Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
بدون لازمه، فيلزم العجز عن الانفراد بالفعل، وذلك بنفي القدرة التي هي من لوازم الربوبية.
وأما البرهان الثاني: وهو لزوم علو بعضهم على بعض، وذلك بمنع إلهية المغلوب فإنه يمتنع أن يقدر أحدهما على عين مقدور الآخر، لأن ذلك يستلزم أن يكون ما فعله أحدهما يقدر الآخر أن يفعله، مع كونه فعل الأول.
ويمتنع أن يكون كل منهما لا يقدر إلا إذا مكنه الآخر وأقدره، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون أحدهما قادراً، فيمتنع أن يكون كل منهما قادراً على الاستقلال، ويمتنع أن يكونا قادرين على مفعول واحد، فيلزم حينئذ أن لا يوجد مفعول واحد، لا بطريق استقلال أحدهما، ولا بطريق اشتراكهما فيه، وذلك يمنع أن يكون أحدهما قادراً.
وكذلك يمتنع أن يكونا متماثلين في القدرة، فإنه إن أمكن كل منهما منع الآخر من الفعل، لزم امتناع الفعل، وانتفاء القدرة عن كل منهما.
وإن لم يمكنه ذلك، لزم أن لا يكون قادراً على ما يقدر عليه الآخر، إذا لو كان قادراً عليه، لأمكنه فعله.
وذلك ممتنع.
وإذا لم يكن قادراً على ما يقدر عليه الآخر، لم تكن قدرته مثل قدرته، فإن المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر، ويقوم مقامه.
وإذا امتنع تماثل القدرتين، وجب كون أحدهما أقدر من الآخر، وحينئذ فالأقدر الأقوى يغلب الأضعف.
وهذا معنى قوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١] .
стр. 3642
فإن قيل: قد أوردوا هنا سؤالاً معروفاً، أورده الآمدي وغيره، وذكروا أنه لا جواب عنه.
وهو أنه يجوز أن يكون كل منهما قادراً، بشرط أن لا يفعل الآخر معه.
ولا يقدح ذلك في القدرة كما يكون هو قادراً على أحد الضدين، بشرط عدم الآخر.
فإن اجتماع الضدين محال، فالقدرة على فعل أحدهما ينافي القدرة على فعل الآخر معه، ولا ينافي القدرة على فعل الآخر حال عدمه.
بل كل من الضدين مقدور بشرط عدم الآخر، وهو مقدور على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، فكذلك يقال في القادرين: كل منهما قادر على الفعل المعين، حال عدم قدرة الآخر عليه.
قيل: هذا تشبيه باطل.
وذلك أن القادر على الضدين يفعل كل منهما بمشيئته.
وإذا فعل أحدهما لم يكن عاجزاً عن فعل الآخر، لكنه قادر عليه إن اختاره والجمع بينهما ممتنع لذاته، ليس بشيء.
وذلك لا ينافي القدرة بوجه من الوجوه، فإن الفاعل لأحد الضدين يختار هذا دون ذاك، فلم يكن عدمه إلا لكونه لم يرده، لا لأن غيره منعه منه.
ولا أن قدرته عاجزة عنه إذا أراد أن يفعله، بخلاف القادر إذا قيل: إنه لا يمكنه الفعل إلا إذا أمكنه غيره، ولم يرد أن يفعل معه، ولو أراد الآخر أن يفعل ما فعله، لم يقدر أن يفعله هو، فإنه حينئذ لا يكون قادراً بنفسه، بل يكون غير قادراً حتى يمكنه الآخر، ويمتنع من أن يفعل ما يفعله.
ومما يوضح هذا أن الخالق لا بد أن يكون قادراً، وأن يكون قادراً بنفسه، لا بقدرة استفادها من غيره، ويمتنع أن يكون معه آخر قادر
стр. 3643
بنفسه، فإن القادر لا بد أن يقدر أن يفعل وحده مفعولاً لا يشركه فيه غيره، فإنه إذا كان لا يقدر إن لم يعاونه غيره، لم يكن قادراً بنفسه، بل كان تمام قدرته من ذلك المعنى له.
ويمتنع أن يكون كل منهما لا يكون قادراً إلا بإعانة الآخر، فإن هذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر، وهذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر، فليس واحد منهما قادراً بنفسه، ومن لم يكن قادراً بنفسه امتنع أن يجعل غيره قادراً، فإنه إذا لم يكن القادر قادراً بنفسه، امتنع أن يجعل غيره قادراً بطريق الأولى، فلو لم يكن الوجود من هو قادر بنفسه، بمعنى أنه قادر على أن يستقل بالفعل، فيفعل وحده من غير شريك ومعين، لم يكن في الوجود حادث، لامتناع وجود الحوادث بدون القادر بنفسه.
والحوادث مشهودة دلت على وجود القادر بنفسه، ويمتنع أن يكون في الوجود قادران على الاستقلال بالفعل، بحيث يكون كل منهما مستقلاً بالفعل وحده، فإنه إذا قدر ذلك، فحال ما يفعل أحدهما الفعل، يمتنع أن يكون الآخر قادراً على ذلك الفعل بعينه، فاعلاً له وحده، فإنه إذا فعله أحدهما وحده، لم يكن له شريك، فضلاً عن أن يفعله غيره مستقلاً، فتبين أنه حال ما يكون الشيء مقدوراً لقادر مستقل، أو مفعولاً لفاعل مستقل، لا يكون مقدوراً ولا مفعولاً لآخر مستقل.
فتبين أن ما يقدر عليه يفعله القادر المستقل، يمتنع أن يقدر عليه غيره ويفعله غيره، بل يكون هذا عاجزاً عما يفعله هذا، ولا يكون هذا قادراً
стр. 3644
إلا إذا مكنه الآخر وخلاه يفعله، فلا يكون واحد منهما قادراً حتى يجعله الآخر قادراً، فلا يكون واحد منهما قادراً.
فتبين امتناع وجود قادرين مستقلين، وتبين امتناع وجود الفعل بدون قادر مستقل، أنه لا يكفي وجود قادر غير مستقل، ولا يجوز وجود قادرين مستقلين، فعلم أن القادر على الخلق واحد، لا يجوز أن يكون اثنان قادرين على الخلق، سواء اتفقا أو اختلفا، وهو المطلوب.
