Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
ولم يقل أحد من المسلمين: إن الله لا يعلم المخلوقات، حتى تحل في ذاته، أو يحل في ذاته ما هو مماثل في الحقيقة لهذه المخلوقات.
فإن كان في سلفه الملاحدة من قال نحو هذا، فدونه وإياه.
وأما سلفنا المسلمون فلم يقل أحد منهم شيئاً من هذا.
وإن أراد بقوله: من غير أن تكون حالة فيه من غير أن يقوم به علم بها، بل يكون حال ذاته مع العلم بها، كحالها إذا قدر عدم العلم بها، فهذا باطل معلوم الفساد بالضرورة، وإذا أثبت علماً بجميع المخلوقات، يتصف به الرب، غير المخلوقات المعلومة، حصل المقصود في هذا المقام، ويبقى المقام في تفصيل ذلك له مقام آخر.
الوجه الثالث عشر
قوله: وإذ تقدم هذا، فأقول: قد علمت أن الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود، لا في اعتبار المعتبرين على ما مر، وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله المعلول الأول.
فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته، وعقله لذاته، شيئاً واحداً في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين أيضاً: أعني المعلول الأول وعقل الأول له، شيئاً واحداً في الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مبايناً للأول، والثاني متقرراً فيه.
وكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتباراً محضاً، فاحكم بكونه في المعلولين كذلك.
стр. 3782
فيقال: كلا المقدمتين ممنوعة باطلة: التلازمية والاستثنائية، المشبه والمشبه به، الأصل والفرع.
أما قوله: حكمت بكون ذاته وعقله لذاته شيئاً واحداً في الوجود فهذا لم يحكم به أحد من مثبتة الصفات، الذين هم سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، على تنوع أصنافهم، فلم يقل منهم أحد: إن علمه بنفسه هو عين نفسه، وإنما يحكي ما يشبه هذا عن المعطلة الجهمية من أهل الكلام والفلسفة، كابن رشد ونحوه، بل علمه بنفسه في كونه ليس هو نفسه، كعلمه بسائر المعلومات، فليس العلم نفس العالم عند أحد من أهل الإثبات للصفات.
ولكن هل يقال: إنه غيره؟ هذا فيه نزاع لفظي.
منهم من يقول: إن علمه غيره.
ومنهم من يقول: لا هو هو، ولا هو غيره.
ومنهم من يقول: لا نقول: لا هو هو، ولا هو غيره فأنفيهما جميعاً، بل أقول: ليس هو إياه منفرداً، وأقول: ليس هو غيره مفرداً.
ولا أجمع بينهما فأقول: لا هو هو، ولا هو غيره.
وأما السلف والأئمة، كـ أحمد بن حنبل وغيره، فلم يقولوا شيئاً من ذلك، بل امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره، كما لم يطلقوا أنه هو، ولم يقولوا: إنه لا هو هو، ولا غيره، فينفوهما جميعاً: لا مجتمعين ولا منفردين، بل منعوا من إطلاق لفظ الغير، لأن لفظ الغير مجمل، يراد به المباين، ويراد به ما ليس هو إياه.
стр. 3783
والجهمي إذا سأل أحدهم عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ فإن قال: هو غيره.
قال: كل ما هو غير الله مخلوق.
ولهذا لما سألوا الإمام أحمد في المحنة عن القرآن: أهو الله أو غيره؟ وإذا كان غيره كان مخلوقاً- عارضهم بالعلم فسكتوا.
وقد تكلم على لفظ الغير في الرد على الجهمية.
والقول الذي قبله قول الأشعري وطائفة، والذي قبلهما قول القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى وطائفة، والأول قول الكرامية وطائفة.
ومما يدل على قول الأئمة أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» .
وثبت عنه الحلف بعزة الله، والحلف بقوله: لعمر الله، فلو كان الحلف بصفاته حلفاً بغير الله لم يجز، فعلم أن الحالف بهما لم يحلف بغير الله، ولكن هو حالف بالله بطريق اللزوم، لأن الحلف بالصفة اللازمة، حلف بالموصوف .
стр. 3784
وقول القائل: الصفات زائدة على الذات ليس كقوله: صفات الله زائدة على الله، لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته، فإذا قال: الله دخل فيه صفاته، فإذا قال: هي غيره أوهم مباينةً لله لم تدخل في اسمه.
وأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يقدر أنها مجردة عن الصفات، والصفات زائدة على لفظ الذات.
ولفظ الغيرين يراد بهما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، وعلى هذا فالصفة ليست مغايرة للموصوف.
ويراد بهما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر، وعلى هذا فالصفة غير الموصوف، والعلم غير العالم.
وهذا هو لغة هؤلاء فنخاطبهم بلغتهم.
فإذا قال: الأول عاقل لذاته، من غير تغاير بين ذاته، وبين عقله لذاته في الوجود.
قيل: هذا ممنوع، بل عقله لذاته ليس هو ذاته، بل هو مفهوم مغاير لمفهوم الذات، وإن كانا متلازمين.
واعتبار المعتبرين: إن كان مطابقاً للحقيقة، وإلا كان خطأً.
وكون الشيء لا يتميز عن الشيء من وجه، لا يقتضي أنه لا يتميز عنه من وجه آخر، فالطعم لا يتميز عن اللون باللمس، ولكن يتميز أحدهما عن الآخر بالرؤية والذوق، فلو قدرنا عدم القوة المميزة لم يمتنع الامتياز في نفس الأمر.
وكذلك إذا قدرنا صفة لازمة لموصوفها، لم نشعر بأحدهما
стр. 3785
منفكاً عن الآخر، لم يدل ذلك على أنهما شيء واحد في نفس الأمر.
وكذلك الصفات العامة والخاصة في الموصوف الواحد، مثل كون الإنسان حيواناً وناطقاً، وكون الجسم جسماً ونباتاً، وكون اللون سواداً وبياضاً، وإن لم يتميز هذا من هذا ببعض أنواع الإدراك، فإنه يتميز بنوع آخر.
الوجه الرابع عشر
قوله: وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول، فإذا حكمت بكون العلتين: أعني ذاته وعقله لذاته، شيئاً واحداً في الوجود من غير تغاير، فاحكم بكون المعلولين شيئاً واحداً.
فيقال: أما كون ذاته علة، فمعناه أنها مبدعة فاعلة لمفعولها.
وأما كون عقله لذاته علة لعقله، فليس معناه أن عقل ذاته أبدع عقل مفعوله، بل معناه أن عقله لذاته مستلزم لعقله لمفعوله، فإن كونه فاعلاً له من لوازم ذاته، والعلم التام بالملزوم يقتضي العلم بلوازمه، فكونه هنا علة بمعنى كونه ملزوماً، وهناك بمعنى كونه فاعلاً.
