← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال: (عمد المعارض إلى هذه الصفات والآيات فنسقها ونظم بعضها بعض، كما نظمها شيئاً بعد شيء، ثم فرقها أبواباً في كتابه، وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية، معتمداً فيها على تفسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث المريسي دون من سواه، مستتراً عند الجهال بالتشنع بها على قوم يؤمنون بها، ويصدقون الله ورسوله فيها، بغير تكييف ولا تمثال، فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ويشبهونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا: ليس في شيء منها اجتهاد رأي، ليدرك كيفية ذلك، أو يشبه شيء منها بشيء مما هو في الخلق موجود) . قال: (وهذا خطأ، لما أن الله ليس كمثله شيء، فكذلك ليس ككيفيته شيء. قال: أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع: أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ، كما قلت، بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما

стр. 457

هو في الخلق موجود أشد أنفاً منكم، غير أنا - كما لا نشبهها ولا نكيفها - لا نكفر بها ولا نكذبها، ولا نبطلها بتأويل الضلال، كما ابطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار. وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا، وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون، وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي: إن هذه الصفات كلها كشيء واحد، وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا اليد منه غير النفس، وأن الرحمن ليس يعرف - بزعمكم - لنفسه سمعاً من بصر، ولا بصراً من سمع، ولا وجهاً من يدين، ولا يدين من وجه، هو كله بزعمكم سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل. ويد ونفس، وعلم ومشيئة وإرادة، مثل

стр. 458

خلق الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء، التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء، فالله المتعالي عندنا أن يكون كذلك، فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦) و ﴿إنا معكم مستمعون﴾ (الشعراء: ١٥) وقال: ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ (آل عمران: ٧٧) ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ (المجادلة: ١) . و ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (آل عمران: ١٨١) ولم يقل: قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها. وقال موضع الرؤية إنه: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (الشعراء: ٢١٩: ٢١٨) وقال تعالى: ﴿وقل اعملوا

стр. 459

فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ (التوبة: ١٠٥) ولم يقل: يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم، فلم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندكم. وكذلك قال الله تعالى: ﴿ودسر﴾ ﴿تجري بأعيننا﴾ (القمر: ١٤: ١٣) ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (الطور: ٤٨) ﴿ولتصنع على عيني﴾ (طه: ٣٩) ولم يقل لشيء من ذلك: على سمعي. فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) . ثم قال: (باب الحد والعرش. قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضاً أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية) . قال: (وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهماً إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم قد

стр. 460

علموا أنه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن (لا شيء) ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدا موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك: لا حد له يعني أنه لا شيء. قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله، ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سمواته، فهذان حدان اثنان. وسئل عبد الله بن المبارك، بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد. حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك. فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن، وادعى أنه لا شيء، لأن الله وصفة حد مكانه في مواضع كثيرة، من كتابه فقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه: ٥) ﴿أأمنتم من في السماء﴾ (الملك: ١٦) ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ (آل عمران: ٥٥) ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ (النحل: ٥٠) ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: ١٠)

стр. 461

فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله، وجحد آيات الله. و «قال رسول الله ﷺ : إن الله فوق عرشه فوق سماواته» و «قال للأمة السواداء: أين الله؟ قالت: في السماء، قال أعتقها فإنها مؤمنة» . فقول رسول الله ﷺ : «أنها مؤمنة» دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء، كما قال الله ورسوله، لم تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله.

стр. 462

حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن «عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لأبيه: يا حصين، كم تعبد اليوم إلهاً؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء» ، فلم ينكر النبي ﷺ ، على الكافر، إذ عرف أن إله العالمين في السماء، كما قاله النبي ﷺ ، فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه، مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإلة الخالق الذي في السماء، وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض. وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين: أن الله في السماء، وحدوه بذلك، إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية.

