Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وفي الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» .
وفي الصحيحين أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» .
وفي الصحيحين عنه ﷺ «ويعلم أنه قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .
وفي الصحيح أن عمر ﵁ قال: «والله يا رسول الله
стр. 1997
لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال: الآن يا عمر» .
فإذا كان هذا حب الرسول، التابع لحب الله فكيف في حب الله الذي إنما وجب حب الرسول لحبه، والذي لا يجوز أن نحب شيئاً من المخلوقات مثل حبه؟ بل ذلك من الشرك.
قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له.
والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل، فلا يكون أحد مؤمناً حتى يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأن يعبد الله مخلصاً له الدين.
فهذا الذي ذكره في مقامات العارفين هو أول قدم يضعه المؤمن في الإيمان، ولا يكون مؤمناً من لم يتصف بهذا.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها على أن الله يحب لذاته، لم ينازع في ذلك إلا طائفة من أهل الكلام والرأي، الذين سلكوا مسلك الجهمية في بعض أمورهم فقالوا: إنه لا يحب ولا يحب.
стр. 1998
وابن سينا والفلاسفة، وإن كانوا يردون على هؤلاء كما يرد عليه أئمة الدين، فهم أقرب إلى الحق من ابن سينا وأتباعه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وقال طائفة من النظار: إن الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم محدث، وهو ما يراد أن يفعل، فأما القديم الواجب بنفسه فلا تتعلق به الإرادة.
وقالوا: قول القائل: (أريد الله) أي: أريد عبادته، ونحو ذلك.
وقال آخرون: بل الإرادة تتعلق بنفس القديم الواجب بنفسه، كما نطقت به النصوص.
والتحقيق أنه لا منافاة بين القولين، فإن كون الشيء محبوباً لذاته مراداً لذاته: هو أن المحب المريد لم يطلب إرادته لما سواه، بل كان هو أقصى مراده، وإنما يكون الشيء مراداً محبوباً لما للمحب المريد في الاتصال بذلك من السرور واللذة، إذ المحبة لا تكون إلا لما يلائم المحب، فما يحصل عند ذكره ومعرفته والنظر إليه من اللذة هو مطلوب المحب المريد المحب لذاته.
стр. 1999
كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة» .
وفي السنن عن النبي ﷺ : «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» .
فقد بين الرسول ﷺ أن الله لم يعط أهل الجنة
стр. 2000
شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهذا غاية مراد العارفين، وهذا موجب حبهم إياه لذاته لا لشيء آخر؟.
فمن قال: إنه لا يحب لذاته، ولا يتلذذ بالنظر إليه، كما تزعمه طائفة من أهل الكلام والرأي فقط أخطأ، ومن قال: إن محبة ذاته وإرادة ذاته لا تتضمن حصول لذة العبد بحبه، ولا يطلبه العبد ولا يريده، بل يكون العبد محباً مريداً لما لا يحصل له لذة به، فقط أبطل.
ومن قال: إن العبد يفنى عن حظوظه وإرادته، وأراد بذلك أنه يفنى عن حظوظه وإرادته المتعلقة بالمخلوقات فقد أصاب، وأما إن أراد أن يفنى عن كل إرادة وحب، وتبقى جميع الأمور عنده سواء، فهذا مكابر لحسه ونفسه.
وكل مراد محبوب لذاته فلا معنى لكونه مراداً محبوباً لذاته إلا أن ذاته هو غاية مطلب الطالبين، بمعنى أن ما يحصل لهم من النعيم واللذة هو غاية مطلوبهم، لا يطلبونها لأجل غيرها.
فأما بتقدير أن تنتفي كل لذة، فلا يتصور حب، فإن حب ما لا لذة في الشعور به ممتنع.
стр. 2001
وعلى هذا فقول القائل: (العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه) لا منافاة بينهما.
وكذلك قوله: (وتعبده له فقط) لا ينافي قوله (ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه) بل كونه تعبده له فقط إنما كان محموداً لأنه مستحق للعبادة، وإنما انبغى للعبد أن يفعلها لأنها نسبة شريفة، وإلا فلو فعل العبد ما لا خير فيه كان مذموماً، لكن يفرق بين من يكون قد عرف الله معرفة أحبه لأجلها، وبين من سمع مدح أهل المعرفة، فاشتاق إلى كونه منهم، لما في ذلك من الشرف، فإن هذا في الحقيقة إنما مراده تعظيم نفسه وجعل المعرفة طريقاً إليها.
وكذلك كل من أراد الله لأمر من الأمور، كما حكي أن أبا حامد بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
قال: (فأخلصت أربعين يوماً فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال: لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، لم تخلص لله) .
وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب.
стр. 2002
وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضاً، لن من أراد شيئاً لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيله إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالماً أو عارفاً أو ذا حكمة أو متشرفاً بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيله له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره.
وفطر العباد مجبولة على محبته، لكن منهم من فسدت فطرته.
قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠] » .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي ﷺ «فيما يرويه عن ربه قال: إني خلقت عبادي حنفاء
стр. 2003
فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
وأما قول القائل: (لا للرغبة والرهبة) .
فهذا له ثلاث معان:
أحدهما: أن يراد به: لا لرغبة في حصول مطلوب المحب من المحبوب لذاته، ولا لرهبة من ذلك.
وهذا ممتنع، فإنه ما من عبد مريد محب إلا وهو يطلب حصول شيء، ويخاف فواته.
والثاني: أنه لا يرغب في التمتع بمخلوق، ولا يخاف من التضرر بمخلوق، فيمكن أن يعبد الله من يعبده بدون هذه الرغبة والرهبة.
كما قال عمر ﵁: نعم العبد صهيب، لو لم يخاف الله لم يعصه.
