← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قال: حدثني ثلاثة: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، كلهم يقول: حدثني مطرف، عن عياض، عن النبي ﷺ فقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» . لم يقل: مسلمين، وكذلك رواه الحسن عن مطرف عن عياض، ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن قتادة بإسناده، وقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» ولم يقل مسلمين) . قال: (فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه، لأنه ذكر (مسلمين) في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، وكذلك رواه الناس عن قتادة، قصر فيه عن قوله: مسلمين، وزاد ثور بإسناده، والله أعلم) . قال: (والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام) .

стр. 3117

قال: (وقد روي عن الحسن قال: الحنيفة: حج البيت، وهذا يدلك على أنه أراد الإسلام، وكذلك روي عن الضحاك والسدي: (حنفاء) قال: حجاجاً، وعن مجاهد: (حنفاء) قال: متبعين) . قال: (وهذا كله يدلك على أن الحنيفية: الإسلام) . قال: (وقال أكثر العلماء: الحنيف: المخلص. وقال الله : ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما﴾ وقال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ . فلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى: حنفاء: مسلمين. قال الشاعر - وهو الراعي -:

стр. 3118

أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرةً وأصيلاً عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلاً تنزيلاً فهذا وصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاء به) . قال: (ومما احتج به - من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث: الإسلام - قوله ﷺ «خمس من الفطرة» ويروى «عشرة من الفطرة» يعني فطرة الإسلام) . قلت: الدلائل الدالة على أنه أراد: على فطرة الإسلام - كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله: (على الملة) ، (وعلى هذه الملة) ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: «خلقت عبادي حنفاء كلهم» وفي لفظ «حنفاء مسلمين» ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك، وهو أعلم بما سمعوا. وأيضاً، فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام، لما سألوا عقب ذلك: (أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟) ، لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لم سألوه. والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.

стр. 3119

وكذلك قوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها. وأيضاً، فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها. وأيضاً، فإن الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ، وهذا يعم جميع الناس، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة. يبين ذلك أنه قال: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفاً هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره، ومثل قوله: ﴿كتاب الله عليكم﴾ ، وقوله: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ ، فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره، دل عليه الفعل المتقدم. كأنه قال: كتب الله ذلك عليكم، وسن الله ذلك. وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك: على إقامة الدين لله حنيفاً. وكذلك فسره السلف كما تقدم النقل عنهم.

стр. 3120

كلام الطبري في تفسيره عن معنى الفطرة قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور يقول: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته، وهي الدين حنيفاً. يقول: مستقيماً لدينه وطاعته. فطرة الله التي فطر الناس عليها، يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها، ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة) . قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) . وروي (عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ، قال: الإسلام، فمنذ خلقهم الله من آدم جميعاً يقرون بذلك. وقرأ: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ . فهذا قول الله، كان الناس أمة واحدة يومئذ، فبعث الله النبيين بعد) .

стр. 3121

وروي بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح عن مجاهد: فطرة الله، قال: الدين، الإسلام. وقال (ثنا ابن حميد، ثنا يحيى بن واضح، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص - وهو الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها - والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة. فقال عمر: صدقت) . قال: حدثني يعقوب - يعني الدورقي - ثنا أبن علية، ثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ فذكر نحوه) . قال: (وقوله ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ : يقول: لا تغيير لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل) . ثم ذكر بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لا

стр. 3122

تبديل لخلق الله. قال: لدين الله) . وروي عن (عبد الله بن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم إلى عكرمة، يسأله عن قول: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ ، فقال عكرمة: هو الخصاء. فرجع إلى مجاهد فقال: أخطأ، لاتبديل لخلق الله إنما هو الدين، ثم قرأ: ﴿لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ ) . وروي عن (وكيع، عن نصر بن عربي، عن عكرمة: لا تبديل لخلق الله: لدين الله) . وروي أيضاً عن (حسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة: فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال: الإسلام، وكذلك روي (عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لدين الله) . وروي (عن سعيد، عن قتادة: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ : أي لدين الله) .

