← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وإما أن تقول: أنا لا أعرف لفظ الجسم، أو تقول: لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام، فإذا عنيت به الجسم المعروف في اللغة، وهو بدن الإنسان، لم أسلم لأني لا أعلم موجوداً حياً عالماً قادراً، إلا ما كان مثل بدن الإنسان، فإن الروح هي أيضاً حية عالمة قادرة، وليست من جنس البدن، وكذلك الملك وغيره. وإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض، بحيث ينفصل بعضه عن بعض الفعل. قيل: أنا أتصور موجوداً عالماً قادراً قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه، فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلاً لهذا التفريق والتبعيض. وإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعاً عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كان ما لا يمكن أن يشار إليه، لا يكون موجوداً. وإن عنيت بالجسم انه يمكن مركب من الجواهر المنفردة الحسية، أو من المادة والصورة اللذان يجعلان جوهران عقليان، فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك، فضلاً عن أن يقدر مثل ذلك، فإذا كنت نافياً لذلك في المخلوقات البسيطة فتنزيه رب العالمين عن ذلك أولى. وإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء، كما قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك، لم أسلم لك أن أن هذا ممتنع.

стр. 2067

وإن عنيت بالجسم أنه يماثل شيئاً، من المخلوقات لم نسلم الملازمة. فأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة، قال لك المثبت لمباينته للعالم وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة. قال ما تعني بقولك: لو كان عالياً على العالم مبايناً له كان جسماً؟ إن عنيت أنه بدن، لم نسلم لك الملازمة. وإن عنيت انه يبل التفريق والتبعيض فكذلك. وإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة لم نسلم الملازمة أيضاً. وإن عنيت شيئاً أنه يكون مماثلاً لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة. وإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم. الوجه الرابع أن يقال: الحكم بأن المعلوم: إما موجود وإما معدوم، وأن الموجود: إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، وإما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما متقدم على غيره وإما مقارن له، وإما مباين لغيره وإما محايث له، وأن القائم بنفسه أو القائم القابل لصفات الكمال: إما حي وإما ميت، وإما عالم وإما جاهل، وإما قادر وإما عاجز، وإن ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، وأن المتصف بصفات الكمال أكمل من المتصف بصفات النقص، وممن لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا. وهذه العلوم وأمثالها مستقرة في العقول، وهي إما علوم ضرورية،

стр. 2068

أو قريبة من الضرورية، والقطع بها أعظم من القطع بوجود موجود لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وأن الواجب الوجود لا يشار إليه، فإن ما يشار إليه فهو جسم، فلو أشير إليه لكان جسماً وليس بجسم فإن هذه الأمور إما أن تكون معلومة الفساد بالضرورة أو بالنظر، وإما أن تكون إذا علمت لا تعلم إلا بطرق نظرية، فلا يمكن القدح بها في تلك المقدمات الضرورية، فالاعتبار والقياس تارة يكون بلفظ الشمول والعموم، وتارة بلفظ التشبيه والتمثيل. وكذلك إذا قلنا: إما أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره أو قديماً أو محدثاً، أو واجباً أو ممكناً، فكذلك إذا قلنا: إما أن يكون مبايناً أو محايثاً أو داخلاً أو خارجاً. فبين ابن كلاب - وغره من أئمة النظار - لهؤلاء النفاة: أنكم إذا جوزتم خلو الرب عن الوصفين المتقابلين - الذين يعلمون أنه يمتنع خلو الوجود عنهما - لزمكم مثل ذلك، وأن تصفوه بسائر الممتنعات، فقال: إذا وصفتموه بأنه لا مماس ولا مباين، وأنتم تعلمون أن الموجود الذي تعرفونه لا يكون إلا مماساً أو مبايناً، فوصفتموه بما هو عندكم محال فيما تعرفونه من الموجودات، لزمكم أن تصفوه بأمثال ذلك من المحالات، فتقولون: لا قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا غيره، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل وأمثال ذلك. وذكر أيضاً حجة أخرى رابعة فقال: أليس يقال لما ليس بثابت