وفي الأثر: «لو لم أخلق جنةً ولا ناراً، أما كنت أهلاً أن أعبد» وقد ثبن في الصحيح «أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» .
стр. 2004
وكذلك الملائكة فلولا تمتع أهل الجنة بذلك التسبيح، الذي هو لهم كالنفس، لم يكن الأمر كذلك.
وقد ثبت في الحديث الصحيح المتقدم قوله: «فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه» .
والثالث: أن يراد: أن العبد لا يرهب مما يضره كألم العذاب، ولا يرغب فيما يحتاج إليه كالطعام والشراب، فهذا ممتنع، فإن ما جعل الله العبد محتاجاً إليه متألماً إذا لم يحصل له، لا بد أن يرغب في حصوله، ويرهب من فواته، وما كان ملتذاً به غير متألم بفواته، كأكل أهل الجنة وشربهم، فهذا يرغب فيه ولا يرهب من فواته، فوجود تلك اللذة العليا الحاصلة بمعرفة الله ورؤيته لا ينافي وجود لذات أخر حاصلة بإدراك بعض المخلوقات، ومن نفى الأولى من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم فقط أخطأ، ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقهم فقد أخطأ، ومع أن هؤلاء المتفلسفة لا يثبتون حقيقة الأولى، فإنهم لا يثبتون أن الرب تحبه الملائكة والمؤمنون، وإنما يجعلون الغاية تشبههم به، لا حبهم إياه، وفرق بين أن تكون الغاية كون هذا مثل هذا،
стр. 2005
وبين أن تكون الغاية كون هذا يحب هذا محبة عبودية وذل.
ولهذا قالوا: (الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة) ، ولهذا كان مطلوب هؤلاء إنما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف، فمطلوبهم من جنس مطلوب فرعون، بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلاً له.
وهم أيضاً لا يثبتون معرفة تحصيل بها النجاة والسعادة بعد الموت، بل المعروف عندهم وجود مطلق أو مقيد بالسلوب، ولا يثبتون بعد الموت تجدد نظر إليه، إذ المفارقات عندهم ليس فيها حركة أصلاً، لا من الناظر ولا من المنظور إليه، وهو خلاف ما دلت عليه الدلالة الشرعية والعقلية.
فصل تابع كلام ابن سينا في الإشارات عن مقامات العارفين
ثم قال: (إشارة: المستحيل بوسيط الحق مرحوم من وجه، فإن لم يطعم لذة البهجة به، فيستطعمها إنما معارفته مع اللذات
стр. 2006
المخدجة، فهو حنون إليها غافل عما وراءها، وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحتنكين، فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب، صاروا يتعجبون من أهل الجد إذا ازوروا عنها عائقين لها، عاكفين على غيرها، كذلك من غض النقص بصره عن مطالعة بهجة الحق أعلى كفيه بما يليه من اللذات: لذات الزور فتركها في دنياه من كره، وما تركها إلا ليستأجل أضعافها، وإنما يعبد الله ويطيعه ليخوله في الآخرة ويشبعه منها، فيبعث إلى مطعم شهي، ومشرب هني ومنكح بهي، إذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أولاه وآخرته، إلا إلى لذات قبقبه وذبذبه، والمستبصر بهداية
стр. 2007
القدس في شجون واجب الإيثار، قد عرف اللذة الحق، وولى وجهه سمتها، مترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولاً له حسب وعده) .
تعليق ابن تيمية
فيقال: ينبغي أن يفرق بين كون الإنسان محباً مريداً، وبين كونه يعرف أنه محب مريد، وكذلك يفرق بين كونه سامعاً رائياً عالماً، وبين كونه عالماً بكونه كذلك ذاكراً له.
مثال ذلك: أن الإنسان لا يفعل فعلاً اختيارياً وهو يعلم أنه يفعله إلا بإرادة، فكل من شهد المسجد ليصلي فيه الصلاة الحاضرة وهو يعلم أنها الجمعة أو الفجر، امتنع أن يصلي إلا وهو ناو لهذه الصلاة، ومع هذا فقد يظن كثير من الناس أنه لا ينوي أو لا تحصل له نية حتى يتكلم بذلك، وربما كرر ذلك، ورفع صوته به، وآذى من حوله، وأصابه من جنس ما يصيب الجنون.
وكذلك المعرفة بالله فطرية ضرورية، كما قد بسط في موضعه، وكذلك حب الله ورسوله حاصل لكل مؤمن، ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وماله وبين الله ورسوله، فإنه يختار الله ورسوله.
стр. 2008
والمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة، ولكن المنافقون - الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم - ليسوا من هؤلاء وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقاً لا يكاد يشتاقه إلى شيء.
وقد قال الحسن البصري: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا.
والحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة، ونقصها من نقص المعرفة ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة.
ولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح، وقد تشغل النفوس بأدنى المحبوبين عن أعلاهما، لقوة حاجته العاجلة إليه، كالجائع الشديد الجوع، فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة.
ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يصلين أحدكم بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين» .
وإن كانت الصلاة قرة عين العارفين، والإنسان إنما يشتاق إلى من يشعر به من المحبوبات، فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه، وإن كان لو شعر به لكان شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره.
стр. 2009
ولما كانت الجنة فيها كل نعيم يتنعم به من غير تنغيص مما يعرفونه وما لا يعرفونه.
كما قال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] .
وقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
بله ما أطلعتم عليه، ثم قرأ ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] الآية» .
وكان النعيم الذي فيها منه ما له نظير عند المخاطبين، إذا ذكر اشتاقوا إليه، ومنه ما لا نظير له عندهم - أخبرهم الله تعالى منه بما له نظير، فإنه بذلك يحصل شوقهم ورغبتهم فيما أمروا به، ثم إذا فعلوا ما أمروا به نالوا بذلك ما لم يخطر بقلوبهم، كما أخبر بذلك الكتاب والسنة.
