Полный текст (4 031 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟
وكذلك قوله في التوحيد ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: ٢٨] أي كخيفة بعضكم بعضاً، كما في قوله ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ [البقرة: ٨٥] وفي قوله ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ [النور: ١٢] وفي قوله ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١] وفي قوله ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] وفي قوله: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ إلى قوله ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ [البقرة: ٨٤ ـ ٨٥] فإن المراد في هذا كله من نوع واحد.
فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيراً فكيف ترضون أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكاً لي، يدعي كما أدعى وأعبد؟ كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
стр. 37
وهذا باب واسع عظيم جداً ليس هذا موضعه.
وإنما الغرض التنبيه علي أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين.
أصول المتكلمين ليس هي أصول الدين
وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمي من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة، مثل: نفي الصفات، والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال علي حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها: إما الأكوان، وإما غيرها.
وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل: من إثبات الأعراض ـ التي هي الصفات ـ أولاً، أو إثبات بعضها كالأكوان ـ التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ـ وإثبات حدوثها ثانياً بإبطال ظهورها بعد الكمون، وإبطال انتقالها من محل إلي محل، ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثاً: إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان، وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعاً.
стр. 38
وهو مبني علي مقدمتين: إحداهما: أن الحسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات.
والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات ـ التي هي الأعراض ـ لا تكون إلا محدثه، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض، كالأكوان، ومالا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا تتناهى.
فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمداً صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلي الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه.
ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام ـ كـ الأشعري وغيره ـ بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون علي أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقاً، ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له: إما أن يطلع علي ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم، وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار، والتزم لأجلها
стр. 39
أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة، والتزم قوم لأجلها كـ الأشعري وغيره أن الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك، والتزم قوم لأجلها ولأجل غيرها أن جميع الأعراض ـ كالطعم واللون وغيرها ـ لا يجوز بقاؤها بحال، لأنهم احتاجوا إلي جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال علي حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقي بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية.
وأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقي لم يمكن عدمه، لأن عدمه إما أن يكون بإحداث ضد، أو بفوات شرط، أو اختيار الفاعل، وكل ذلك ممتنع، فهذه العمدة لا يختارها آخرون منهم، منهم، بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود كما يحدث المعدوم، ولا يقولون: إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها كما قاله أولئك، ولا بخلق ضد هو الفناء لا في محل، كما قاله من قاله من المعتزلة.
стр. 40
وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس.
والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الرب مطلقاً، أو نفي بعضها، لأن الدال عندهم علي حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده، فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضاً في غاية الفساد والضلال، ولهذه التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه علي عرشه، إلي أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم.
فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده.
وأما الدين الذي قال الله فيه: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ الشوري: ٢١ فذاك له أصول وفروع بحسبه.
وإذا عرف أن مسمي أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه أجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول.
وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصول المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلي الله عليه وسلم، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل،
стр. 41
كما أن لازم الحق حق، والدليل ملزوم لمدلوله، والباطل شيء، وإذا انتفي لازم الشيء علم أنه منتف، فيستدل علي بطلان الشيء ببطلان لازمه، ويستدل علي ثبوته بثبوت ملزومه، فإذا كان الازم باطلاً فالملزوم مثله باطل، فإن ملزوم الباطل هو اللازم، وإذا كان اللازم باطلاً كان الملزوم باطلاً، لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء، ولم يقل إن الباطل لازمه باطل.
وهذا كالمخلوقات، فإنها مستلزمة لثبوت الخالق، ولا يلزم من عدمها عدم الخالق، والدليل أبداً يستلزم المدلول عليه: يجب طرده، ولا يجب عكسه، بخلاف الحد، فإنه يجب طرده وعكسه.
وأما العلة: فالعلة التامة يجب طردها، بخلاف المقتضية، وفي العكس تفصيل مبسوط في موضعه.
وهذا التقسيم ينبه أيضاً علي مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله، وإذ ذاك متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدل علي المقالات الباطلة.
стр. 42
فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكماً ودليلاً فهو من أهل العلم والإيمان: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ الأحزاب: ٤.
جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم
وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلي ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه.
ولهذا «قال النبي صلي الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة، لأن أباها كان من المهاجرين إليها ـ فقال لها يا أم خالد، هذا سنا» والسنا بلسان الحبشة الحسن، لأنها كانت من أهل هذه اللغة.
ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلي تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجمها بالعربية،
стр. 43
كما «أمر النبي صلي الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود، ليقرأ له، ويكتب له ذلك» حيث لم يأتمن اليهود عليه.
فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر، والعرض، والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من باطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ علي معان مجملة في النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع، فقال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب ...
يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم..
فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة ـ بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة ـ كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء
стр. 44
من المتكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً في الوسائل والمسائل: من غير بيان التفصيل والتقسيم، الذي هو من الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبه.
فإنه لا يوجد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين: أنه علق بما سمي لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئاً من أصول الدين، لا الدلائل ولا المسائل.
والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها، تارة لاختلاف الوضع، وتارة لاختلافهم في المعني الذي هو مدلول اللفظ، كمن يقول: الجسم هو المؤلف.
ثم يتنازعون: هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه، أو الجوهر فصاعداً، أو الستة، أو الثمانية، أو غير ذلك؟ ومن يقول: هو الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وإنه مركب من المادة والصورة.
ومن يقول: هو الموجود أو يقول: هو الموجود القائم بنفسه، أ, يقول: هو الذي يمكن الإشارة إليه، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا كذلك.
والسلف والأئمة الذي ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائلة وفي مسائله، نفياً وإثباتاً، فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لم يفهم بهذه الألفاظ ليتبين
стр. 45
الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ البقرة: ٢١٣، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلي معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم.
ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.
وأما قول السائل: فإن قيل بالجواز فما وجهه، وقد فهمنا منه عليه الصلة والسلام النهي عن الكلام في بعض المسائل؟
الرد علي المسألة الثانية
فيقال: قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب السؤال، وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، فلا يجوز أن ينهي عنه بحال بخلاف ما سمي أصول الدين وليس هو أصولاً في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل، أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وأما ما ذكره السائل من نهيه، فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور:
المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة
منها: القول علي الله بلا علم، كقوله تعالي ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وقوله ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] .
стр. 46
ومنها: أن يقال علي الله غير الحق، كقول ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ [الأعراف: ١٦٩] .
وقوله ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [النساء: ١٧١] .
ومنها: الجدل بغير علم كقوله تعالي ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] .
ومنها: الجدل في الحق بعد ظهوره، كقوله تعالي ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ [الأنفال: ٦] .
ومنها: الجدل بالباطل، كقوله: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [غافر: ٥] ومنها: الجدل في آياته، كقوله تعالي ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر: ٤] ، وقوله ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا﴾ [غافر: ٣٥] ، وقال تعالى ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر: ٥٦] ، وقوله ﴿ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ [الشورى: ٣٥] ، ونحو ذلك قوله ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم﴾ [الشورى: ١٦] ،
стр. 47
وقوله ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] ، وقوله ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] .
ومن الأمور التي نهي الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف، كقوله ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ ـ إلي قوله ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ [آل عمران: ١٠٣ـ ١٠٦] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وقال تعالي: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله﴾ ـ إلي قوله ﴿ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ [الروم: ٣٠-٣٢] .
وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله تعالي ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩] ، وفي مثل
стр. 48
قوله تعالي: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٩] ، وفي مثل قوله ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٧٦] .
وكذلك سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم توافق كتاب الله، كالحديث المشهور عنه الذي وري مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو، وسائره معروف في مسند أحمد وغيره، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، لا ليكذب بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» .
هذا
стр. 49
الحديث أو نحوه، وكذلك قوله: «المراء في القرآن كفر» .
وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين «عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم قرأ قوله ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ فقال النبي صلي الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم» .
وأما أن يكون الكتاب والسنة نهياً عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز، اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض الأحوال، مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل، كقول عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان
стр. 50
فتنة لبعضهم.
وكقول علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ، أو مثل قول حق يستلزم فساداً أعظم من تركه، فيدخل في قوله صلي الله عليه وسلم «من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.
وأما قول السائل: إذا قيل بالجواز، فهل يجب؟ وهل نقل عنه ﵇ ما يقتضي وجوبه؟ .
الرد علي المسألة الثالثة
فيقال: لا ريب أنه يجب علي كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول علي التفصيل فرض علي الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبير القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلي الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلي سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله عليه المؤمنين، فهذا واجب علي الكفاية منهم.
стр. 51
وأما ما وجب علي أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، فلا يجب علي العاجز عن سماع بعض النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب علي من لم يسمعها، ويجب علي المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب علي من ليس كذلك.