стр. 2069

في الإنسان: لا مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟ فإذا قالوا لا يوصف بهما. قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم، كما تقولون للإنسان: عدم إذا وصفتموه بصفة العدم. يقول: أنتم تعرفون أن سلب هذين المتقابلين جميعاً هو من صفات المعدومات، فالموجود الذي تعرفونه، القائم بنفسه، لا يقال: إنه ليس مبايناً لغيره من الأمور القائمة بأنفسها ولا مماساً لها، بخلاف المعدوم، فإنه يقال: لا هو مماس لغيره ولا مباين له، فإذا وصفتموه بصفة المعدوم، فجعلتم ما هو صفة لما هو عدم في الموجودات صفة للخالق الموجود الثابت، وحينئذ فيمكن أن يوصف بأمثال ذلك، فيقال: هو عدم كما يوصف ما عدم من الأناسي بأنه عدم، فقال لهم: إذا كان عدم الموجود وجوداً له، فإذا كان العدم وجوداً، كان الجهل علماً، والعجز قوة، أي إذا جعلتم المعدوم - الذي لا يعقل إلا معدوماً - جعلتموه موجوداً، أمكن حينئذ أن يجهل علماً، والعجز قوة، والموت حياة والخرس كلاماً والصمم سمعاً، والعمى بصراً وأمثال ذلك. وهذا حقيقة قول النفاة، فإنهم يصفون الرب بما لا يوصف به إلا المعدوم، بل يصفون الموجود الواجب بنفسه، الذي لا يقبل العدم بصفات الممتنع الذي لا يقبل الوجود، فإن كان هذا ممكناً أمكن أن يجعل أحد المتناقضين صفة لنقيضه، كما ذكر.

стр. 2070

ولا ريب أن النفاة لا تقر بوصفه بالامتناع والعدم والنقائص، لكن نقول: لا نصفه لا بهذا ولا بهذا، لا نصفه بالعلم ولا الجهل ولا الحياة ولا الموت، ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس. فإذا قيل لهم: عن لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص. قالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا. ويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعاً، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرتفعان جميعاً إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة، وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقاً كثيراً، حتى الآمدي وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة، ومتكلمو أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات. وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة، التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح. وجواب هذا من وجوه بسطناها في غير هذا الموضع. منها أن يقال: فما يقبل الاتصاف بهذه الصفات، مع إمكان

стр. 2071

انتفائه عنه، أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها بحال. فالحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم والملكة، فيكون إما سميعاً وإما أصم، وإما بصيراً وإما أعمى، وإما حياً وإما ميتاً - أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا ولا هذا، بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه بهذا الكمال، أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك. فإذا قلتم: إن الموجود الواجب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال - مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها - جعلتموه أنقص من الحيوانات، وجعلتموه بمنزلة الجمادات، وكان من وصفه بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه

стр. 2072

بالكمالات، خيراً منكم، فمن وصفه بالعمى والصمم والعور، مع إمكان زول هذه النقائص عنه - كان خيراً منكم. وهم يشنعون بما يحكى عن بعض ضلال اليهود والنصارى من أن الله ندم على الطوفان حتى عض على إصبعه وجرى الدم، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وآلى على نفسه أنه لا يغرق بنيه، وأن بعض بني إسرائيل وجده ينوح على خراب بيت المقدس، وفي بعض كتب النصارى أنه ينام. ومن قال إن بشراً - كمسيح الهدى ومسيح الضلالة - أنه الله، مع كونه يأكل ويشرب وأنه أعور. وأمثال هؤلاء الذين يصفونه بهذه النقائص - مع إمكان اتصافه بالكمال - هم خير ممن يقول: لا يمكن اتصافه بصفات الكمال بحال. بل من جعل يأكل ويشرب فهو خير ممن يقول: لا يمكن أن يكون حياً ولا عالماً ولا قادراً، فإن الحي الذي يأكل ويشرب، خير من الجماد الذي لا يعلم ولا يتكلم، ولا يسمع ولا يبصر. علم أن من نفى عنه صفات الكمال كان شراً من جميع هذه الطوائف، فإنهم جعلوه كالمعدوم أو الجماد، وهؤلاء شبهوه بالحيوان الذي فيه صفة كمال مع نوع من النقص، فكان تعطيل الأول له من صفات الكمال، وتمثيله له بالمعدومات والجمادات، شراً من تعطيل هذا له عن بعض صفات الكمال مع إثباته لكثير من صفات الكمال، وكان تشبيهه له بالحيوان أمثل من تشبيه ذاك له بالجماد والمعدوم. وهكذا من قيل له: هو واجب، فإنه إن لم يكن واجباً كان ممكناً، وهو قديم فإنه إن لم يكن قديماً كان محدثاً، وهو خالق فإن القائم بنفسه إن لم يكن خالقاً كان مخلوقاً، وهو مباين للعالم خارج عنه، فإنه إن لم يكن مبايناً له خارجاً عنه، كان داخلاً فيه محصوراً محوزاً. كلام الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة في إثبات علو الله واستوائه وممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرجه في (الرد على الزنادقة والجهمية) قال: (بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله

стр. 2073

على العرش. قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش؟ وقد قال الله : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ، فقالوا هو تحت الأرضين السبعة كما هو على العرش، فهو على العرش، وفي السماوات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتلو آيات من القرآن: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام: ٣] ، فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. فقالوا: أي شيء؟ قلنا أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظم الرب شيء. وقد أخبرنا أنه في السماء فقال: ﴿أأمنتم من في السماء أن

стр. 2074

يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦] ، ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾ [الملك: ١٧] ، وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] ، وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥] ، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٨] ، وقال: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده﴾ [الأنبياء: ١٩] ، وقال: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠] ، وقال: ﴿ذي المعارج﴾ [المعارج: ٣] ، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨] ، وقال: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذموماً بقول الله : ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥] ، وقال: ﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] .

стр. 2075

وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ . ولكن معنى قول الله : ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [آل عمران: ١٢٩] ، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط الله بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. وذلك قوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢] . ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شيء صاف، لكان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح،

стр. 2076

من غير أن يكون ابن آدم في القدح، والله وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق. وما تأوله الجهمية من قول الله : ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] ، فقالوا: إن الله معنا وفينا. قال: فقلنا: فلم قطعتم الخبر من أوله بأن الله

стр. 2077

يقول: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ يعني: إلا الله - بعلمه - رابعهم، ﴿ولا خمسة إلا هو﴾ بعلمه ﴿سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٧] ، يفتح الخبر بعلمه فيهم ويختمه بعلمه. ويقال للجهمي: إذا قال: إن الله معنا بعظمة نفسه. قيل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن الله يباين خلقه، وأن خلقه دونه، وإن قال لا

стр. 2078

كفر. وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه من نفسه أو خارجاً من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحد منها: إن زعم أن الله خلق في نفسه فقد كفر، حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضاً كفراً حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجاً عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة) . تعليق ابن تيمية فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته، من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مبايناً له أو محايثاً له، ومع المحايثة: إما

стр. 2079

أن يكون هو العالم، وإما أن يكون العالم فيه، لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثاً لغيره، فلا بد أن يكون أحدهما حالاً في الآخر، بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات، فإنها قد تكون جميعاً قائمة بغيرها. فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده، وأن أحداً لا يقول به، إذ من المعلوم لكل أحد أن الله تعالى قائم بنفسه، لا يجوز أن كون من جنس الأعراض التي تفتقر إلى محل يقوم به. وكذلك من هذا الجنس قول من يقول: لا هو مباين ولا محايث، لما كان معلوماً بصريح العقل بطلانه، لم يدخله في التقسيم، إذ من المستقر في صريح العقل أن الموجود: إما مباين لغيره، وإما مداخل له، فانتفاء هذين القسمين يبطل قول من يجعله لا مبايناً ولا مداخلاً كالمعدوم، وقول من يجعله حالاً في العالم مفتقراً إلى المحل كالأعراض، إذ المفتقر إلى المحل لا يقوم بنفسه، ولا يكون غنياً عما سواه، فيمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه. ولهذا لم يقل مثل هذا أحد من العقلاء، وإن قال بعضهم ما يستلزم ذاك، فما كل من قال مذهباً التزم لوازمه. وقد نفى أيضاً قول من يقول: هو في كل مكان بتقسيم آخر من هذا الجنس، إذ القائل بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، لا يمكنه أن

стр. 2080

ينفي قول من يقول: إنه في كل مكان، لأنه إن جوز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يقبل الإشارة إليه، لم يمكنه مع هذا السلب أن ينفي قول من يقول: هو في كل مكان لا الجسم مع الجسم، ولا كالعرض مع العرض أو الجسم، فإنه إذا احتج على نفي ذلك بأنه لو كان في كل مكان للزم احتياجه إلى محل، أو نحو ذلك، قال له المنازع: هو في كل مكان، وهو مع ذلك لا يحتاج إلى محل، فإن المحتاج إلى المحل إنما هو العرض أو الجسم، وهو ليس بجسم ولا عرض، بل هو لا مماس للأشياء ولا مباين لها، إذ المماسة والمباينة من صفات الجسم، وهو ليس بجسم. كما قد يقول: إنه في كل مكان، وليس بحال ولا مماس ولا مباين، فإذا قال النافي: هذا لا يعقل، قال له نظيره الذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه: وقولك أيضاً لا يعقل، فكلا القولين مخالف للمعروف في العقول، فليس إبطال أحدهما دون الآخر بأولى من العكس. وإنما يمكن أن يرد على الطائفتين أهل الفطر السليمة الذين لم يقولوا ما يناقض صريح العقل. ومن المعلوم أن من قال: إنه في العالم، مثل كون القائم بنفسه في