стр. 463

ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها، ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفاً بعد حرف وشيئاً بعد شيء، بحكم بشر بن غياث المريسي، لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه، ولا أرشد منه عنده، فاغتنمنا ذلك كله منه، إذ صرح باسمه، وسلم فيها لحكمه، لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره، وهتك ستره، وافتضاحه في مصره، وفي سائر الأمصار الذي سمعوا بذكره) . ثم ذكر الكلام على إبطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب والسنة. كلام الدارمي في الرد على الجهمية وقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له: (باب الإيمان بكلام الله تعالى) ، قال أبو سعيد: فالله المتكلم أولاً وآخراً، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام، إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لمن الملك اليوم﴾ (غافر: ١٦) أنا

стр. 464

الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ فلا ينكر كلام الله إلا من يريد إبطال ما أنزل الله ، وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام وأنطق الأنام؟ قال الله تعالى في كتابه ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) فهذا لا يحتمل تأويلاً غير نفس الكلام، وقال لموسى: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (الأعراف: ١٤٤) وقال الله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (البقرة: ٧٥) وقال ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (الفتح: ١٥) وقال ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ (يونس: ٦٤) وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته﴾ (الأنعام: ١١٥) . وذكر آيات أخر، إلى أن قال: (وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ (طه: ٨٩) وقال: ﴿عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ (الأعراف: ١٤٨) .

стр. 465

قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصاً بلا تأويل، ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير عاجز عنه، وأنه متكلم، وقائل، لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه. وقال إبراهيم: ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (الأنبياء: ٦٣) إلى قوله ﴿أفلا تعقلون﴾ (الأنبياء: ٦٧) ، فلم يعب إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام إلا وأن إلهه متكلم قائل) . وبسط الكلام في ذلك، إلى أن قال: (أرأيتم قولكم: إنه مخلوق، فما بدء خلقه؟ أقال الله له (كن) فكان كلاماً قائماً بنفسه بلا متكلم به؟ فقد علم الناس - إلا ما شاء الله منهم - أن الله لم يخلق كلاماً يرى ويسمع بلا متكلم به، فلا بد من أن تقولوا في دعواكم:

стр. 466

الله المتكلم بالقرآن، فأضفتموه إلى الله، فهذا أجور الجور وأكذب الكذب: أن تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق، ولو لم يكن كفراً كان كذباً بلا شك فيه، فكيف وهو كفر لا شك فيه؟ لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعي الربوبية ويدعوا الخلق إلى عبادته فيقول: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (طه: ١٤) و ﴿إني أنا ربك﴾ (طه: ١٢) . ﴿وأنا اخترتك﴾ (طه: ١٣) ، ﴿واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري﴾ (طه: ٤١ - ٤٢) ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦) ، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: ٥٦) . ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ (يس: ٦٠ - ٦١) قد علم الخلق - إلا من أضله الله - أنه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق، بل القائل به والداعي إلى عبادة غير الله كافر كفرعون الذي قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات: ٢٤) ، والمجيب له والمؤمن بدعواه أكفر وأكذب. وإن قلتم: تكلم به مخلوق فأضفناه إلى الله، لأن الخلق كلهم

стр. 467

بصفاتهم وكلامهم لله، فهذا المحال الذي ليس وراءه محال، فضلاً عن أن يكون كفراً، لأن الله لم ينسب شيئاً من الكلام كله إلى نفسه أنه كلامه غير القرآن وما أنزل على رسله، فإن قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع الغناء والنوح وكلام السباع والبهائم والطير كلام الله، فهذا مما لا يختلف المصلون في بطوله واستحالته. فما فضل القرآن إذاً عندكم على الغناء والنوح والشعر إذ كان كله في دعواكم كلام الله؟ فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ونسب كل كلام إلى قائله؟ فكفى بقوم ضلالاً أن يدعوا قولاً لا يشك الموحدون في بطوله واستحالته. ومما يزيد دعواكم تكذيباً واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله إيماناً وتصديقاً أن الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم، ومن يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم، فقال: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ (البقرة: ٢٥٣) فميز بين من اختصه الله بكلامه وبين من لم يكلمه، ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) فلو لم يكلمه بنفسه إلا على تأويل ما