стр. 3123

وكذلك روي (عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جبير: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ ، قال: لدين الله) . وكذلك عن (المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ ، قال: دين الله) . وكذلك عن (وكيع، عن سفيان الثوري، ومسعر، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم النخعي: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ ، قال: دين الله) . وكذلك عن (مغيرة، عن إبراهيم قال: لدين الله) . وعن (عمرو بن أبي سلمة، سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ . قال: لدين الله) . وروي أيضاً عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه،

стр. 3124

وقال: لا تبديل لخلق الله. وعن حميد الأعرج قال: قال عكرمة: الإخصاء، وعن حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد قال: الإخصاء) . تعليق ابن تيمية قلت: مجاهد وعكرمة: روي عنهما القولان، إذ لا منافاة بينهما، كما قال تعالى: ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ ، فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخصاء وقطع الأذن أيضاً تغيير لخلقه. ولهذا شبه النبي ﷺ أحدهما بالآخر في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» . فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء، هذا تغيير لما خلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خلق عليه بدنه. واعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم الفاسد، صار الناس يتأولونه تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاة. فالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون: كل مولود يولد على الإسلام، والله لا يضل أحداً، ولكن أبواه يضلانه. الحديث حجة على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين والحديث حجة عليهم من وجهين:

стр. 3125

أحدهما: أنه عند المعتزلة ونحوهم من المتكلمين: لم يولد أحد على الإسلام أصلاً، ولا جعل الله أحداً مسلماً ولا كافراً، ولكن هذه أحدث لنفسه الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يفعل واحداً منهما عندهم، بلا نزاع بين القدرية، ولكن هو دعاهما إلى الأسلام، وأزاح علتهما، وأعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح للإيمان والكفر، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان، فإن ذلك عندهم غير مقدور، ولو كان مقدوراً لكان ظلماً، وهذا قول عامة المعتزلة. وإن كان بعض متأخريهم كأبي الحسين يقول: إنه خص المؤمن بداعي الإيمان، ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان، فهذا في الحقيقة موافق لأهل السنة، فهذا أحد الوجهين. الثاني: أنهم يقولون: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، فيستحيل. أن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى. وأما آخر الحديث فهو دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين؟ أو يغيرونها فيصيرون كفاراً؟. وإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين - فيقال لهم: أنتم

стр. 3126

تقولون: إنه لا يقدر: لا الله ولا أحد من مخلوقاته، على أن يجعلهما يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، بل هما فعلا بأنفسهما ذلك، بلا قدرة من غيرهما ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا حجة لكم في قوله: «فأبواه يهودانه» ... وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد. فقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك: دعوة الأبوين لهما إلى ذلك، وترغيبهما فيه، وتربيتهما عليه، ونحو ذلك مما يفعل المعلم والمربي مع من يعلمه ويربيه، وذكر الأبوين بناءً على الغالب، إذ لكل طفل أبوان، وإلا فقد يقع ذلك من أحد الأبوين، وقد يقع من غير الأبوين حقيقةً وحكماً. عود إلى كلام ابن عبد البر وتعليق ابن تيمية عليه وأما غير القدرية فقال أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة، فذكر ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه المشهور، قال: قال ابن المبارك: يفسره آخر الحديث: قوله ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين» . قال ابن عبد البر: هكذا ذكر عن ابن المبارك، لم يزد شيئاً.

стр. 3127

وذكر عن محمد بن الحسن أنه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: (كان هذا القول عن ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد) . هذا ما ذكره أبو عبيد. قال ابن عبد البر: (أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان، أو جنة أو نار ما لم يبلغوا العمل) . قال: (وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن، فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه: إما لإشكاله عليه، أو لجهلة به، أولما شاء الله. وأما قوله: إن ذلك كان من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا. فإن كان أراد أن ذلك

стр. 3128

منسوخ، فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في إخبار الله تعالى وأخبار رسوله، لأن المخبر بشيء، كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك، لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطة فيما أخبر به، أو نسيانه. وقد جل الله وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه. وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد له أدنى فهم، فقف عليه، فإنه أمر جسيم من أصول الدين. وقول محمد بن الحسن: إن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد) . وروي بإسناده (عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: «قال رسول الله ﷺ : ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟ فقال رجل: أو ليس إنما هو أولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه ليسانه، ويهوده أبواه أو ينصرانه» .