стр. 2081

القائم بنفسه - كان قوله أقل فساداً من قول من قال: إنه في العالم كالقائم بغيره مع القائم بنفسه، فإن هذا لا يقوله عاقل، فإذا بطل الأول بطل الثاني. فأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضاً فقال: (بيان ما ذكره الله في القرآن من قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ [الحديد: ٤] . كلام آخر للإمام أحمد عن المعية وهذا على وجوه: قول الله لموسى: ﴿إنني معكما﴾ [طه: ٤٦] ، يقول في الدفع عنكما. وقال: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] ، يقول: في الدفع عنا. وقال: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، يقول: في النصر لهم على عدوهم. وقال: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم﴾ [محمد: ٣٥] ، في النصر لكم على عدوكم.

стр. 2082

وقال: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ [النساء: ١٠٨] ، يقول: بعلمه فيهم. وقال: ﴿فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢] ، يقول: في العون على فرعون. قال: (فلما ظهرت الحجة على الجهمي لما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماساً؟ قال: لا. قلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس له ولا مباين له؟ فلم يحسن الجواب، فقال: بلا كيف، فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، فقلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة

стр. 2083

والنار، والعرش والهواء؟ قال: بلى. قلنا: فأين يكون ربنا: قال: يكون في الآخرة في كل شيء كما كان، حيث كانت الدنيا في كل شيء. قلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى) . تعليق ابن تيمية فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية، سواء قالوا: إنه في كل مكان، أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، أو قالوا: إنه في العالم أو خارج العالم، إذ جماع قولهم أنه ليس مبايناً للعالم، مختصاً بما فوق العالم. ثم هم مع هذا مضطربون: يقولون هذه تارة، وهذا تارة، ولا يمكن بعض طوائفهم أن يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد. ولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم الذين يقولون: إنه في كل

стр. 2084

مكان يحتجون على النفاة منهم، الذين يقولون: ليس مبايناً للعالم ولا مداخلاً له، بأن قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم، إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم. والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون داخلاً ولا مبايناً غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد. كلام الرازي في الرد على الحلولية واعتبر ذلك بما ذكره الرازي في الرد على الحلولية فإنه لما ذكر الكلام: (في أنه يمتنع حلول ذاته أو صفة من صفاته في شيء) ذكر: أن النصارى تقول بالحلول تارة والتحاد تارة أخرى) . قال: (والحلول باطل، لأن الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقراً إلى المحل، فحلوله بصفة الجواز ينفي افتقار الحال إلى المحل، وبصفة الوجوب، يقتضي افتقار الواجب إلى غيره وحدوثه أو قدم المحل) .

стр. 2085

قال: (فإن قلت: أنه قد يقتضي الحلول بشرط وجود المحل، أو المحل يقتضي حلوله فيه، فلم يلزم قدم المحل ولا حلول الواجب. قلت: كلاهما يمنع وجوب الحلول، والاتحاد باطل، لأن المتحدين إن بقيا عند الاتحاد أو عدما وحصل ثالث فلا اتحاد، فإن بقي أحدهما دون الآخر فلا اتحاد، لامتناع كون المعدوم عين الموجود) . قال الرازي: (ناظرت بعض النصارى، فقلت: تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول؟ قال: نعم. فقلت: فما الدليل على أنه تعالى لم يحل في بدن زيد ولا عمرو، والذبابة والنملة؟ فقال: لأنه ثبت في حق عيسى أنه أحيى الأموات، وأبرأ

стр. 2086

الأكمه والأبرص، ولم يوجد في حق غيره. فقلت له: فقد سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، ولأنه ظهر على يد موسى قلب العصا ثعباناً، وانقلاب الخشبة ثعباناً أعجب من انقلاب الميت حياً، فهو أولى بالدلالة على الحلول في الجملة) . قال: (وبالجملة مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه) . تعليق ابن تيمية قلت: ما ذكره من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح، ولكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأما على قول الجهمية النفاة فلا تستقيم هذه الحجة. وذلك أن الحلول على وجهين: أحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة، الذين يقولون بالحلول، إما في علي، وإما في غيره. الثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحواً مما قالته النصارى في المسيح ﵇، أو ما هو شر

