← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 4026–4031 · переход к 4031.

стр. 4026

قيل: فصل النزاع قد يكون بوجهين: أحدهما: نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا، إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه. كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف، ومقدار السفينة، والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به، إن قدر أنه كان معيناً، مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين، وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها، وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل -فمثل هذا ينهي كل منهم عن منازعة الآخر فيه، بل ينهي عن أن يقول ما لا يعلم. والثاني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب. وحينئذ فإذا فصل النزاع بين المتنازعين في الجسم، قيل: النزاع على وجهين: لفظي، ومعنوي. فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة، فليس مسماه ما قلته أنت من أن كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسماً، ولا ما قلته أنت من أن الجسم في اللغة هو المركب من أجزاء، فإن الهواء أو نحوه عنده مركب، والعرب لا تسميه جسماً، وهو مشار إليه قائم بنفسه، والعرب لا تسميه جسماً. فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب. وغايته أن يكون اصطلاحاً منكم على معنى، كسائر الألفاظ الاصطلاحية، فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ الفرض هل هو مرادف للواجب

стр. 4027

أو أوكد منه؟ ولفظ السنة هل يدخل فيه الواجب أو لا يدخل؟ ومثل هذه المنازعات اللفظية الكثيرة. وهذه بمنزلة اللغات والعادات في العبادات، قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة وبحسب اللغة أخرى، وقد لا تحمد ولا تذم. وإن كان نزاعكم في معنى عقلي، وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسماً بحسب اصطلاحكم، وهي ما يشار إليه بقول أحدكما: إنها مركبة من أجزاء مفردة، أو المادة والصورة، والآخر ينكر ذلك -فهذا يمكن فصل النزاع بينكم، إذا كان النزاع معنوياً، بالأدلة العقلية تارة، وبغيرها أخرى. ولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين، كما لا يحتاج إلى مسائل الهيئة والتشريح، وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين، كما ينتفع بالحساب والطب، وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة، ونحو ذلك. ومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام، وتناهي قواها، وأنها مركبة مفتقرة إلى مركب -فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء، مع اتفاق المسلمين على أن الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته، وأنه غير مفتقر إلى غيره. فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه. وإذا تنازعوا بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظياً، وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع: لا هذا ولا هذا. فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه، الذي ينفيه النافي بلفظ الجسم، بل نفاه الشرع

стр. 4028

فلا يقال: إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفياً وإثباتاً. ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل، بدون إطلاقه لفظ متنازع في أحكام معناه، كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة الشرعية والعقلية، التي لا يمكن النزاع فيها، هو المشروع، دون بقية معان متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع، وقد تكون مع ذلك باطلة. ومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة، وسلك طريقاً بعيدة لغير مصلحة راجحة، كان تاركاً لما يؤمر به، فاعلاً لما لا فائدة فيه، أو ما ينهى عنه، إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود. فأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة، فإنه لا يجوز سلوكها. وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم، أحسن أحوالها أن تكون عوجاً طويلة، قد تهلك، وقد توصل، إذ لو كانت مستقيمة موصلة، لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟!. ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء، فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم. وقال قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا

стр. 4029

يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤] . فقد بين ان حذاق الفلاسفة أيضاً يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة، ولا شيء من طرقهم الفلسفية. وإنما غايتهم أن يقولوا: إن الطرق الفلسفية تفيد علماً لبعض الناس، ليس مما يجب ولا يستحب لجمهور الناس، وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند الجمهور. ونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة، سواء كانت شرعية أو عقلية. فأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه. وقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن، أضعف بكثير من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية. وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من العقليات، سواء عارضوا به في الظاهر والباطن، كل منهم يقول جمهور العقلاء: إن عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا يمكن ردها. وهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا، فإن الله تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها المعارض له، ويكشف جهلها وتناقضها -كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح. ثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء، كما يمكنه جهاد هؤلاء، ويمكنه أن يستعين بما فعلته

стр. 4030

كل طائفة بالأخرى، فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها، أتاها من الناحية الأخرى ففتح بلادها، وإن كان هو لم يستعن بأولئك ابتداء، لكن الله يسر بما فيه الهدى والنصر لعباده المؤمنين، وكفى بربك هادياً ونصيراً. وهذا آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً. فرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير، يوسف بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي، يوم السبت، أذان العصر ... ثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ببستان الأعز. رحم الله كاتبه، ولمن قرا فيه، ودعا له بالمغفرة، ولجميع المسلمين، وصلى الله على النبي محمد وآله. بلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخه قوبلت على أصل المصنف ﵁، وهي المنقول منها، وتكلمت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه، بعد أذان العصر، يوم السبت ثامن عشر المحرم، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها، في خير وعافية، بمنه وكرمه. وكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه.

стр. 4031

أنهي جميع هذا الكتاب نظراً من أوله إلى آخره ... في مجالس عديدة، وأزمان مديدة، مطالعة تحقيق، وبحث وتدقيق، كان آخرها في أواخر شعبان المبارك، من شهور سنة خمسين وسبعمائة. قال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح المضوي المدني، نفعه الله بالعلم، وزينه بالتقى والحلم.