ولذة النظر، وإن كانت أفضل اللذات، وسببها- وهو حب الله ورسوله - موجود في قلب كل مؤمن، لكن الظاهر من الحب والشهوات، ومعرفة الناس لكون ذلك مشتهاة ومرغوباً فيها، وان محبتها
стр. 2010
غالبة، وذكرهم لذلك أظهر من معرفتهم بما في حب الله ورسوله.
والنظر إليه من ذلك، ومن ذكرهم لذلك، وإن كان ذلك موجوداً فيهم، فوجود الشيء غير معرفته وذكره وظهوره، فذكر الله في كتابه من اللذات الظاهرة، كالأكل والشرب والنكاح، ما يعرف كل أحد أنه لذة، وما تشتاق إليه كل نفس، ويعرفون أنه مما يرغب فيه، وذلك لا ينال إلا بعبادة الله وطاعته.
وهم إذا عبدوا الله فقد يحصل لهم من حلاوة المعرفة والعبادة ما هو اعظم من ذلك، وإذا كشف الحجاب في الآخرة فنظروا إليه كان ذلك أحب إليهم من جميع ما أعطاهم، فكان ترغيبهم في العبادة بذلك شائقاً لهم إلى هذا، وكان كمن أسلم رغبة في الدنيا، فلم تغرب الشمس إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، وكمن دخل في العلم والدين لرغبه في مال أو جاه، أو رهبة من عزل أو عقوبة أو أخذ مال، فلما ذاق حلاوة العلم والإيمان كان ذلك أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.
وإذا كان هذا في الدنيا، فما الظن بما في الآخرة؟ وإذا عرفت هذا عرفت شيئين: أحدهما: أن كل مؤمن تحقق إيمانه فإنما يعبد الله، والله أحب إليه من كل ما سواه، وإن كان لا يستشعر هذا في
стр. 2011
نفسه، بل يكون ما يرجوه من الأكل والشرب النكاح، وما يخافه من العقاب باعثاً له على العبادة، لكن إذا ذاق حلاوة الإيمان وطعم العبادة، كان الله أحب إليه من كل شيء، وإن كان يغيب عن علمه بحاله، حتى لا يرغب ولا يرهب إلا من غير ذلك، فما كل محبوب واجب يستحضر في كل وقت، ولا تحصل به الرغبة، ولا من فواته الرهبة، بل تحصل الرغبة والرهبة بالمحبوب الأدنى والمرهوب الأدنى، ويقوده ذلك إلى المحبوب الأعلى، وهذا موجود فيمن ذاق طعم المحبوب الأعلى، فإنه قد يعترض له هوى في محبوب أدنى، فيكون حضوره ودواعي الشهوة إليه يوجب تقديمه، مع علمه بأنه يفوته بذل ما هو أحب إليه منه، وكمن يشتهي شيئاً فيتناوله، وهو بعلم أنه يضره وأنه يفوته به ما هو أحب إليه، بل يعلم أنه يوجب له ما يضره فإذا حصل له ترهيب يصده عن ذلك، أو رغبة فيما ترغب فيه نفسه حتى يترك ذاك، كان هذا دواء نافعاً له يشتاق به إلى المحبوب الأعلى.
والله قد أنزل كتابه شفاءً لما في الصدور، وهدىً للخلق، ورحمةً لهم، وبعث رسوله بالحكمة.
وأما ما ذكره هذا الرجل من الكلام المزخرف الذي قال الله فيه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] .
стр. 2012
وذلك أنه عظم من يعبد الحق لذاته، وعبادة الحق تعالى لذاته أصل عظيم، وهو أصل الملة الحنيفية، وأساس دعوة الأنبياء، لكن هذا حاصل فيما جاءت به الرسل، لا في طريق الصحابة، فإن أصحابه لا يعبدون الله، بل ولا يحبونه أصلاً، بل ولا يطيعونه، وإنما العبادات عندهم رياضة للنفوس لتصل إلى علمهم الذي يدعون أنه كمال النفس، والكمال عندهم في التشبه به لا في أن يكون محبوباً مراداً.
ولهذا لم يتكلم أحد منهم في مقامات العارفين بمثل هذا الكلام الذي تكلم به ابن سينا، وهو أراد أن يجمع بين طريقهم وطريق العارفين أهل التصوف، فأخذ ألفاظاً مجملة، إذا فسر مراد كل واحد منها، تبين أن القوم من أبعد الناس عنه محبة الله وعبادته، وأنهم أبعد عن ذلك من اليهود والنصارى بكثير كثير.
ولهذا يظهر فيهم من إهمال العبادات والأوراد والأذكار والدعوات، ما لا يظهر في اليهود والنصارى، ومن سلك منهم مسلك العبادات فإن لم يهده الله إلى حقيقة دين الإسلام، وإلا صار آخر أمره ملحداً من الملاحدة، من جنس ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
وأيضاً فإنه استحقر ما وعد الناس به في الآخرة من أنواع النعيم، وطلب تزهيد الناس فيما رغبهم الله فيه، وهو مضادة للأنبياء، وهو في الحقيقة منكر لوجود ذلك، كما هو في الحقيقة منكر لوجود محبة الله ومعرفته والنظر إليه، وإنما الذي أثبته من ذلك خيال، كما أن الذي أثبته من لذة المعرفة إنما هو مجرد كونه عالماً معقولاً موازياً للعالم
стр. 2013
الموجود، وظن أنه بهذا تحصل اللذة التي يسعد بها في الآخرة، وينجو بها من العذاب، وهذا ضلال عظيم.