стр. 3129

قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة، منهم بكر المزني، والعلاء بن زياد، والسري بن يحيى. وقد روي عن الأحنف عن الأسود بن سريع، قال: وهو حديث بصري صحيح. قال: وروى عوف الأعرابي عن سمرة بن جندب، «عن النبي ﷺ قال: كل مولود يولد على الفطرة. فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين» . قلت: أما ما ذكره عن ابن المبارك ومالك، فيمكن أن يقال: إن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، وأن منهم من يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم من يكفر فيدخل النار. فلا يحتج بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) . على نفي القدر كما احتجت به القدرية، ولا على أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أن يستقر الأطفال على ما في آخر الحديث. وأما قوله محمد، فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبوية في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في

стр. 3130

أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، ونحو ذلك - فلم يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم، وهذا حق. لكن ظن أن الحديث اقتضى أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل الجهاد، لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية، أمر ما زال مشروعاً، وما زال الأطفال تبعاً لأبويهم في الأمور الدنيوية. والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ما ولد عليه من الفطرة. وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفاً ونحو ذلك. فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده. فإن الله تعالى يقول: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ ، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته. فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئاً بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض.

стр. 3131

وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الإغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه. وهذا من قوله تعالى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ ، وقوله: ﴿الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى﴾ ، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتدياً إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئاً فشيئاً بحسب حاجته. ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة. قال ابن عبد البر: (وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: (كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة) يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك) .

стр. 3132

قالوا: (لأن الفاطر هو الخالق) . قال: (وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار) . قلت: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف. فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفاً، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبوية لفطرته، حتى يسأل عمن مات صغيراً. ولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير. وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان، فقالوا: إنهم أولاد المشركين. قال: أليس خياركم أولدا المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة. ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، مستوجبين للقتل. وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان.

стр. 3133

قال: (وقال آخرون معنى قوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» ، يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم) . (قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر المبدىء والمبتدىء، فكأنه قال: ﷺ : يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاوة والسعادة، وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾ . وروي بإسناده إلى (ابن عباس قال: لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا

стр. 3134

فطرتها، أي ابتدأئتها) .... (وذكروا ما يروى عن علي ﵁ في دعائه: اللهم جبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها) . قلت: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه. ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودة على ماسبق في علم الله لها. والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها. وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقاً على الفطرة. وأيضاً فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، على هذا القول، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم. وأيضاً فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، يبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه. وأيضاً فقوله: (على هذه الملة) ، وقوله: (إني خلقت

стр. 3135

عبادي حنفاء) يخالف هذا. وأيضاً فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنه من حين كان جنيناً إلى ما لا نهاية له من أحواله، على ما سبق في علم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص. وقد ثبت في الصحيح أنه: قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة، لكان أشبه بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة. قال ابن عبد البر: (قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن أبن المبارك، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين: الله أعلم بما كانوا عاملين.

стр. 3136

قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه. قال ابن عبد البر: ما رسمه مالك في موطأه، وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا) . قلت: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) والطبع الكتاب، أي كتب كافراً كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد) ، وليس إذا كان الله قد كتبه كافراً، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في عمله أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. وكلام أحمد في أجوبة أخرى له، يدل على أنه الفطرة عنده:

стр. 3137

الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما فهم على دينهما، وإن سبوا مع أحدهما، فعنه روايتان، وكان يحتج بالحديث. كلام أبي بكر الخلال في كتابه الجامع قال أبو بكر الخلال في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل: (أنبأ أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب: إنهم مسلمون إذا كانوا صغاراً، وإن كانوا مع أحد الأبوين. وكان يحتج بقول رسول الله ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» .... قال: وأما أهل الثغر فيقولون: إذا كان مع أبوية: إنهم يجبرونه على الإسلام) . قال: (ونحن لا نذهب إلى هذا. قال النبي ﷺ : «فأبواه يهودانه» ....

