Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
أفعاله، والقدر الذي سلك بهم من ذلك، فإذا تم لنا ذلك فقد استوفينا غرضنا الذي قصدناه.
قال: فنقول: أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس، فقد صرح به أيضاً في غير ما آية من الكتاب العزيز، فأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] .
والآية الأولى هي نتيجة هذه والثانية برهان، أعني أن قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧] ، هو برهان قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وذلك أنه من المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون: إما على غير صفة الذي لا يخلق شيئاً، أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق شيئاً، وإلا كان من يخلق ليس
стр. 3957
بخالق فإذا أضيف إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق يلزم من ذلك أن تكون صفات المخلوق: إما منتفية عن الخالق، أو موجودة فيه على غير الجهة التي هي عليها في المخلوق.
قلت: صفات النقص يجب تنزيهه عنها مطلقاً، وصفات الكمال تثبت له على وجه لا يماثله فيها مخلوق.
قال: وإنما قلنا على غير الجهة، لأن من الصفات التي في الخالق صفات استدللنا على وجودها بالصفات التي هي لأشرف المخلوقات هنا، وهو الإنسان، مثل إثبات العلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك.
قال: وهذا معنى قوله ﵇: إن الله خلق آدم على صورته.
قال: وإذا تقرر أن الشرع قد صرح بنفس المماثلة بين الخالق والمخلوق، وصرح بالبرهان الموجب لذلك، وكان نفي المماثلة يفهم منه
стр. 3958
شيئان: أحدهما: أن يعدم الخالق كثيراً من صفات المخلوق، والثاني: أن توجد فيه صفات المخلوق على وجه أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل، فلينظر ما صرح به الشرع من هذين الصنفين، وما سكت عنه، وما السبب الحكمي في سكوته.
قلت: ونفي المماثلة قد يتضمن إثبات صفات الكمال للخالق، لا يثبت للمخلوق منها شيء، فكما أن في صفات المخلوق ما لا يثبت للخالق، فكذلك في صفات الخالق ما لا يثبت للمخلوق.
لكن هذا الضرب لا يمكن الناس معرفته في الدنيا، فلهذا لم يذكر.
قال: فنقول: أما ما صرح به الشرع من نفي صفات المخلوق عنه، فما كان ظاهراً من أمره أنه من صفات النقائص، فمنها الموت، كما قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨] .
ومنها النوم وما دونه مما يقتضي الغفلة والسهو عن الإدراكات والحفظ للموجودات، وذلك مصرح به في قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ومنها النسيان والخطأ، كما قال تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] .
стр. 3959
والوقوف على انتقاء هذه النقائض هو قريب من العلم الضروري.
وذلك أن ما كان قريباً من هذه من العلم الضروري، فهو الذي صرح الشرع بنفيه عنه ، وأما ما كان بعيداً من المعارف الأولى الضرورية، فإنما نبه عليه بأن عرف أنه من علم الأقل من الناس، كما قال في غير ما آية من الكتاب العزيز: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠] : مثل قوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] .
ومثل قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠] .
قال: فإن قيل: فما الدليل على انتفاء هذه النقائض عنه، أعني: الدليل الشرعي؟ قلنا: الدليل عليه ما يظهر من أن
стр. 3960
الموجودات محفوظة لا يتخللها اختلال ولا فساد، ولو كان الخالق يدركه خطأ أو غفلة، أو سهو أو نسيان لاختلت الموجودات.
وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في غير ما آية من كتابه.
فقال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١] ، قال تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
قال: فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية: هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق تعالى؟ أم هي من المسكوت عنها؟ أو أنه لم يصرح بنفيها ولا إثباتها، ولكن صرح بأمور تلزم -يعني الجسمية في بادي الرأي منها- فنقول: إنه من البين من أمر هذه الصفة أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع
стр. 3961
قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من كتابه، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق، إلا أنها في الخالق أتم وجوداً.
ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم.
وهؤلاء أيضاً قد ضلوا إذ صرحوا بما ليس حقاً في نفسه، وما يوهم أيضاً التشابه بين الخالق والمخلوق.
وإنما صرح الشرع بأشياء توهمها لا يصر، فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجوداً ليس بجسم، ولا أيضاً إذا سمع تلك الأشياء خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية.
وهذه هي حال جمهور الناس، لأن الذين يتطرق لهم من ذلك إثبات الجسمية هم قليل من الناس، وهؤلاء ففرضهم الوقوف على الدلائل التي توجب نفي الجسمية.
стр. 3962
قلت: ولقائل أن يقول: أما قوله: صار كثير من أهل الإسلام يقولون: إنه جسم لا يشبه الأجسام فهذا صحيح.
وأما قوله: وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم.
