Полный текст (4 031 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
وسلم، وسكن قلبه إلى الإيمان، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقاً من الله له، وتيسيراً له لما خلق له من الخير والحسنى، فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان، ولا إلى تكليف استدلال.
وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكراه والعباد، وأصحاب الحديث الأئمة، الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين) .
قال: (وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾ .
وقال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ .
قال: (فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم المعاصي، فضلاً منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم،
стр. 2697
ولم يذكر الله في ذلك استدلالاً أصلاً.
وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم، ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من سمعوا منه ما يخالف الشريعة، ويرون أن حرقهم بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام) .
قال: (وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حساً، وشاهدناه في ذواتنا يقيناً، فلقد بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه، ونحن - ولله الحمد - في غاية اليقين بدين الإسلام، وكل ما جاء به محمد ﷺ ، وفي غاية سكون النفس إليه، وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك، وكانت تخطر في قلوبنا خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان، فنكاد
стр. 2698
لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعاً لها، كما أخبر رسول الله ﷺ إذ سئل عن ذلك، فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يقدم فتضرب عنقه أحب إليه من أن يتكلم به.
فأخبر النبي ﷺ بأن ذلك محض الإيمان، وأخبر أنه وسوسة الشيطان، ثم تعلمنا طرق الاستدلال وأحكمناها - ولله الحمد والمنة - فما زادنا يقيناً على ما كنا، بل عرفنا أننا كنا ميسرين للحق، وصرنا كما عرف وقد أيقن يكون - الفيل سماعاً ولم يره، ثم رآه، فلم يزدد يقيناً بصحة إنيته أصلاً، لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء الفاسدة التي نشأنا عليها فقط) .
قال: وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا، إلا أنهم يلزمهم أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد، فصح بما قلنا أن كل من محض اعتقاد الحق بقلبه، وقاله
стр. 2699
بلسانه، فهم مؤمنون محققون.
ليسوا مقلدين أصلاً، وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط، ولو أن آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد ﷺ لتركناه، فلو قالوا هذا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفاراً غير مؤمنين، لأنهم إنما اتبعوا آباءهم وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم، لم يتبعوا النبي ﷺ الذي أمروه باتباعه) .
قال: (وإنما كلق الله الإتيان بالبرهان - إن كانوا صادقين - الكفار المخالفين لما جاء به النبي ﷺ ، وهذا نص الآية، ولم يكلف قط المسلمين الإتيان بالبرهان، ولا أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان.
والفرق بين الأمرين واضح وهو أن كل من خالف النبي ﷺ فلا برهان له أصلاً، فكلف المجيء بالبرهان تبكيتاً وتعجيزاً، وإن كانوا صادقين - وليسوا
стр. 2700
صادقين - فلا برهان لهم، وأما من اتبع ما جاء به رسول الله ﷺ فقد اتبع الحق الذي قامت البراهين بصحته، ودان بالصدق الذي قامت الحجة البالغة بوجوبه، فسواء علم هو بذلك - أي البرهان - أو لم يعلم، حسبه أنه على الحق الذي صح البرهان به، ولا برهان على سواه، فهو محق مصيب) .
قال: (وأما قولهم: ما لم يكن علماً فهو شك وظن، والعلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو استدلال.
قالوا: والديانات لا تعرف صحتها بالحواس ولا بضرورة العقل، فصح أنه لا تعرف صحتها إلا بالاستدلال، فإن لم يستدل المرء فليس عالماً، وإذا لم يكن عالماً فهو جاهل شاك أو ظان، وإذا كان لا يعلم الدين فهو كافر.
قال: فهذا ليس كما قالوا، لأنهم قضوا قضية باطلة فاسدة بنوا عليها هذا الاستدلال، وهي إقحامهم في حد العلم قولهم عن ضرورة أو استدلال.
هذه زيادة فاسدة لا نوافقهم عليها، ولا جاء بتصحيحها قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا لغة، ولا طبيعة،
стр. 2701
ولا قول صاحب.
وحد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئاً على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسً، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه، ولا مزيد ولا يجوز البتة أن يكون محقق في اعتقاد شيء، كما هو ذلك الشيء، وهو غير عالم به، وهذا تناقض وفساد وتعارض) .
قال: وقول النبي ﷺ في مساءلة الملك حجة عليهم لأن النبي ﷺ إنما قال فيه: «فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو رسول الله ﷺ » ، ولم يقل: فأما المستدل.
فحسبنا نور المؤمن الموقن، كيف كان إيمانه ويقينه.
و «قال ﷺ : وأما المنافق أو المرتاب» - ولم يقل: غير المستدل - فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته» ، فنعم هذا هو قولنا، لأن
стр. 2702
المنافق والمرتاب ليسا موقنين ولا مؤمنين، وهذا مقلد للناس لا محقق، فالخبر حجة عليهم كافية.
وأما قولهم: إن الله قد ذكر الاستدلال في غير موضع من كتابه وأمر به وأوجب العلم به، والعلم به لا يكون إلا عن استدلال، فهذا أيضاً زيادة أقحموها وهي قولهم: وأمر به.
فهذا لا يجدونه أبداً، ولكن الله ذكر الاستدلال وحض عليه، ونحن لا ننكر الاستدلال، بل هو فعل حسن مندوب إليه، محضوض عليه كل من أطاقه، لأنه مزيد من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، وإنما ننكر كونه فرضاً على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، فهذا هو الباطل المحض.