ولفظ العلة فيه اشتراك كثير بحسب اصطلاحات الناس، ينبغي لمن خاطب به أن يعرف مقصود المخاطب به.
فقد رأيت من
стр. 3786
غلط الناس بسبب اشتراك هذا اللفظ، لتعدد الاصطلاحات فيه، ما لا يمكن إحصاؤه ها هنا.
وإذا كان كذلك، لم يلزم من كون ذاته الفاعلة وعلمه بنفسه شيئاً واحداً -إذا قدر أن الأمر كذلك- أن يكون مخلوقه المباين له، وعلمه بهذا المخلوق، شيئاً واحداً، لأن المخلوق مباين له، وعلم الخالق صفة للخالق قائمة به، فلم يكن العلم قائماً بالمخلوق، كما كان عقله لذاته قائما بذاته.
وهناك إنما جعل من جعل عقله عين ذاته، لكون العلم هو العالم عندهم، لا لكون العلم هو المعلوم عندهم.
لكن هناك كان ذات العلم والمعلوم واحدة، ولم يبق إلا العلم، وعندهم العلم ليس بزائد على الذات، فقالوا: ذاته وعقله لذاته شيء واحد.
وأما هنا: فالعالم مباين للمعلوم، والعلم صفة للعالم قائمة به، ليس صفة للمعلوم قائمة به، فلم يكن جعل المخلوق الذي يسمونه المعلول الأول، وعلم الخالق به، شيئاً واحداً.
الوجه الخامس عشر
أن يقال بأن العلم بالمخلوق ليس هو المخلوق علم ضروري، لا يمكن دفعه بالشبهات، بل القدح فيه سفسطة.
فإن كان من لوازم هذا كون علمه بنفسه ليس هو نفسه، فلازم الحق حق، والتزام هذا هو من التزام كون المخلوق هو نفس علم الخالق، وإن لم يكن من لوازم هذا كون علمه بنفسه هو نفسه، فقد بطلت الحجة.
стр. 3787
وهذا بين جداً إذا تصور الإنسان نتيجة مقدماته.
وهو قوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه.
فهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟ ويقول مع ذلك: إن الله أبدع شيئاً من الأشياء، فيقول: إن نفس مبدعه المفعول المصنوع المخلوق المباين له هو نفس علمه.
وطرد هذا أن تكون السموات والأرض هي نفس علمه بالسموات والأرض، والإنسان هو علم الله بالإنسان.
والإنسان مولود كان في بطن أمه، فيكون علم الله مولوداً كان في بطن أمه.
فهل قالت النصارى مثل هذا القول الباطل؟!.
الوجه السادس عشر
قوله: فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه، من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول، تعالى عن ذلك.
فيقال له: ليس كل أحد يقول: إنه يحتاج إلى صورة مستأنفة، بل من يقول: إنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وأن علمه بها بعد الوجود هو ذلك الأول، لا يقول: إنه تكون هناك صورة مستأنفة.
فهؤلاء لا يلزمهم ما ذكرت.
فإن قلت: قول هؤلاء ضعيف، لأن العلم بأن الشيء سيكون، ليس هو العلم بأن قد كان.
стр. 3788
قلت لك: معلوم أن قولك: إن نفس علم الخالق هو نفس المخلوق، أشد امتناعاً في العقل من هذا، فعجل العلم بأن سيكون هو العلم بأن قد كان، إن كان باطلاً، فهو أقرب إلى العقل من جعل العلم نفس المخلوق.
وإذا كان أقرب إلى العقل، كان التزامه -إن كان تجدد العلم محذوراً- أولى من التزام ذاك، وإن لم يكن محذوراً، التزم ذاك.
الوجه السابع عشر
أن يقال: لم قلت إن استئناف علم يحل ذات الأول بعد وجود المخلوق محال؟.
وقولك: إنه يتعالى عن ذلك، فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ومنازعك يقول: إنك أنت الظالم المفتري على الله، الذي سلبته صفات الكمال، ووصفته بصفة الجهل، وقلت فيه المحال، وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد طائفتك الضلال.
وأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال، ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء والمرسلين، وما فطر الله عليه عباده أجمعين، وما دلت عليه صرائح عقول الآدميين، ووصفوا ربهم بأنه يسمع كلامهم، ويرى أعيانهم، ويسمع سرهم ونجواهم.
وأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك، ولم تجعل له علماً سوى المخلوقات.
والمخلوقات ليست علماً باتفاق أهل الفطر السليمات، فتعالى الملك الحق عن قولك، وقول أمثالك المفترين الملحدين، أعداء الأنبياء، شياطين الإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
стр. 3789
وأنت فليس لك دليل أصلاً ينفي ذلك، فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته، لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفي به الصفات، كما نفيت العلم.
ومعلوم أن هذا من أفسد أقوال الآدميين.
وغاية ما تقوله أنت وأصحابك: إن ذلك يستلزم التكثر والتغير، وهما لفظان مجملان، فذاك لا يستلزم تكثر الآلهة، بل الرب إله واحد، وإنما يستلزم تكثر علمه وكلماته، وهذا حق، وهو من أعظم كمالاته.
وأما التغير، فليس المراد به استحالته، وإنما المراد أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، ويحدث الحوادث بقدرته ومشيئته.
ومعلوم أن من كان قادراً على أن يفعل بمشيئته وقدرته ما شاء كان، أكمل ممن لا يقدر على فعل يختاره يفعل به المخلوقات، ولا كلام يتكلم به بمشيئته، ولا يرضى على من أطاعه، ولا يغضب على من عصاه.
وهم يعلمون أن الفعل الاختياري القائم بالفاعل صفة كمال، بل الحركة عندهم صفة كمال، فبأي دليل ينفون ذلك، مع تجويزهم حوادث لا أول لها، بل إيجابهم لذلك؟.
الوجه الثامن عشر
قوله: ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها، بحصول صور فيها، وهي تعقل الأول
стр. 3790
الواجب، ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها.
فيقال: مضمون هذا الكلام أن الجواهر العقلية لما عقلت الأول، لزم أن تعقل كل شيء، لأن ما سواه معلول له، وأن تكون جميع صور الوجود حاصلة فيها.
وفي هذا الكلام من الباطل أنواع:
منها أن يقال: ومن أين لكم أن مخلوق الرب يعلمه علماً تاماً، بحيث لا يخفى عليه من أحوال الرب شيء؟ بل يعلم الرب، كما يعلم نفسه، حتى يكون علمه بالرب متضمناً للعلم بكل موجود؟ وما الدليل على هذا، والكتب الإلهية والدلائل العقلية تناقض ذلك؟.
قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال عن الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣٢] .
стр. 3791
وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨] .
وقال: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٧] : أي خفي علمها على أهل السماوات والأرض.
وقال تعالى: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥] ، أي أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها؟.
وقال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] .
وقال عن الملائكة: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤] .
وقال: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾ [طه: ٩٨] ، إلى قوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١٠٨-١١٠] .
стр. 3792
ومنها أن الأول الواجب لم يثبتوا له علماً محققاً بجزئيات المخلوقات، بل ولا بكلياتها، فكيف يستفاد من العلم بنفسه العلم بتفاصيلها، وهو عندهم لا يعلم تفاصيلها؟ فإذا لم يستفد العلم بتفاصيلها إلا من العلم به لكونه مبدأً امتنع ذلك.
ومنها أن يقال: حصول جميع صور الموجودات الجزئية والكلية على ما هي عليه: إن كان صفة الكمال، فالرب أحق بها من مخلوقاته.
وإن كان صفة نقص، فلا موجب لوصف العقول بها.
فإن قلتم: أثبتناها للعقول لتعلم جميع الأشياء.
قيل: إن كان العلم بجميع الأشياء يمكن بدون حصول صورها في العالم، أمكن ذلك في العقل، كما أمكن في الأول.
وإن لم يمكن ذلك، وجب إثباتها للأول، وكان أحق بذلك من مفعوله.
فإن الأول إذا كان علمه بالمخلوق نفس المخلوق، كان علم العقل به يفيده العلم بالمخلوق، من غير قيام صورة المخلوق عنده، بل يكفيه ارتسام صورة المخلوق.
ومنها: أن يقال: إذا كان العقل المعلول إنما يستفيد علمه بالموجودات من علمه بالأول، وهي ليست متصورة في ذات الأول، فكيف يتصور في ذات العقل ما لم يتصور في ذات معلومة؟ وكيف يكون الفرع أكمل من أصله؟.
فإن قيل: علمه بالأول ومعلولاته يوجب الارتسام، فاستفاد ذلك من علمه بوجوده، لا من علمه بعلمه.
стр. 3793
قيل: إذا كان هذا صفة كمال، فالأول أحق به، وإن كان نقصاً وجب تنزيه العقل عنه.
الوجه التاسع عشر
قوله: والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور، لا بصور غيرها، بل بأعيان تلك الجواهر والصور، وكذلك الوجود على ما هو عليه، فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة، من غير لزوم محال من المحالات المذكورة.
فيقال له: ما هي الصورة التي يعقلها مع الجواهر؟ أهي صورة عقلية قائمة به؟ فهذا عندك باطل، وليس عندك إلا الموجودات.
أم صور أخرى منفصلة عنه مقارنة للموجودات، فيكون علمه بها خارجاً عن ذاته مقارناً لها؟ وهذا أيضاً باطل كما تقدم.
أم تعني بالصور الماهيات التي تدعي أنت وسلفك أنها ماهيات غير مجعولة مقارنة للموجودات؟ فتلك لم تذكرها، وكيف نعلمها وهي عندك غير مجعولة له، حتى يكون جعله لها يوجب العلم بها كما ذكرت؟ ولم يرد شيئاً من ذلك، وإنما أراد بالصور: الصور العقلية القائمة بالجواهر، أي تعقل الجواهر، وتعقل عقلها للموجودات.
ومن جملة عقلها للموجودات عقلها له، فهو يعلم علمها له ولكل شيء، وهو نفسه ليس له علم عنده إلا وجود المخلوقات.
فهل هذا القول إلا من أعظم الأقوال فساداً في العقل والدين؟.
стр. 3794
ثم قوله: يعقل تلك الجواهر بأعيان تلك الجواهر من العجب، فإنه ليس عنده موجود إلا تلك الجواهر، فما العقل الذي يكون به؟ أهو عقل يتصف به؟ فعنده لا يتصف بعقل يقوم به، بل عقله نفس مخلوقاته.
فحقيقة قوله: إنه يعقل تلك الجواهر التي هي عقله، وهي معقوله، ليس له عقل يقوم به.
الوجه العشرون
أن يقال: حقيقة القول هذا الرجل، هو قول غلاة النفاة للعلم من سلفه، وهو أن الخالق تعالى لا يعلم شيئاً: لا نفسه ولا غيره، فإن العلم لا يكون إلا بقيام صفة به، وإذا كان قيام الصفات به ممتنعاً عندهم، امتنع كونه عالماً بنفسه وبغيره فهذا حقيقة ما قاله.
وأما كون المخلوقات هي العلم، فكلام لا حقيقة له، وإن كان يظن من يجهل معناه أن فيه إثباتاً لعلم الله، فمن تصوره حق التصور علم أنه ليس فيه إثبات لعلم الله، وعلم بذلك أن ابن سينا وابن رشد وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، من النفاة الملحدين الذين قالوا في علم الله مثل هذا الافتراء.
ومعلوم أنه إنما دعاهم إلى ذلك القول بنفي الصفات، والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله، وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها، ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه.
стр. 3795
ونفي هذين هو الذي أوقع نفاة العلم في نفيه، فإنهم رأوا إثبات العلم لا يمكن إلا مع إثبات الصفات اللازمة والأحوال العارضة، وظنوا وجوب نفي هذين.
وإذا كان العلم مستلزماً لهذين، فلازم الحق حق، لا سيما ومهما قدر من توهم تنزيه وتعظيم في نفي لوازم العلم -لأن ثبوت العلم مستلزم ما يظن نقصاً من تجسيم وحلول حوادث وغير ذلك- فنفي العلم فيه من النقص والعيب ما هو أحق بتنزيه عنه من لوازم العلم، ونفي ما يناقض العلم هو أولى بالنفي، من نفي لوازم العلم.
والأدلة العقلية الصريحة، مع النقلية الصحيحة، إنما تدل على إثبات العلم ولوازمه، لا يدل شيء منها على نقيض ذلك، بل كل ما يظن من لوازم العلم أنه منفي بدليل العقل، يوجب ثبوته لا نفيه، ولكن هم استسلفوا مقدمات باطلة ظنوها عقلية، واحتاجوا إلى القول بلوازمها، فألجأهم ذلك إلى الأقوال الباطلة المخالفة لصريح العقول وصحيح المنقول، مع أنها من أعظم الفرية على رب العالمين، وأعظم الجهل بما هو عليه سبحانه من نعوت الكمال.
دع ما في ذلك من تكذيب رسله، والإلحاد في أسمائه وآياته.