وهذا أمر مستقر في فطر بني آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعاني إلى بسط وإيضاح، فإنهم يعلمون أنه لا يجتمع ملكان متساويان في القدرة والملك.
إن لم يكن ملك هذا منفصلاً عن ملك هذا، وإلا فإذا كان أحدهما يتصرف فيما يتصرف فيه الآخر، امتنع أن يكون كل منهما قادراً مالكاً لما يقدر عليه الآخر ويملكه، لأنه يجب حينئذ أن يكون كل منهما قادراً على ما يقدر عليه الآخر، بل فاعلاً مدبراً لما يفعله الآخر ويدبره، وذلك ممتنع، فإن قدرة أحدهما على الشيء وفعله له، يمنع أن يكون الآخر قادراً عليه وفاعلاً له، إلا في حال عدم قدرة الآخر وفعله، فيمكن أن يفعله هذا إذا لم يفعله هذا، ويقدر أحدهما على فعله إذا لم يفعله الآخر.
فأما حال فعل الآخر له، فيمتنع أن يكون الآخر فاعلاً له إذا أراد فعله، وإذا امتنع كون أحدهما فاعلاً له إذا أراده، امتنع كونه قادراً عليه، فإن كونه قادراً عليه، مع امتناع فعل له إذا أراده، جمع بين النقيضين، فإن القادر هو الذي يقدر على الشيء إذا أراد فعله، فإذا كان
стр. 3645
لا يقدر عليه إذا أراده، لم يكن قادراً عليه، فامتنع أن يكون الشيء قادراً على فعل ما يفعله غيره، حال كون الآخر فاعلاً له، ومفعول أحدهما مقدور له.
فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه
فصل.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه
وإذا كان حينئذ يمتنع كون الآخر فاعلاً له، وذلك يمنع كونه قادراً عليه، امتنع أن يكونا قادرين على مقدور واحد في حال واحدة، وفاعلين لمفعول واحد في حال واحد، بل لا يقدر أحدهما على الفعل إلا إذا تركه الآخر يفعله، وسكت عن فعله استقلالاً ومشاركة، ولو أراد الآخر أن يفعله، كان الآخر غير قادراً على فعله، فصار المانع لأحدهما من القدرة على الفعل والاستقلال به، كون الآخر قادراً عليه فاعلاً له.
وذلك يوجب بطلان الربين من وجوه:
منها: أن الممنوع الذي منعه غيره لا يكون قادراً، بخلاف من لم يفعل الفعل لكونه هو لم يرده، فإن هذا لا يمنع قدرته على الآخر.
فإذا كان الرجل قادراً على القيام والقعود فاختار أحدهما بدلاً عن الآخر، لم يكن عدم الآخر لعجزه عنه، بل لأنه لم يرده، وهو لا يريد اجتماعهما في حال واحدة، لأن ذلك ممتنع لنفسه، لا لكونه غير قادر، أو لكونه عاجزاً عنه، فإن الممتنع بذاته ليس بشيء يتصور وقوعه.
ولهذا اتفق النظار على أنه ليس بشيء، فلا يدخل في قوله: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٠] ، بخلاف من كان لا يقدر أن يفعل فعلاً لأن غيره فعله، فإنه حينئذ يكون غير قادر على أن يفعل مفعول ذلك ولو أراده.
стр. 3646
ولهذا كان أحد الملكين غير قادر على أن يكون ملكاً مع ملك غيره، بل إنما يكون ملكاً مع انتفاء ملك غيره.
وأيضاً فإنه إذا كان أحدهما قادراً، ولم يمنعه أن يكون قادراً فاعلاً للفعل إلا كون الآخر قادراً عليه فاعلاً له، لزم أن يكون كل منهما ممنوعاً حال ما هو مانع، وقادراً حال ما هو غير قادر، فإن أحدهما حينئذ لا يمنعه من الفعل المعين كون الآخر قادراً عليه فاعلاً له، وذلك لا يكون قادراً فاعلاً، إلا إذا لم يكن ممنوعاً، ولا يكون ممنوعاً إلا إذا كان المانع قادراً، فيلزم ألا يكون هذا قادراً إلا إذا كان غير قادر، ولا ممنوعاً إلا إذا كان غير ممنوع، ولا فاعلاً إلا إذا كان غير فاعل، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا كله بين في فطر الناس، فإنه يعلمون أن من كان أميراً أو متولياً على فعل، أو إماماً لقوم، أو قاعداً في مكان، لم يقدر غيره أن يكون أميراً، أو متولياً أو إماماً، أو فاعلاً، حال كون الآخر أميراً، أو متولياً، أو إماماً، أو قاعداً.
فتبين أن القادر على الفعل لا يقدر حال فعل الآخر له، ولا حال قدرة الآخر عليه.
أما قدرته حال فعل الآخر، فظاهر الامتناع.
وأما حال قدرة الآخر، فلا يمكن أن يفعله، إلا إذا سكت الآخر عن فعله، وتركه وحده يفعل، وأما حال فعل الآخر فلا يكون قادراً.
فتبين أن اجتماع قادرين بأنفسهما ممتنع لذاته في فطر جميع الناس
стр. 3647
وحينئذ فالقادر بنفسه هو واحد، فيجب أن يكون الإله العالي الغالب وما سواه مقهور مغلوب.
وحينئذ فلا يكون الواحد قادراً إلا إذا كان الآخر غير قادر، فإن كلاً منهم قادر حال عدم قدرة الآخر، فلا يكون أحدهما قادراً إلا مع كون الآخر غير قادر، وكل منهما قدرته من لوازم ذاته إن كان قادراً، فيلزم من ذلك أن يكون كل منهما لا يزال قادراً غير قادر، فيلزم الجمع بين النقيضين.
وكذلك إذا قيل: لا يكون أحدهما قادراً إلا إذا جعله الآخر قادراً، أو مكنه الآخر، وامتنع من منعه، فإنه يلزم ألا يكون واحد منهما قادراً للدور الممتنع، وهو قد جعل فاعلاً، فيلزم اجتماع النقيضين، فيلزم ألا يكون واحد منهما قادراً، مع وجوب كون الخالق قادراً، ويلزم أن يكون كلاً منهما غير قادر مع كونه قادراً.