стр. 2087

منه، ويقولون: النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا كما يقول ذلك الاتحادية أصحاب صاحب (الفصوص) وأمثاله، وهم كثيرون في الجهمية. بل عامة عباد الجهمية وفقهائهم، وعامة الذين ينتسبون إلى التحقيق من الجهمية، هم من هؤلاء كابن الفارض، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني، وأمثالهم. فإذا قال الجهمي الذي يقول: إنه في كل مكان، ويقول مع ذلك بأن وجوده غير وجود المخلوقات، أو يقول بالاتحاد من وجه والمباينة من وجه، كما هو قول ابن عربي وأمثاله، كما حكى الإمام أحمد عنهم، يقول: إنه في كل مكان لا مماس للأمكنة ولا مباين لها، وأنه حال في العالم أو متحد به لا كحلول الأعراض والأجسام في الأجسام وأشباه ذلك. فاحتج موافقوهم على نفي المباينة كالرازي وأمثاله بما ذكروه من قولهم: الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقراً إلى المحل، فإما أن يكون الحلول جائزاً أو واجباً، فإن كان جائزاً انتفى افتقاره إلى المحل، فلزم الجمع بين النقيضين: أن يكون مفتقراً إلى المحل غير مفتقراً إليه لكون حلوله جائزاً لا واجباً، وإن كان الحلول واجباً لم يكن الحال واجباً بنفسه بل بغيره.

стр. 2088

قال لهم الحلولية: قولكم الحلول المعقول يقتضي افتقار الحال إلى المحل إنما يكون إذا كان الحال عرضاً، فضلاً عن أن يكون جسماً، فضلاً عن أن يكون لا جسماً ولا عرضاً، فأما إذا قدر حال ليس بجسم ولا عرض، فلم قلتم: إن حلوله يقتضي افتقاره إلى المحل؟ وقالوا لهم: إذا جوزتم وجود موجود لا مباين لغيره ولا حال فيه، فلم لا يجوز وجود موجود حال في غيره ليس مفتقراً إليه؟ فإذا قلتم: لا نعقل حالاً في شيء إلا مفتقراً إليه. قيل لكم: هذا كما قلتموه للمثبتة: هذا من حكم الهم والخيال، لما قال المثبتة: لا نعقل موجوداً إلا مبايناً لغيره أو محايثاً له. وهذا هو السؤال الذي أورده أحمد من جهة الجهمية حيث قالوا: (هو في كل مكان: لا مماس ولا مباين، فضلاً عن أن يقولوا: مفتقراً، فإن الافتقار إنما يعقل في حلول الأعراض، فأما حلول الأعيان القائمة بأنفسها في الأعيان القائمة بأنفسها، فلا يجب فيه الافتقار. والقائلون بالحلول إنما يقولون: هو حلول عين في عين، لا حلول صفة في محل. فلهذا قال لهم الإمام أحمد وأمثاله: أهو مماس أو مباين؟ فإذا سلبوا هذين المتقابلين تبين مخالفتهم لصريح العقل، وكانت هذه الحجة عليهم خيراً من حجة الرازي، حيث أنه نفى حلول العرض في محله، فإن هذا لم يقله أحد.

стр. 2089

وكذلك ما نفاه من الاتحاد، ليس فيه حجة على ما ادعوه من الاتحاد، فإنهم لا يقولون ببقائهما بحالهما، ولا ببقاء أحدهما، وإنما يشبهون الاتحاد باتحاد الماء واللبن، والماء والخمر واتحاد النار والحديد. فقوله: (هذا ليس باتحاد) نزاع لفظي، فهم يسمون هذا اتحاداً، فلا بد من بيان بطلان ما أثبتوه من الحلول والاتحاد، وإلا كان الدليل منصوباً في غير محل النزاع. أما الأئمة الذين ردوا على الحلولية، فأبطلوا نفس ما ادعوه، وإن كان هؤلاء لا يقرون بأنا نقول بالحلول، كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا خارجه بالتعطيل، فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء، والتعطيل شر من الحلول. ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول، وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطرق الأولى.

стр. 2090

ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول النصارى، كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء. وبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض المنتسبين إلى السنة، فذكروها في مثالبه، وهو أنه كان له أخت نصرانية، وأنها هجرته لما أسلم، وأنه قال لها: أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم، فرضيت عنه لأجل ذلك. وهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم، لأن ابن كلاب خالف هؤلاء في إثبات الصفات، وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى، وهو أشبه بالنصارى، لأنه يلزمهم أن يقولوا: إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا، وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه. ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره، يردون عليهم بمثل هذا، ويقولون: إذا كان المسلمون كفروا من يقول: إنه