فيقال له: ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم، لكن نفاة الصفاة يسمون كل من أثبتها مجسماً بطريق اللزوم، إذا كانوا يقولون: إن الصفة لا تقوم إلا بجسم، وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة، فإن الجسم في اللغة هو البدن، وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسماً، فلزم -على قولهم- أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة، وما فطر الله عليه عباده، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيماً.
وهذا لا يختص طائفة: لا الحنابلة ولا غيرهم، بل يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم، حتى يقولوا في كتبهم: ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس، ومنهم طائفة يقال لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي.
لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات وسموا من أثبتها مجسماً في عهد الإمام أحمد، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء، وقالوا: إنه لا يرى، ونحو ذلك -قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات، وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من الأئمة، وظهر ذلك في جميع أهل السنة
стр. 3963
والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إماماً للسنة، فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم، بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب.
والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة.
وصاحب هذا الكتاب يجعل مثبتة الصفات -من الأشعرية ونحوهم- مشبهة، وأنه يلزمهم التركيب، والتركيب أصل للتجسيم.
كلام ابن رشد في تهافت التهافت في نفي الصفات ورد ابن تيمية عليه
مثل قوله في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإنه قال: وأيضاً فالذي يلزم الأشعرية للتجسيم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم، التي منها صاروا إلى التجسيم، وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتاً ذات حياة وعلم وقدرة وإرادة، وكانت هذه الصفات زائدة على الذات، وتلك الذات غير جسمانية، فليس بين النفس وهذا الموجود فرق، إلا أن النفس هي في جسم، وهذا الموجود هو نفس ليس في جسم، وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات، وكل مركب فهو محتاج ضرورة إلى مركب، إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب في ذاته، كما أنه ليس يمكن أن يوجد متكون من ذاته، لأن التكوين -الذي هو فعل المكون- ليس هو شيئاً غير تركيب المتكون، والمكون ليس شيئاً غير المركب.
стр. 3964
وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلاً، كذلك لكل مركب مركباً فاعلاً، لأن التركيب شرط في وجود المركب ولا يمكن أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده، لأنه كان يلزم أن يكون الشيء علة نفسه.
ولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في المبدأ الأول -راجعة إلى الذات، لا زائدة عليها، على نحو ما يوجد عليه كثير من الصفات الذاتية لكثير من الموجودات، مثل كون الشيء موجوداً وواحداً وألياً وغير ذلك- أقرب إلى الحق من الأشعرية.
قال: ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة.
فيقال له: قولك: ليس بين النفس وبين هذا الموجود فرق، إلا من جهة أنها في جسم خطأ محض.
وذلك أن اتفاق الشيئين في بعض الصفات لا يوجب تماثلهما في الحقيقة، إذ لو كان كذلك لكانت المختلفات متماثلات، فإن السواد مخالف للبياض، وهو يشاركه في كون كل منهما لوناً وعرضاً وقائماً بغيره.
وأيضاً فمحققو الفلاسفة توافق على أن الأجسام ليست متماثلة، مع اشتراكها في التحيز، وقبول الأعراض، وغير ذلك من الأحكام.
والحيوان الصغير الحي، مثل البعوض والبق والذباب، ليس مثلاً للإنسان ولا للملك ولا للجني، وإن كان كل منهما حياً قادراً شاعراً متحركاً بالإرادة.
стр. 3965
والفلك عندهم حي ناطق، وليس مثل بدن الإنسان، الذي هو حي ناطق.
وقوله: هذا على الضرورة مركب من ذات وصفات.
إن أراد به أن ذات موصوفة بصفات لازمة لها، فهذا حق، وهم لا يسمون هذا تركيباً، فإذا سماه تركيباً لم تكن هذه التسمية حجة له على ما نفاه، لأن الذي نفاه بالدليل هو ما كان مركباً، وهو الذي جعله غيره مركباً، أو ما كان متركباً بنفسه، أي كانت أجزاؤه متفرقة فتركبت، بحيث يصير مركباً بعد أن لم يكن.
ومعلوم أن ما تركب بعد افتراقه، لم يكن تركبه بنفسه، كما ذكره في المتكون، فإن ما تكون بعد أن لم يكن متكوناً، لم يكن تكونه بنفسه.
وكما قال: كما أن لكل مفعول فعلاً، فإن لكل مركب مركباً فهذا إنما يعقل فيما ركبه غيره، أو ما كان مفرقاً فركب، كما أن المفعول لا يعقل أن له فاعلاً، إلا إذا فعله غيره، أو كان حادثاً، فلا بد للحادث من محدث.
أما ما كان واجباً بنفسه قديماً أزلياً مستلزماً لصفات لازمة له، فهذا لم يركبه أحد، ولا كان مفترقاً فتركب.
فمن أين يجب أن يحتاج هذا إلى مركب؟ وكيف يصح تمثيل هذا بالمتكون والمفعول اللذين كل منهما محتاج إلى غيره، بل هو حادث يفتقر إلى محدث؟.