стр. 3138

قال الخلال: أنبأ عبد الملك الميموني قال: سألت أبا عبد الله قبل الحبس - أي قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية - عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه أبواه قال: إذا مات صلى عليه المسلمون. قلت: يكره على الإسلام؟ قال: إذا كانوا صغاراً يصلون عليه أكره من يليه إلا هم، وحكمه حكمهم. قلت: فإنه كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه - أو أحدهما - لم يكره، ودينه على دين أبويه. قلت: إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» : حتى يكون أبواه؟ قال: نعم. قال: وعمر بن عبد العزيز نادى به؟ قال: فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم. قلت: في الحديث كان معه أبواه؟ قال: لا، وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه) .

стр. 3139

قال الخلال: (ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله) .... (ولذلك نقل إسحاق ابن منصور أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم. قلت: لا يجبرون على الإسلام، إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم) . قال الخلال: (وقد روي هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلم. وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، وبعضهم قبل وبعد، والذي أذهب إليه: ما رواه الجماعة) . وقال الخلال: (ثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته، ويدعا طفلين ولهما عم، ما تقول فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها، وقالوا:

стр. 3140

إنهم قد كتبوا إليك. فقال: أكره أن أقول فيها برأي. دع حتى أنظر، لعل فيها عمن تقدم. فلما كان بعد شهر عاودته، فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي ﷺ (فأبواه يهودانه وينصرانه....) ، هذا ليس له أبوان. قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون، لقول النبي ﷺ ... (وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبواه وهو صغير جبر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» .... (ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى؟ قال: ذاك يدفنه المسلمون. قال النبي ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» .... (وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من

стр. 3141

قوم، على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة: يهودية أو نصرانية أو مجوسية؟ فقال: يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام، لأن آباءهم مسلمون. حديث النبي ﷺ «فأبواه يهودانه وينصرانه» يردون كلهم إلى الإسلام) . ومثل هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافراً بأبويه، فإن لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة: الإسلام، لم يكن بعدم أبويه يصير مسلماً، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة. ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى. قال الخلال: (أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه، معناه: أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغاراً؟ فقال لي: نعم، ولكن يدخل عليك في هذا. فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول، وبما يكون بقوله. قلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها، وإلى أي شيء تذهب؟ قال: إيش أقول

стр. 3142

أنا؟ ما أدري أخبرك هي مسلمة كم ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل مولود يولد على الفطرة ينظر أيضاً إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها. قلت له: فما الفطرة الأولى: هي الدين؟ قال لي: نعم. فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» . قلت لأبي عبد الله: فما تقول لأعرف قولك؟ قال: أقول: (إنه على الفطرة الأولى) . فجوابه: أنه على الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدين - يوافق القول بأنه على دين الإسلام. وأما جواب أحمد: أنه على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، الذي ذكر محمد بن نصر أنه كان به ثم تركه، فقال الخلال: (أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة، ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شقي أو سعيد) .

стр. 3143

وكذلك نقل عنه (الفضل بن زياد، وحنبل، وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة، قال: (الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة) . وكذلك نقل: (عن علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة. قال: على الشقاء والسعادة، فإليه يرجع على ما خلق) . (وعن الحسن بن ثواب قال: سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين. قلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر قال: هو على الفطرة حتى يهودانه أبواه أو ينصرانه، فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب، ارفع ذلك إلى الأصل. هذا معناه كل مولود يولد على الفطرة) .

стр. 3144

تعليق ابن تيمية قلت: وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال، فكان أحمد يقف فيه، تارة يقف عن الجواب، وتارة يردهم إلى العلم، كقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . وهذا أحسن جوابيه، كما، نقل محمد بن الحكم عنه، وسأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين» . ونقل عنه (أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن أطفال المشركين. فقال: كان ابن عباس يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه) ، حتى سمع: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . فترك قوله. قال أحمد: (وهي صحاح، ومخرجها كلها صحاح. وكان الزهري يقول: من الحديث ما يحدث بها على وجوهها) . وأما توقف أحمد في الجواب، (فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله: فأبواه يهودانه وينصرانه. قال: الشأن في هذا، وقد اختلف الناس، ولم نقف منها على شيء أعرفه) . وقال الخلال: (رأيت في كتاب لهارون المستملي، قال أبو عبد الله: إذا سأل الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم، فإنه أصل كل