وقد أعرض الرازي عن الكلام على هذا فلم يمدحه ولم يذمه، وأما الطوسي فمدحه عليه، لأنه ملحد من جنسه والكلام على هؤلاء مبسوط في موضعه.
فصل: تابع كلام ابن سينا في مقامات العارفين وتعليق ابن تيمية عليه
ثم قال (إشارة: أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد.
إشارة: ثم إنه يحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض: الأول: تنحية ما دون الحق من مستن الإيثار.
الثاني: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التوهم والتخيل
стр. 2014
إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
الثالث: تلطيف السر للتنبيه.
والأول يعين عليه الزهد الحقيقي، والثاني: تعين عليه أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام.
والثالث: نفس الكلام الواعظ من قائل زكي بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد.
وأما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق، ليس سلطان الشهوة) .
فيقال قد ذكر أن المريد يحتاج في الرياضة - التي تسمى السلوك، إلى ثلاثة أشياء متعلقة بالقصد، والعمل، والعلم.
أما القصد، فأن لا يقصد إلا الحق، فينحي ما سواه عن طريق القصد، فلا يقصد إلا إياه.
وهذا حق لكن لا يكون إلا على دين المرسلين.
وأما إرادة الله ومحبته دون ما سواه فليس هو طريق هؤلاء المتفلسفة، بل هو ممتنع على أصولهم الفاسدة، وليس زهدهم زهد الأنبياء، ولكن زهدهم للتوفر على مطلوبهم الذي يرونه كمالاً، لا على عبادة الله.
стр. 2015
وأما العمل فهو تطويع قوة النفس الأمارة بالسوء لقوتها المطمئنة، وهذا متفق عليه، لكن عند أهل الملل أن هذا تكميل لعبادة الله وطاعته، وعند الملاحدة إنما هو تهذيب للنفس لتستعد لما جعلوه هم كمالاً.
وليس المقصود هنا ذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل، فإن هذا له موضع آخر.
وإنما المقصود ذكر ما يتعلق بكلامهم في قوى التوهم والتخيل، فإنه قال: (لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي) .
فذكر أن المقصود انجذاب قوى التخيل الوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، ولم يقل: إلى التوهمات والتخيلات، كما قال انجذاب قوى التخيل والوهم، لأنه يريد أن يجذب قوى التخيل والوهم.
فالتخيل لصور المحسوسات، والوهم لما فيها من المعاني، والجذب يكون إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، لا إلى التخيل، فإنه ليس المقصود جذبها إلى صورة متخيلة بل إلى أمر متوهم، وهو المعاني التي تحبها النفس، لأن الوهم كما تقدم تصور المعاني المحبوبة في الأعيان، وهي التي تكون لأجلها الولاية والعداوة.
стр. 2016
والمقصود حصول التوهمات المناسبة للأمر القدسي، والانصراف عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
والتوهمات هي تصور ما يحب ويبغض ويوالى ويعادى، ويوافق ويخالف، ويرجى ويخاف، من المعاني التي في الأعيان، فيريد أن يتصور ما يحب ويرجى لينجذب إليه، وما يكره ويخاف لينجذب عنه، ويكون ما يجب ويرجى في الأمر القدسي، والمكروه والمخوف في الأمر السفلي.
وقد ذكر أن المراد المعبود لذاته هو الله تعالى، فلا بد أن يتصور ما يوجب حبه لله، وبغضه لما يصرفه عن ذلك، وأن يتصور من رجائه وخوفه ما يصرفه إليه كما يتصور في الدنيا ما يجذبه عنها.
وإذا كان قد قال هذا مع قوله: (إن الوهم أن يتصور في المحسوسات أمراً غير محسوس، لم يمكن حتى هذا يتصور في حق الله تعالى ما يوجب انجذاب القلب إليه، وقد سمى ذلك توهماً.
وقوله: (ولتنجذب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي) .
إن أريد التوهمات المناسبة لقدس الرب تعالى، مثل كونه هو الذي يستحق أن يعبد ويحمد، وأمثال ذلك من المعاني المناسبة لعبادته، فقد جعل الشعور بهذه من باب التوهم.
стр. 2017
وإن أريد به توهم معان في غير الرب، فتلك لا يحتاج إليها في عبادته تعالى، ولا يحتاج العابد لله إلى أن يتصور ما يناسب محبته لله وعبادته، بشعوره بما يوجب محبة الله وعبادته إياه دون ما سواه، فإن عبادة الله وحده تحصل إذا عرف من الله ما تحصل به محبته لله، فلا يحتاج أن يعرف من غيره ما يوجب محبته لله، ولو قدر أن تصور لغيره يوجب محبته، فقد جعل طلب ما يوجب انجذاب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي.
فهذه الأمور، سواء كانت صفات لله أو أموراً تقتضي محبة الله، فإنه جعلها من باب التوهم.
وهذا يوجب كون الله عالياً على خلقه من وجوه:
أحدهما: أنه قد ذكر أن الحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس، وهذا قوة الوهم كما تقدم.
فإذا كان قد قال مع ذلك: أنه لا بد من تطويع القوة الأمارة للقوة المطمئنة، لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي، والتوهمات المناسبة لإرادة الله وحده إنما تكون بتصور معنى فيه يوجب انجذاب القلب إليه.
وهو سبحانه يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فإنه واحد لا شريك له، وهم يقولون: انحصر نوعه في شخصه، فلا يجوز أن يكون
стр. 2018
التصور الجاذب للقلب إليه وحده إلا تصور معين، في معين وهذا هو التوهم عندهم.
فهذا تصريح منهم بأن التوهم تصور صفاته، فقولهم مع ذلك بنفي إدراك هذه القوة له تناقض.
الثاني: أن القوة المتوهمة إذا كانت لا تتصور إلا في معين، والمعين لا يكون كلياً، امتنع أن يكون هذا معقولاً، إذا كانت المعقولات هي الكليات، كما قد يقولونه، ولأنه لا حجة لهم على إثبات معقول غير الكليات.