стр. 468

ادعيتم، فما فضل من ذكر الله في تكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه؟ إذ كل الرسل في تكليم الله إياهم مثل موسى، وكل عندكم لم يسمع كلام الله، وقد قال تعالى: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله﴾ (آل عمران: ٧٧) ، ففي بيان أنه لا يعاقب قوماً يوم القيامة بصرف كلامه عنهم إلا وأنه يثيب بتكلميه قوماً آخرين. وقال أيضاً في بيان كفر الجهمية: (أخبر الله أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليماً، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلاماً خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى

стр. 469

إلى ربوبيته فقال: ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ (طه: ١٢) فقال له موسى في دعواهم: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبيته مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذاً؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله ﵎: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) . وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط - قولاً وكلاماً - كن فكان، ولا يقوله أبداً، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم، فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام) . عود إلى كتاب النقض على المريسي وقال أيضاً في كتاب النقض على المريسي: (وادعيت أيها المريسي في قول الله : ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (الأنعام: ٢١٠) وفي قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ (الأنعام: ١٥٨) فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان، لما أنه غير متحرك عندك،

стр. 470

ولكن يأتي بالقيامة بزعمك، وقوله: ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ : يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام، ولا يأتي هو بنفسه. ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (سورة النحل: ٢٦) ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ (الحشر: ٢) . فيقال لهذا المريسي: قاتلك الله! ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر! أنبأك الله أنه إتيان، وتقول: ليس بإتيان، إنما هو كقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (النحل: ٢٦) . لقد ميزت بين ما جمع الله، وجمعت بين ما ميز الله، ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة، لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة، لا يجهلة إلا مثلك. وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه، فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السماوات يومئذ لنزوله، وتنزل الملائكة تنزيلاً، ويحمل عرش ربك

стр. 471

فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله ورسوله. فلما لم يشك المسلمون أنا الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقيناً أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه. فقوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ (النحل: ٢٦) فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم، وقوله: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ مكر بهم ﴿وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ (الحشر: ٢) ، وهم بنو النضير، فتفسير الإتيانين مقرون بهما، فخرور السقف والرعب، وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر. قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ (الحاقة: ١٣ - ١٨) إلى قوله تعالى: ﴿هلك عني سلطانيه﴾ (الحاقة: ٢٩) ، فقد فسر الله المعنيين تفسيراً لا لبس فيه

стр. 472

ولا يشتبه على ذي عقل، فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ (يونس: ٢٤) فحين قال: ﴿أتاها أمرنا﴾ علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه، فلما قال: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ (الحاقة: ١٣) الآيات التي ذكرناها، وقال أيضاً: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾ (الفرقان: ٢٥) و ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ (البقرة: ٢١٠) و ﴿دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: ٢١- ٢٢) علم بما نص عليه الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ: (أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة، ليلي محاسبة خلقه بنفسه، لا يلي ذلك أحد غيره، وأن معناه مخالف لمعنى إتيان القواعد، لا ختلاف القضيتين) . إلى أن قال: (وقد كفانا رسول الله صلى عليه وسلم

стр. 473

وأصحابه تفسير هذا الإتيان، حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير) وذكر حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي ﷺ ، وفيه قال: «فيقول المؤمنون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه» وذكر حديث ابن عباس من وجهين موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وفيه «ثم يأتي الرب تعالى في الكروبيين، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض» رواه الحاكم في صحيحه، وذكر (عن أنس بن مالك أنه قال: وتلا هذه الآية: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا، ينزل عليها الجبار) . ثم قال: (ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان

стр. 474

الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله صلى الله عيه وسلم وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مغبون؟ لما أنك مفتون في الدين مأفون، وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون، ويلك! أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه؟ فمن يحاسب الناس يومئذ؟ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا لأنه لا يؤمن بيوم الحساب. وادعيت أيها المريسي في قول الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ (البقرة: ٢٥٥) ، وادعيت أن تفسير القيوم عندك لا يزول، يعني الذي لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط، وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: القيوم الذي لا يزول، ومع روايتك هذه عن ابن عباس دلائل وشواهد أنها باطلة: إحداها: أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله. والثانية: أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى، وأصحابك مثلك في الظنة والتهمة.