وليس المعنى الذي سماه مركباً إلا موصوفاً بصفة لازمة له، فلو قال: كل متصف فلا بد له من واصف، أي ممن يجعل الصفة قائمة
стр. 3966
بمحلها، ما كان مبطلاً، فإن المتصف بالصفة إذا كان قديماً أزلياً واجباً بنفسه، كيف يجب هذا فيه؟
ثم هؤلاء الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة أزلية.
وهذا الرجل لا يسميها مركبة، ويبطل قول من يقول: هي مركبة من الهيولى والصورة، وقول من يقول: هي ممكنة، ومع هذا فهي جسم قائم به صفات وحركات.
فإذا كانت هذه لم تحتج عنده إلى ما يحتاج إليه المتكون، فكيف يحتاج إلى ذلك ما هو واجب بنفسه؟.
وقوله: لأن التركيب شرط في وجود المركب معناه أن لزوم الصفة للموصوف، أو أن التلازم الذي بين الأمور المتعددة في الواجب، شرط في وجودها، وهذا صحيح.
لكن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط، بل تجوز مقارنته له، وإذا كان الواجب الوجود واجباً بنفسه المتضمنة لصفاته، وكل من صفاته لا يوجد إلا مع الأخرى، ولا توجد الذات إلا بالصفات، ولا الصفات إلا بالذات كان هذا هو حقيقة الاشتراط، ولم يلزم من ذلك أن يكون المتصف بهذه الصفات هو علة فاعلة لما هو من لوازم وجوده، ولما لا يوجد إلا معه، وهو الشرط في وجوده.
وإن عنى بالعلة أعم من ذلك، حتى جعل الشرط علة، كان حقيقة قوله: لا يكون الشيء شرطاً في شرط وجوده.
وهذا ليس بصحيح، بل يجوز أن يكون كل من الشيئين شرطاً في وجود الآخر،
стр. 3967
وإن لم يكن علة فاعلة للآخر.
وهذا هو الدور المعي الاقتراني، وهو جائز، بخلاف الدور المعي القبلي، فإنه ممتنع.
وهذا موجود في عامة الأمور، فالأمور المتلازمة كل منها شرط في الآخر، فكل من الشرطين شرط في وجوده.
وغاية ذلك أن يكون الشيء شرطاً في وجود نفسه، أي لا توجد نفسه إلا إذا وجدت نفسه.
وهذا كلام صحيح، بخلاف ما إذا كانت نفسه فاعلة لنفسه.
فإن هذا ممتنع، فكل واحد من الأبوة والبنوة شرط في وجود الآخر.
وكل واحد من العلو والسفل شرط في وجود الآخر.
وكل واحد من التحيز والمتحيز شرط في الآخر.
وكل واحد من الماء والنار وطبيعته الخاصة به شرط في الآخر، ونظائر هذا كثيرة.
فكون إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى، والذات مشروطة بصفاتها اللازمة، والصفات مشروطة بالذات، بحيث يمتنع تحقق شيء من ذلك إلا مع تحقق الآخر، وبحيث يلزم من ثبوت كل من ذلك ثبوت الآخر، هو معنى كون كل من ذلك شرطاً في الآخر، وهو شرط في شرط نفسه ووجوده.
وهؤلاء من أصول ضلالهم ما في لفظ العلة من الإجمال، فإن لفظ العلة كثيراً ما يريدون به ما لا يكون الشيء إلا به، فتدخل في ذلك العلة الفاعلة، والقابلة، والمادة، والصورة.
وكثيراً ما يريدون بذلك الفاعل فقط.
وهو المفهوم من لفظ
стр. 3968
العلة.
وبحوثهم في مسألة واجب الوجود عامتها مبنية على هذا التلبيس، فإن الممكن الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده، لا بد له من واجب يكون موجوداً بنفسه، لا بموجد أوجده.
فهذا هو معنى واجب الوجود الذي دلت عليه الممكنات، وهم يريدون أن يجعلوه وجوداً مطلقاً ليس له نعت ولا صفة ولا حقيقة غير الوجود المطلق، لأن الوجود الواجب يكون معلولاً لتلك الحقيقة، فلا يكون واجباً.
ولفظ المعلول مجمل، فإنهم يوهمون أنه يكون مفعولاً لها، وهي علة فاعلة له.
ومعلوم أن هذا ممتنع في الوجود الواجب، لكن الحقيقة الواجبة إذا قدر أن لها وجوداً يقوم بها، لم يلزم في ذلك الوجود إلا أن يكون له محل، وهو الحقيقة التي يقوم بها الوجود، وذلك الذي يسمونه العلة القابلة.
ومعلوم أن الدليل إنما أثبت موجوداً ليس له موجد، لم يثبت دليلهم موجوداً لا يكون وجوده قائماً بحقيقة، إن كان من الوجود ما هو قائم بحقيقة.