стр. 3145

خصومه، ولا يسأل عنه إلا رجل الله أعلم به، قال: ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت، ونسكت، لا نقول شيئاً) . (قال المروزي: قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري عن سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاح به وقال: يا صبي، أنت تسأل عن هذا؟!) . وكذلك نقل خطاب بن بشر، وحنبل أن عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن هذا، فنهاه، ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال: هم في النار. ولكن طائفة من أتباعه، كالقاضي أبي يعلى وغيره، لما سمعوا جوابه بأنه قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي «عن خديجة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن أولادها من غيره، فقال النبي ﷺ : هم في النار. فقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» . فظن هؤلاء أن، أحمد أجاب بحديث خديجة، وهذا غلط على أحمد. فإن حديث خديجة هذا حديث موضوع كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد، فضلاً عن الإمام أحمد.

стр. 3146

وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح، حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ » . وكذلك في الصحيح عن ابن عباس «عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين. فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» . وقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا، بعد أن كان يقول: هم مع آبائهم. فدل على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم. وأبو هريرة نفسه، الذي روى هذا الحديث عن النبي ﷺ ، قد ثبت عنه ما رواه غير واحد، منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره، من حديث عبد الرازق: أنبأ معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولاً: أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسل؟ قال: وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل

стр. 3147

إليهم رسولاً، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ . وروي هذا الأثر عن أبي هريرة: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من رواية محمد بن الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، ومن رواية القاسم، عن الحسين، عن أبي سفيان، عن معمر، وقال فيه: (والشيوخ الذين جاء الاسلام وقد خرفوا) فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وعن الأسود بن سريع أيضاً، قال أحمد في المسند: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع: أن نبي الله ﷺ قال: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما

стр. 3148

أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً» . وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها» . وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين، بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرساله في الدنيا. وهذا تفسير قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . وهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه. وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه. فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنةكلهم، جاءت نصوص تدفع قوله. ثم إذ قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، انفتح باب الخوض في الأمر والنهي،

стр. 3149

والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة. فلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومه. فأما جواب النبي ﷺ الذي أجاب به أحمد آخراً، وهو قوله «الله أعلم بما كانوا عاملين» ، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب. وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، والله تعالى أعلم. تابع كلام ابن عبد البر في التمهيد وأحمد ﵀ كان متبعاً في هذا الباب وغيره لمن قبله من أئمة السنة، كما روينا عن طريق إسحاق بن راهويه، فيما ذكره ابن عبد البر وغيره. (ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي: سمعت أبن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً، أو كلمة تشبه هاتين، حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر. قال يحيى بن آدم: فذكرته لابن المبارك، فقال: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ فسكت. وذكر محمد بن نصر المروزي، ثنا شيبان بن شيبة، ثنا جرير

стр. 3150

بن حازم فذكره بإسناده. وقال: لا يزال أمر هذه الأمة مقارباً أو مواتياً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر. وذكر المروزي أيضاً، ثنا عمرو بن زرارة، أنبأ إسماعيل بن علية، عن ابن عوان قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال: ماذا كان بين قتادة وبين حفص بن عمر في أولاد المشركين؟ قال: وتكلم ربيعة الرأي في ذلك؟ فقال القاسم: إذا الله انتهى عند شيء فانتهوا وقفوا عنده. قال: فكأنما كانت ناراًفطفئت؟. تعليق ابن تيمية قلت: ابن عباس ﵁ خطب بهذه الخطبةبالبصرة، وكان عنده وعند غيره من الصحابة من العلم بما يحدث في هذا الأمة، والتحذير من أسباب الفتن، ما قد نقل إلينا، كما في الحديث الذي ذكره أحمد في رسالته للمتوكل في قصة ابن عباس مع عمر ابن الخطاب، لما كثر القراء، وخوفهما من اختلاف الأمة وافتراقها، والمسائل المشكلة إذا خاض فيها أكثر الناس لم يفهموا حقيقتها، وإذا تنازعوا فيها صار بينهم أهواء وظنون، وأفضى ذلك إلى الفرقة والفتنة.