والمقدمات الفاسدة التي بنوا عليها أقوالهم هي نفيهم صفاته سبحانه، وظنهم أنه لا تقوم به المعاني، وإن كانت قديمة النوع أو العين، ولهذا كان من تكلم منهم مع التزام هذا الأصل، فكلامه ظاهر البطلان، مع ما فيه من التناقض.
стр. 3796
وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات وحكمة الإشراق وغيرهما، مع تألهه على طريقتهم، ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقاً لم يقلد فيها المشائين، بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع، وكان كلامه في مواضع متعددة خيراً من كلامهم، وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم.
فالمقصود بيان الحق، وإذا كان بعضهم ينازع بعضاً ويرد عليه، وكان أحدهما أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر، كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله من الباطل مما يؤيد الله به الحق.
فرد عليهم دعواهم أن العقول عشرة.
وهؤلاء المتأخرون يقولون: إنها الملائكة بلسان أهل الملل، ويسميها صاحب حكمة الإشراق الأنوار، ويقول: إن قدماء الفلاسفة وفلاسفة الفرس والهند يقولون: هي كثيرة أكثر مما أثبته المشاؤون، مع أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما أثبته المشاؤون من العقول لا حقيقة له في الخارج البتة، وإنما الحق ما أثبته الله ورسوله من الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، ودلت عليها الدلائل العقلية.
والمقصود هنا مسألة العلم.
كلام السهرودي في حكمة الإشراق
قال السهروردي: فصل لما تبين أن الإبصار
стр. 3797
ليس من شرطه انطباع شبح أو خروج شيء، بل كفى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر، فنور الأنوار ظاهر لذاته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، لا يحجبه شيء عن شيء، فعلمه وبصره واحد، ونوره قدرته، إذ النور مباين لذاته.
قال: والمشاؤون وأتباعهم قالوا: علم واجب الوجود ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته من ذاته المجردة عن المادة.
وقالوا: وجود الأشياء عن علمه بها.
قال: فيقال لهم: إن علم لزم من العلم شيء، فيقدم العلم على الأشياء وعلى عدم الغيبة، فإن عدم الغيبة عن الأشياء يكون بعد تحققها، فكما أن معلوله غير ذاته فالعلم بمعلوله غير العلم بذاته.
стр. 3798
قال: وأما ما يقال: إن علمه بلازمه منطو في علمه بذاته، فكلام لاطائل تحته، فإن علمه سلبي عنده، فكيف يندرج العلم بالأشياء في السلب؟ والتجرد عن المادة سلبي، وعدم الغيبة أيضاً سلبي، فإن عدم الغيبة لا يجوز أن يعني به الحضور، إذ الشيء لا يحضر عند ذاته، فإن الذي حضر غير من يكون عنده الحضور، فلا يقال إلا في شيئين -بل أعم، فكيف يندرج العلم بالغير في السلب؟ ثم الضاحكية غير الإنسانية، فالعلم بها غير العلم بالإنسانية، والضاحكية علمها عندنا ما انطوى في الإنسانية، فإنها ما دلت مطابقةً أو تضمناً عليها، بل دلالةً خارجية، فإذاً الضاحكية التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، ودون تلك الصورة إنما هي معلومة لنا بالقوة.
قال: وما ضربوه من المثال في الفرق بين العلم التفصيلي
стр. 3799
بمسائل، وبين العلم بالقوة بها، كمسائل ذكرت، فوجد الإنسان من نفسه ملكةً وقدرة على الجواب لهذه المسائل المذكورة فهذه القوة أقرب مما كانت قبل السؤال، فإن القوة مراتب، ولا يكون عالماً بجواب كل واحدة على الخصوص ما لم يكن عنده صورة كل واحد، وواجب الوجود منزه عن هذه الأشياء.
ثم إذا كان ج غير باء فسلب باء كيف يكون علماً بهما، وعنايةً بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام، وإن كان علمه بالأشياء هو العلم المتقدم؟.
قال: فإذاً الحق في العلم هو قاعدة الإشراق، وهو أن علمه بذاته هو كونه نوراً لذاته وظاهراً لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرةً له، إما أنفسها أو متعلقاتها التي هي مواضع الشعور
стр. 3800
المستمر للمدبرات العلوية.
وذلك إضافة، وعدم الحجاب سلبي.
قال: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر.
مع عدم الحجاب.
فإضافته إلى كل ظاهر له إبصار إدراك له، وتعدد الإضافات العقلية لا يوجب تكثراً في ذاته.
قال: وأما العناية فلا حاصل لها.
الرد عليه
فيقال: قد بين هو بطلان قولهم، وما أختاره هو أيضاً باطل، فإن قوله: علمه بذاته كونه نوراً لذاته وظاهراً لذاته، علمه بالأشياء كونها ظاهرة له، وذلك إضافة، وعدم الحجاب أمر سلبي.
يقال له: هذا الذي أبنته من الظهور والإضافة ورفع الحجاب هو عدم محض، أو يتضمن أمراً ثبوتياً، فإن كان عدماً محضاً لم يكن هناك علم أصلاً، فإنا نعلم بصريح العقل أن علم العالم بالمعلومات ليس عدماً محضاً، بل نعلم أن قولنا: لا يعلم هو العدم، فنعلم أن نفي العلم عدم، وإثباته وجود.
стр. 3801
ومما يبين ذلك أن ثبوت العلم ونفيه يتناقضان، فإن كان ثبوته عدماً، فنفيه ثبوت، فيلزم إذا قيل: لا يعلم أن نكون أثبتنا شيئاً.
ومعلوم أن هذا قلب للحقائق.
وأما قوله: والذي يدل على أن هذا القدر كاف، هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر، مع عدم الحجاب.
فيقال: إن ادعيت أن الإبصار الذي هو ظهور المبصر للبصر إضافة هي عدم محض، كان القول في هذه المقدمة كالقول في الدعوى.
فإن الإنسان يحس من نفسه عند الرؤية أمراً وجودياً مخالفاً لحالة عدم الرؤية، كما يجد من نفسه ذلك في العلم.
فدعوى كون الرؤية أمراً عدمياً، مثل دعوى كون العلم أمراً عدمياً، ومضمون الأمرين أن الحس والعقل أمر عدمي، وأن مشاهدة المحسوسات والعلم بالمعقولات أمر عدمي.
ومعلوم أن من لم يشهد شيئاً ولم يعلمه، فقد عدم الرؤية والعلم، فإن كان بعد الرؤية والعلم لم يحصل له إلا عدم، فلا فرق بين أن يرى ويعلم، وبين أن لا يرى ولا يعلم.