الثالث: أن هذا يوجب أن كون محسوساً، أي يمكن الإحساس به وهو رؤيته، كما ثبت أنه يرى في الآخرة، لأن التوهم عندهم أن يتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس.
فإذا كان هو سبحانه يجب أن يوالى ويحب دون ما سواه، وكان ذلك بتوهم الأمور المناسبة لذلك التوهم، وهو تصور أمر غير محسوس في معين محسوس لزم أن يكون هو معيناً محسوساً.
الوجه الرابع: أنه جعل الذي يعين على تطويع النفس ثلاثة أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام، والثالث: نفس الكلام الواعظ.
ومعلوم أن العبادة لا تكون إلا بقصد وإرادة، والقصد والإرادة
стр. 2019
الذي تنجذب معه قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة لعبادة الله، منصرفة عن المناسبة للأمر السفلي، لا يكون إلا إذا تصور في المراد الذي انجذبت إليه قوة التوهم ما يوجب إرادته ومحبته، فتكون إرادته توجب موالاته ومحبته، بل وخوفه ورجائه.
وهذا كله عندهم من عمل القوة المتوهمة، فدل على أنه لا بد عندهم أن يكون الحق تعالى مما يتعلق الوهم بمعان فيه، وهذا لازم لكلامهم لا محيد عنه.
الوجه الخامس: أنه قال: (الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام) .
فتبين أنه يطلب كون الوهم يقبل الكلام الملحن، والقوة الوهمية هي التي تدرك المعنى المحبوب والمكروه في المعين المحسوس الجزئي كما تقدم.
فدل بها على أن الكلام الملحن يكون فيه ما يوجب قبول الوهم للكلام الذي يدعو إلى عبادة الله ومحبته، وذلك بما تقدم من كون الوهم هو الذي يشعر بالمعاني التي تحب وتبغض، وتوالي وتعادي، فكان حب العبد لربه وعبادته إياه مشروطاً بتوهمه في ربهما يحبه العبد، فوجب كون الرب عندهم محسوساً وكون الوهم يتصور فيه ما يحب لأجله.
السادس: أنه قال: (لينجذب التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمكر السفلي) .
стр. 2020
والسفلي ضد العلوي، فدل ذلك على أن القدسي علوي.
فإن قيل: يراد بذلك علو القدر أو الصفات.
قيل: هذا لا يصح هنا، لأن قوى الوهم إنما تنجذب إلى معان غير محسوسة في أمر محسوس، وما كان محسوساً أمكن أن يكون فوق العالم.
السابع: أن يقال: ما أشار إليه من هذه المعاني، وغن كان التعبير عنه بعبارات غير معروف، فهذا هو الذي فطر الله عليه عباده، فإنهم إذا حزبهم أمر احتاجوا فيه إلى توجيه قلوبهم إلى الله توجهوا إلى العلو، وتصوروا أن الله جواد كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويرزقهم وينصرهم، فعرفوا منه ما يوافق مطلوبهم ومرادهم ومحبوبهم.
وهذا هو الذي يسميه هؤلاء التوهم.
وأيضاً فمن كان محباً له، محباً لذكره، متلذذاً بمناجاته، فإنه يجد
في فطرته معنى يطلب بالعلو، ويتصور أن ربه متصف بما يستحق لأجله أن يعبد ويحب ويطاع، وهذا هو الذي يسمونه التوهم، ويجد قلبه منصرفاً إلى العلو، منصرفاً عن السفل، إلا إذا كان قد غيرت فطرته.
فإن قيل له: ربك ليس فوق، أو غير ذلك بأن يقال: ليس في
стр. 2021
جهة، أو لا يختص، أو لا تحصره، أو نحو ذلك من العبارات المجملة التي يراد بها: أنه ليس فوق، فيحتاج حينئذ أن يصرف فطرته علما وإرادة عما فطر عليه.
فما ذكره في مقامات العارفين موافق لما فطر الله عليه عباده أجمعين، بخلاف
ما ذكره هناك، فإنه مخالف للفطرة كما تقدم.
الثامن: أن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة.
التاسع: أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة.
العاشر: أنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية.
الحادي عشر: أن موجب ما ذكروه أن لا يكون الرب معبوداً إلا بتعلق المعنى الذي سموه الوهم به، وأن من نفى تعلق الوهم بمعنى في الرب، فقد أبطل كون الرب محبوباً معبوداً، فمن قال بعد ذلك: إنه لا يقبل في الإلهيات هذه القضايا الوهمية، فقد نفى كون الرب مستحقاً لأن العبد وأن يحب، وهذا حقيقة قولهم، ولهذا كان حقيقة قولهم تعطيل الرب عن أن يكون موجوداً، وأن يكون مقصوداً وأن يكون معبوداً.
وعلى هذا كانت أئمتهم، كالقرامطة الباطنية الذين قادوا حقيقة قولهم، وكذلك باطنية الصوفية الذين وافقوهم، كأصحاب ابن عربي وابن سبعين، فإن الذين عرفوا حقيقة قولهم كالتلمساني كانوا من أبعد
стр. 2022
الناس عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله، وأشدهم فجوراً وتعدياً لحدود الله، وانتهاكاً لمحارمه، ومخالفة لكتابة ولرسوله، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
عود إلى مناقشة كلام ابن سينا عن الوهم
وحينئذ فنقول قوله: (إن القضايا الوهمية كاذبة) .
إن أراد به القضايا الكلية التي تناقض معقولاً، فتلك عندهم ليست من قضايا الوهم.
وإن أراد به ما يدركه الوهم من الأمور المعينة في المحسوسات، فتلك صادقة عنده لا كاذبة، وهي لا تعارض الكليات.