وهذا كله من الممتنع بصريح العقل، وهو لازم من إثبات ربين قديمين واجبين بأنفسهما، فدل على امتناع ذلك.
وسواء قدر اتفاقهما على الفعل أو اختلافهما فيه، فنفس كونهما قديمين واجبين قادرين ممتنع، ونفس كونهما غير قادرين ممتنع، ونفس اجتماع القدرة وعدمها ممتنع، ونفس اتفاقهما على مفعول واحد يستقل به كل منهما ممتنع، ونفس الاشتراك بأن يفعل هذا بعضه وهذا بعضه ممتنع.
وحينئذ فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر أو الأقدار، فيعلو بعضهم
стр. 3648
على بعض، ولا بد إذا كانا قادرين من أن يذهب كل إله بما خلق، فإن العالي هو الإله المعبود، فلا يكون معه إله، بل يكون ما يقال إنه إله مملوكه وعابده.
وهم مقرون بذلك، لكن بين لهم فساد عبادة المخلوق والعابد لغيره.
كما قال: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
وقال: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] .
فإنه سبحانه ينهي عن الشرك الواقع، وهو اتخاذ ما سواه إلهاً، وإن كان المشركون مقرين بأنه إله مخلوق عابد للإله الأعظم ولهذا يقول: ﴿لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ [الإسراء: ٤٢] .
وبين أيضاً امتناع أن يكون معه إله غني عنه بقوله: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١] ، وبقوله: ﴿لذهب كل إله بما خلق﴾ [المؤمنون: ٩١] ، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد ذكرها العلماء في كتبهم.
وكذلك ما ذكره هذا الفيلسوف ذكره غير واحد من النظار، وذكروا أنه بتقدير الاتفاق يمتنع أن يكون مفعول أحدهما هو مفعول الآخر، والمفعول الواحد لا يكون مفعولاً لفاعلين باتفاق العقلاء.
لكن التقدير
стр. 3649
الذي يحتاج إلى نفيه تقدير التعاون، كما ذكر من فعل هذا البعض وهذا البعض، وما ذكره من أن التداول نقص هو موجود في التبعيض، فإن الشريكين قد يتهابان بالمكان وقد يتهابان بالزمان.
وهذا التقدير قد أبطلوه بوجوه:
منها: أن هذا نقص في حق كل واحد منهما ينافي الإلهية.
ومنها: أن كلاً منهما إن لم يكن قادراً على الاستقلال كان عاجزاً، وإن كان قادراً عليه -وهو لا يمكنه مع معاونة الآخر كان ممنوعاً من مقدوره، وهو مثل العجز وأشد.
وكذلك إن لم يكن قادراً على خلاف مراد الآخر كان عاجزاً، وإن كان قادراً ولم يفعل إلا ما يوافق الآخر، فإن كان الفعل الآخر ممكناً لا مانع له من غيره أمكن تقديره، ويعود دليل التمنع، وإن لم يكن ممكناً، لزم تعجيزه، ومنعه بغيره.
وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.
ومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس.
ولهذا قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، فلم يقل: لو كان فيهما إلهان، بل المقدر آلهة غير الإله
стр. 3650
المعلوم أنه إله، فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق، وإنما نازعوا هل يتخذ غيره إلهاً مع كونه مملوكاً له؟.
ولهذا قال: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨] .
وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] .
وقال: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٣-٤٥] ، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.
والمقصود هنا ما ذكره هذا.
قال: ويدلك على أن الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل الذي تضمنته الآية: أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم، غير المحال الذي أفضى إليه الدليل المذكور في الآية.
وذلك أن المحال الذي أفضى إليه الدليل الذي زعموا أنه دليل الآية، هو أكثر من محال واحد، إذ قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام، وليس في الآية تقسيم.
فدليلهم الذي
стр. 3651
استعملوه هو الذي يعرفه أهل المنطق بالشرطي المنفصل، ويعرفونه هم في صناعتهم بدليل السبر والتقسيم.
والدليل الذي هو الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل، وهو غير المنفصل.
ومن نظر فيه أدنى نظر في تلك الصناعة تبين له الفرق بين الدليلين.
وأيضاً فإن المحالات التي أفضى إليها دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب، وذلك أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم هو أن يكون العالم: إما لا موجوداً ولا معدوماً، وإما أن يكون موجوداً ومعدوماً، وإن أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.
وهذه مستحيلات دائمة الاستحالة أكثر من واحد.
والمحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب ليس مستحيلاً على الدوام، وإنما علقت الاستحالة فيه في وقت مخصوص، وهو أن يوجد العالم فاسداً في وقت الوجود، فكأنه قال: (لو كان فيهما آلهة إلا الله) لوجد العالم فاسداً في الآن، ثم استثنى أنه غير فاسد، فوجب ألا يكون هناك إله إلا واحد.
قلت: الفساد المذكور في الآية لم يوقت بوقت مخصوص، والفساد ليس هو امتناع الوجود الذي يقدر عند تمانع الفاعلين، إذا أراد أحدهما شيئاً وأراد الآخر نقيضه، ولا هو أيضاً امتناع الفعل الذي يقدر عن كون المفعول الواحد لفاعلين، فإن هذا كله يقتضي عدم الوجود.
стр. 3652
وأما الفساد فهو ضد الصلاح، كما قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١] .
وقال تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢] .
وقال: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وقال: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة ٢٠٥] .
وقال: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [المائدة: ٣٢] .
وقالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ [المائدة: ٣٣] .
وقال: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون﴾ [المؤمنون ٧١] .
وجماع الصلاح اللآدميين هو طاعة الله ورسوله، وهو فعل ما ينفعهم وترك ما يضرهم، والفساد بالعكس.
فصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته.
وفساده بالعكس،.
والخلق صلاحهم وسعادتهم
стр. 3653
في أن يكون الله هو معبودهم، الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم، ويكون ذلك غاية الغايات، ونهاية النهايات.
ولهذا كان كل عمل يعمل لغير الله لا ينفع صاحبه بل قد يضره، وكانت أعمال الذي كفروا: ﴿كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ [إبراهيم: ١٨] .
قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم، فإن الإنسان حارث همام.