وأما قوله: هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلي القطع؟ .
الرد على المسألة الرابعة
فيقال: الصواب في ذلك التفصيل، فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية -التي قد يسمونها مسائل الأصول - يجب القطع فيها جميعها، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها علي كل أحد، فهذا الذي قالوه علي إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه، فإنهم كثيراً ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات، وتكون في الحقيقة مت الأغلوطات، فضلاً عن أن تكون من الظنيات، حتى إن الشخص الواحد منهم كثيراً ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع
стр. 52
آخر، بل منهم من عامة كلامه كذلك، وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر.
وأما التفصيل: فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٩٨] ، وقوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ [محمد: ١٩] ، وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به، وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد، كقوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بالتغابن: ١٦] ، وقوله ﵇ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في الصحيحين.
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبهاً، لا يقدر فيه علي دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره: لم يجب علي مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب علي ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقاً للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه، ويثاب عليه، ويسقط به الفرض، إذا لم يقدر علي أكثر منه.
стр. 53
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصول إلي معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالي ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [الأعراف: ٣٥] وقوله ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤] قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية.
وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره «عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله،
стр. 54
فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء» وفي رواية «ولا تختلف به الآراء، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .
وقال تعالي ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، وقال تعالي ﴿المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن
стр. 55
في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [الأعراف: ١-٣] وقال ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون﴾ [الأنعام: ١٥٥-١٥٧] ، فذكر سبحانه انه يجزي الصادف عن آياته مطلقاً ـ سواء كان مكذباً أو لم يكن ـ سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن لك من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الأيمان به، أو أعرض عن اتباعاً لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به، فكل مكذب بما جاء به فهو كافر، وقد يكون كافراً من لا يكذبه إذا لم يؤمن به.
ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك، وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين.
وقال تعالي ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [الأحقاف: ٢٦] ، وقال تعالي ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما
стр. 56
عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ [غافر: ٨٣-٨٥] وقال ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا﴾ [غافر: ٣٥] ، وفي الآية الأخرى ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾ [غافر: ٥٦] .
والسلطان: هو الحجة المنزلة من عند الله، كما قال تعالى ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ [الروم: ٣٥] ، وقال تعالى ﴿أم لكم سلطان مبين * فاتوا بكتابكم إن كنتم صادقين﴾ [الصافات: ١٦٥-١٥٧] ، وقال ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣] .
وقد طالب الله تعالي من اتخذ ديناً بقوله ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ [الأحقاف: ٤] ، فالكتاب هو الكتاب، والإثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد،
стр. 57
وقالوا: هي الخط أيضاً، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الإثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره.
وقد قال تعالى في نعت المنافقين ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ [النساء: ٦٠-٦٣] .
وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة علي ضلال من تحاكم إلي غير الكتاب والسنة، وعلي نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار،
стр. 58
فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهي عنها، أو لاتباع هواه بغير هدي من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً ن الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالي ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا﴾ إلي قوله ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] .
وقد ثبت في صحيح مسلم «عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت» .
وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس «أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك» .
فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا.
وأما قول السائل: هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحال هذه؟ .
стр. 59
الرد علي المسألة الخامسة
فيقال: هذه العبارة، وإن كثر تنازع الناس فيها نفياً وإثباتاً، فينبغي أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان: أحدهما: ما اتفق الناس علي جوازه ووقوعه، وإنما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق.
والثاني: ما اتفقوا علي أنه لا يطاق، لكن تنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه.
فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والأيمان علي أنه لا يطاق، وتنازعوا في وقوع الأمر به، فليس كذلك.
تنازع النظار في الاستطاعة
فالنوع الأول: كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد، وهي قدرته وطاقته: هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله، أو يجب أن تكون متقدمة علي الفعل: أو يجب أن تكون معه، وإن كانت متقدمة عليه؟ .
فمن قال بالأول، لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف مالا يطيقه إذا لم تكن عنه قدرة إلا مع الفعل، ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم مادل عليه القرآن، وهو أن الاستطاعة -التي هي مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل - لا يجب أن تقارن الفعل، وأما الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له.
стр. 60
فالأولي: كقوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وقول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
ومعلوم أن الحج والصلاة يجبان علي المستطيع، سواء فعل أو لم يفعل، فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل.