وقوله: (إن الوهم الإنساني يقضي بها قضاءً شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ويقابلها) .
فيقال له: هذا يقتضي تمكنها من الفطرة، وثبوتها في النفس، وأن الفطرة لا تقبل نقيضها، وهذا يقتضي صحتها وثبوتها، لا ضعفها وفسادها.
وأما قوله: (لأن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم) .
فيقال له: إن أردت بالوهم التابع للحس ما سميته وهماً، وهو توهم معاني جزئية غير محسوسة في المحسوسات الجزئية، فلا ريب أن
стр. 2023
الوهم تابع للحس، وهذا الوهم قد ذكرت أنه صحيح مطابق كالحس، فإن قدحت في هذا قدحت في الحس، وإن جعلت هذا معارضاً للعقل، كان بمنزلة جعل الحس معارضاً للعقل.
وإن أردت بالوهم ما يقضي قضاءً كلياً أن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه محال، ونحو ذلك من القضايا الكلية التي تزعم أنها معارضة للعقل، كان هذا الكلام باطلاً من وجهين:
أحدهما: أن هذه قضايا كلية مطلقة، والوهم قد ذكرت أن تصوراته جزئية، فلا يكون هذا من الوهميات.
الثاني: أن يقال: هذه القضايا الكلية كسائر القضايا الكلية التي مبادئها من الحس، كالقضاء بأن السواد والبياض يتضادان، والحركة والسكون يتناقضان، والجسم الواحد لا يكون في مكانين، وأمثال ذلك.
بل هذه بمنزلة الحكم بأن الموجود إما أن يكون قائماً بنفسه، وإما أن يكون قائماً بغيره، وإما أن يكون قديماً وإما أن يكون محدثاً، وإما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه، وأمثال ذلك.
فالقدح في هذه القضايا الكلية كالقدح في تلك، فإن الجاز القدح في هذه لأن مبادئها الحس جاز القدح في تلك وإلا فلا، إذ الحس وما يتبعه - مما يسمونه توهماً وتخيلاً - لا يدرك إلا أموراً معينة جزئية، ثم يقضي الذهن قضاءً كلياً، فإن جاز أن تكون تلك القضايا الكلية باطلة بسبب كونها مبدئها من هذا الوهم، الذي هو في الأصل الصحيح
стр. 2024
عندهم، جاز أن تكون القضايا الكلية باطلة إذا كان مبدئها من الحس عندهم.
فلو قال قائل يمكن في الموجود غير المحسوس أن يكون لا وجباً ولا ممكناً، ولا قديماً ولا محدثاً، ولا قائماً بنفسه ولا قائماً بغيره - كان بمنزلة قول القائل: يمكن فيه أن يكون لا مبايناً لغيره ولا محايثاً له، ولا مداخلاً له ولا خارجاً عنه.
وإن جاز أن يقال لهذا: هذه قضايا وهمية، والوهم تابع للحس، جاز أن يقال للأول: وهذه قضايا وهمية، أو يقال: قضايا حسية وحكم الحس والوهم لا يقبل إلا في الحسيات، فلا يحكم في الوجود المطلق وتوابعه، لأن ذلك معقول غير محسوس، فما به ترد تلك القضايا الكلية يمكن أن يقال في أمثالها من القضايا الكلية المتناولة لجميع الموجودات والمعلومات.
وأما قوله في بيان أنها كاذبة: (من المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول، كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم) .
стр. 2025
فيقال له: هذا كلام على تقدير أن يكون للمحسوسات مباد لا يمكن تعلق الحس بها، وهذا هو رأس المسألة وأول النزاع فإذا جعلت هذا حجة في إثبات مطلوبك فقد صادرت على المطلوب.
ثم يقال لك: الوهم إنما يتصور عندك في الأمور الجزئية، وهذه القضايا كلية لا جزئية.
ويقال لك أيضاً: هذا بعينه يرد عليك في تقسيم الوجود إلى: قائم بنفسه وبغيره، وقديم ومحدث، وجوهر وعرض، وعلة ومعلول، ونحو ذلك فإن ما ذكرته من هذه القضايا يتناول هذه.
ويقال لك ما تعني بقولك: (إن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت قبل المحسوسات) .
أتعني به أن ما أحسسناه له مباد وأصول لم نحسها؟ أم تعني به أن ما يمكن أن يحس به يجب أن يكون له مبدأ لا يمكن الإحساس به؟ .
فإن عنيت الأول فهو مسلم، لكن لا يلزم من عدم إحساسنا بها أن لا يكون الإحساس بها ممكناً، ولا يقول عاقل: إن كل ما لم نشهده الآن لا يمكن أن نشهده بعد الموت، أو في وقت آخر، فإنه ما من عاقل إلا ويجوز أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشهده الآن، بل يجوز أن تكون هناك أفلاك ونجوم لا ندركها فضلاً عن غيرها.
وإن قال: إنه لا بد أن يكون لكل ما يمكن أن يحس به مبدأ لا
стр. 2026
يمكن أن نحس به، فهذا ممنوع، وهو رأس المسألة ولم يذكر عليه دليلاً.
وهو في إشاراته لم يذكر على ذلك من الأدلة إلا ما ذكره الرازي وأمثاله، فإنه قال: (في الوجود وعلله: إنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس، وأن ما لا يناله الحس بجوهره، ففرض وجوده محال، وأن ما لا يتخصص بمكان أو يوضع بذاته كالجسم، أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم، فلا حظ له ولا وجود) .
قال: (وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس، فتعلم منه بطلان قول هؤلاء، فإنك، ومن يستحق أن يخاطب، تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد، لا على الاشتراك الصرف، بل بحسب معنى واحد، مثل اسم الإنسان، فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود، فذلك المعنى الموجود لا يخلو: إما أن يكون بحيث يناله الحس، أو لا يكون.