وهذا على قول من يقول: وجود كل شيء زائد على حقيقته، كما يقول ذلك طائفة من متكلمي المعتزلة وغيرهم، وإلا فالصواب عند أهل السنة والجماعة أن وجود كل شيء -وهو الوجود الذي في الخارج- هو عين حقيقته الموجودة في الخارج، فكل موجود فله حقيقة مختصة به في الخارج عن الذهن، والوجود الذي يشار إليه في الخارج هو تلك الحقيقة نفسها، لا وجود آخر قائم بها.
стр. 3969
فإذا قال أهل السنة: إن وجود الخالق عين حقيقته، أرادوا به إبطال قول أبي هاشم ومن وافقه من المعتزلة، ولم يريدوا بذلك قول ابن سينا وإخوانه من الفلاسفة: إن الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق، أو مطلق لا بشرط، فإن هذا القول أعظم فساداً من قول أبي هاشم بكثير.
بل هذا القول يعلم من تصوره بصريح العقل أن ما ذكروه يكون في الأذهان لا في الأعيان.
والمطلق بشرط الإطلاق قد سلموا في منطقهم أنه لا يكون إلا في الأذهان، والمطلق لا بشرط يسلمون أنه لا يوجد في الخارج مجرداً عن الأعيان.
وقد تقدم ما ذكره هو من أنه ألزم الأشعرية أن يكونوا مجسمة، والحنابلة فيهم ما في بقية الطوائف، منهم من هو على طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة، لا يطلقون هذا اللفظ على الله لا نفياً ولا إثباتاً، بل يقولون: إن إثباته بدعة، كما أن نفيه بدعة.
ومما أنكر أحمد وغيره على الجهمية نفي هذا اللفظ، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته.
كذلك جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن، في محنته المشهورة، لما ألزمه بأن القول بأن
стр. 3970
القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسماً، فأجابه أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
وذلك أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية والكرامية ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص ومن مماثلته بالمخلوقات.
والنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال.
ومن الحنابلة من يصرح بنفيه، كـ أبي الحسن التميمي وأهل بيته، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، وغيرهم ممن سلك مسلك ابن كلاب والأشعري في ذلك.
ومنهم من يسلك مسلك المعتزلة كانتـ ابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وغيرهم.
والذين لا يثبتونه أو ينفونه يصرح كثير منهم بتكفير المجسمة، فمنهم من يقول: من قال: هو جسم فقد كفر، ومن قال: ليس بجسم فقد ابتدع.
ومنهم من يصوب من قال: ليس بجسم، ويكفر من يقول بالتجسيم.
وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث، كما حكي عنهم أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم.
والسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله.
والألفاظ
стр. 3971
المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا بتبيان معانيها، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفاً لذلك نفوه، فلا يطلقون: هو جسم ولا جوهر، ولا يقولون: ليس بجسم ولا جوهر، كما لا يطلقون إثبات لفظ الحيز ولا ينفونه.
وأما قول هذا القائل: فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجوداً ليس بجسم، ولا أيضاً خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية، وهذه هي حال جمهور الناس.
فهذا كلام متناقض، فإنه إذا كان أكثر الناس لا يقدرون أن يتصوروا موجوداً ليس بجسم، فإنهم قطعاً تتطرق أذهانهم - عند سماع هذه الأمور- إلى إثبات الجسمية.
فقوله بعد ذلك: إن الذين يتطرق إلى أذهانهم من ذلك إثبات الجسمية قليل من الناس يناقض ما تقدم.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية
قال: وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها يجرى فيها على منهاج الشرع، ولا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
стр. 3972
وينهى عن هذا السؤال.
وذلك لثلاثة معان: أحدها: أن إدراك هذا المعنى -أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق، ليس قريباً من المعروف بنفسه برتبة واحدة، ولا رتبتين، ولا ثلاث.
وأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك، فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم: أنه قد تبين أن كل جسم محدث، وإذا سئلوا عن الطريق التي يوقف منها على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث الأعراض، وأنا ما لا يعرى عن الحوادث حادث، وقد تبين لك من قولنا أن هذه الطريقة ليس برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها، فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على الذات، يوجبون بذلك أنه جسم، أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا
стр. 3973
هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم بين.
قال: فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل، إذ كان لا يرضى الخواص ولا يقنع الجمهور، وسلك طريقاً عجيباً مشتركاً للصنفين جميعاً.
وهذا من خواصه في العلم، لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك، وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام، التي هي المساواة في جميع الخواص، فخاصة في تماثل قوتها في التناهي، أعني كل جسم قوته متناهية، وفي تماثلها في التركيب، وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت الأجسام إلى الفاعل.