والثانية: كقوله تعالى ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾ [هود: ٢٠] وقوله ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ [الكهف: ١٠١-١٠٢] علي قول من يفسر الاستطاعة بهذه.
وأما علي تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته علي نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين علي فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك.
وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل الموجبة له، وأما الأولي فلولا وجودها لم يثبت التكليف، كقوله
стр. 61
﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: ١٦] ، وقوله ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ [الأعراف: ٤٢] ، وأمثال ذلك، فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنز إلي الرسول فهم من هذا القسم.
تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون
وكذلك أيضاً تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون، أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن الناس من يقول: إن هذا غير مقدور عليه، كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون، وذلك لاتفاق الفريقين علي أن خلاف المعلوم لا يكون ممكناً ولا مقدوراً عليه.
وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: هذا منقوص عليهم بقدرة الله تعالي، فإنه أخبر بقدرته علي أشياء، مع أنه لا يفعلها، كقوله ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ [القيامة: ٤] ، وقوله ﴿وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ [المؤمنون: ١٨] ، وقوله ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾ [الأنعام: ٦٥] ، وقد قال ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ [هود: ١٨] ، ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله، وإذا فعله فإنما يفعله إذا كان قادراً عليه، فقد دل القرآن علي أنه قادر عليه يفعله إذا شاءه، مع أنه لا يشاؤه.
وقالوا أيضاً: إن الله يعلمه علي ما هو عليه، فيعلمه ممكناً مقدوراً للعبد، غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له، أو لبغضه إياه، ونحو ذلك، لا لعجزه عنه.
стр. 62
وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم، فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل، وإن كان مقدوراً القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي.
وأما النوع الثاني: فكاتفاقهم علي أن العاجز عن الفعل لا يطيقه، كما لا يطيق الأعمي والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل هذا النوع قد اتفقوا علي أنه غير واقع في الشريعة، وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة المائلين إلي الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلاً، حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين والنقيضين: هل يجوز الأمر به من جهة العقل، مع أن ذلك لم يرد في الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة ـ كمن يزعم أن أبا لهب كلف بان يؤمن بأنه لا يؤمن ـ فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف، فإنه لم يقل أحد: إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب المتضمن أنه لا يؤمن، وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح ﵇: أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، لم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب، بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار
стр. 63
المستلزم لموته علي الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معينة العذاب، قال تعالى ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥] ، وقال تعالى ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ [يونس: ٩١] .
والمقصود هنا التنبيه علي أن النزاع في هذا الأصل يتنوع: تارة إلي الفعل المأمور به، وتارة إلي جواز الأمر.
ومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين علي الناس حيث جعل القسمين قسماً واحداً، وادعي تكليف ما لا يطاق مطلقاً، لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق، والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي، وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر، ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزماً لجواز القسم الذي اتفق المسلمون علي أنه غير مقدور عليه، وقال أحد النوعين بالآخر، وذلك من الأقيسة التي اتفق المسلمون بل وسائر أهل الملل، بل وسائر العقلاء علي بطلانها، فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال كقوله: إن القدرة مع الفعل، أو أن الله علم أنه
стр. 64
لا يفعل علي العاجز الذي لو أراد الفعل لم بقدر عليه ـ فقد جمع بين ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلاً وديناً، وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية.
وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام، كإطلاق القول بأن العباد مجبورون علي أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها علي إنكار ذلك ولا بأنه شاء الكائنات، وقالوا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد، بالفاسد، واباطل بالبطال ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ببن ردهم لذلك.
وأما إذا فصل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشبه الحق فيها بالباطل ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل ـ كان هذا من الفرقان، وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون علي ترك الكتاب، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام،
стр. 65
ويحرفون الكلم عن مواضعة، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، ولهذا كان يدخل المجبرة في مسمي القدرية المذمومين، لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعني الذي ذمت به القدرية.
ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد علي القدرية، وقولهم: إن الله أجبر العباد علي المعاصي، ثم روي عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سالت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده علي ما أحب.
وقال الأوزعي: ما أعرف للجبر أصلاً في القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخالفة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق.
стр. 66
فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.
أما الزبيدي ـ محمد بن الوليد صاحب الزهري ـ فأنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفي الجبر.
وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة: هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما يقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة علي النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره، فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل، لأن الله سبحانه قادر علي أن يجعل العبد مختاراً راضياً لما يفعله، ومبغضاً وكارهاً لما يتركه، كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبوراً علي ما يحبه ويرضاه ويريده، وهي أفعاله ولاختيارية، ولا يكون معضولاً عما يتركه، فيبغضه ويكرهه، أو لا يريده، وهي تروكه الاختيار.
وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ، وإن عني به هذا المعني، حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة، فيفضي إلي إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، وإن قيل: إنه يراد به معني صحيح.
стр. 67
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر وقال: الله جبل العباد.
قال المروزي: أظنه أراد قول النبي صلي الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، يعني قوله الذي في صحيح مسلم: «إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.
فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.
فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .
ولهذا احتج البخاري وغيره علي خلق أفعال العباد بقوله تعالى ﴿إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا﴾ [المعراج: ١٩-٢١] فأخبر تعالي أنه خلق الإنسان علي هذه الصفة.
стр. 68
واحتج غيره بقول الخليل ﵇ ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠] ، وبقوله ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [البقرة: ١٢٨] .
وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، لأن الزبيدي نفي الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معني صحيحاً، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل.
كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتابه السنة فقال: حدثنا محمد ابن بكار، حدثنا أبو معشر، حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال: إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق علي ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه، وإن كان ظاهراً في المحتمل المعني الفاسد خشيه أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعاً.
وهكذا يقال في نفي الطاقة عن المأمور، فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور: وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.
стр. 69
قال الخلال: أنبأنا المروزي: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله يجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل: ٩٣] .
وقال: أنبأنا المروزي قال: كتب إلي عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه يتنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد علي المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء، فقال: إن الله جبر العباد علي ما أراد أراد بذلك إثبات القدر.
فوضع أحمد بن علي كتاباً يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتاباً وأنكر عليهما جميعاً: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلي القدري حين قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب،
стр. 70
وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد.
فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل: ٩٣] .
قال المروزي في هذه المسألة: إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر علي الذي قال: لم يجبر وعلي من رد عليه: جبر، فقال، أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها.
وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر علي من رد بشيء من جنس الكلام، وإذا لم يكن له فيه أمام تقدم.
قال المروزي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هو ذا الكتاب ادفعه إلي أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم علي منبر عكبرا وأستغفر الله ، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن يقبلوا منه، فرجعوا له.
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع، وتكلمنا علي الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعني الحق الذي يسمونه جبراً ينافي
стр. 71
الأمر والنهي، حتى جعله القدرية منافياً للأمر والنهي مطلقاً، وجعله طائفة من الجبرية منافياً لحسن الفعل وقبحه، وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به، المعلوم بالعقل.
ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعني كون الفعل ملائماً للفاعل ونافعاً له، وكونه منافياً للفاعل وضاراً له.
ومن المعلوم أن هذا المعني ـ الذي سموه جبراً ـ لا ينافي أن يكون الفعل نافعاً وضاراً، ومصلحة ومفسدة، وجالباً للذة وجالباً للألم.
فعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه، كما لا ينافي ذلك، سواء كان ذلك الحسن معلوماً بالعقل، أو معلوماً بالشرع، أو كان الشرع مثبتاً له لا كاشفاً عنه.
وأما قول السائل:
الرد علي المسألة السادسة
ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان حريصاً علي هدي أمته؟ .
فنقول: هذا السؤال مبني علي الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات، الذين قال الله فيهم ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب
стр. 72
لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٩] ، وقال تعالى ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩] ، وقال تعالى ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣] .
وقد تقدم التنبيه علي منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات، سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعني، كلفظ أصول الدين حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما ذكرنا، وأنه إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل.
وبذلك يتبين أن الشارع ﵊ نص علي كل ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر، وقال تعالى ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: ١١٥] ، وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] ، وقال تعالى ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] ، وقال تعالى ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور: ٥٤] ، وقال
стр. 73
﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩] ، وقال تعالى ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما﴾ [النساء: ٦٦-٦٨] ، وقال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .
و «قال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً» .
وفي صحيح مسلم: «أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل» .
و «قال ﷺ تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وقال
стр. 74
«ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم عنه» وقال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيراً لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شراً لهم» .
وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدي والبيان والشفاء.
وذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.
والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وقال تعالي ﴿وما اختلفتم
стр. 75
فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠] ، وقال ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا * ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ [النساء: ٥٩-٦١] .
ولهذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة علي حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعاً من إطلاقها: نفياً إثباتاً، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعني أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.
следующие страницы →