وأما قولهم: إن الله أوجب العلم به، فنعم.
وأما قولهم: والعلم لا يكون إلا عن استدلال، فهذا هو الدعوى الكاذبة التي أبطلناها آنفاً.
وأول بطلانها أنه دعوى بلا برهان) .
قال: (فسقط قولهم إذ تعرى من البرهان، وكان دعوى منهم مفتراه لم يأت بها نص قط ولا إجماع.
ونحن ذاكرون البراهين على بطلان قولهم.
يقال لمن قال: لا يكون مسلماً إلا من
стр. 2703
استدل أخبرنا: متى يجب عليه فرض الاستدلال؟ أقبل البلوغ أو بعده؟ فأما الطبري.
فإنه أجاب بأن واجب قبل البلوغ.
قال ابن حزم: وهذا خطأ، لأن من لم يبلغ ليس مكلفاً ولا مخاطباً) .
قال: وأما لاأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم، وتقشعر منها جلود أهل الاسلام، وتصطك منه المسامع، ويقطع ما بين قائلها وبين الله، وهو أنهم قالوا: لا يلزم طلب الأدلة إلا بعد البلوغ.
ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا المؤونة، وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم، فقالوا غير مساترين: لا يصح إسلام أحد بأن يكون بعد بلوغه شاكاً غير مصدق.
قال: وما سمعنا قط في الكفر والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم: إنه لا يكون أحد مسلماً حتى يشك في الله ، وفي صحة النبوة، وفي هل رسول الله ﷺ صادق أو كاذب؟ ولا سمع قط سامع في الهوس
стр. 2704
والمناقضة والاستخفاف بالحقائق بأقبح من قول هؤلاء: إنه لا يصح الإيمان إلا بالكفر، ولا يصح التصديق إلا بالجحد، ولا يوصل إلى رضا الله إلا بالشك فيه، وأن من اعتقد موقناً بقلبه ولسانه أن الله ربه لا إله إلا هو، وأن محمد رسول الله، وأن دين الله الذي لا دين غيره - فإنه كافر مشرك، نعوذ بالله من الخذلان.
فوالله لولا خذلان الله - الذين هو غالب على أمره - ما انطلق لسان ذي مسكة بهذه العظيمة) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا القول هو في الأصل من أقوال المعتزلة، وقد أوجب أبو هاشم وطائفة معه الشك، وجعلوه أول الواجبات.
ومن لم يوجبه من الموافقين على أصل القول، قال إنه لابد من حصوله، وإن لم يؤمر به.
وهذا بناء على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم.
والثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالماً.
وكلا الأصلين باطل.
أما الأول، فقد عرف الكلام فيه.
وأما الثاني، فإن النظر نوعان: أحدهما: النظر المتضمن طلب الدليل،
стр. 2705
وهو كالنظر في المسؤول عنه ليعلم ثبوته أو انتفاؤه، كالنظر في مدعي النبوة: هل هو صادق أو كاذب؟ والنطر في رؤية الله تعالى: هل هي ثابتة في الآخرة أم منتفية؟ والنظر في النبيذ المسكر: أحلال هو أم حرام؟
فهذا الناظر طالب، وهو في حال طلبه شاك.
وليس هذا النظر هو النظر المقتضي للعلم، فإن ذلك هو النظر فيما يتضمن النظر فيه للعلم، وهو النظر في الدليل، كالنظر في الآية والحديث، أو القياس الذي يستدل به، فهذا النظر مقتض للعلم، مستلزم له.
وذلك النظر مضاد للعلم مناف له.
ولما كان في لفظ (النظر) إجمال، كثر اضطراب الناس في هذا المقام، وتناقض من تناقض منهم، فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم، ثم يقولون: النظر يضاد العلم.
فكيف يكون ما يتضمن العلم مضاداً له لا يجتمعان.
فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق.
والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون في القلب ذاهلاً عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم
стр. 2706
يتقدم ذلك شك وطلب.
وقد يكون عالماً به، ومع هذا ينظر في دليل آخر، لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالباً للعلم، فيلزم أن يكون شاكاً، فصاروا يوجبون على كل مسلم: أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا: هو من لوازم الواجب.
ومن غلطهم أيضاً.
أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فليس من شرط ذلك تأخر النظر إلى البلوغ، بل النظر قبل ذلك ممكن، بل واقع، فتكون المعرفة قد حصلت بذلك النظر، وإن لم يكن واجباً كما لوتعلم الصبي أم الكتاب وصفة الصلاة قبل البلوغ، فإن هذا التعلم يحصل به مقصود الوجوب بعد البلوغ، والنظر إنما هو واجب وجوب الوسائل، فحصوله قبل وقت وجوبه أبلغ في حصول المقصود.
ونظير ذلك: إن يتوضأ الصبي قبل البلوغ، والبالغ قبل دخول وقت الصلاة، فيحصل بذلك مقصود الوجوب بعد البلوغ والوقت.
والكلام في هذه المسألة له شعب كثيرة، وقد تكلم عليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان طرق كثير من أهل العلم في تصديق الرسول ﷺ .
وتحقيق هذه المسألة يتعلق بمسائل: منها: أن
стр. 2707
الاعتقاد الجازم بلا ضرورة ولا استدلال: هل يمكن أم لا؟ وإذا أمكن: فهل يسمى علماً أم لا؟
ومنها: أن لفظ (الضرورة) فيه إجمال.