стр. 475

والثالثة: أنه عن الكلبي، وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام، فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه؟ وكذلك أبو صالح. ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال: (القيوم: الذي لا يزول) لم نستنكره، وكان معناه مفهوماً واضحاً عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا يزول لا يفنى ولا يبيد، لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان إذا شاء، كما كان يقال للشيء الفاني: هو زائل، كما قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل يعني فان، لا أنه متحرك، فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة، قال الله تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ ﴿أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ (النحل: ٢٠ - ٢١) فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك إذا شاء،

стр. 476

وينزل إذا شاء، ويفعل ما يشاء، بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال. واحتججت أيها المريسي في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم ﷺ حين رأى كوكباً وشمساً وقمراً قال: ﴿هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين﴾ (الأنعام: ٧٦) ، ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن كل إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء، أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد، فقد أفل وزال، كما أفل الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو رومي عجمي ما زاد على ما قست قبحاً وسماجة، ويلك! من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك - أو نزل ليوم الحساب - أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة؟ إن الله لا يأفل في شيء سواه إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب، بل هوالعالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه، وهو الفعال لما يريد، لا يأفل في شيء، بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع، والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة، إذا قلت أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله تعالى، والله أعلى وأجل، لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء.

стр. 477

قول أبي بكر عبد العزيز في المقنع وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال، في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع، وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان، في مسألة القرآن قال أبو بكر لما سألوه: (إنكم إذا قلتم: لم يزل متكلماً كان ذلك عبثاً، فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما أنه لم يزل متكلماً كالعلم، لأن ضد الكلام الخرس، كما أن ضد العلم الجهل، قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت سبحانه لنفسه أنه خالق، ولم يجز ان يكون خالقاً في كل حال، بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقاً في كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقاً، كذلك وإن لم يكن متكلماً في كل حال يبطل أن يكون متكلماً، بل هو متكلم خالق، وإن لم يكن خالقاً في كل حال ولا متكلماً في كل حال) . قول القاضي أبي يعلي في إيضاح البيان وذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسمى بإيضاح البيان هذا السؤال، فقال: (نقول: إنه لم يزل متكلماً، وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلماً عالماً غفوراً. قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلماً إذا شاء.

стр. 478

وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلماً، والقرآن كلام الله غير مخلوق) . قال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية والزنادقة: وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان) . وقال بعد ذلك: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق) . قول عبد الله بن حامد في أصول الدين وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: (ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله متكلم، وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلماً في كل أوقاته موصوفاً بذلك، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة) . قال: وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم، لم يزل موصوفاً بذلك ومتكلماً كما شاء وإذا شاء، ولا نقول: إنه

стр. 479

ساكت في حال أو متكلم في حال، من حيث حدوث الكلام) . قال: (ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلماً قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات، وأن الله كان فيما لم يزل متكلماً كيف شاء وكما شاء، وإذا شاء أنزل كلامه، وإذا شاء لم ينزله) . قلت: قول ابن حامد: (ولا نقول إنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام) يريد به أنا لا نقول: إن جنس كلامه حادث في ذاته، كما تقوله الكرامية من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم بعد أن لم يكن متكلماً في الأزل، ولا كان تكلمه ممكناً. قول أبي إسماعيل الأنصاري في مناقب أحمد بن حنبل وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام، في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة: (اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه، وهو متكلم كلما شاء، ويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره، والقرآن كلامه هو تكلم به) . قال أيضاً في كتاب مناقب أحمد بن حنبل في باب الإشارة إلى طريقته في الأصول، لما ذكر كلامه في مسأئل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولاً: هو مخلوق، وجرت المحنة المشهورة، ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي، إلى أن قال: وجاءت