وهذا تسوية بين الأعمى والبصير، العالم والجاهل.
стр. 3802
وأصدق الكلام كلام الله الذي قال: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ [فاطر: ١٩] وقال: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] .
ومعلوم بصرائح المعقول أن البصير أكمل من الأعمى، والعالم أكمل من الجاهل.
ومعلم هؤلاء أرسطو زعم أنه سبحانه أن لا يعلم ولا يبصر أفضل في حقه من أن يعلم ويبصر.
وهؤلاء الذي خالفوا معلمهم واستقبحوا له هذا القول، وأثبتوا له أمراً حال الرؤية والعلم يمتاز به عن حاله إذا لم ير ولم يعلم، فذاك فضل الجاهل الأعمى على العالم المبصر، وهؤلاء يلزمهم التسوية بينهما.
وأيضاً فيقال له: قولك: علمه بذاته كونه نوراً لذاته، وظاهراً لذاته، وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إن أردت بقولك: كونه نوراً لذاته، وظاهراً لذاته أي كونه مرئياً لذاته، ومعلوماً لذاته -كان حقيقة الكلام: علمه بذاته كونه معلوماً لذاته.
وهذا أمر معلوم، ليس فيه قدر زائد على ما دل عليه قولنا: هو عالم بذاته.
وإن أردت بذلك: أن علمه بذاته كونه في نفسه بحيث يظهر لذاته نوراً يتجلى لذاته -كان المعنى.
أن علمه بذاته معناه: أن
стр. 3803
ذاته متصفة بما يجب لأجله أن يظهر لذاته، فهي متصفة بما يوجب أن تكون معلومة له ظاهرة.
وكذلك إن أردت أنها متصفة بما يوجب أن تكون عالمة ظاهراً لها غيرها.
وكذلك إن فسر بما يوجب كونها عالمة معلومة، فسواء فسر ذلك بنفس كونه عالماً أو معلوماً أو مجموعهما، أو رائياً أو مجموعهما، إنما يوجب أحد هذه الأمور الستة.
فهذا كله لا يمنع كون العلم صفة ثبوتية، ولا يقتضي أن العلم مجرد نسبة عدمية، بل إذا فسره بمجرد أمر عدمي، كان هذا بمنزلة القول الذي رده، وهو قولهم: إنه ليس بزائد عليه، بل هو عدم غيبته عن ذاته المجردة عن المادة، فإذا كان يجعل الظهور الذي أثتبه أمراً عدمياً، فهو بمعنى عدم الغيبة الذي أثبتوه.
وأكثر ما يقال إنهم جعلوا العلم نفس عدم الغيبة، وأنا أجعله نسبة تستلزم عدم الغيبة، فهم فسروه بعدم الغيبة، وأنا أفسره بالنسبة.
فيقال له: هذه النسبة: إن لم تكن موجودة فهي من جنس عدم الغيبة.
ويقال للجميع: عدم الغيبة يكون معه علم بنفسه، أو مجرد عدم الغيبة عن نفسه هو العلم؟.
فإذا قالوا بالأول، أصابوا، وهو قول الرسل.
وإن قالوا: بل نفس عدم الغيبة هو نفص العلم، كان هذا معلوم البطلان، فإنه ما
стр. 3804
من موجود من الموجودات إلا وليس هو غائباً عن نفسه، مع كونه كثير منها ليس عالماً بنفسه، فعلم أن حقيقة العلم أمر مغاير لحقيقة عدم الغيبة.
وإن قالوا: إنما قلنا: هو عدم غيبته عن ذاته المجردة قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن حقيقةالعلم: إن كان هو عدم الغيبة لم يختلف ذلك بمعلوم ومعلوم.
فإن العلم يتعلق بكل معلوم، وكل شيء يمكن أن يكون معلوماً، وهو غير غائب عن ذاته، فيجب أن يكون كل شيء معلوماً لنفسه، ويكون علمه بنفسه أولى من علم غيره به، لكون عدم غيبته عن نفسه أولى من عدم غيبته عن غيره.
الثاني: أن الشيء كما لا يغيب عن نفسه قد لا يغيب عن غيره، فإن كان العلم عدم الغيبة، فكل ما كان حاضراً لشيء يجب أن يكون عالماً به.
الثالث: أن يقال: عدم غيبته عن ذاته المجردة، ما تعنون بقولكم: المجردة؟ إن أردتم ذاته المعقولة أو المعلومة، أو التي يمكن أن تعقل أو تعلم، ونحو ذلك من العبارات الدالة على كونه عالماً أو معلوماً، أو يمكن كونه عالماً أو معلوماً ...
كان معنى الكلام: أنه عدم الغيبة عن ذاته التي هي عالمة أو معلومة أو يمكن أن تكون كذلك.
ومعلوم أن هذا أيضاً عدم، فكل ما كانت ذاته عالمة ومعلومة،
стр. 3805
إذا لم تغب ذاته عن ذاته، كان عالماً بها.
وأما إن أمكن أحدهما دون الآخر لم يجب ذلك، وإن أمكنا معاً، فعدم الغيبة يستلزم العلم، وعدم الغيبة مستلزم للعلم، لا أنه نفس العلم.
وإن قال: أعني بالمجردة أنها ليست جسماً ولا مدبرة لجسم.
فيقال: أولاً: هذا بناء على ثبوت مجردات بهذا الوصف.
وجمهور العقلاء ينكرون هذا -حتى من يعظم هؤلاء الفلاسفة المشائين: أرسطو وأتباعه، لما تأملوا كلامهم في العقول والنفوس وجدوه باطلاً -إما أن يقولوا: ليس قائماً بنفسه إلاالجسم، كما يقوله ابن حزم وغيره.
وإما أن يقولوا: الفرق بين النفس والعقل، ليس إلا فرقاً عارضاً، كنفس الإنسان، التي هي حال مقارنتها للبدن: نفس، وحال مفارقتها: عقل، كما يقوله أبو البركات وغيره.
وإما أن يقولوا: هذه العقول، التي يثبتها هؤلاء المتفلسفة، لا تزيد على العقل، الذي هو عرض قائم بعاقل.
وإثبات عقل، هو قائم بنفسه ليس جسماً، هو باطل.
وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.
والمقصود أن لفظ التجريد فيه إجمال.
وإذا فسروه فقد يفسرونه بما يعلم بطلانه، أو بما لا دليل على صحته.
الوجه الرابع: أن يقال: هب أنه ثبت التجريد بالمعنى الذي
стр. 3806
يدعونه، لكن شعور الشيء بنفسه ليس مشروطاً بكونه مجرداً، ولا مجرد كونه مجرداً موجب للعلم بنفسه، فإنه إن قدر أن المجرد ليس بحي، لم يكن شاعراً، فضلاً عن أن يعلم أنه عالم.