стр. 2091

حل في المسيح وحده، فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفراً من النصارى بكثير. وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول، إن لم يقولوا بقول أهل الإثبات، القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين: إما الحلول، وإما التعطيل، والتعطيل شر من الحلول. ولا يمكنهم إبطال قول أهل الحلول مع قولهم بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات. وهم وإن قالوا: إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه، فلا يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم، ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على إبطاله، فيلزمهم: إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية، وإما إبطال قولهم، وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك. وهب أنهم يمكنهم إبطال قول النصارى في تخصيصهم المسيح بالحلول والاتحاد، حيث يقال: إذا جوز الحلول والاتحاد بالمسيح جاز بغيره، فإن القائلين بعموم الحلول والاتحاد يلتزمون هذا، ويقولون: النصارى كفرهم لأجل التخصيص، وكذلك عباد الأصنام إنما أخطأوا من حيث عبدوا بعض المظاهر دون بعض، والعارف المحقق عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالي، بل يعبد كل شيء كما قد صرح بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وأمثاله من أئمة هؤلاء الجهمية القائلين بوحدة الوجود

стр. 2092

الذين هم محققو أهل الحلول والاتحاد، ولهذا كان هؤلاء لهم الظهور والاستطالة على نفاة الحلول والمباينة جميعاً، بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ولاية الله، وينصرونهم على أهل الإيمان القائلين بمباينة الخالق للمخلوق، كما قد رأيناه وجربناه. وسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد، والتصوف والأخلاق، ودعوى المكاشفات والمخاطبات، ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر النفاة، فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه، وظنوا أن هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله، الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما يقصر عنه عقول أكثر الخلائق، وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم، كما يسلمون للنبي ﷺ ما لا يفهمونه من أقواله، فيعظمون هؤلاء كما يعظمون الرسول، بمثابة من صدق محمداً رسول الله ومسيلمة الكذاب: صدق كلا منهما في أنه رسول، كحال أهل الردة الذين آمنوا بمسيلمة المتنبي، مع دعواهم أنهم مؤمنون بمحمد رسول الله، ولا يعرفون ما بين قول هذا وقول هذا من المناقضة والمنافاة، لعدم تحققهم في الإيمان بمحمد رسول الله ﷺ . فهكذا نفاة العلو والصفات من الجهمية، أو نفاة العلو وحده، إذا سمعوا النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات، أعرضوا عن فهم

стр. 2093

معناها، وإثبات موجبها ومقتضاها، وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها، وآمنوا للرسول إيماناً مجملاً بأنه لا يقول إلا حقاً، ولم يكن في قلوبهم من العلم بمباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية وأمثالهم، لأن أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله، وأحد النقيضين لا يزول عن القلب زوالاً مستقراً إلا بإثبات نقيضه. فإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى، إما مباين للعالم، وإما مداخل له، كان من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة، بل إما أن يقر بالمداخلة، وإما أن يبقى خالياً من اعتقاد المتقابلين المتناقضين، ولا يمكنه مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده، ولا ينكره ولا يرده، بل يبقى بمنزلة من سمع أن محمداً قال: إنه رسول الله، وأن مسيلمة قال: إنه رسول الله، وهو لم يصدق واحداً منهما، ولم يكذب واحداً منهما، فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو يكذبه. فهكذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق، لم يمكنه أن يناقض قول من يقول بالحلول والاتحاد، بل غايته أن لا يوافقه كما لم يوافق قول أهل الإثبات، فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به، ولا بما قاله مخالفوه الدجالون الكذابون، من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو.

стр. 2094

وقول النفاة للمباينة والمداخلة جميعاً، لما كان في حقيقة الأمر نفياً للمتقابلين المتناقضين، بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون: لا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز - كان قولهم في العقل أفسد من قول من لا يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة، فإن كلاهما مبطل، لكن بطلان سلب النقيضين وما هو في معنى النقيضين، أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى الله عليهم أجمعين، فلهذا لا تكاد تجد أحداً من نفاة المباينة والمداخلة جميعاً، أو من الواقفة في المباينة، يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته. فإذا قال لهم: لا يعقل الحلول إلا حلول العرض، فيكون الحال مفتقراً إلى المحل، أو قال ما هو أبلغ من هذا مما احتج به الأئمة عليهم: لو كان حالاً لم يخل من المباينة والمماسة، فإن القائم بنفسه إذ حل في القائم بنفسه لم يخل من هذا وهذا - قالوا للنفاة: هذا إنما يكون إذا كان الحال متخيراً أو قائماً بمتحيز، أو قالوا: هذا هو المعقول من حلول الأجسام وأعراضها، فأما إذا قدرنا موجوداً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا متحيز، لم يمتنع أن يكون حالاً بلا افتقار إلى المحل، ولا مماسة ولا مباينة.