فقد يراد به مايضطر إليه الإنسان من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس.
وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون كسبه.
وقد يراد به ما لا يقبل الشك.
وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوماً لا يمكن الانفكاك عنه.
ومنها: أن حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولاً ضرورياً، مع توهمه أنه لم يحصل له، كما يقع مثل ذلك في القصد والنية، فإن الأمة متفقة على أن الصلاة ونحوها من العبادات لا تصح إلا بالنية من جنس القصد، والإرادة محلها القلب باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غير ما قصد بقلبه أو بالعكس، كان الاعتبار بقصده الذي في قلبه.
ثم إن كثيراً من الناس اشتبه عليهم أمر النية، حتى صار أحدهم يطلب حصولها وهي حاصلة عنده، ويشك في حصولها في نفسه وهي حاصلة، لا سيما إذا اعتقد أنه يجب مقارنة النية للصلاة، فيرى في أحدهم من الوسواس في حصولها ما يخرجه عن العقل والدين، حتى قيل: الوسوسة لا تكون إلا عن خبل في العقل، أو جهل بالشرع.
وأصل ذلك جهلهم بحقيقة النية وحصولها، مع خروجهم عن الفطرة السليمة، التي فطر الله عليها عباده.
ومن المعلوم أن كل من علم
стр. 2708
ما يريد أن يفعله، فلا بد ان ينويه ويقصده، فيمتنع أن يفعل العبد فعلاً باختياره، مع علمه به وهو لا يريده، فالمصلي إذا خرج من بيته وهويعلم أنه يريد الصلاة، امتنع أن لا يقصد الصلاة ولا ينويها.
وكذلك الصائم إذا علم أن غداً من رمضان وهوممن يصومه، أمتنع أن لا ينويه.
وكذلك المتطهر إذا أخذ الماء وهو يعلم أن مراده الطهارة، أمتنع أن لا يريدها.
وإنما يتصور عدم النية مع الجهل بالمفعول، أو مع أنه ليس مقصوده المأمور به، مثل من يظن أن وقت الصلاة أو الصيام قد خرج، فيصوم ويصلي ظاناً أن ذلك قضاء بعد الوقت، فهذا نوى القضاء، فإذا تبين له بعد ذلك أن الصوم والصلاة إنما كانا في الوقت، إذا فهذا يجزئه الصلاة والصيام بلا نزاع.
وكذلك من اغتسل بالماء لقصد لقصد إزالة الوسخ، أو لتعليم الغير، فهذا لم يكن مراده بما فعله الطهارة المأمور بها.
ولهذا تنازع الفقهاء في صحة الصلاة بمثل هذه الطهارة، وأمثال ذلك.
ولهذا يجد المسلم في نفسه فرقاً بين ليلة العيد الذي يعلم أنه لا يصومه، وبين ليالي رمضان الذي يعلم أنه يصومه.
ويجد الفرق بين ما إذا كان مقيماً أو مسافراً يريد الصيام، وبين ما إذا كان مسافراً لا يريد الصيام.
стр. 2709
فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أولا يحسن أن يعبر عن وجودها، أو يطلب وجودها فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلاً في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه، لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر.
فهكذا عامة المؤمنين: إذا حصل أحدهم في سن التمييز يحصل له من الأسباب، التي توجب معرفته بالله وبرسوله، ما يحصل بها في نفسه علم ضروري ويقين قوي، كحصول الإرادة لمن علم ما يريد فعله، ثم كثير من أهل الكلام يلبسون عليه ما حصل له ويشككونه فيه، كما أن كثيراً من الفقهاء يلبسون على المريد الناوي ما حصل له ويشككونه فيه.
والعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه، ومنه ما يحصل دفعة، كالعلم بما أحسه.
ومنه ما يحصل شيئاً بعد شيء، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة، والعلم بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها.
وكذلك حصول الإرادة، فإن من الأشياء ما تحصل إرادته الجازمة في النفس، كإرادة الأشياء الضرورية التي لا بد له منها، كإرادة دفع
стр. 2710
الأمور الضارة له، وكإرادة الجائع الشديد الجوع، والعطشان الشديد العطش، لتناول ما تيسر له من الطعام والشراب.
ومنه ما يحصل شيئاً بعد شيء، كإرادة الإنسان لما هو أكمل له وأفضل، فإن هذا قد تحصل إرادته شيئاً بعد شيء.
وكذلك إرادته لما يشك في كونه محتاجاً إليه، أو كونه نافعاً له، فإن الإرادة قد تقوى بقوة العلم، وقد تضعف بضعفه، وقد تقوى بقوة نفس محبة الشيء المطلوب وضعف محبته.
ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية، وعلوم فطرية، وأن كثيراً من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها، فيسعون في حصولها، وتحصيل الحاصل ممتنع، فيحتاجون أن يقدروا عدم الموجود، ثم يسعون في وجوده، ومن هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه.
وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة، أو توجهت نحو المطلوب، فيحصل لها معرفته ومحبته.
стр. 2711
والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته، وهذه هي الحنيفية التي خلق عباده عليها، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» .
وقد قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ .
وقال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ؟ والكلام في هذه الأمور مذكور في غير هذا الموضع.
ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والإيمان واجب على الناس بحسب الإمكان، فالجمل التي فرض الله تعالى على الخلق كلهم الإقرار بها مما يمكنهم معرفتها.
وأما التفاصيل ففيها من الدقيق ما لا يمكن أن يعرفه إلا بعض الناس، فلو كلف بقية الناس بمعرفته، كلفوا ما لا يطيقون، ولهذا لم يجب على كل أحد أن يسمع كل آية في القرآن ويفهم معناها، وإن كان هذا فرضاً على الكفاية.
стр. 2712
ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا.
والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات، كما قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ، بل من الأخبار ما إذا سمعه بعض الناس ضرهم ذلك، وآخرون عليهم أن يصدقوا بمضمون ذلك ويعلموه، قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسول؟ وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
فمثل هذه الأحاديث التي سمعت من الرسول ﷺ ، أو ممن سمعها منه، وعلم أنه قالها، يجب على من سمعها أن يصدق بمضمونها، وإذا فهم المراد كان عليه معرفته والإيمان به.
وآخرون لا يصلح لهم أن يسمعوها في كثير من الأحوال، وإن كانوا في حال أخرى يصلح لهم سماعها ومعرفتها.
والقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له.
قال تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها
стр. 2713
فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ .
وهذا مثل ضربه الله سبحانه لما أنزل من العلم والإيمان والقلوب التي تنال ذلك، شبه الإيمان بالماء النازل، والقلوب بالأودية، فمنها كبار ومنهاصغار، وبين أن الماء كما يختلط بما يكون في الأرض، كذلك القلوب فيها شبهات وشهوات تخالط الإنسان، وأخبر أن ذلك الزبد بجفأ جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، كذلك الشبهات تجفوها القلوب، وما ينفع يمكث فيها.
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا ورعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في
стр. 2714
دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .
وما ذكره ابن حزم من أن العلم قد يحصل في القلب لا عن ضرورة ولا نظر، ورده على من يحصره في النوعين فمثل هذا قد يكون النزاع فيه لفظياً.
وذلك أن نافي الحصر قد يريد بالضرورة ما كان عن ضرورة حس، وأولئك يجعلون ما يحصل من العلم الضروري بالحس أحد أنواع العلم الضروري وقد يريد بالضرورة ما يضطر إليه الإنسان بدون نظر في تصوره.
وأولئك يريدون بالعلم الضروري والبديهي ما اضطر إليه الإنسان إذا تصور طرفيه، سواء كان ذلك التصور ضرورياً أو لم يكن، بل كثير من الناس يقول: إن جميع العلوم ضرورية باعتبار أسبابها، فإن العلم الحاصل بالنظر والكسب والاستدلال هو بعد حصول أسبابه ضروري، يضطر إليه الإنسان، وهذا اختيار أبي المعالي وغيره.
وللناس في هذا الباب اصطلاحات متعددة، من لم يعرفها يجعل بينهم نزاعاً معنوياً، وليس كذلك.
كما أن طائفة منهم يجعلون العلم البديهي هو الضروري، والكسبي هو النظري.
ومنهم من يفرق بينهما، فيجعلون الضروري ما اضطر إليه العبد من غير عمل وكسب منه، لا في
стр. 2715
تصور المسألة ولا دليلها ويجعلون البديهي ما بدهه، وإن كان عن نظر اضطر إليه من غير كسب منه، فإن العبد قد يضطر إلى أسباب العلم.
وقد يختار اكتساب أسبابه.
وهذا في الحسيات وغيرها، كمن يفجأه ما يراه ويسمعه، من غير قصد إلى رؤيته وسمعه، ومن يسعى في رؤية الشيء واستماعه.
والأول لا يدخل تحت الأمر والنهي.
والثاني يدخل تحت الأمر والنهي.
وأيضاً فمن الناس من يقول: العلوم الضرورية والبديهية يشترك فيها عامة العقلاء، ويجعل ما يختص به بعضهم ليس من هذا القسم.
ومنهم من يسمى كل ما اضطر إليه الإنسان وبدهه ضرورياً وبديهياً، وإن كان ذلك مختصاً بنوع من الناس، كما يختص بالأنبياء والأولياء وأهل الفراسة والإلهام.
وعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله تعالى وهدايته وإلهامه، وجعله له في قلب العبد بدون استدلال، يسميه هؤلاء علماً ضرورياً.
وإن كان ابن حزم وأمثاله لا يسمونه ضرورياً، فهذا نزاع لفظي.
ومن حد الضروري بأنه العلم الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه، جعل هذا كله ضرورياً.
وكذلك يقول كثير من شيوخ أهل المعرفة لكثير من أهل النظر: إن علمنا ضروري، كما في الحكاية المعروفة التي ذكرها أبو العباس أحمد بن محمد بن خلف المقدسي
стр. 2716
ورأيتها بخطه عن الشيخ أحمد الحيوقي المعروف بالكبرى، قال: دخل علي فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين.
فقلت نعم أنا أعلم علم اليقين.
فقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت بجة أبطلها؟ فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين.
فقالا: فبين لنا ما هذا اليقين.
فقلت: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.
فجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولون: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.
وتعجبا من هذا الجواب، لأنه ﵀ بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوماً لا يمكنه مع ذلك دفعها.
قالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها فاعتذر الرازي بما له من الموانع.
وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات، فإن الشبهات قد أحرقت قلبي.
فأمر الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات.
стр. 2717
والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت مجسماً حشوياً، فلما فتح الله تعالى عليه بذلك، قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال، فإن عهدي بالحكاية من زمان، وكان هذا الشيخ الكبرى إذا قيل له: من قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فهو مجسم، يقول: فخذ إني حنيئذ مجسم وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده، بلاد جرجان وخوارزم.
تابع كلام ابن حزم
قال أبو محمد بن حزم: (ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئاً من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى لله عليه وسلم منذ بعث لم يزل يدعو الناس، الجم الغفير، إلى الإيمان بالله تعالى، وبه، وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم، وسسبي نسائهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، متقرباً إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية
стр. 2718
وإصغاره، ويقبل من آمن به، ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام، ومنهم المرأة البدوية، والراعي، والراعية، والغلام الصحراوي، والوحشي، والزنجي، والمسبي، والزنجية المجلوبة، والرومي والرومية، والأغثر الجاهل والضعيف في فهمه، فما منهم من أحد ولا من غيرهم قال ﵇: إني لا أقبل إسلامك، ولايصح لك دين إلا حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه.
قال: ولسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه قال ذلك لأحد، بل نقطع - نحن وجميع أهل الأرض - قطعاً كقطعنا على ما شاهدنا: أنه ﵇ لم يقل هذا قط لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة، أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر.
ومن المحال
стр. 2719
الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون ﵇ يغفل أن يبين للناس ما لا يصح لأحد الإسلام إلا به، ثم يتفق على إغفال ذلك أو تعمد ترك ذكره جميع أهل الإسلام، ويبينه هؤلاء الأشقياء، ومن ظن أنه وقع من الدين على ما لا يقع عليه رسول الله ﷺ فهو كافر بلا خلاف.
فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله ولرسوله، ولجميع أهل الإسلام قاطبة) .
تعليق ابن تيمية
قلت: قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك.
وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان.
كما قال ﷺ : «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
وقال: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم» .
стр. 2720
ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطي الجزية، فيكون مكرهاً على أحد الأمرين.
ومن قال: لا تؤخذ الجزية من وثني قال: إنه يقاتل حتى يسلم.
وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقاً، وقد كان على عهد رسول الله ﷺ منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير هذا موضع، وميز سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع.
كما في قوله: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾ .
وقال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم
стр. 2721
من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ .
وهؤلاء قد قالت طائفة: إنهم أسلموا ظاهراً مع كونهم منافقين.
وقال الأكثرون: بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلا حقيقة الإيمان، فإنه قد قال فيهم: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم﴾ .
والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله، ومن هذا الباب قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها في غير هذا الموضع، فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول الواجبات، ووجوب النظر، بالفاسق الملي، وتكفير أهل البدع، وغير ذلك من المسائل التي تكلم عليها الناس.
стр. 2722
وبهذا أجابوا عن هذه الحجة، فإنه لما قيل لهم: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفي منه بالإقرار بالشهادتين.
قالوا: إنما نجتزىء منه بذلك لإجراء الإسلام عليه.
فإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء الأحكام.
ولو كان ذلك إيماناً حقيقياً لما قال في حق النسوة المهاجرات: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ ثم يقول: من ترك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا، فلا بد له من حامل يحمله عليه، فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته، وصحة دين الإسلام، فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة، وإن كان الذي يحمله رهبةً منا، أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره، فهجرته إلى ما هاجر إليه.
تابع كلام ابن حزم
قال أبو محمد: (فإن قالوا: فما كانت حاجة الناس إلى الآيات والمعجزات؟ وإلى احتجاج الله عليهم بالقرآن وإعجازه؟ وبدعاء اليهود إلى تمني الموت، ودعاء النصارى إلى المباهلة وشق القمر؟ قلنا
стр. 2723
وبالله التوفيق قد قلنا: إن الناس قسمان: قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام، ولا دخلها التصديق، فطلبوا منه ﵇ البراهين، فأراهم المعجزات، فانقسموا قسمين: طائفة آمنت، وطائفة عندت وجاهرت فكفرت، وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين يلزمهم طلب الاستدلال فرضاً ولابد، وقسم وفقهم الله تعالى لتصديقه ﵇، وخلق في نفوسهم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ ، فهؤلاء آمنوا له ﵇ بلا تكليف آية.
وأهل هذه الصفة هم اليوم المعتقدون للإسلام حقاً بلا معرفة باستدلال.
قال أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن جميع أهل الأرض كفار إلا الأقل، وقد قال بعضهم: إنهم مستدلون.
قال: وهذه مجاهرة هو يدري أنه فيها كاذب، وكل من سمعه يدري
стр. 2724
أنه فيها كاذب، لأن أكثر العامة من حاضرة وبادية لايدري ما معنى الاستدلال، فكيف يستعمله؟) .
تعليق ابن تيمية
قلت: لفظ الاستدلال فيه إجمال، فإن أريد العبارة عن نظم الأدلة والجواب عن الممانعات والمعارضات، فهذا قد يقال: إنه لا يحسنه إلا من يحسن الجدل.
وأما الاصطلاح المعين، والترتيب المعين، أو اللفظ المعين، فهذا بمنزلة اللغات، لا يعرفه إلا من يعرف تلك اللغة، وليس هذا واجباً بلا ريب.