وإذا قيل: كل مجرد حي.
قيل: فلا بد أن يقال هذا بالدليل، فإن هذا ليس معلوماً بنفسه.
وأيضاً فكل حي شاعر، سواء قيل: إنه مجرد، أو قيل: إنه ليس بمجرد.
فبدن الإنسان يشعر بأمور كثيرة، مع كونه جسماً غير مجرد عن المادة على اصطلاحهم.
وأما ما اعترض به على قولهم: إن وجوده بالأشياء عن علمه بها، وأن هذا يوجب كون الأشياء معلومة له قبل وجودها، فتكون ثابتة في علمه، وهي أشياء في علمه، فيلزم كون علمه أمراً ثبوتياً، ويلزم التعدد في علمه -فاعتراض متوجه.
وكذلك إذا فسروا العلم بعدم الغيبة عنها، فعدم الغيبة لا يكون إلا بعد تحققها، فيلزم أن يكون عالماً بها بعد تحققها، وأن ذلك مغاير لعلمه بها قبل وجودها، فإن ذلك العلم سبب وجودها بخلاف الثاني.
وكذلك قوله: كما أن معلوله غير ذاته، فالعلم به غير العلم بذاته.
وهذا لازم، لأنهم إنما نفوا كون العلم ثبوتياً لما يستلزم من تكثر العلوم وتغيرها، إذ كان العلم بهذا غير العلم بهذا.
стр. 3807
وإذا قالوا: إنه يعلم معلوله، ويعلم نفسه، لزم أن يكون هذا العلم ليس هذا العلم.
وأما قولهم: إن علمه بالمعلول يندرج في علمه بالعلة، فقد رده بأمور:
أحدها: أن العلم عندهم سلبي، وكذلك التجرد عن المادة، وكذلك عدم الغيبة.
والسلب لا يتضمن العلم بالأشياء، وهذا الذي قاله صحيح، مع ما تقدم من أن ذلك السبب ليس هو علماً، فلا هو علم، ولا متضمن لعلم.
وإذا قدر أن ذلك السلب علم، كان تقديراً باطلاً.
وحينئذ فهل يقال: إنه يتضمن غيره من السلوب.
هذا مما قد ينازعونه فيه.
ولكن له أن يقول: إن السلب إنما يتضمن غيره غذا كان أعم منه.
وليس هنا سلب عام ليتضمن سلباً خاصاً، بل السلب عندهم نفي معنى زائد على نفسه، أو نفي المادة عنه، أو نفي الغيبة عنه، وكل هذا سلب خاص لا يتضمن سلباً عاماً.
الأمر الثاني: أنه قد بين لهم أن المندرج في غيره هو ما يدل عليه بالتضمن لا بالالتزام، فالدال على غيره بالالتزام لا بالتضمن لا يكون مشتملاً عليه، ولا يكون الثاني مندرجاً فيه.
ومثل ذلك اللوازم الخارجة عن الماهية على أصلهم، كالضاحكية.
فإن الإنسانية ما انطوت على الضاحكية ولا انطوى علم الضاحكية في علم الإنسانية، فإنها ما دلت عليها مطابقةً ولا تضمناً، بل دلالة
стр. 3808
خارجية، فإن هذه اللوازم التي احتجنا في العلم بها غلى صورة أخرى، إنما هي معلومة لنا بالقوة لا بالفعل.
فإذا جعلوا علمه بمفعولاته كذلك، لزم أن يكون عالماً بها بالقوة لا بالفعل.
وهم قد يضربون لقولهم مثالاً، وهو العلم بالأشياء جملة، مع العلم بها تفصيلاً، فإن العلم بالمفصل يندرج في العلم بالمجمل.
وإن كان العلم بالمجمل متضمن تلك التفاصيل، وشبهوا ذلك بمن سئل عن مسائل، فقد يستحضر العلم بجوابها مفصلاً، وقد يجد من نفسه علماً بجوابها مجملاً، لم يستحضر العلم بجوابها مفصلاً، وقد يجل من نفسه علماً بجوابها مجملاً، لم يستحضر تفصيله فيما بعد، فأجاب بأن هذا علم بالقوة، والقوة مراتب، فهو بعد السؤال حصل له من القوة على الجواب، أعظم مما كان حاصلاً قبله.
وأما العلم بجواب كل مسألة بخصوصها، فلا يحصل إن لم يكن عنده صورة العلم بجواب كل واحدة.
ثم ادعى الأصل الذي شاركهم فيه وهو قوله: وواجب الوجود منزه عن ذلك بناءً على أنه عندهم لا تقوم به المعاني والصفات المتعددة ومن هذا الأصل منشأ ضلالهم.
قال: وإذا كان أحد الشيئين غير الآخر، فكيف يكون سلب أحدهما علماً بهما، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ وذلك أنهم يقولون: هو وجود مجرد عن المادة، والمجردات غير الماديات، فكيف يكون سلب المادة علماً بالمجرد
стр. 3809
والمادة، وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام؟ كيف وهم يقولون: إنه وجود مشروط بسلب كلام ثبوتي، فهو وجود بسلب كل ما يعرف من الحقائق، وتلك الحقائق مغايرة له، فكيف يكون سلبها عنه علماً به وبها؟ وعناية بكيفية ما يجب أن تكون الحقائق معه عليه؟.
فحقيقة قولهم: إنهم جعلوا العلم به، والعلم بكل واحد واحد من المخلوقات، وعنايته بالمخلوقات المتضمنة لإرادته وحكمته، التي باعتبارها انتظمت المخلوقات -جعلوا هذا كله أمراً سلبياً، وهو التجرد، أو عدم الغيبة، أو العقل الذي ليس بمعنىً زائد على ذاته، وهو عندهم وجود مقيد بسلب جميع الحقائق عنه، وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه في الخارج.
فإن الموجودين لا يكون المميز بينهما عدماً محضاً، ولو قدر ثبوت هذا لكان كل موجود خيراً منه، لأنه امتاز بوصف ثبوتي.
ومن قال من متأخريهم: له وجود خاص غير هذا الوجود، فلم يعرف حقيقة قولهم.
فإن الوجود الخاص إن امتاز بأمر وجودي، فليس هو قولهم.
وإن لم يميز إلا بالسلب، فيكون هذا هو الموجود، قد شارك الموجودات في مسمى الوجود، وامتاز عنه بالسلب، فتكون سائر الموجودات خيراً منه، لو كان له وجود.