كما قال النبي ﷺ : «أصدق الأسماء الحارث وهمام» والحارث هو الكاسب، والهمام هو الذي يكثر الهم، الذي هو أول الإرادة، فالإنسان متحرك بالإرادة، وكل مريد لا بد له من مراد.
والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله، فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك، وهكذا العالم العلوي أيضاً.
والحركات ثلاثة، طبيعية، وقسرية، وإرادية.
لأن الحركة: إما أن يكون مبدأها من المتحرك، وإما من غيره.
فما كان مبدؤها من غيره فهي القسرية الكرهية، وما كان مبدؤها من المتحرك، فإن كان على شعور منه فهي الإرادية، وإلا فهي الطبيعية.
والطبيعية لا تعرف إلا إذا خرج المطبوع عن مركزه، كصعود الحجر
стр. 3654
والماء إلى فوق، ففي طبعه الهوي والنزول، فهي تابعة للقسرية، فكل من الطبيعية والقسرية تابعة لغيرها.
فمبدأ الحركات كلها هي الإرادية، وكل إرادة لا يكون الله هو المراد المقصود بالقصد الأول بها، كانت ضارة لصاحبها مفسدة له، غير نافعة ولا مصلحة له.
وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله.
كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو، فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى يكون رباً له، ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها.
وكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال، بل إذا استحق أن يحب ويراد، فإنما يراد لغيره، وله ما شاركه في أن يحب معه، وكلاهما يجب أن يحب لله، لا يحب واحد منهما لذاته، إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها، إذا كانت هي الغاية المطلوبة.
والله فطر عباده على ذلك، وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي تصلحهم، فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم، فإن ذلك وإن كان كذلك، ففي الممكن أن يجعل في غير ذلك ما يغذيهم.
وأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير الله، فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته
стр. 3655
أن يكون للعالم مبدع غير الله.
قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم: ٣٠] .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
والفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب، لكن قد يحصل للفطرة نوع فساد، ففسد إدراكها، كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مراً، وهذا هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به، والشرك أنكر المنكر الذي أمرهم بالنهي عنه، والشرك لا يغفره الله، فإنه فساد لا يقبل الصلاح.
ولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله، والحب لله، فالأول شرك.
والثاني إيمان.
قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] ، فليس لأحد أن يحب شيئاً مع الله.
стр. 3656
وأما الحب لله، فقال تعالى: ﴿أحب إليكم من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٢٤] .
وقال ﷺ في الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواه، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار» .
وفي الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» .
وهذا حقيقة قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك» .
فمكان الفعل الواحد ممتنع أن يكون من فاعلين مستقلين، فيمتنع أن يكون المرادين مستقلين بالإرادة، فإن كون هذا مستقلاً بكونه هو المراد المحبوب، يناقض كون الآخر كذلك، ومتى لم يكن المراد مستقلاً
стр. 3657
بالإرادة، لم يكن هو المراد، بل بعض المراد وما كان بعض المراد لم يحصل به صلاح النفوس، وهو المراد الذي لا يصلح المتحرك بالإرادة إلا به، فمن أراد غير الله بعلمه امتنع أن يكون الله مراده بعمله، ومن لم يكن الله هو مراده، لم يحصل صلاحه، بل كان الحاصل فساده بالشرك لا يغفر، بخلاف ما دونه.
وأفضل الكلام قول: لا إله إلا الله.
والإله هو الذي يستحق أن تألهه القلوب بالحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، فهو بمعنى المألوه، وهو المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك.
ولكن أهل الكلام الذي ظنوا أن التوحيد هو مجرد توحيد الربوبية، فهو التصديق بأن الله وحده خالق الأشياء، اعتقدوا أن الإله بمعنى الآله: اسم فاعل، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع، كما يقول الأشعري وغيره، ممن يجعلون أخص وصف الإله القدرة على الاختراع.
ومن قال: إن أخص وصف الإله هو القدم، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، قال ما يناسب ذلك في الإلهية، وهكذا غيرهم، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.
والمقصود هنا التنبيه على هذه الأمور، وأن هؤلاء غلطوا في معرفة حقيقة التوحيد، وفي الطرق التي بينها القرآن، فظنوا أنه مجرد اعتقاد أن العالم له صانع واحد.
ومنهم من ضم إلى ذلك نفي الصفات أو بعضها، فجعل نفي ذلك داخلاً في مسمى التوحيد.
وإدخال هذا في مسمى التوحيد ضلال عظيم.
стр. 3658
وأما الأول، فلا ريب أنه من التوحيد الواجب، وهو الإقرار بأن خالق العالم واحد، لكنه هو بعض الواجب وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك إلى التوحيد، بل المشركون الذي سماهم الله ورسوله مشركين، وأخبر الرسل أن الله لا يغفر لهم، كانوا مقرين بأن خالق كل شيء.
فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه، فإنه به يعرف التوحيد، الذي هو رأس الدين وأصله.
وهولاء قصروا في معرفة التوحيد، ثم أخذوا يثبتون ذلك بأدلة، وهي، وإن كانت صحيحة، فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم، وليس الطرق المذكورة في القرآن هي طرقهم، كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد.
قال ابن رشد: فقد تبين من هذا القول الطرق التي دعا الشرع من قبلها الناس إلى الإقرار بوجود الباري تعالى، ونفي الإلهية عما سواه، وهما المعنيان اللذان تضمنتها كلمة التوحيد: أعني لا إله إلا الله، فمن نطق بهذه الكلمة، وصدق بهذين المعنيين اللذين تضمنتهما بهذه الطرق التي وصفنا، فهو المسلم الحقيقي الذي عقيدته العقيدة
стр. 3659
الإسلامية، ومن لم تكن عقيدته مبنية على هذه الأدلة، وإن صدق بهذه الكلمة، فهو مسلم مع المسلم الحقيقي باشتراك الاسم.
ثم تكلم على الصفات الثبوتية فقال: الفصل الثالث في الصفات: أما الأوصاف التي صرح الكتاب العزيز بوصف الصانع لوجود العالم بها، فهي أوصاف الكمال الموجودة للإنسان، وهي سبعة: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
أما العلم فقد نبه الكتاب على وجه الدلالة عليه، في قوله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .
ووجه الدلالة: أن المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه، أعني كون صنع بعضها من أجل بعض، ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع، أنه لم يحدث عن صانع هو طبيعة، وإنما وجدت عن صانع رتب ما قبل الغاية لأجل الغاية فوجب أن يكون عالماً به.
مثال ذلك: إن الإنسان إذا نظر إلى البيت فأدرك أن الأساس إنما
стр. 3660
صنع من أجل الحائط وأن الحائط من أجل السقف -تبين أن البيت إنما وجد عن فاعل عالم بصناعة البناء، وهذه الصفة هي صفة قديمة، إذ كان لا يجوز عليه أن يتصف بها وقتاً ما.
لكن ليس ينبغي أن نتعمق في هذا فنقول ما يقوله المتكلمون: إنه يعلم المحدث في وقت حدوثه بعلم قديم، فإنه يلزم على هذا أن يكون العلم بالمحدث في وقت وجوده وعدمه علماً واحداً.
وهذا أمر غير معقول، إذ كان العلم واجباً أن يكون تابعاً للموجود.
ولما كان الموجود تارة يوجد فعلاً، وتارة يوجد قوة، وجب أن يكون العلم بالوجودين مختلفاً، إذ كان في وقت وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل.
وهذا -يعني قول المتكلمين- شيء لم يصرح الشرع به، بل الذي صرح به خلافه، وهو أنه يعلم المحدثات حين حدوثها.
كما قال تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .
стр. 3661
فينبغي أن يوضع في الشرع أنه عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون وعالم بالشيء إذا كان على أنه قد كان، وعالم بما تلف أنه تلف في وقت تلافه.
وهذا هو الذي تقتضيه أصول الشرع.
وإنما كان هكذا لأن الجمهور لا يفهمون من العالم في الشاهد غير هذا المعنى، وليس عند المتكلمين برهان يوجب أن يكون بغير هذه الصفة، إلا أنهم يقولون: إن العلم المتغير بتغير المعلومات الموجودات هو محدث، والباري تعالى لا يقوم به حادث، لأن ما ينفك عن الحوادث، زعموا أنه حادث.
قال: والذي يقال للخواص: إن العلم القديم لا يشبه علم
стр. 3662
الإنسان المحدث، فالذي يدركه الإنسان من تغاير العلم المحدث بالماضي والمستقبل والحاضر هو شيء يخص العلم المحدث وأما العلم القديم فيجب فيه اتحاد هذه العلوم، لأن انتفاء العلم عنه بما يحدثه من هذه الموجودات الثلاثة محال، فقد وقع اليقين بعلمه سبحانه بها، وانتفى التكييف، إذ التكييف يوجب تشبيه العلم القديم بالمحدث.
قلت: هذا الكلام من جنس ما حكاه عن المتكلمين، فإنه إذا اتحد في العلم القديم العلم بالماضي والحاضر والمستقبل، ولم يكن هذا مغايراً لهذا، كان العلم بالموجود حال وجوده وحال عدمه واحداً، وهذا مناقض لما تقدم من قوله، يجب أن يكون العلم بالموجودين مختلفاً.
غاية ما في هذا الباب أن هذا الرجل يقول: إن عدم التغاير هو ثابت في العلم القديم دون المحدث.
ولا ريب أن أولئك المتكلمين يقولون هذا، ولكن يقولون: ولو فرض بقاء العلم الحادث لكان حكمه حكم القديم، ويقولون: إن هذا من باب حدوث النسب والإضافات، التي لا توحب حدوث المنسوب المضاف، كالتيامن والتياسر.
وهكذا هذا يقول: إنما تتجدد النسب والإضافات، وقد ذكر ذلك في مقالة له في العلم، لكن المتكلمون خير منه، لأنهم يقولون بعلمها
стр. 3663
بعد وجودها: إما بعلم زائد عند بعضهم، وإما بذلك الأول عند بعضهم.
وأما هذا فلا يثبت إلا العلم الذي هو سبب وجودهما.
كما سيأتي كلامه.
وهذا عندهم حكم يعم الواجب والقديم.
وهذا يقول: بل ذلك حكم يخص المحدث.
وهو لم يأت على الفرق بحجة إلا مجرد الدعوى.
وقد بين ذلك في كلام أفرده في مسألة العلم، وأراد أن ينتصر بذلك للفلاسفة الذين قيل عنهم: إنهم يقولون: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي، فذكر أنهم يقولون: إنه يعلم الجزئيات، لكن على هذا الوجه.
كلام ابن رشد في ضميمة في مسألة العلم القديم ورد ابن تيمية عليه
فقال لمن راسله: لما فقتم بجودة ذهنكم، وكرم طبعكم، كثيراً ممن يتعاطى هذه العلوم، وانتهى نظركم السديد إلى أن وقفتم على الشك العارض في العلم القديم، مع كونه متعلقاً بالأشياء المحدثة، وجب علينا لمكان الحق، ولمكان إزالة الشك والشبهة عنكم، أن تحل هذا الشك بعد أن نقول في تقريره، فإن لم يعرف الربط لم يقدر على
стр. 3664
الحل والشك يلزم هكذا إن كانت الأشياء كلها في علم الله تعالى قبل أن تكون، فهل هي في علمه في حال كونها كما كانت عليه قبل أن توجد؟.
فإن قلنا: إنها في علم الله تعالى في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن توجد، لزم أن يكون العلم القديم متغيراً، وأن تكون إذا خرجت من العدم إلى الوجود، فقد حدث هناك علم زائد، وذلك مستحيل على العلم القديم.
وإن قلنا: إن العلم القديم فيها واحد في الحالين.
قيل: فهل هي في نفسها -أعني الموجودات الحادثة قبل أن توجد- كما هي حين وجدت؟ فيجب أن يقال: ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين وجدت، وإلا كان المعدوم والموجود واحداً.
فإذا سلم الخصم هذا، قيل له: أفليس العلم الحقيقي هو معرفة الوجود على ما هو عليه؟.
стр. 3665
فإذا قال: نعم.
قيل: فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه، أن يكون العلم به يختلف، وإلا فقد علم على غير ما هو عليه، فإذاً يجب أحد الأمرين: إما أن يختلف العلم القديم في نفسه، أو تكون الحودث غير معلومة، وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه.
ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الإنسان، أعني من تعلق علمه بالأشياء المعدومة على تقدير الوجود، وتعلق علمه بها إذا وجدت، فإنه من البين بنفسه أن العلمين يتغايران، وإلا كان جاهلاً بوجودهما في الوقت الذي وجدت فيه، وليس ينجي من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا، بأنه سبحانه يعلم الأشياء قبل كونها، على ما تكون عليه في كونها، من زمان ومكان، وغير ذلك من الصفة المختصة به بوجود موجود.
فإنه يقال لهم: إذا وجدت فهل حدث هنالك تغير أو لم يحدث، وهو خروج الشيء من العدم إلى الوجود؟
стр. 3666
فإن قالوا: لم يحدث، فقد كابروا.
وإن قالوا: حدث هنالك تغير.
قيل لهم: فهل حدوث هذا التغير معلوم للقديم أم لا؟ فيلزم الشك المتقدم.
وبالجملة فيعسر أن ستصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد، وأن العلم به بعد أن وجد علم واحد بعينه.
فهذا هو تقرير هذا الشك.
قال: وقد رام الإمام أبو حامد الغزالي حل هذا الشك في كتابه الموسوم بـ تهافت الفلاسفة بشيء ليس فيه منتفع.
وذلك أنه قال قولاً معناه هذا، وهو أنه زعم أن العلم والمعلوم من المضاف، وكما أنه قد يتغير أحد المتضايفين ولا يتغير هذا الآخر في نفسه، كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله ، أعني أن تتغير في أنفسها، ولا يتغير علمه بها.
стр. 3667
ومثال ذلك في المضاف: أنه قد تكون الاسطوانة الواحدة يمنة زيد ثم تعود يسرته، وزيد بعد لم يتغير في نفسه.
قال: وليس هذا بصادق، فإن الإضافة قد تغيرت في نفسها، وذلك أن الإضافة التي كانت يمنة قد عادت يسرة، وإنما الذي لم يتغير موضع الإضافة، أعني الحامل لها الذي هو زيد.
وإن كان كذلك، وكان العلم هو نفس إضافة، فقد يجب أن يتغير عند تغير المعلوم كما تتغير الإضافة: إضافته الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها في نفسها، وذلك أنها عادت يسرة بعد أن كانت يمنة.
قال: والذي ينحل به هذا الشك عندنا، هو أن يعرف أن الحال في العلم القديم مع الموجود بخلاف الحال في العلم المحدث مع
стр. 3668
الموجود، وذلك أو وجد الموجود هو علة وسبب لعلمنا، والعلم القديم هو علة وسبب للموجود، فلو كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد فقد حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث، للزم أن يكون العلم القديم معلولاً للموجود لا علة له، فإذاً وجب أن لا يحدث هنالك تغير، كما يحدث في العلم المحدث.
وأنما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث، وهو قياس الغائب على الشاهد، وقد عرف فساد هذا القياس.
وكما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له، أعني تغيراً لم يكن قبل ذلك، كذلك لا يحدث في العلم القديم تغير عند حدوث مفعوله عنه.
فإذاً قد انحل هذا الشك، ولم يلزمنا أنه إذا لم يحدث هنالك تغير، أعني في العلم القديم، فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه، وإنما لزم أنه لا يعلمه بعلم محدث، بل لا يعلمه إلا بعلم قديم، كما ظن أنه لازم من ذلك القول، لأن حدوث التغير في
стр. 3669
العلم عندنا بتغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو العلم المحدث.
فإذاً العلم القديم إنما يتعلق بالموجود على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث، لا أنه غير متعلق أصلاً، كما حكى عن الفلاسفة أنهم لموضع هذا الشك قالوا: إنه لا يعلم الجزئيات.
ولي الأمر كما توهم عليهم، بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها، ويعلمها بالعلم القديم الذي ليس من شرطه الحدوث بحدوثها، إذا كان علة لها لا معلولاً عنها، كالحال في العلم المحدث.
وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به، فإنه إذاً قد اضطر البرهان إلى أنه عالم بالأشياء من جهة أن صدورها عنه، إنما هو من جهة أنه عالم، لا من جهة أنه موجود فقط، أو موجود بصفة كذا، بل من جهة أنه عالم.
كما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .
وقد اضطر البرهان إلى أنه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم
стр. 3670
بالمحدث، فواجب أن يكون هناك بالموجودات علم آخر لا يكيف، وهو العلم القديم.
قال: وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات، وهم يرون أنه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات.
قال: فهذا ما ظهر لنا في وجه هذا الشك، وهو أمر لا مرية فيه ولا شك.
قلت: لقائل أن يقول: ليس فيما ذكره جواب، وذلك أن تفريقه بين العلم القديم والعلم المحدث، بأن ذلك سبب للوجود، وهذا سبب عنه -هو قول تقوله طائفة من الفلسفة، وقد عارضهم طائفة من المتكلمين، فزعموا أن ليس في العلم ما هو سبب لوجود الموجود، بل العلم يطابق المعلوم على ما هو عليه، فلا يكسبه صفة، ولا يكتسب عنه صفة.
وأولئك يقولون: علمه فعل، وهؤلاء يمنعون ذلك.
والتحقيق أن كلاً من العلمين: علم الخالق وعلم المخلوق، ينقسم إلى ما يكون له تأثير في وجود معلومه، وإلى ما لا يكون كذلك، فما لا يكون كذلك علم الله بنفسه سبحانه، فإن هذا العلم ليس سبباً لهذا الموجود، فلا يجوز إطلاق القول بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقاً.
стр. 3671
وكذلك علمنا بمخلوقات الله التي لا أثر لنا فيها كالسماوات.
وأما الثاني فعلم الله بمخلوقاته، فإن خلق المخلوقات مشروط بالعلم بها.
كما قال: ﴿ألا يعلم من خلق﴾ [الملك: ١٤] ، فالعلم بها شرط في وجودها، لكن ليس هو وحده العلة في وجودها، بل لا بد من القدرة والمشيئة.
ومن هنا ضل هؤلاء المتفلسفة، فجعلوا مجرد العلم بنظام المخلوقات موجباً لوجوده، ولم يجعلوا للقدرة والمشيئة أثراً، مع أن تأثير القدرة والمشيئة في ذلك أظهر من تأثير العلم، مع أنهم متناقضون في ذلك، فإنهم قد يثبتون العناية والمشيئة تارة وينفوها تارة.