وإن أريد به نفس طلب العلم بالشيء بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه مامنهم من أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك.
وقد قال تعالى: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ والإنسان يجادل بالباطل ليدحض به الحق، من غير معرفة بقوانين الجدل، فكيف لا يجادل بالحق؟.
وللناس من النظر والمناظرة في صناعتهم وأمور دنياهم، ما يبين أن النظر والمناظرة مركوز في فطرهم، فكيف في أمور الدين؟
والله سبحانه يقول: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ وقال تعالى: ﴿قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ .
стр. 2725
وهذا الذي ذكره ابن حزم هو قول كثير من الأشعرية، فإنهم متنازعون في النظر: هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ وفي الواجب: هل هو المعرفة أو الاعتقاد الجازم المصمم؟ وهل يسمى ذلك علماً أم لا؟
كلام الجويني في نفي وجوب النظر
وكان أبو المعالي يقول: (لم يكلف الناس العلم، فإن العلم في هذه المسائل عزيز لا يتلقى إلا من النظر الصحيح التام، فتكليف ذلك عامة الناس تكليف ما لا يطاق، وإنما كلفوا الاعتقاد السديد مع التصميم وانتفاء الشك والتردد، ولو سمى مسم مثل هذا الاعتقاد علماً، لم يمنع من أطلاقه) .
قال: (وقد كنا ننصر هذه الطريقة زماناً من الدهر، وقلنا: مثل هذا الاعتقاد علم على الحقيقة، فإنه اعتقاد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم، ثم بدا لنا أن العلم ما كان صدوره عن الضرورة أو الدليل القاطع) .
قال: (وهذا الاعتقاد الذي وصفناه لا يتميز في مبادىء النظر حتى يستقر ويتميز عن اعتقاد الظان والمخمن) .
كلام أبي إسحاق الإسفراييني
وقال أبو إسحاق الإسفراييني في آخر مصنفاته: (من اعتقد ما يجب
стр. 2726
اعتقاده هل يكتفي به؟ اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من اكتفى به، ومنهم من شرط إقرار هذه العقائد بالأدلة) .
تعليق ابن تيمية
قلت: والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان: أحدهما: من يقول: إن أكثر العامة تاركوه، وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون: إن إيمانهم لا يصح.
وأكثرهم يقولون يصح إيمانهم تقليداً، مع كونهم عصاة بترك النظر.
وهذا قول جمهورهم.
قد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم، كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح الفقه الأكبر فقالوا: قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد، ولكنه عاص بترك الاستدلال.
كلام شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة
وقال الشارح: (هذا يفيد فائدتين: إحداهما: أن الإيمان بالتقليد صحيح، وإن لم يهتد إلى الاستدلال، خلافاً للمعتزلة والأشعرية، فإنهما لا يصححان إيمان المقلد والإيمان بالتقليد، ويقولان بكفر العامة) .
стр. 2727
وقال: (وهذا قبيح من أقبح القبائح لأنه يؤدي إلى تفويت حكمة الله تعالى في الرسالة والنبوة، لأن من أعطي الرسالة والنبوة أمر بعرض الإسلام أولاً على الكفرة، فلو كان الإسلام لا يصح بالعرض والتقليد، لفات الحكمة في الرسالة، إلا أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة، وكل من كان في الاستدلال والاستنباط أكثر، كان إيمانه أنور) .
وذكر كلاماً آخر.
تعليق ابن تيمية
قلت: القول القبيح الباطل تكفير من حكم الشارع بإيمانه، وهم المؤمنون من العامة وغيرهم، الذين لم يسلكوا الطرق المبتدعة، كطريق الأعراض ونحوها.
وأما كون إيمان العامة تقليداً أو ليس تقليداً؟ وهل هم عصاة أو ليسوا عصاة؟ فهذا كلام آخر.
وأما المعتزلة والأشعرية فلهم في ذلك نزاع وتفصيل معروف.
والنوع الثاني من موجبي النظر - وهم جمهورهم - يقولون: إنه متيسر على العامة، كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلي وغيرهما، ممن يقول ذلك.
كلام أبي يعلى في وجوب النظر
قالوا: (فإن قيل: فتقولون بوجوب معرفة الله، ومعرفة نبوة رسله، في حق كل مكلف من أهل النظر والعامة، وجفاة
стр. 2728
الأعراب والأكراد، وأهل القصبة والرستاق، ومن يقصر فهمه عن معرفة الدقيق وأدلة التفصيل؟ قيل: نعم، لأنه ليس في جميع من ذكرت من يعرف فهمه ويقصر علمه عن معرفة الحدث والمحدث عند مشاهدة تغيير العالم، وما يحدث ويتجدد في أجسامه، من الزيادة والنقصان والنماء وتغير الحالات، وما تجد عليه النطفة من التصور والانتقال من حال إلى حال، وإن قصرت عبارته عن أن يقول: إن هذه أمور متجددة طارئة، إنه لا بد للصنعة من صانع، وللكتابة من كاتب.