فإن كان بعيداً من أن يناله الحس فقد أخرج التفتش من المحسوسات ما ليس بمحسوس، وهذا
стр. 2027
أعجب.
وإن كان محسوساً فله لا محالة: وضع، وأين، ومقدار معين، وكيف معين، لا يتأتى أن يحس، بل ولا أن يتخيل إلا كذلك، فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك لم يكن ملائماً لما ليس بتلك الحال، فلم يكن مقولاً على كثيرين يختلفون في تلك الحال.
فإذن الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة، بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير المحسوس، بل معقول صرف، وكذلك الحال في كل الكلي) .
فهذا لفظه، وأتباعه مشوا خلفه فأثبتوا ما ليس بمحسوس بإثبات الكليات المعقولة، وقد عرف بالاضطرار أن الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في الخارج، بل ليس في الخارج كلي البتة، والذي يقال إنه كلي طبيعي لا يوجد إلا معيناً جزئياً، فما كان كلياً في العقل يوجد في الخارج معيناً لا كلياً، كما قد بسط في موضعه.
فهذا الكلام وأمثاله هو الذي يثبت به أن للموجود مبادئ لا يمكن أن يحس بها.
وأما قوله: (إذا كانت للمحسوسات مبادئ كانت غير محسوسة) ، فتلبيس لأن لفظ (المحسوس) يراد به ما هو محسوس لنا
стр. 2028
بالفعل وما يمكن إحساسه، ولا ريب أن المحسوسات بالفعل لها مبادئ غير محسوسة.
لكن لم قلت: إن كل ما يمكن إحساسه له مبدأ لا يمكن إحساسه، هذه حكاية المذهب.
وأما قوله: (ولهذا كان الوهم مساعداً للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبه) ، فهذا ممنوع.
وقد عرف أن أدلته على إثبات ذلك من جنس هذه الأدلة التي أثبت بها الموجودات العقلية الثابتة في الخارج بإثبات كليات، وهو مثل إثباته لما كان خارج الذهن.
ثم يقال له: الوهم المساعد للعقل: إن أردت به ما سميته وهماً، وهو ما يتصور في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة، كالصداقة والعداوة، فليس في هذه التصورات مقدمة تساعد على إثبات موجود لا يمكن الإحساس به، بل تلك المقدمات مثل إثبات الكليات وأمثالها ليس فيها مقدمة يتصورها هذا الوهم.
وإن أردت بالوهم المساعد ما يقضي قضايا كلية، مثل قضاء الذهن بأن بين هذا الإنسان وهذا الإنسان إنسانية مشتركة، ونحو ذلك فهذه قضايا عقلية لا وهمية.
وأيضاً فالقاضي بإثبات إنسانية مطلقة هو القاضي بأن كل
стр. 2029
موجودين لا بد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو محايثاً له، كما أنه هو القاضي بأن كل موجودين لا بد أن يقارن وجود أحدهما الآخر أو يتقدم عليه، وأن كل موجود فلا بد أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره.
فهذه القضايا الكلية إن سميتها وهمية كانت العقليات هي الوهميات، وإن سميتها عقليات وقدرت تناقضها لزم تناقض العقليات.
واعلم أن هؤلاء قد يجيبون بجواب يمكن أن يجاب به كل من قدح في العقليات الكلية.
وقولك: (فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم) .
يقال لك: ما الوهم الناكص: أهو الذي سميته وهماً؟ فذاك إنما يتصور معاني جزئية، فليس له في الكليات حكم: لا بقبول ولا رد فلا يقال فيه: لا يقبل ولا ينكص، كما لا يقال في القضايا الكلية: إن الحس يقبلها ولا يردها، كما لا يقال: إن البصر يميز بين الأصوات، والسمع يميز بين الألوان.
وإن قلت: إن العقل يثبت موجوداً معيناً لا يمكن الإشارة إليه، والوهم لا يتصور معيناً لا يشار إليه.
стр. 2030
فيقال لك: العقل إنما يثبت أموراً كلية مطلقة، لا يثبت شيئاً معيناً إلا بواسطة غيره، كالحس وتوابع الحس، ولهذا كان القياس العقلي المنطقي لا ينتج إن لم يكن فيه قضية كلية، وإذا أردنا أن ندخل شيئاً من المعينات تحت القضايا الكلية، فلا بد من تصور للمعينات غير التصور للقضايا الكلية.
فإذا علمنا أن كل شيء: فإما قائم بنفسه أو بغيره، وان كل موجود: فإما واجب بنفسه وإما ممكن بنفسه، وأن كل موجود: فإما قديم وإما محدث، وأن كل موجود أو كل ممكن فهو: إما جوهر وإما عرض، وأردنا أن نحكم على معين بأنه قديم أو محدث، أو جوهر أو عرض، أو واجب أو ممكن، أو نحو ذلك، فلا بد من أن نعينه بغير ما به علمنا تلك القضية الكلية، فتصور المعين الداخل في القضية الكلية شيء وتصور القضية الكلية شيء آخر.
فليتدبر الفاضل هذا، ليتبين له أن من لم يثبت موجوداً يمكن الإحساس به لم يثبت إلا قضايا كلية في الأذهان، كما يثبتون العدد المطلق، والمقدار المطلق، والحقائق المطلقة، والوجود المطلق، وكل هذه أمور ثابتة في الأذهان، لا موجودة في الأعيان.
ولهذا من أثبت أن في الوجود موجوداً واجباً قديماً، وقال: إنه يمتنع الإشارة إليه، امتنع أن يكون عنده معيناً مختصاً، ولزم أن يكون مطلقاً مجرداً في الذهن، فلا حقيقة له في الخارج.