وبيان بطلان أقوالهم النافية للصفات يطول، وإنما القصد هنا إبطال بعضهم لقول بعض، فإن هذا يؤنس نفوساً كثيرة، قد تتوهم أنه ليس الأمر كذلك.
стр. 3810
فصل. تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
فصل.
تابع كلام ابن سينا في مسألة علم الله تعالى
قال ابن سينا في تمام مسألة العلم: ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة لمحسوس، وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة.
فيقال له: هذا إن كان حقاً، فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك والكواكب، فإنها محسوسة، وعندك أنه يعلمها بأعيانها.
وقد قال في بيان أن كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية، فإنما ندركها بآلة متجزئة، وأن مدرك الجزئيات لا يكون عقلاً بل قوة جسمانية: أما المدرك من الصور الجزئية، كما تدركه الحواس الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتعرية
стр. 3811
عن المادة ولا نجرده أصلاً عن علائق المادة.
فالأمر فيه واضح سهل.
وذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد موجودة حاضرة، والجمس الحاضر الموجود إنما يكون موجوداً حاضراً عند جسم.
وليس يكون حاضراً عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة له غلى قوة تفرده من جهة الحضور والغيبة،، فإن الشيء الذي ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، بل الحضور لا يقع إلا مع وضع وقرب أو بعد للحاضر عند المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسماً، إلا أن يكون المحضور جسماً او في المحضور، وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسماً، إلا أن يكون المحضور جسماً أو في جسم.
قال: وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة، وعدم تجريد البتة من العلائق كالخيال، فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم ارتساماً مشتركاً بينه وبين الجسم.
قال: ولتفرض الصورة المرتسمة في الخيال: صورة
стр. 3812
زيد على شكله وتخطيطه، ووضع أعضائه بعضها عند بعض، فنقول: إن تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم، وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك الجسم وأجزاؤها في أجزائه.
قال: ولننقل صورة زيد غلى صورة مربع.
ثم فرض مربعين متساويين من كل جهة، وقرر أنه لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بمحله.
معارضة ابن ملكا لابن سينا
وقد اعترض عليه أبو البركات بما مضمونه أن الأجسام المرئية والمتخيلة كثيرة، ومحل ذلك في الجسم لا يكون أكثر من مجموع جسم الإنسان، وجسم الإنسان لا يسع مقادير هذه الأجسام.
قال أبو البركات: أول المعارضة أن نناقض فنقول وندعي نقيض المسألة المصدر بها، وهو أن مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس بقوة
стр. 3813
جسمانية ...
وإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر، صار بطلانه في النقيض الأخفى والأضعف يقيناً.
قال: وذلك أن القوة الجسمانية فينا لا يكون محلها أكبر من جسم الإنسان الواحد بجملته.
وقد قالوا: إنه جزء صغير من أجزائه، حيث جعلوا محل القوة الخيالية جزءاً من جوهر الدماغ، الذي في البطن المقدم من الرأس، أو جزءاً من الروح الدماغي، وهو الذي يختص بهذا الجزء منه.
ونحن فندرك من المتخيلات ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة، بها يكون الواحد منها أضعافاً كثيرة لجسمنا بأسره، فكيف للجزء المذكورة من بعض أجزائه.
قال: وهو فقد طلب في احتجاحه الأخير جسماً يتخيل به السواد والبياض، ليثبت كلاً منهما في جزء منه، غير الجزء الذي أثبت فيه الآخر، فكيف أعرض عن المقدار؟ ونحن إنما ندرك الألوان في الأجسام مع مقاديرها، حتى غذا رأيناها مرة أخرى
стр. 3814
على قدر مخالف عرفنا أنها زادت أو نقصت، فلو لم نكن أدركنا المقدار الأول لما حفظناه، ولو لم نحفظه لم نعرف الزيادة والنقصان.
هذا في شخص واحد في تمثله وتخيله، فكيف في أشخاص كثيرة جداً نحفظها بأشكالها وصورها، ومقاديرها وأوضاعها، لا تسعها خزانة من خزائن تسع عدة من أشخاص الناس؟ بل ولا بلدة من أكبر البلدان؟ فإن من جملة ما نحفظه في ذلك صورة بلدة مع مقدارها الكبير، وأوضاع أجزائها، حتى لو صغرت أو كبرت عن ذلك، شعرنا بموضع الزيادة والنقصان مقيساً إلى ما استثبتناه وحفظناه.
قال: ففي هذا كفاية لمن تأمله بذهن سليم ونظر ثابت.
قال: وأما ما قاله من أن المدرك بالحواس الظاهرة فالأمر فيه سهل واضح، لأن هذه الصورة إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة، والجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضراً موجوداً عند جسم، وليس يكون حاضراً عند ما ليس بجسم، فإنه لا نسبة للجسم إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة، فإن الشيء الذي ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه.
стр. 3815
قال: وأعجب ما في هذا القول استسهاله، أذ قال: إن الأمر فيه واضح سهل، ولو كان هذا القول حقاً على ما قيل، لبطلت علائق النفوس الناطقة بالأبدان، فإنها ينسب إليها بفي، ومع، وعند، ومقارنة، ومفارقة، وغيبة، وحضور، كما ينسب المدرك غلى مدركه.
ثم لو كان هذا حقاً، لما أدركنا بعقولنا معنى شيء مما ندركه بحواسنا البتة، فإن رأيه هو أن البصر يرفع صورة المبصر غلى الخيال، وهو جسماني، فالعقل إن أدركها في الخيال فقد أدركها جسمانية أيضاً، وإن إدركها قوة جسمانية في الخيال، نقلها إلى قوة أخرى، فأدركها العقل فيها -كان القول كذلك أيضاً، ولو كانت الوسائط ما كانت، إذ كان أو لما يلقاها إما أن يلقاها في قوة جسمانية، فيكون حكمها حكم الأولى، وإما أن يلقاها في قوة مجردة، فحكمها حكم العقل.
فإن قيل: إن العقل لا يدركها في القوة الجسمانية، بل يرفعها إليه، وينتزعها منه، أو يجردها، فكل تلك العبارات
стр. 3816
المقولة تقتضي لقاءً من الرافع للمرفوع إليه، وحضوراً من المرفوع عند الرافع، وكذلك من المنتزع عند المنتزع منه، والمجرد عند المجرد عنه.