стр. 480

طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثاً، قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة، وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات، وتشد إليها الركائب، ويجلب منها العلم، وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان، والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله، فـ ابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق في بيت، وأبو حامد العرشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى

стр. 481

دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب، أن الله متكلم: إن شاء تكلم، وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خبيراً) . قلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من المصنفين كـ الحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره، ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وأنهم على مذهب الكلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية. قال: (فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل، أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض. قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة: إن كلامه قديم، غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه. فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية، وهذا مذهبهم،

стр. 482

فجمع أبو بكر أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام، ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم، وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه، ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية. قال الحاكم: (سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئاً منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئاً من صفات الله - صفات الذات - أو اسماً من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي) . وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام، فهم لا يفهمون كتاب الله، فإن

стр. 483

الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع فقال: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ (الكهف: ١) ، و ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾ (الأنعام: ١) ، ﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ (سبأ: ١) ، وكرر زيادة على ثلاثين مرة ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (الرحمن: ١٦) ولم أتوهم أن مسلماً يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين. قال الحاكم: (سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق - يعني الصبغي - يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا، قال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان

стр. 484

أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق فقلت: تأمل ما جمعته بخطي، وبينته في هذه المسائل، فإن كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه، فذكر أنه تأمله ولم ينكر منه شيئاً، وذكر لشيخه الخط وفيه: إن الله بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل، ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق) . وذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره وافقوا من خالف أبا بكر، وأنه كتب إلى جماعة من العلماء تلك السمائل، وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان، وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس، وأن عبد الله بن حماد قال: طوبى لهم إن كان ما يقال عنهم مكذوباً عليهم، وأن عبد الله بن حماد

стр. 485

من غد ذلك اليوم قال: رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك من أمور هؤلاء الكلابية، قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب﴾ (إبراهيم: ٥٢) وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر، وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية. قول الأنصاري في ذم الكلام ذكر أبو إسماعيل الأنصاري العروف بشيخ الإسلام في كتاب ذم الكلام: (سمعت أبا نصر بن أبي سعيد الرداد، سمعت إبراهيم بن إسماعيل الخلال يقول: إني ذهبت بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي إلى أمير المؤمنين، فكتب بصلبها، فقال ابن خزيمة: لا، قد علم رسول الله ﷺ النفاق من أقوام فلم يصلبهم) . قال أبو إسماعيل: (سمعت إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول: استتيب الصبغي والثقفي على قبر ابن خزيمة. وقال: (سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية - يلعن الكلابية) .

стр. 486

قال: (وسمعت محمد بن العباس بن محمد يقول: كان أبو علي الرفا يقول: لعن الله الكلابية) . ومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي، وأبو سعيد الزاهد، ويحيى بن عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام. قال: (وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول: رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب - يعني الصعلوكي - بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك، وسمعت الطيب ابن محمد، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرايني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله. قول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد وقال الحافظ أبو نصر السحزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: (اعلموا - أرشدنا اله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالاً منهم في

стр. 487

الباطن، من أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام جروف متسقة وأصوات مقطعة، وقالت - يعني علماء العربية -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علماً، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذكل لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات. قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له

стр. 488

أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: (خلق الله، وعبد الله، وفعل الله) . (قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل) . فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه (تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام) ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل: إن البيان من الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا

стр. 489

فغيروه، وقالوا: (إن الكلام من الفؤاد) وزعموا أنه لهم حجة على مقالتهم في قول الله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ (المجادلة: ٨) ، وفي قول الله : ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ (يوسف: ٧٧) واحتجوا بقول العرب: (أرى في نفسك كلاماً، وفي وجهك كلاماً) فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام. وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه، ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر، بل يجانب ويقمع) . قول السجزي في الإبانة وقال أبو نصر السجزي أيضاً في كتابه المسمى بالإبانة في مسألة القرآن: لما قيل له (إن القراءة عمل، والعمل لا يكون صفة لله، والدليل على أنها عمل أنك تقول: قرأ فلان يقرأ، وما حسن فيه ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل) .