стр. 3151

ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد وغيره، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، وقائل يقول: ألم يقل الله كذا؟ وآخر يقول: ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاتركوه. فهذا الحديث ونحوه مما ينهى فيه عن معارضة حق بحق، فإن ذلك يقتضي التكذيب بأحد الحقين، أو الاشتباه والحيرة. والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق، فعلى الإنسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره، كما يصدق بالحق الذي يقوله هو، ليس له أن يؤمن بمعنى آية استدل بها، ويرد معنى آية استدل بها مناظره، ولا أن يقبل الحق من طائفة، ويرده من طائفة أخرى. ولهذا قال تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ . فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق، ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق. فلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره، لم يكن ممدوحاً، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأولئك هم المتقون.

стр. 3152

ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر، فأخطأوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمه ولا لرحمة، ولا يسوي بين المتماثلين، بل بإرادة ترجح أحد المتماثلين لا لمرجح. واشتركت الطائفتان في أن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح. وهذا أصل مذهب القدرية النفاة، ولهذا قالوا: إن العبد لا يحتاج في ترجيح أحد مقدوريه على الآخر إلى مرجح يفتقر فيه إلى الله تعالى، وإن الله لا يمتن على المطيع بنعمة أنعم بها عليه دون العاصي صار بها مطيعاً، وتوهموا أن هذا من الظلم الذي يجب نفيه، وظن أولئك أنه لا يمكن أبطال قولهم إلا بأن يقال: الظلم ممتنع لذاته، وأنه مهما قدر من الممكنات فهو عدل، حتى تعذيب الأنبياء والصالحين، وتنعيم الكفار والفاسقين، إلى أمثال هذه الأمور التي خاض فيها الناس في القدر، وكانت من أعظم أسباب الجهل والظلم. وكان أعظم ظهور ذلك من أهل البصرة الذين خطبهم ابن عباس، وكذلك أمر أطفال المشركين: طائفة يقولون: يعذبهم كلهم، أو يمكن تعذيبهم كلهم، بناءً على المشيئة المرجحة بلا سبب ولا حكمة ولا رحمة.

стр. 3153

وطائفة تقول: بل يدخلون الجنة مع من آمن وعمل صالحاً، بناءً على رحمة بلا حكمة، وتسوية بين أولاد المؤمنين وأولاد الكفار، وبين من آمن وعمل صالحاً ومن لم يؤمن ويعمل صالحاً، من غير اعتبار التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، فيقع الاختلاف والاشتباه والتفرق. وهذه المسأئل وغيرها قد بين الله ورسوله أمرها، فإن الله أكمل الدين، وأتم النعمة. وقد «قال النبي ﷺ : تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . وفي الصحيح «عن أبي ذر ﵁ قال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً» . وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. وقال تعالى: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ . قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقد قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ ، فحكم الله بكتابه بين الناس فيما اختلفوا فيه.

стр. 3154

وقال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ . فهذه النصوص وأمثالها مما يبين أن ما بعث الله به رسله، يبين للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم في هذه المسائل وغيرها، لكن ليس كل واحد قد بلغته النصوص كلها، ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص، فإن الله يختص من يشاء عباده من العلم والفهم بما يشاء، فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد أحسن، ومن علم الحق فبينه لمن يحتاج إليه وينتفع به فهو أحسن وأحسن. ولهذا لما روى يحيى بن آدم لابن المبارك هذا الأثر عن ابن عباس، وهو قوله: إنه لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً، شك الراوي، حتى يتكلموا في الولدان والقدر، وكأن قائل هذا يطلب من الناس السكوت مطلقاً. قال له ابن المبارك: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ وقد صدق ابن المبارك، فقال له يحيى بن آدم: أفتأمر بالكلام؟ فسكت ابن المبارك، لأن أمره بالكلام مطلقاً يتضمن الإذن

стр. 3155

بالكلام الذي وقع من الناس، وفيه من الجهل والكذب ما ينهى عنه. وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله وسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد يتكلم بما يظنه علماً: إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه، ويكون كلاماً بلا علم. وهذا قد يعذر صاحبه تارة وإن لم يتبع، وقد يذم صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغياً. كما ذم الله ذلك بقوله: ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ . فالبغي مذموم مطلقاً. سواء كان في أن يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأن يذمهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم. فقد بغى عليهم، لا سيما إذا كان ذلك لأجل هواه. وقد قال تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ . والله تعالى قد قال: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات﴾ .
следующие страницы →