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها، بسبب أن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم، ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات، ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك

стр. 1956

الوجود في الوهم، ولهذا كان الوهم مساعداً للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم، وامتنع عن قبول ما سلم موجبه. وهذا الصنف من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها، وهي إحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات، أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها، وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات، مثل اعتقاد المعتمد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى، وانه لا بد في كل موجود أن يكون مشاراً إلى جهة وجوده. وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها، لكانت تكون مشهورة، وإنما يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية، ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات

стр. 1957

فهو مدفوع منكر، بل إنه باطل شنع، بل تكاد أن تكون الأوليات والوهميات التي لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا تنعكس) . قلت: وقد ذكر في غير هذا الموضع شرح أقوى الدراكة، وذكر القوى التي تتخيل بها المحسوسات والتي تحفظ بها، وسمى الأولى على اصطلاحهم (الحس المشترك) والثانية (الخيال) . قال: وأيضاً فالحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة، ولا متأدية من طريق الحواس، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس: إدراكاً جزئياً يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده، فعندك قوة هذا شأنها، وأيضاً فعندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها، غير الحافظ للصور) وهذه هي الذاكرة.

стр. 1958

قال: (وتجد قوة أخرى لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم، وتركب أيضاً الصور بالمعاني وتفصلها عنها، وتسمى عند استعمال العقل مفكرة، وعند استعمال الوهم متخيلة، وكأنها قوة ما للوهم، وبتوسط الوهم للعقل) . قلت: والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ونحو ذلك، وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن، والوهم تصور المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان، كلاهما تصور معين جزئي، والعقل هو الحكم العام الكلي، الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين. وإذا عرف ذلك فيقال: هذه القوة في الباطن بمنزلة القوة الحسية في الظاهر، والقدح فيها كالقدح في الحسيات، وهذه القوة لا يجوز أن يناقض تصورها للمعقول، كما لا يناقض سائر القوى الحسية

стр. 1959

للمعقول، لأن المعقولات أمور كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين، سواء كان جوهراً قائماً بنفسه، أو معنى في الجوهر والحس الباطن والظاهر، لا يتصور إلا أموراً معينة فلا منافاة بينهما، فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام بها من المعاني الظاهرة كالألوان والحركات، والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما في المحسوسات من المعاني التي لا تدرك بالحس الظاهر، كالصداقة والعداوة ونحو ذلك، والتخيل هو بمثل تلك المحسوسات في الباطن، ولهذا جعلوا الإدراكات ثلاثة: الحس والتخيل والعقل. قال ابن سينا: (والشيء يكون محسوساً عندما يشاهد، ثم يكون متخيلاً عند غيبته بتمثل صورته في الباطن، كزيد الذي أبصرته مثلاً، إذا غاب عنك فتخيلته، وقد يكون معقولاً عندما يتصور من زيد مثلاً معنى الإنسان الموجود أيضاً لغيره. وهو عندما يكون محسوساً تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته، مثل: أين، ووضع وكيف، ومقدار بعينه، لو

стр. 1960

توهمت بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته. والحس ينال من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها، لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته، ولذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته إذا زال. وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض، لا يقتدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي يتعلق بها الحس، فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها. وأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتاً إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً. وأما ما هو في ذاته بريء عن الشوائب المادية، ومن اللواحق

стр. 1961

الغريبة، التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به، يعده لأن العقل ما من شانه أن يعقله، بل لعله في جانب ما من شانه أن يعقله) . قلت: هذا الكلام هو من أصول أقوالهم، ومنه وقعوا في الاشتباه والالتباس، حتى صاروا في ضلال عظيم. الرد المفصل على كلام ابن سينا فإنه يقال: قوله: (وقد يكون معقولاً عندما يتصور من زيد مثلاً معنى الإنسان الموجود أيضاً لغيره) . أتعني به أن ذلك الإنسان المعقول الذي يكون لهذا وهذا، وهو شيء ثابت في الخارج، هو بعينه لهذا المعين، ولهذا المعين، مغاير للإنسان المعين، ولصفاته القائمة به؟ أم تعني به الإنسان المعقول الكلي الثابت في العقل، الذي يتناول المعينات تناول اللفظ العام لمفرداته؟ فإن أردت الأول فهذا باطل لا حقيقة له، ونحن نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من الإنسان المعين الآخر، بل كل

стр. 1962

منهما مختص بذاته وصفاته، ولم يشتركا في شيء ثابت في الخارج أصلاً، ولهذا يكون أحدهما موجوداً مع عدم الآخر وبالعكس، ويموت أحدهما مع حياة الآخر وبالعكس، ويتألم أحدهما مع لذة الآخر وبالعكس. كلام الرازي في شرح الإشارات ولهذا قال الشارحون لكلامه كالرازي: (إن الشخص المعين إما أن يدرك بحيث يمنع نفس إدراكه من الشركة، وإما أن لا يكون كذلك. والأول لا يخلو: إما أن يتوقف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في الخارج أو لا يتوقف. فهذه أقسام ثلاثة: أولها الإدراك الذي يجتمع فيه الأمران، وهو أن يكون مانعاً من الشركة، ويكون متوقفاً على وجود المدرك في الخارج، وهذا هو إدراك الحس، فإني إذا أبصرت زيداً، فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشتركاً فيه بين كثيرين، وهذا الإبصار لا يحصل إلا عند حصول المدرك في الخارج.