أما افتقارها من جهة التركيب، فلأن كل مركب جائز، وكل جائز مفتقر إلى الفاعل.
وأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها، فلأن كل متناهي القوة، إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد، ولم يمكن فيه أن يبقى طرفة عين.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ، فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال!.
قلت: ولقائل أن يقول: إن كان هذا المعلوم حقاً، فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ابن التومرت ممن هو أعلم بالله وأفضل منه.
وإذا كانت تلك الطريق باطلة، وهذا هو الطريق ولم يسلكه غيره، فلا يعلمه أحد قبله.
وهكذا كل من سلك طريقاً في النفي زعم أنه لم يسلكه غيره، فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله، فلا يكون من تقدم من خيار هذه الأمة
стр. 3974
معتقدين لهذا النفي، ولو كان حقاً لاعتقدوه، فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده.
وأيضاً فيقال: القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
والأشعري في كتاب الإبانة يقتضي كلامه أنه خالفهم فيها، فليست طريقاً غريبة.
وأيضاً فإنه لم يذكر دليلاً على تماثلها أصلاً.
وأما ما ذكره من التركيب وتناهي القوة، فإن صح كان دليلاً بنفسه.
فإنه سبحانه غني عن كل ما سواه، فلا يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء.
وأيضاً فإنه لم يذكر دليلاً على تركيب الجسم وتناهي قوته.
والمنازع ينفي كلاً من الأمرين، كما قد ذكر في موضعه.
وأعجب من ذلك تفسير قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ، بهذا المعنى، فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان.
قال: وأما السبب الثاني، فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم.
فإذا قيل لهم: إن ها هنا موجوداً ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل، فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل.
ولهذا اعتقدت الطائفة التي
стр. 3975
أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنه ملشية واعتقدت التي نفتها في المثبتة أنها مكثرة.
قال: وأما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت من الشرع شكوك كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك.
فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها -أعني الجسمية- فرقتان: المعتزلة والأشعرية.
فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى نفي الرؤية.
وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين، فعسر ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية.
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادي الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة.
وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على
стр. 3976
أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه، أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء.
كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] ، وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء.
وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] .
وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة، على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.
ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة، وإذا صرح بنفي هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر، وأنه الذي يلي حسابهم كما قال ﵎: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] .
стр. 3977
وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع.
فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها.
وأما إذا أولت، فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة، فتموت الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها.
وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، فيعود الشرع كله من المتشابه، مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء كلها تجدها غير برهانية، بل الظواهر الشرعية أقنع منها، أعني أن التصديق بها أكثر.
وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الله تعالى بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة، على ما سنقوله بعد.
стр. 3978
قال: وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور، أنه لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس، أعني الجسمية، لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس، فقال في الكتاب العزيز: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر حين قال له: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية، لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم، والله تعالى ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية.
وكذلك كان يكتفي بذلك موسى ﵇ عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية.
وكذلك كان يكتفي المصطفى ﷺ في أمر الدجال في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من
стр. 3979
أنه جسم والله تعالى ليس بجسم.
بل قال ﵇: إن ربكم ليس بأعور، واكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة.
التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه.
وكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل.
فهذه كلها -كما تراه- بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى ﷺ أنه ستفترق أمته إليها.
فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا في جواب ما هو؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان، وليس يقدر أن ينفك عنه.
ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به: لا ماهية له، لأن ما لا ماهية له لا ذات له.
قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم:
стр. 3980
إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه، على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾ الآية [النور: ٣٥] ، وبهذا الوصف وصفه النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه فإذا جاء أنه قيل له ﵇: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه.
وفي حديث الإسراء أنه لما قرب ﷺ من سدرة المنتهى غشي السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه.
стр. 3981
وفي كتاب مسلم: إن لله حجاباً من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.
قال: وفي بعض روايات الحديث: سبعين حجاباً من نور.
فينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الإفهام، مع أنه ليس بجسم، والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير المحسوس.
والنور لما كان هو أشرف المحسوسات، وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات.
стр. 3982
فيقال: هذا الرجل يرى رأي ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية، الذين يقولون: إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو الأمر عليه في نفسه، لينتفع الجمهور بذلك، إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما فهم منها إلا التعطيل، فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة، على وجه ينتفعون به.
وأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي، ونهيه عن التأويل في إلجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل، وهؤلاء يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها، مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق، ولم يورثوا علماً ينبغي للعلماء معرفته، وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هم الجهمية والدهرية، ونحوهم من حزب التعطيل والجحود.
وما ذكره هذا في النور أخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته، من أعيان الفقهاء والعباد.
وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك، وهؤلاء كثيرون في المتأخرين، قليلون في السلف.
ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن، وشارحي الحديث، ومصنفي العقائد النافية والكلام، وجد فيه من هذا ما يتبين له به حقيقة الأمر.
وقوله في النور: إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك
стр. 3983
الأفهام، مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين: أحدهما: أن المحسوس الذي يحسه الناس ليس إلا جسماً أو عرضاً في جسم.
والثاني: أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسماً أو عرضاً في جسم، وذلك كنور المصابيح ونحوها.
فإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار، والنار جسم.
وإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من الضوء، فذلك عرض قائم بغيره.
وكذلك الشمس والقمر، إن أريد بالنور نفس ذات واحد منهما، كقوله: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس: ٥] ، فالقمر جسم.
وإن أريد بالنور ما على الأرض والهواء من ضوء ذلك، فذلك عرض، فلا يعرف الناس نوراً إلا هذا وهذا.
وأيضاً فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه، ولا يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه، بأن يقال: لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له، فلا يقع الإقناع بجواب ليس مطابقاً للحقيقة.
وبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نوراً، يكون الجواب غير مطابق للحقيقة.
وحينئذ فالجواب المطابق للحق، مع الإعراض عن ذكر الحقيقة، أحسن من هذا، كما تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله: ﴿وما رب العالمين * قال رب السماوات
стр. 3984
والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ [الشعراء ٢٣-٢٤] .
قالوا: لما سأله عن الماهية، والمسؤول عنه لا ماهية له، عدل إلى ما يصلح الجواب به.
فقول هؤلاء، مع أنه خطأ، أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقاً للحق.
وإنما كان قول هؤلاء خطأ، لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم بماهية المسؤول عنه، حتى يجاب جواب المستفهم السائل، كما ذكره الناس في جواب السؤال بما هو.
ولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه، فإن فرعون كان مظهراً لجحد الصانع.
ولهذا قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨] ، وقال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] ، تكلم بما هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين.
فقال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] .
كما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك أو شريكك في المال، أو أعطاك هذا المال، ونحو ذلك.
فقال: من هو ولدي؟ ومن هو شريكي؟ ومن هو الذي أعطاني؟ فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد، لا على سبيل الاستعلام والاستفهام.
فإذا كان منكراً للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه، فيقال له: هذا الذي ولدته امرأتك فلانة، أو الذي اشتريت أنت وهو المال الفلاني، أو هو
стр. 3985
الذي أقررت له بذلك، وأشهدت به عليك فلاناً وفلاناً، ونحو ذلك.
ولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له، فقال: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٤] ، وقال ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الشعراء: ٢٦] ، وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر مستقر في الفطر، مغروز في القلوب.
يبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف بوجوده.
أما ما يكون مجحوداً منتفياً في نفس الأمر، فلا ماهية له في الخارج حتى يسأل عنها، ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله، وإن لم تكن له حقيقته في الخارج.
أما إذا ادعى شيئاً في الخارج، والمدعي ينكر وجوده، فإنه لا يطلب منه أن يعرفه ماهية ما لا حقيقة له، بل يسأله على طريق إنكار ذلك، لا على طريق الاستعلام عن ذلك.
وإذا كان المسؤول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه وتعريفه، حتى يبين له أنه لا وجود له، وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت، كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلاً من ياقوت أو بحراً من زئبق، أين هو؟ وكيف هو؟ وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر المعصوم الداخل إلى سرداب سامراً: بماذا يعرف؟ وكم كان عمره حين دخل؟ وماذا الذي يمنعه من الظهور؟ ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسؤول عنه، أو عدم ما أثبته المسؤول له.
стр. 3986
وهذا في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾ [الأعراف: ١٩٥] .
وقوله تعالى: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ [يونس: ١٨] .
وقوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ١٩-٢١]
ومنه قولهم: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١] .
وقول الكفار: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون﴾ [الصافات: ١٦-١٧] .
وإذا كان المسؤول عنه موجوداً، كان الجواب بما يدل على وجوده.
فلهذا أجاب موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه، فإن افتقار السماوات والأرض وما بينهما، والمشرق والمغرب، والموجودين وآثارهم، إلى الصانع، واستقرار ذلك في فطرهم -أمر لا يمكن إنكاره إلا عناداً.
كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: ١٤] .
وذكر موسى ﵇ السماوات والأرض، والليل والنهار، والأولين والآخرين، فذكر الأعلى والأسفل، والمتيامن والمتياسر، والمتقدم والمتأخر.
وهذه هي الجهات الست للإنسان، وذكر التقدم
стр. 3987
والتأخر بالزمان، بعد أن ذكر التقدم والتأخر بالمكان، فإن المكان دخل في السماوات والأرض، والمشرق والمغرب.
وذكر موسى خلق الإنسان، بعد أن ذكر الخلق العام.
كما في قوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١-٢] .
وكما في قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .
فإذا كان المسؤول عنه بما هو، لا بد أن تكون له ذات هي ماهيته، كان الجواب عنها بما يمكن من التعريف، فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل: هذا هو، أو هو فلان ابن فلان، ونحو ذلك مما يميزه عند السائل، ويوجب معرفته بعينه بالإحساس، لكن معرفة عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم، بل بالإحساس به، وإن لم يمكن معرفته بعينه عرف بنظيره، ولا يكون له نظير من كل وجه، فإنه لو كان نظير من كل وجه، لم يكن المجهول إلا عينه.
وإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب بالنظير، وإنما يعرف بالنظير نوعه، فلا يجاب بالنظير، إلا إذا كان السؤال عن معرفة نوعه.
وحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له، لأجل القدر المشترك الذي بين المتماثلين.
كمن سئل عن الخمر، فقال: شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف السكر، ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر، بل عرف مثلاً سكر الغضب والعشق والحزن، وعرف زوال العقل
стр. 3988
بالجنون والبنج، فلو سأل عن السكر، قيل له: لذة مع زوال الحزن.
فقولنا: لذة، يخرج سكر الغضب والحزن، فإنه ألم، بخلاف سكر العشق.
ولكن ليس هذا مثل هذا، فلا يمكن تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه اللذة وسائر اللذات، وبالقدر المشترك بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من الأسباب.
ثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب يميز المسؤول عنه عن غيره.
ولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل التمييز بين المحدود وغيره.
وأما نفس تصور حقيقته، فذاك لا يحصل بالقول والكلام، لا على وجه التحديد ولا غيره، بل بإدراك النفس المحدودة.
فالسائل إذ سأل عن الرب ما هو، أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه سبحانه، بحيث لا يشركه غيره في الجواب، ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله.
وأما معرفة كنه الذات، فذاك لا يمكن بمجرد الكلام، ليس لأنه لا كنه لها، لكن لأن تعريف كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات.
فإذا قيل: هو نور، لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نوراً.
كما إذا قيل: هو حي، أو عالم أو قادر، أو موجود.
لكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة، كما أنه ليس مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين، ولا شيء من الموجودات المخلوقة.
стр. 3989
ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة.
ثم القدر المميز يحصل بالإضافة، فيعلم أنه نور ليس كالأنوار، موجود ليس كالموجودين، حي لا كالأحياء.
وهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد بماهيته وكيفيته، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال.
ويقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
ويقولون: حجب الخلق عن معرفة ماهيته، ونحو ذلك.
وأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر، فقال: لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال.
كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة، ومن اتبعهم من الأشعرية، وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة- فهؤلاء هم الذين خرجوا عن الجواب الطبيعي، وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية، كما غيروا النصوص الشرعية.
وإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة.
والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها.
ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو، بما يجاب إذا سئل عن الأنواع، فإن الله لا مثل له سبحانه.
وإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في شخصه، كالشمس مثلاً لا يمكن ذلك فيها، فالخالق سبحانه أولى بذلك.
وإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره،
стр. 3990
والله لا نظير له، امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من المعارف الخاصة بالمعروف باطناً وظاهراً، كما يهدي إليه به عباده المؤمنين من الإيمان به في الدنيا، وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة.
وهذه المعرفة تطابق ما سمعوه، مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فيتطابق الإيمان والقرآن، ويتوافق البرهان والعيان.
والله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به، ليست كلية مشتركة بينه وبين غيره، كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها، لا تعرف الشمس معرفة مشتركة.
كما يقال في حدها: كوكب يطلع نهاراً.
بل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب، لو كانت الشمس من نوع الكواكب، فكيف إذا لم تكن من نوعها؟.
ولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له.
والآية تختص بما في آية عليه، ليست قياساً كلياً يدل على معنى مشترك عام، بل تدل على معين موجود متميز عن غيره.
والأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم، لا تدل إلا على أمر كلي.
كقولنا: الإنسان محدث، وكل محدث فله محدث: ينتظم قضيتين كليتين.
فقول القائل: الإنسان محدث، يعم كل إنسان، وعلمه بحدوث الإنسان المعين كعلمه بحدوث الإنسان الآخر، ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه بالواحد المعين، إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين، فيستدل عليه بنظيره.
стр. 3991
وكذلك قول القائل: كل محدث فله محدث، فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم أنه له محدثاً، كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثاً، ثم إذا علم أن للمحدث محدثاً، فهذا علم مطلق كلي، ليس فيه معرفة بمعين، وليس هذا معرفة بالله تعالى.
وأما الآية فهي مختصة به، لا يشركه فيها غيره، فالإنسان، وغيره من الآيات تدل على عينه نفسه، لا تدل على نوع مطلق، إذ الدليل مستلزم للمدلول، وهذه الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه، ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي، إذا المطلق الكلي لا وجود له في الخارج.