стр. 2095

فإن قال إخوانهم من النفاة للعلو والمباينة: هذا لا يعقل. قالوا لهم: إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه، ولا مباين للعالم ولا محايث له ولا داخل فيه ولا خارج عنه، وعرضنا على العقل وجود موجود في العالم: قائم بنفسه، لا مماس له ولا مباين له، وليس بجسم ولا متحيز، أو وجود موجود مباين له، وليس بجسم ولا متحيز - كان هذا أقرب إلى العقل. وذلك أن وجود موجود لا يشار إليه، ولا يكون محيزاً: لا جسماً ولا جوهراً: إما أن يكون ممكناً، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممكناً بطل قول من يثبت موجوداً، لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، وكان حينئذ قول من أثبت موجوداً خارج العالم أو داخله، وقال: إنه لا يشار إليه - أقل فساداً في العقل من هذا، وإن كان وجود موجود لا يشار إليه، وولا يكون جسماً ولا متحيزاً، ممكناً في العقل، فمن المعلوم إذا قيل مع ذلك: إنه خارج العالم، لم يجب أن يشار إليه، ولا يكون جسماً منقسماً ولا مطابقاً موازياً محاذياً للعرش، لا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً. وإن قيل مع ذلك: إنه حال في العالم، لم يجز أن يقال: إنه مماس أو مباين، لأن المماسة والمباينة عندهم من عوارض الجسم المشار إليه، فما

стр. 2096

لا يكون جسماً لا يشار إليه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا، وإذا كان قائماً بنفسه لا يشار إليه امتنع أن يقال: هو عرض أو كالعرض المفتقر إلى المحل، بل إثبات ما لا يشار إليه، وهو داخل العالم أو خارجه أقرب إلى ما تثبته العقول من إثبات ما لا يشار إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه. ومما يقرر هذه الحجج: أن هؤلاء النفاة لما أرادوا بيان إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن نفي ذلك ليس معلوماً بضرورة العقل - احتجوا على ذلك بإثبات الكليات، واحتجوا بأن الفلاسفة وطائفة من متكلمي المسلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا توصف بحركة ولا سكون، ولا مباينة لغيرها، ولا حلول فيه. قالوا: وقول هؤلاء ليس معلوم الفساد بالضرورة، والمثبتون لما طلبوا بيان فساد قولهم، بينوا أن الكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان، وأن قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة حتى عند جماهير المتكلمين من المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم. والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء: إذا جوزتم إثبات الكليات لا

стр. 2097

داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بمعينات، بل جعلتموها جزءاً من المعينات، حيث قلتم: المطلق جزء من المعين، وجوزتم وجود نفوس مجردات عقلية، لا داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بأبدان بني آدم تعلق التدبير والتصريف، وجوزتم أيضاً وجود نفس فلكية كذلك على أحد قوليكم، فما المانع أن يكون واجب الوجود، مع تدبيره وتصريفه للعالم، متعلقاً به تعلق النفوس بالأبدان، وتعلق الكليات بالأعيان. والنصارى لا يصلون إلى أن يقولوا: إن اللاهوت في الناسوت كالنفس في البدن، بل مباينة اللاهوت للناسوت عندهم أعظم من مباينة النفس للبدن، فإذا جوزتم ما يكون لا داخل العالم ولا خارجه، مع تعلقه بالأبدان أعظم من تعلق اللاهوت بالناسوت عند النصارى، أمكن أن يكون واجب الوجود متعلقاً بالأبدان، بل الموجودات كلها كذلك، وكان قول الجهمية الذين يقولون: إن اللاهوت في كل مكان أقرب إلى المعقول من قول من يقول: إن المجردات في الأبدان والأعيان. ومما يزيد الأمر وضوحاً أن هؤلاء الفلاسفة المشائين، ومن وافقهم من المتكلمة والمتصوفة يثبتون خمس أنواع من الجواهر: واحد منها هو الجوهر الذي يمكن إحساسه، وهو الجسم في اصطلاحهم، وأربعة: هي جواهر عقلية لا يمكن الإحساس بها، وهي: العقل،