وعلم العبد بما يريد فعله من أفعاله، هو أيضاً شرط في وجود المعلوم، فهذا العلم بهذا المحدث شرط في حصوله، والمعلوم تابع للعلم المحدث هنا، فليس وجود كل معلوم لنا هو علة وسبباً لعلمنا مطلقاً، بل يفرق في ذلك بين العلم النظري والعلم العملي، فبطل هذا الفرق.
ثم يقال أيضاً: لا ريب أن الفاعل إذا أراد أن يفعل أمراً، فعلم ما يريد أن يفعل، لم يكن هذا هو العلم بأن سيكون، فإنه ليس كل من تصور ما يريد أن يفعل يعلم أن سيكون ما يريده، بل الواحد منا يتصور أشياء يريدها ولا يعلم أنها تكون، بل لا تكون، ثم إذا علم العالم أن الشيء سيكون ثم كان، علم أنه قد كان.
فهنا في حقنا ثلاثة علوم، وهو إنما ذكر في حق الله العلم المشروط في الفعل، وهو الذي لا يكون المريد مريداً حتى يحصل ذلك، فإن الإرادة مشروطة بتصور المراد.
стр. 3672
أما العلم بأن سيكون المراد، فهذا لا يثبت بمجرد ما ذكره، فإن هذا علم خبري، وذاك علم طلبي، ثم إذا ثبت هذا العلم جاء الشك، وهو أنه هل يكون هذا العلم هو نفس العلم بوقوعه إذا وقع أم لا؟
والمتكلمون تكلموا في هذين العلمين، وأرادوا جعل أحدهما هو الآخر، فكانوا أقرب إلى الصواب ممن جعل العلم بما يريده هو العلم بأن سيكون المراد، وذلك هو العلم بأن قد كان.
فتبين أن طريقة المتكلمين أقل إشكالاً، وأقرب إلى الصواب.
وأيضاً فيقال له: العالم بما يريد أن يفعل إذا فعله علم أنه سيكون، ثم علم أن قد كان، لم يخرج بذلك عن أن يكون العلم القديم شرطاً في وجود المعلوم، وهو من تمام علة وجوده، إذا كانت نفسه مستلزمة لعلمه بالموجود بشرط فعله لها، كما في سمعه وبصره، لم يكن شيء من أحواله معلولاً لغيره.
فقوله: يلزم أن يكون العلم القديم معلولاً للوجود لا علة له -ليس بلازم.
وأما ما ذكره من نفي التغير، فهو قد طعن في دليل المتكلمين على نفيه، ولم يذكر هو دليلاً على نفيه، فبقي نفيه له بلا حجة أصلاً، إلا قوله: يلزم أن يكون العلم القديم معلولاً للوجود لا علةً له، وليس هذا بصحيح، فإنه بتقدير تجدد علم ثان، لا يخرج العلم الذي به كان الفاعل فاعلاً عن أن يكون علة.
وأيضاً فعلم الله لازم لذاته، وهو الذي فعل الموجودات.
فإذا قيل
стр. 3673
إن ذاته أوجبت له هذا العلم، بشرط فعله ما فعل، لم يكن ذلك موجباً لافتقاره في العلم إلى غيره.
وقوله: إنما أتى هذا من قياس الغائب على الشاهد.
فيقال: جميع ما تذكره أنت وأصحابك والمتكلمون في هذا الباب، لا بد فيه من مقدمة كلية تتناول الغائب والشاهد، ولولا ما يوجد في الشاهد من ذلك، لما تصور من الغائب شيء أصلاً، فضلاً عن معرفة حكمه، فإن أبطلت هذا بطل جميع كلامكم.
وأما قوله: كما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له، كذلك في العلم عند حدوث مفعوله.
فيقال له: أنت قد أبطلت دليل المتكلمين على هذا الأصل الذي قاسوا عليه، ولم تذكر لك عليه دليلاً، فإن أولئك بنوه على أن ما لا يسبق الحوادث حادث، وهذا ثبت بطلانه، فيجوز عندك أن تقوم الحوادث بالقديم، وإذا كان كذلك، لم يمتنع عندك أن يتجدد للفاعل القديم عند فعله حال من الأحوال، بل أنت قد بينت في غير موضع أنه لا يعقل صدور الحوادث عن المحدث بدون هذا.
وأما قوله: لا يلزمنا إذا لم يحدث هناك تغير أن لا يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه.
فيقال: هذا لك ألزم منه للمتكلمين، لأنك ألزمتهم أن العلم بأن ما سيكون قد كان، ومعلوم أن العلم بما نريد أن نفعل، ليس هو العلم بأن سيكون، ولا بأن قد كان.
стр. 3674
فإن نفيت علمه بأن ستكون الموجودات قبل وجودها، وعلمه بأن قد كانت بعد وجودها -كان هذا أعظم عليك.
وإن جعلت ذلك هو نفس علمه بما يريد فعله، كان جعلهم العلم بالشيء قبل كونه واحداً أقرب إلى العقل.
وأما قوله: حدوث التغير في العلم عندما يتغير الموجود، هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو المحدث.
فيقال له: هذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن ما ذكرته من الدليل لا يفرق.
الثاني: أنه يلزم علم العبد بما يريد أن يفعله، فإنه متقدم على المعلوم به الموجود، وهو متغير، فليس هو معلولاً عن الموجود، فتبين أن كونه سبباً في الوجود أو تابعاً له، لا يمنع ما ذكر من التغير.
وعلم الرب ﵎ لا يجوز أن يكون مستفاداً من شيء من الموجودات، فإن علمه من لوازم ذاته، فعلم العبد يفتقر إلى سبب يحدثه، وإلى المعلوم، الذي هو الرب تعالى، أو بعض مخلوقاته، وعلم الرب لازم له، من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم، والمعلوم: إما نفسه المقدسة، وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها.
وهذه المسألة: مسألة تعلق صفاته بالمخلوقات بعد وجودها، تعلق العلم والسمع والبصر ونحو ذلك، هي مسألة كبيرة.