لكن المستدل قد لا يعلم ابتداء استلزامها لنفسه، بل يعرف المشترك أولاً، ثم المختص ثانياً، كمن يرى شخصاً من بعيد، فيعلم أنه جسم، ثم يراه متحركاً إليه، فيعلم أنه حيوان، ثم يراه منتصباً، فيعلم أنه إنسان، ثم يراه فيعلم أنه زيد مثلاً، فكان علمه بعينه بحسب أدلته.
والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه.
والناس تكلموا في أخص وصفه.
فقال من قال من المعتزلة: هو القدم.
وقال الأشعري وغيره: هو القدرة على الاختراع.
وقال من قال من الفلاسفة: هو وجوب الوجود.
والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه.
ومن خواصه أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم.
وكل اسم لا يسمى به غيره: كالله، والقديم الأزلي، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحو ذلك -فمعناه من خصائصه.
стр. 3992
والاسم الذي يسمى به غيره، وهو عند الإطلاق ينصرف إليه: كالملك، والعزيز، والحليم- يختص بكماله وإطلاقه، فلا يشركه في ذلك غيره.
والاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه: كالموجود، والمتكلم، والمريد - يختص أيضاً بكماله، وإن لم يختص بإطلاقه.
عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية
ومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال، أو عند الإطلاق، أو تنصرف إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها، وإلا لم يخصه بها، وتخصيصه بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره، فلا بد أن يكون في القلوب من المعرفة ما تختص به، ويمتاز به عن غيره.
وهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي، إذ الكلي لا تخصيص فيه، بل قد يحصل عن قياسين، مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث، وأن المحدث للمحدثات ليس هو شيئاً من هذا العالم، ولا يكون اثنين، فيعلم أنه واحد خارج عن العالم، ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي.
وهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في الخارج، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه.
ولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه، لما في الفطرة من معرفته أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر.
فإذا قيل: الشمس -أو
стр. 3993
الهلال- توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك.
وتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل.
وهذا أمر مغروز فيها، وقد فطرت عليه.
وآياته دوال وشواهد، وهي كما قال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ [ق: ٧] ، فهي تبصر الجاهل، وتذكر الغافل.
قال ابن رشد: وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نوراً.
وذلك أن حال وجوده من عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند النظر إلى الشمس، بل حال عيون الخفافيش، فكان هذا الصنف لائقاً عند الصنفين من الناس.
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال، الذين حارت عقولهم فيه فلم تعرفه، كما يحار البصر في الشمس فلا يراها، فقد مثله بالنور عند الجمهور، لكونه هو الذي يرى، وعند العلماء لكونه لا يرى، فاقتضى هذا أن الجمهور لهم به معرفة، وأن العلماء لا يعرفونه.
وهذا حقيقة كلام هؤلاء، فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته لتعريف الجمهور، إذ لا يمكن إلا ذلك.
وهو عندهم في
стр. 3994
الباطن ليس كذلك، بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة والضلالة.
ومنتهاهم أن يثبتوا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج.
وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة، ومن سلك سبيلهم من المتصوفة: أهل الوحدة والحلول والاتحاد، ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد.
وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجوداً للرب مبايناً للمخلوقات، متميزاً عنها، بل اعتقدوا أن هذا منتف، لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة.
قال: وأيضاً فإن الله ﵎، لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته، أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب رؤيتنا لها، فبالحق ما سمى الله نفسه نوراً.
وإذا قيل: إنه نور، لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد.
قلت: هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار، فإن ذلك الكتاب موضوع على قواعد هؤلاء المتفلسفة.
وابن رشد هذا يمدح
стр. 3995
كلامه في مشكاة الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة.
والمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة، ويمدحون من كلامه ما وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة، فما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هذا وأمثاله، وينشد:
يوماً يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدنان
وما يمدحه به أهل العلم والإيمان، يذمه به هؤلاء، وقد ذكر في مشكاة الأنوار ما يناسب ما ذكره هذا في النور.
ومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية، الذين قالوا بوحدة الوجود، وقالوا: إن الخلق مجال ومظاهر، لأن وجود الحق ظهر فيها وتجلى، فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه.
ومن المعلوم أن الشيء يكون موجوداً في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة، ويحتجب أخرى، سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي، كالأعمى إذا صار بصيراً، أو لزوال المانع في الظاهر، كالحجب المانعة.
أو لهما جميعاً.
وهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات، هو نفس ظهوره وتجليه فيها.
وسموها مجالي ومظاهر، وذلك أن حقيقة قولهم: إنه ليس موجوداً في الخارج، ولكنهم يظنون أنهم يعتقدونه موجوداً في الخارج،
следующие страницы →