стр. 490

فقال: (هذا لا يلزم، لأنك تقول: (قال الله و (يقول الله والله تعالى قال: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ (البقرة: ٣٥) وقال تعالى: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ (ق: ٣٠) فقد حسن في القول ذكر المستقبل. فإن ارتكبوا العظمى، وقالوا: كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلا الأبد متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر، فقال: ويقول إنما يرجع إلى العبارة لا إلا المعبر عنه. قيل لهم: قد بينا مراراً كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين والشرعيين جميعاً، وأن نص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده، قال الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) ، فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه، فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد كوني) . وقال أيضاً في موضع آخر: ( «النبي ﷺ قال: نبدأ بما بدأ الله به» ) ثم قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾

стр. 491

(البقرة: ١٥٨) والله تعالى قال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩) ، وقال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) ، فبين ﷻ أنه قال لآدم بعد أن خلقه من تراب: كن، وأنه إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، ولم يقتض ذلك حدوثاً ولا خلقاً بعد حدوث نوع الكلام، لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن كلام الله تعالى) . وقال أبو نصر السجزي أيضاً: (فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال متكلماً بما شاء من الكلام، يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، وهو سبحانه حي عليم متكلم لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ليس بجسم، ولا في معنى جسم، ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة، وكلامه

стр. 492

أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعاً يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا) . قال: (ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه، ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث، وقال: معناه تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم، وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ، فذلك الترك بمعنى السكوت) . قال: (والأصل الذي يجب أن يعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها، فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم بصير متكلم، وقلنا إن النبي ﷺ كان موجوداً حياً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً لم يكن ذلك تشبيهاً، ولا خالفنا به أحداً من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحيي بمعنى

стр. 493

حله، ثم يصير ميتاً بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق ، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات) . وقال أبو نصر أيضاً: (خاطبني بعض الأشعرية يوماً في هذا الفصل، وقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم - وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لم يخبر مذهبهم- وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري، محال، لأن سماع الخلق - على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت، وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعاً على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري) . قال: (فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعاً أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال، وليس ههنا من تتقيه وتخشى

стр. 494

تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالماً متيقناً بأن الذي فهمه كلام الله، والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه، ودع المصانعة. ما تقول في موسى ﵇ حيث كلمه الله؟ أفهم كلام الله مطلقاً أم مقيداً؟ فتلكأ قليلاً، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي وأجب بما عندك، فأبى وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت: إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقاً اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى، وهذا يؤول إلى الكفر، فإن الله تعالى يقول: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ (البقرة: ٢٥٥) ولو جاز ذلك لصار مم فهم كلام الله عالماً بالغيب وبما في نفس الله تعالى، وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى ﵇ أنه يقول: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ (المائدة: ١١٦) ، وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول (أفهمه الله ما شاء من كلامه) دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله ومن قبل رسول اله ﷺ ، وأنت أبيت أن تقبل

стр. 495

ذلك، وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئاً. فقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام) . وقال أبو نصر: (لم يزل الله متكلماً، لأن الكلام من صفات المدح للحي الفاعل، وضده من النقائص، والله منزه عنها) . وذكر كلاماً كثيراً إلى أن قال: (وقد ثبت بما ذكرناه كون القرآن مفرقاً مفصلاً، ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف، وأن ما كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار، وأن المقروء سور وآي وكلمات وحروف، وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو، وأنه عريبي مبين، نازل بلسان العرب، ولسان قريش، والمراد باللسان في هذا الباب اللغة، لا اللسان الذي هو لحم ودم وعروق، تعالى الله عن ذلك، وجل عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه، وتنزه عن الأشباه) . قال: (ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلاً في ذكر حروف القرآن، وفصلاً بعد ذلك في الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث، وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف، ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس وأنها من مبادىء العلم وأسباب المدارك) .
следующие страницы →