وقد علم أن انتقال النطفة، إلى أن تصير إنساناً أو بهيمة، أعظم في الأعجوبة، من تحول الفضة خاتماً، والخشبة سريراً وباباً، والغزل ثوباً منسوجاً، وإن لم يعبر عن ذلك بعبارات المتكلمين، وألفاظ الناظرين، وكما يفرق بين خبر الوحد الذي لا يوجب العلم، وبين خبر التواتر الموجب للعلم، وكما تجد في أنفسها الفرق بين الظن والتقليد، وبين المشاهدة وعلم اليقين، وإن تعذر عليها الفصل بين ذلك أجمع من طريق العبارة.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون لجميعهم سبيل إلى معرفة الحدوث والمحدث) .
هذه عبارة القاضي أبي يعلي، وغيره من هؤلاء الذين وافقوا القاضي أبا بكر على طريقته.
كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر
وكذلك قال ابن الزاغوني، وهو من القائلين بوجوب النظر
стр. 2729
والاستدلال، وحكى ذلك عن عامة العلماء، كما ذكره القاضي أبو يعلي، وابن عقيل، وأبو الخطاب، وغيرهم.
قال: (والذي فرضه الله على الأعيان على ضربين: أحدهما: ما لا يتم الإيمان إلا به، وهو معرفة الله وتوحيده، وأنه صانع الأشياء، وأن الكل عبيده، وأمثال ذلك.
فهذا يستوي في لزومه العالم والعامي، ونعني بقولنا: العالم، الذي تبصر وتدرب وعرف الحجة من الشبهة، وتبحر في مواقف الاجتهاد للمعرفة، وانتصب دافعاً بالحق شبه أهل الاعتراض، على وجه يترجح به الثقة، ويساعده بالفهم اليقين والمعرفة.
ونعني بالعامي من فصل عن أرباب الاختصاص في أحراز العلم وكثرة التبحر، وإنما سمي عامياً من جهة قلة العدد في خواص العلماء، بالإضافة إلى من بقي، فخواص العلماء في كل زمان آحاد يسير عددهم، والناس غيرهم أعم وجوداً، وأكثر عدداً.
فلهذا سمي من قل علمه عامياً ومن جملة العامة.
ولسنا نريد بالعامي من لا معرفة له بشيء من العلم بحال.
فإذا ثبت هذا، فسائر العامة مؤمنون عارفون بالله في عقائدهم وديانتهم، غير مقلدين في شيء قدمناه ذكره) .
قال: (وذهبت طوائف من المعتزلة والقدرية إلى أنه لا يعرف الله إلا العلماء، فإما العوام فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم لله) .
стр. 2730
قال: (والدليل على إبطال قولهم هو أنا نقول: حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد هي طمأنينة النفس، وسكون القلب إلى معرفة مايعتقد، بإسناد ذلك إلى دليل يصلح له.
وهذا لا يعدم في حق أحد من العامة.
وبيان ذلك: أنه لو قيل لأحد من العوام: بم عرفت ربك؟ لقال: بأنه انفرد ببناء هذه السماء ورفعها، فلا يشاركه في هذا موصوف بجسم ولا جوهر.
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ، ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها.
وهذا الآيات هي الأصل عند العلماء، وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببيسط البيان المليح، والتشقيق، والغامض الدقيق.
وفي بيان حكم يدركها العامي فهماً بجنانه، ويقصر عن شرحها بلسانه، فهما في ذلك كرجلين اتفقا في العلم بمسألة، وأحدهما في الكشف أبسط باعاً، وأفصح شرحاً.
وهذا يرجع إلى شيء، وذلك أنه قد ثبت أن الله تعالى كلف الكل معرفته، وضمن فيما أن لا يزيد تكليفه على مقدار الوسع، بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ ، فحقيقة المعرفة بالشيء إنما هي الوقوف عليه بالعلم على ما هو به، ولا يوصل إلى ذلك في
стр. 2731
حق الله إلا باستناد المعتقد فيه إلى دليله، فلو كان الدليل لا يدخل الوقوف عليه في طوق العامي، لأدى ذلك إلى تكليفه ما ليس في وسعه، وهذا خلاف ما نص الله عليه.
دليل آخر: وهو أنا إذا تأملنا أدلة التوحيد، وما يجب على العامي ترك التقليد فيه، وجدناه سهلاً في مأخذه، قريباً في تناوله، تشتاق النفوس إليه بأنسها، ويستند ذلك إلى شيئين: أحدهما: أن ذلك منوط بالعقل، ولأجل هذا ادعى خصومنا أن المعرفة وجبت بالعقل، والعوام عقلاء.
ويظهر ذلك شرعاً وعقلاً: أما الشرع فلا يكلف إلا عاقلاً، وهو تسليم أموالهم إليهم لرشدهم، ولا رشيد إلا عاقل.
وأما طريق العقل فيما يظهر من ذلك في تدبيرهم، وتدقيق حيلهم، وخفي مكرهم، في تقاسيم أحوال الدنيا.
وقد سطر الناس في ذلك كتباً، وصنفوا فيها من فنون المكر والحيل، وتدقيق الآراء في أنواع التدبير ما فيه غنية لمن تأمله.
والثاني: أن أدلة ذلك جلية في أعلى مقامات الإيضاح والكشف، حتى تجد النفوس بها مستأنسة، وذلك مثلما يستدل
стр. 2732
العامي على معرفة أن له خالقاً، فيعلم عند تأمل نفسه أنه جسم مجموع مفعول مصنوع، وهو عاجز في نفسه عن صنع ذاته وصفاته من وجوه.