стр. 1963

وثانيها: أن يحصل فيه أحد الموضعين دون الآخر، فيكون مانعاً من الشركة، ولكنه لا يتوقف على الوجود الخارجي، وهو التخيل. فإني إذا شاهدت زيداً ثم غاب، فإني أتخيله على ما هو عليه من الشخصية، فنفس ما تخيلته يمنع من الشركة، وأما هذا الإدراك فإنه لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج، فإني يمكنني أن أتخيله بعد عدمه. وثالثهما: أن يخلو عن الموضعين جميعاً، فلا يكون مانعاً من الشركة، ولا موقوفاً على وجود المدرك في الخارج، وهو المسمى بالإدراك العقلي) . تعليق ابن تيمية عود لمناقشة ابن سينا قلت: فقد بينوا أن الإدراك العقلي هو ما لا يمنع الشركة، ولا يشترط فيه وجود المدرك من خارج. ومعلوم أن هذا هو إدراك الكليات الثابتة في العقل. وإذا كان كذلك، فقوله: (وهو عندما يكون محسوساً تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته) كلام يستلزم أن يكون في الخارج شيئان: أحدهما: ماهية مجردة عن المحسوسات، والثاني: محسوسات غشيت تلك الماهية المجردة المعقولة الثابتة في الخارج، وهذا باطل يعلم بطلانه بالضرورة من تصور ما يقول.

стр. 1964

فإنه إن كان المعقول المجرد لا يكون إلا في النفس، فكيف يكون في الخارج معقول مجرد تقارنه المعينات المحسوسة واحداً بعد واحد، أو تقارنه تارة وتفارقه تارة أخرى؟ وقوله: (مثل، أين، ووضع، وكيف ومقدار بعينه، لو توهمت بدله غيره، لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته) . يقال له: نعم إذا تصورنا بدل المعنى غيره، لم يؤثر فيما في النفس من الإنسان المعقول الكلي المجرد، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، كما لا يؤثر ذلك في لفظ الإنسان المطلق، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، فشمول اللفظ ومعناه الذي هو في الذهن سواء، لكن ذلك المعين إذا توهمنا بدله غيره، لم يكن في ذلك البدل من هذا المعين أصلاً، بل كان البدل نظيره وشبيهه ومثله، فإما أن يكون هو إياه، أو يكون في الخارج حقيقة معينة في هذا المعين، هي نفسها حقيقة ثابتة في هذا المعين، فهذا هو محل الغلط. ويقال لمن ظن هذا: لما خلق الله هذا المعين، كانت تلك الحقيقة موجودة قبله أو حدثت معه. فإن حدثت معه، فهي معينة لا مطلقة كلية، لأن الكلي لا يتوقف على وجود هذا المعين، وإن كانت موجودة قبله، فإن كانت

стр. 1965

مجردة من الأعيان لم يحتج فيها إلى شيء من المعينات، وإلا فالقول في مقارنتها لذلك المعين كالقول في هذا. وأيضاً فإنه يقال: هل انتقلت من غيره وقارنته؟ أو قامت به وغيره؟ فإن انتقلت من غيره فارقت ذلك المعين، فثبت أن المعين لا يحتاج إلى مطلق يقارنه، وإن قامت به وبغيره، فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، فإن كانت عرضاً فالعرض الواحد لا يكون في محلين. وإن كانت جوهراً فالجوهر الواحد لا يكون في محلين. فإن قال: هذا في الجواهر المحسوسة، وأما الجواهر المعقولة فقد تقدم بمحلين. قيل: إن أردت بالجواهر المعقولة ما في القلوب، فتلك أعراض لا جواهر. وإن أردت هذه الكليات التي تدعي وجودها في الخارج، فتلك لا محل لها عندك، فضلاً عن أن تقوم بمحلين. وهذا أيضاً مما يناقض قولهم: إن المطلق جزء من المعين، فكيف يكون ما لا يتخصص بحيز ولا مكان ولا جزءاً مما يتخصص بحيز ومكان. وإذا قال القائل: المعقول الذي لا حيز له ولا مكان ولا جهة ولا يشار إليه، جزء وبعض وداخل في هذا الجسم المتحيز، الذي له مكان وجهة وحيز - لعلم كل عاقل فساد ما يقول. وهذا حقيقة قول هؤلاء. وأيضاً فتلك الحقيقة المجردة المطلقة إذا كانت كلية، والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وكانت جزءاً من المعين - كان في
следующие страницы →