فلولا نسبة لقاء وحضور، وما شئت سمه للنفس إلى البدن، لما كان آلة لها، وإلى المدركات لما أدركها، ولو لم يدركها لما عقلها كليةً ولا جزئية، وكيف والشيء المدرك واحد في معناه، والكلية تعرض له بعد كونه مدركاً باعتبار ونسبة وإضافة، بالمشابهة والمماثلة إلى كثيرين، وهو هو بعينه؟ وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كلياً ولا جزئياً، وإنما يدرك من حيث هو موجود، لا من حيث هو كلي ولا جزئي، وتعرض له الكلية والجزئية في الذهن بعد إدراكه، فمدرك الكلي هو مدرك الجزئي لا محالة، لأن الكلي هو الجزئي في ذاته ومعناه، لا في نسبه وإضافاته التي صار بها كلياً وجزئياً.
تعليق ابن تيمية
فيقال: ما ذكره أبو البركات يدل على تناقض ابن سينا، حيث زعم أنه ما ليس في مكان، لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنه، وذكر أن الأمر في ذلك واضح سهل، فإن هذا مناقض لقوله: إن النفس ليست جسماً، مع أن الجسم حاضر عندها، لكن هذا التناقض يدل على بطلان أحد قوليه: إما قوله: إن النفس ليس جسماً، وإما قوله:
стр. 3817
ما ليس في مكان لا يكون للمكان إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه.
ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه القضية هي الكاذبة، بل قد تكون الكاذبة قوله: إن النفس ليس إلا جسماً.
ونظير هذا التناقض قوله: إن واجب الوجود يعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، فيعقل الموجودات التامة بأعيانها، والكائنة الفاسدة بأنواعها ويتوسط ذلك أشخاصها، فإنه إذا كان واجب الوجود يعقل الأفلاك بأعيانها وهي أجسام، وقد قال: إن الجسم لا يرتسم إلا في جسم لزم أن يكون جسماً.
ومع قوله: ما ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده، والغيبة عنده.
ومع قوله: الجسم الحاضر الموجود، إنما يكون حاضراً موجوداً عند جسم، وليس يكون حاضراً عند ما ليس بجسم.
فهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض، لزم أن يكون واجب الوجود على قوله جسماً، وأن تكون النفس على أقواله أيضاً جسماً.
وما ذكره أبو البركات إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة، وليس فيه ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك، وإنما احتج أبو البركات على بطلان ذلك بأن المدركات كبار، والمدرك إذا كان جسماً أو قوة في جسم فهو صغير لا يسعها.
стр. 3818
وهذه حجة ضعيفة، فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون: إن المرتسم فيه مساو في المقدار للموجود في الخارج، كما أنهم لا يقولون: إن المرتسم حقيقته مساوية لحقيقة الموجود في الخارج.
وإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم، بأنه لو كان من أدرك النار وجب أن يسخن، ومن أدرك الثلج وجب أن يبرد، ومن أدرك الرحى وجب أن يدور، ونحو ذلك مما لا يقوله عاقل.
ولهذا صاروا يتعجبون، بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا، وهم يشبهون تمثل المدركات في المدرك بتمثل المرئيات في المرآة.
ومعلوم أن ما في المرآة ليس مماثلاً في الحقيقة والمقدار للموجود في الخارج.
أما حقيقته، فلأن غايته أن يكون عرضاً في المرآة، والمرئي الخارج يكون جسماً موجوداً، كالسماء والشمس والإنسان، وغير ذلك مما يرى في المرآة.
وكذلك الإدراك، فإنه عرض قائم بالمدرك.
والمدرك نفسه يكون عيناً قائمة بنفسها، سواء كان مرئياً أو معلوماً بالقلب.
وأما قدره، فلأن مقدار المرئي يختلف باختلاف المرآة، فإذا
стр. 3819
كانت كبيرة رئي كبيراً، وإذا كانت صغيرة رئي صغيراً، وهو على التقديرين يشبه الصورة الموجودة في الخارج.
فكذلك إذا قيل: إن المدرك يتمثل في المدرك، لم يلزم أن يكون قدره في المدرك مثل قدره في نفسه.
ولهذا يقال: للشيء وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي اللسان، وفي البنان، ووجود عيني، وعلمي ولفظي، ورسمي.
ومعلوم أن مطابقة العلمي للعيني، هي مطابقة العلم للمعلوم، ليس كمطابقة الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج.
فإن هذا لا يقوله عاقل، بل العاقل يجد تفرقة ضرورية بين ما تمثله في نفسه، وبين الحقائق الموجودة في الخارج.
ومن أظهر ذلك الخيال، فإنه يتخيل ما رآه بعد مغيبه عنه، وفي حال تغميض عينيه ونومه، ويعلم قطعاً أنه خياله ومثاله، وأنه مشابه له، ويعلم قطعاً أن ذلك المثال في الباطن لا في الخارج، سواء قيل: إنه منطبع في النفس، أو في جزء من البدن، أو فيهما، وسواء قيل: إن النفس تدركه، أو قيل: إن المدرك له هو البدن.
فعلى كل تقدير يعلم الناس فرقاً ضرورياً بين حقيقة ذلك المثال، وبين حقيقة الموجود في الخارج، وأنه لا يماثله: لا في ذاته، ولا
стр. 3820
صفاته، ولا مقداره، ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية، والمشابهة من وجه لا تقتضي المماثلة في الذات والصفات والمقدار.
وهذا المثال الإدراكي لا يمتنع في اجتماع ما هما ضدان في الخارج، بل يجتمع فيه مثال السواد والبياض، ويجتمع فيه المثلان كالسوادين، ويجتمع فيه مثال وجود الشيء وعدمه، فيجتمع فيه تقدير الوجود والعدم، لا يمتنع فيه اجتماع مثالي النقيضين، كما امتنع اجتماع النقيضين في الخارج، ويتمثل فيه الموجود والمعدوم والممتنع، وما له وجود في الخارج، وما ليس وجود في الخارج.
فهو أوسع بهذا الاعتبار من الوجود الخارجي.
لكن تلك الأمور مثل خيالية، ليست حقائق موجوده في أنفسها.
وقد يشتبه على بعض الناس ما يتخيله فيه، فيظنه موجوداً في الخارج، وطائفة من فلاسفة الصوفية، كابن عربي، يسمي هذا أرض الحقيقة، ويذكر فيه من العوالم وأنواعها وأقدارها ما يطول وصفه.
وذلك أن الخيال لا حد له، بل تخيلات النفوس لما ليس له وجود في الخارج، أعظم من أن تحصر.
فهؤلاء الضالون قالوا: هذا أرض الحقيقة، وهو عالم الخيال.
وقد يشتبه على بعضهم فيظنه في الخارج، ويتخيل لهم فيه مدائن ورجال عوالم، كما يتخيل للنائم.
ويتخيل لأحدهم أنه صار إلهاً ونبياً، أو أنه المهدي، أو خاتم الأولياء، غلى غير ذلك مما يطول
следующие страницы →