стр. 2031
وهذا مذهب أئمة الجهمية، فإنهم يثبتون موجوداً مطلقاً يمتنع وجوده في الخارج، فابن سينا وأتباعه يقولون: هو وجود مطلق بشرط نفي جميع الأمور الثبوتية، وهو أبلغ الأقوال في كونه معدوماً، وآخرون يقولون: هو مطلق بشرط نفي الأمور الثبوتية والسلبية، لا بشرط شيء من الأمور الثبوتية والسلبية كما يقول هذا وهذا طائفة من ملحدة الباطنية ومن وافقهم من الصوفية.
ومن المعلوم أن الوجود المشروط فيه نفي هذا وهذا ممتنع، فكيف بالمشروط فيه النفي؟ فإن ما اشترط فيه العدم كان أولى بالعدم مما لم يشترط فيه وجود ولا عدم، ومما اشترط فيه نفي الوجود والعدم جميعاً؟ وهذا هو المطلق بشرط الإطلاق.
وهم يقرون في منطقهم ما هو متفق عليه بين العقلاء من أن المطلق بشر الإطلاق لا وجود له في الخارج، ويقررون أن الفصول المميزة بين موجودين لا بد أن تكون أموراً وجودية لا تكون عدمية، وهم لا يميزون الوجود الواجب عن الوجود الممكن إلا بأمور عدمية، ومن ظن أن مذهب ابن سينا إثبات وجود خاص بمنزلة الوجود المشروط
стр. 2032
بسلب جميع الحقائق، فجعل فيه وجوداً مشتركاً ووجوداً مختصاً، لم يفهم مذهبه، كما فعل ذلك الطوسي منتصراً له فلم يفهم مذهبه.
والقونوي وأمثاله يقولون: هو المطلق لا بشرط، وهذا إما أن يكون ممتنعاً في الخارج، وإما أن يكون جزءاً من الممكنات، فيكون الواجب جزءاً من الممكنات.
وقد بسط بيان تناقض أقوالهم في غير هذا الموضع، واعتبر ما ذكرناه من أن كل ما يثبتونه بالبرهان القياسي فإنه قضايا كلية مطلقة، بأنهم إذا أرادوا أن يعينوا شيئاً موجوداً في الخارج داخلاً في تلك القضية الكلية، عينوه إما بالحس الباطن أو الظاهر، إذ العقل يدرك الكليات والحس هو الذي يدرك الجزئيات، فإذا أثبتوا أن الحركة الإرادية مسبوقة بالتصور، وأرادوا تعيين ذلك، عينوا: إما نفس الإنسان فيشيرون إليها، وإما النفس الفلكية فيشيرون إلى الفلك.
وإن أثبتوا وجود موجود معين في الخارج يدخل تحت هذه القضية من غير إشارة إليه تعذر ذلك عليهم.
وكذلك إذا ثبت بالعقل أن الكل أعظم من الجزء، وأن الأمر المساوية لشيء واحد متساوية، وأن الشيء الواحد لا يكون موجوداً معدوماً ونحو ذلك، فمنى أراد الإنسان إدخال معين في هذه القضية
стр. 2033
الكلية أشار إليه.
والقضايا الكلية تارة يكون لجزيئاتها وجود في الخارج، وتارة تكون مقدورة في الأذهان، لا وجود لها في الأعيان، وهذا كثيراً ما يقع فيها الغلط والالتباس.
وليس المقصود الأول بالعلم إلا علم ما هو ثابت في الخارج، وأما المقدورات الذهنية فتلك بحسب ما يخطر للنفوس من التصورات، سواء كانت حقاً أو باطلاً، وما يثبته هؤلاء النفاة من إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه عند التأمل والتدبر نبين أنه من المقدرات الذهنية، لا من الموجودات العينية.
وغير أن ابن سينا وأتباعه م المنطقيين، مثل أبي البركات صاحب المعتبر وغيره، لم يخرجوا هذه القضايا التي سماها ابن سينا (وهميات) من الأوليات البديهيات، كما أخرجها ابن سينا، وما أظن صاحب المنطق أرسطو أخرجها أيضاً.
وأما قوله: (وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من
стр. 2034
المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها) إلى آخره.
يقال له: هذا أيضاً مما يبين قوتها وصدقها، فإنهم اعترفوا بأنها أقوى من المشهورات التي ليست بأولية، وهذه المشهورات عند أكثر العقلاء من العقليات الضروريات، فإذا كانت هذه أقوى منها لزم أن تكون أقوى من بعض العقليات الضروريات، وذلك يوجب صدقها.
وذلك أنه قال: (فأما المشهورات فمنها هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله، لا من حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها، ومنها الآراء المسماة بالمحمودة، وربما خصصناها باسم المشهورة، إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، وهي أن لو خلي الإنسان وعقله المجرد، ووهمه وحسه، لم يؤدب بقبوله قضايا ما والاعتراف بها، ولم يمكنه الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات، ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل، والأنفة والحمية، وغير ذلك- لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه
стр. 2035
وحسه، مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان للإنسان قبيح، وأن الكذب قبيح، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس، وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج، ولو توهم الإنسان نفسه، وأنه خلق دفعة، تام العقل، ولم يسمع أدباً، ولم يطع أنفعالاً نفسياً أو خلقاً، لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه، ولي كذلك حال قضائه، لأن الكل أعظم من الجزء.
وهذه المشهورات قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، وإن كانت صادقة فليست تنسب إلى الأوليات ونحوها، إذا لم يكن بينة الصدق عند العقل الأول إلا بنظر، وإن كانت محمودة عنده، والصادق غير المحمود، وكذلك الكاذب غير الشنيع، ورب شنيع حق، ورب محمود كاذب.
следующие страницы →