стр. 2098

والنفس، والمادة والصورة، مع اتفاقهم على أن الأجسام المحسوسة مركبة من المادة والصورة، وهما جوهران عقليان، كما يقولون: إن الأعيان المعينة المحسوسة فيها كليات طبيعية عقلية هي أجزاء منها. فإذا كان هؤلاء يثبتون في الجواهر المحسوسة، معها جواهر عقلية لا ينالها الحس بحال، ويجعلون هذا حالاً وهذا محلاً - لم يمكنهم مع ذلك أن ينكروا كون الوجود الواجب هو حالاً أو محلاً لهذه المحسوسات. وهذا هو الذي انتهى إليه محققوهم، كابن سبعين وأمثاله، فإنهم جعلوا الوجود الواجب مع الممكن - كالمادة مع الصورة، وكالصورة مع المادة، أو ما يشبه ذلك - يجعلون الوجود الواجب جزءاً من الممكن، كما أن المطلق جزء من المعين، حتى أن ابن رشد الحفيد وأمثاله يجعلون الوجود الواجب كالشرط في وجود الممكنات، الذي لا يتم وجود الممكنات إلا به، مع أن الشرط قد يكون وجوده مشروطاً بوجود المشروط، فيكون كل منهما شرطاً في وجود الآخر. كلام ابن عربي في فصوص الحكم عن علاقة الواجب بالممكن وهذه حقيقة قولهم: يجعلون الواجب مع الممكن، كل منهما مفتقر إلى الآخر ومشروط به، كالمادة والصورة. فابن عربي يجعل أعيان الممكنات ثابتة في العدم، والوجود الواجب فاض عليها فلا يتحقق وجوده إلا بها، ولا تتحقق ماهيتها إلا به، وبنى قوله على أصلين فاسدين.

стр. 2099

أحدهما: أن الوجود واحد، ليس هنا وجودان أحدهما واجب بنفسه، والآخر بغيره. والثاني: أن وجود كل شيء زائد عن حقيقته وماهيته، وأن المعدوم شيء، موافقة لمن هذا وهذا: من المعتزلة والفلاسفة، ومن وافقهم من متأخري الأشعرية، فالحقائق والذوات عنده ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فكان كل منهما مفتقراً إلى الآخر، ولهذا يقول: إن الحق يتصف بجميع صفات المخلوقات من النقائص والعيوب، وأن المخلوق يتصف بجميع صفات الله تعالى من صفات الكمال، كما قال: (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق، فهي من أولها إلى آخرها صفات له، كما أن صفات المحدثات حق للحق) . ولهذا قال: (فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة: ﴿فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ [الصافات: ١٠٢] ،

стр. 2100

فالولد عين أبيه، فما رأى يذبح غير نفسه ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات ١٠٧] ، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، بل بحكم ولد من هو عين الوالد ﴿وخلق منها زوجها﴾ [النساء: ١] ، فما نكح سوى نفسه) . وقال: (فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده) . وقال: (ولما كان فرعون في مرتبة الحكم، قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] أي، وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه، وأقروا

стр. 2101

بذلك، وقالوا: ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ ، ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] فالدولة لك، فصح قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ، وإن كان عين الحق) . وقال: (فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتاب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره، وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء) . وقال في قصة قوم نوح: ﴿ومكروا مكرا كبارا﴾ [نوح: ٢٢] ، لأن الدعوة إلى مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية) .

стр. 2102

وقوله: (ادعوا إلى الله عين المكر، فأجابوه مكراً، كما دعاهم مكراً) ، فقالوا في مكرهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [نوح: ٢٣] ، فإنهم إذا تركوا هؤلاء جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله، كما قال في المحمديين: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] : أي حكم الله. وفسر قوله: قضى، بمعنى قدر لا بمعنى أمر. قال: (وما حكم الله بشيء إلا وقع) . (والعارف يعرف من عبد. وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود) .

стр. 2103

وأمثال هذا الكلام كثير في كلام هذا وأمثاله، كابن سبعين الذي حقق قول هؤلاء الفلاسفة تحقيقاً لم يسبق إليه، وكان آخر قوله: (وأن الله في النار نار، وفي الماء ماء، وفي الحلو حلو، وفي المر مر، وأنه في كل شيء تصوره ذلك الشيء) . كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. وكذلك ابن حموية الذي يتكلم بنحو هذا في مواضع من كلامه. وكذلك ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة

стр. 2104

وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة إلى أن قال: وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت إلي رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي علي استدلال فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج ... هدى فرقة بالاتحاد تحدث

стр. 2105

فإن العارف المحقق من هؤلاء يقول: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولاً بنفسه، فهو المرسل والمرسل إليه والرسول،. ويقول من هو من أكبر من أضلوه من أهل الزهادة والعبادة مع الصدق في تسبيحاته وأذكاره: (الوجود واحد، وهو الله، ولا أرى الواحد، ولا أرى الله) . ويقول أيضاً (نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود، والوجود واحد لا ثنوية فيه) . ويكرر ذلك كما يكرر المسلمون: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعنده أن غاية هذا التحقيق والعرفان. ويجيء من هو من أفضل المتكلمين من النفاة للعلو: يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم، ويأخذ ورقة فيها سر مذهبه، ويرقي بها المرضي، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب.
следующие страницы →