أيسرها: أن الصانع من شرطه أن يتقدم على المصنوعات، فإذا ثبت ذلك في نفسه، واستقر ذلك في أمثاله من جنسه، واستوى العالم كله عنده في أنه يشاركه في صفات نفسه، اقتضى ذلك إثبات صانع آخر، يخالفهم في استحقاق الجمع لحقيقة الوحدة، ويتحقق فيه شرط السبق إلى غير غاية.
وهذا وأمثاله معروف عند العامة، لا يخفى عليهم، وإن عجزوا في بعضه عن الإفصاح بشرحه، والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته، على وجه يزول عنه الشك، ويبعد فيه الريب، ويستضيء به العقل، وتثق به النفس.
وهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته، فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة، وهذا جلي واضح.
ولكونه حقاً في نفسه، صحيحاً في معناه، سوى الله في أحكامه بين العالم والعامي، في احكام ذلك العامة، وهي الخطاب بالأمر والنهي، وإقرارهم على حكم القبول في المعقود من الأنكحة والبيوع، وأداء الفرائض
стр. 2733
واجتناب المحارم، والغسل والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين إلى قبلتهم، والتوارث منهم، وذلك يوجب لهم القضاء بالإيمان والمعرفة) .
قال: (واحتج المخالف بأن حقيقة المعرفة هو العلم بالشيء، أو العلم بالمعلوم، وإنما يكون ذلك إذا وصل صاحبه إلى اليقين فيه، وإذا لم يكن قادراً على بصيرة دليل يكشفه، ولا على دفع شبهة يحلها، لم يكن على يقين فيما علمه، لأنه قد يعترض عليه، فيما عنده شك، ما يوجب نقلته عما كان عليه، أو يعرض له من الشكوك، ما يزيل الثقة بما عنده.
ومن هو على هذه الصفة فهو ناقص المعرفة، وتجويز النقصان في هذا يوجب أنه لم يتعلق بما مثله يصلح أن يكون كافياً في مقصوده، شافياً في مراده، وإلا فحقيقة المعرفة لا تدخلها التجزئة، فيثبت منها بعض دون بعض.
فبان بهذا أن كل من كان في عداد العامة، فهو غير عارف على الحقيقة، ومن ليس بعارف لم يثبت له تسمية ما يستحقه أهل المعرفة من ذلك) .
قال: (والجواب أن ما أسلفناه في أول المسألة، هو جواب عما
стр. 2734
ذكروه، وهو أنه إذا أضاف ما علمه إلى دليل مثله لا يفسد، وقد استحكمت ثقة المعترف به في مدة حياته، لا يعتريه فساد، ولا يدخله نقص، واتفق على ذلك من يساويه في معرفته، ومن يزيد عليه في مقام العلم والاجتهاد، فقد استحكمت ثقته به من وجهين: أحدهما: علمه وتجربته.
والثاني: اتفاق أهل الملة على صحته.
ومثل هذا لا يعارضه شك يخرج المتمسك به عن الثقة، فإنه قد ثبت عند العامة عموماً، لا يختلف فيه أحد منهم، أن كل جسم مبني مجموع محدث، كان بعد أن لم يكن، ويتوهم نقضه، كما يتحقق بناؤه، وإن كان كل واحد منهم ليس بفاعل نفسه، ولا فعله مثله، ويتحقق أن من شرط الفاعل أن يكون سابقاً على المفعول، فإذا تساوت الأجسام في هذا، دل على أن الفاعل لها غيرها، وهو من لا يشاركها فيما أوجب بها العجز، وهذا جلي واضح لا يمكن دفعه، ولا تقابله شبهة تؤثر فيما استقر عند العالم به.
وهذا كاف لا يقصر عنه عامي، ولا يقدر على الزيادة فيه عالم، إلا بتحسين العبارة فيه، أو حذف مواد الشبهة عنه.
وهذا أمر زائد على مقدار فهمه، والثقة بصحته، ولهذا كان من فرائض الكفايات) .
стр. 2735
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: إن جمهور العامة لا يعرف هذا الدليل، بل ولا يعرف مسمى الجسم في اصطلاح المستدلين به، ولا يعرف أن الهواء يسمى جسماً، بل أكثر الناظرين في العلم، من أهل الفلسفة والكلام، والفقه والحديث والتصوف، لم يعرفوا صحة هذا الدليل، بل قالوا: إن باطل.
والسلف والأئمة جعلوا هذا من الكلام المبتدع الباطل، ولم يدع أحد من الأنبياء وأتباعهم أحداً إلى الاستدلال على معرفة الله بهذا الطريق، وإنما ابتدعه في الإسلام، من كان مبتدعاً في الإسلام، من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.
ولكن الذي يعرفه العامة، والخاصة، إن كل واحد من الآدميين محدث، كان بعد أن لم يكن، وأنه ليس بفاعل نفسه.
ولم يفعله مثله.
ولهذا استدل سبحانه بذلك، في قوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ .
وكذلك يعلمون حدوث ما يشهدون حدوثه، ويعلمون أنواعاً من الادلة غير هذا.
تابع كلام ابن الزاغوني
قال أبو الحسن بن الزاغوني: (وأما قولهم: إنه قد يعترض عليه من الشبهة ما يوجب تفلته، ويرفع ثقته، فليس كذلك، من وجهين: أحدهما: أن خيالات الشبه لا تكافي فيما ذكرنا، فما يقصر من الشبه
следующие страницы →