والناس متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب،
стр. 3675
وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب، وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه: هل هو مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به؟ أم يقوم به أمر؟ على القولين
فالكلابية والمعتزلة ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك.
وأكثر أهل الحديث، وكثير من أهل الكلام يجوزون ذلك.
وأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهم.
وابن عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال، ولعله سماها بذلك، كما يسمى غيره كونه عالماً وقادراً حالاً معللة بالعلم والقدرة، كما هي طريقة القاضي أبي بكر، ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهما.
وهؤلاء يقولون -تبعاً لأبي هاشم- إن الحال لا موجودة ولا معدومة، وكذلك هذه النسب والإضافات على قولهم.
أو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي يثبتها أبو هاشم، ويجعلها لا موجودةً ولا معدومةً، كذلك هذه النسب والإضافات.
ولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو معروف.
ولهذا صار طائفة من أهل الكلام، كهشام بن الحكم، والجهم، وأبي الحسين البصري، والرازي، وغيرهم -إلى إثبات أمور متجددة.
والكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع.
كقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .
стр. 3676
وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
وقوله: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] إلى قوله: ﴿فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا﴾ [آل عمران: ١٦٥-١٦٦] الآية.
وقوله: ﴿ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١٢] .
وقوله: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ إلى قوله: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين﴾ [العنكبوت: ٣-١١] .
وغير ذلك في كتاب الله.
هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها، على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون.
وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر.
ومن هؤلاء غلاة القدرية، الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها، والقائلون بالبداء من الرافضة ونحوهم.
стр. 3677
وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي والمعلوم، إذا سمعه ورآه علمه موجوداً فهل هذا عين ما كان موجوداً قبل وجود ذلك؟ أو هناك معنى زائد؟
وأما قول من قال من الفلاسفة: إنه لا يعلم إلا الكليات، فهذا من أخبث الأقوال وشرها، ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة.
وهؤلاء شر من المنكرين لعلم القديم، من القدرية وغيرهم.
وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون: إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث، وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزيئات العالم، فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بحقيقة مذهبهم، فإنه دائماً يتعصب لأرسطو، صاحب التعاليم المنطقية والإلهية.
وكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه ما بعد الطبيعة، وقد ذكر بألفاظه أبو البركات صاحب المعتبر وغيره، ورد ذلك عليه أبو البركات، مع تعظيمه له.
стр. 3678
وأرسطو ينكر علم الرب بشيء من الحوادث مطلقاً.
وكلامه في ذلك وحججه من أفسد الكلام كما سنذكره إن شاء الله.
ولكن ابن سينا وأمثاله زعموا أنه إنما يعلم الكليات والجزئيات: يعلمها على وجه كلي.
وهؤلاء فروا من وقوع التغير في علمه.
وأما من قبل أرسطو من المشائين، فلا ريب أن في كلامهم ما هو خير وأقرب إلى الأنبياء من كلام أرسطو.
ولهذا نقل عنهم أنهم كانوا يقولون بحدوث الأفلاك، وأن أرسطو أول من قال بقدمها من المشائين.
وأما احتجاجه على إثبات علم الرب بالجزئيات بالإنذارات والمنامات، فاستدلال ضعيف، فإن ابن سينا وأمثاله يدعون أن ما يحصل للنفوس البشرية من العلم والإنذارات والمنامات، إنما هو فيض العقل الفعال والنفس الفلكية، وإذا أرادوا أن يجمعوا بين الشريعة والفلسفة، قالوا: إن النفس الفلكية هي اللوح المحفوظ، كما يوجد مثل ذلك في كلام أبي حامد في كتاب الإحياء والمضنون وغير ذلك من كتبه.
وكما يوجد في كلام من سلك سبيله من الشيوخ المتفلسفة المتصوفة، يذكرون اللوح المحفوظ، ومرادهم به النفس الفلكية، ويدعون أن العارف قد يقرأ ما في اللوح المحفوظ ويعلم ما فيه.
ومن علم دين الإسلام، الذي بعث الله به رسله، علم أن هذا من أبعد الأمور عن دين الإسلام، كما قد بسط في موضع آخر، إذ تنزيهه هنا للفلاسفة المشائين عن أن يكون هذا كلامهم، هو تعصب جسيم منه لهم.
стр. 3679
وهذا نظر سيء في نقل أقوال الناس، وليس تحقيق هذا من غرضنا هنا.
والفلاسفة طوائف متفرقون لا يجمعهم قول ولا مذهب، بل هم مختلفون أكثر من إاتلاف فرق اليهود والنصارى والمجوس.
وكلام المشائين في الإلهيات كلام قليل الفائدة، وكثير منه بلا حجة.
والنقل المذكور موجود في كتب المتبعين لهم كابن سينا وأضرابه.
وقد نظرت فيما نقل عنهم من الأقوال في العلم فوجدتها عدة مقالات، لكن من الناس من يحكي عنهم قولين أو ثلاثة، ومن الناس من لا يحكي إلا قولاً واحداً.
وقد وجدت أربعة مقالات منقولة عنهم صريحاً في كتب متعددة.
فنقل طائفة عنهم.
ك الشهرستاني وغيره في العلم ثلاث مقالات.
قالوا: ذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط، ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات، وهي غير معلومة عنده، أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال
وذهب قوم منهم إلى أنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات.
وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعاً، على وجه لا يتطرق إلى علمه نقص وقصور.
стр. 3680
فهذا القول الثالث هو شبيه بالقول الذي اختاره ابن رشد.
وأما القول الثاني والأول فهما اللذان حكاهما الغزالي عن الفلاسفة.
قال: منهم من قال: لا يعلم إلا ذاته، ومنهم من يسلم أنه يعلم غير ذاته.
قال: وهو الذي اختاره ابن سينا، فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي، لا يدخل تحت الزمان، ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيراً في ذات العالم.
وذكر الغزالي أنهم اتفقوا على أنه لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن، وما كان، ويكون
قال: فمن ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه، لا يخفى فساد هذا من مذهبه، ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، كما اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علماً كلياً، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.
قلت: ول أبي البركات صاحب المعتبر مقالة في العلم رد فيها على أرسطو.
ونصر فيها أنه يعلم الكليات والجزئيات.
следующие страницы →