← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم ملاحدة الباطنية يقولون: إن الرسل أرادو إفهام الناس ما يتخيلونه، وإن لم يكن مطابقاً للخارج، ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم، فتفسير القرآن عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها، كرؤيا يوسف والملك، بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقاً لباطنها. وأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا، فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها، وإما أن يقولوا: ما ندري ما أراد، فهم إما في جهل بسيط أو مركب، ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل عارض ما دلت عليه النصوص. وقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص، ودلت عليه، لا معارض له، لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر، فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك مناقضةً لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاؤه من أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله. ولولا ما وقع في كلام الناس من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال: الأفعال مفعول ليس هو

стр. 527

نفس المفعول، ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله، ليس له فعل عندهم إلا نفس المخلوقات فلهذا احتيج إلى البيان. ومما يدل على هذا الأصل ما علق بشرط، كقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ (الطلاق: ٢ - ٣) وقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (آل عمران: ٣١) وقوله: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ (الأنفال: ٢٩) وقوله: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق: ١) وقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣ - ٢٤) وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله﴾ (محمد: ٢٨) . وفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر. دلالة السنة على أفعال الله تعالى وكذلك في الأحاديث المستفيضة الصحيحة المتلقاة بالقبول، كقوله ﷺ فيما يروى عن ربه «ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» وقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم

стр. 528

الليلة؟» . وقوله في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» . وقوله: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات كجر السلسة على الصفا» وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» . وقوله في حديث التجلي: «فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» . وقوله: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت

стр. 529

شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا براحلته» وهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ في الصحيحين من غير وجه، من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأنس وغيرهم. وقوله: «يضحك الله إلى رجلين أحدهما صاحبه، كلاهما يدخل الجنة» وفي حديث آخر من يدخل الجنة «قال: فيضحك الله منه» وقوله «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان» . وفي حديث «قسمت الصلاة بيني وبين

стр. 530

عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين، قال مجدني عبدي» ، وقوله ﷺ «يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً» وقوله ﷺ «ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» . وقوله ﷺ في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلاً وآثره على نفسه وأهله، فلما أصبح الرجل غدا على رسول الله ﷺ فقال «لقد ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما»

стр. 531

وأنزل الله ﵎ ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر: ٩) وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين. وفي السنن من حديث علي عن النبي ﷺ حديث الركوب على الدابة، قال: فقلت «يا رسول الله من أي شيء تضحك؟ قال: ربك يضحك إلى عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي لفظ: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي حديث أبي رزين عنه ﷺ قال: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال نعم، فقال لن نعدم من رب يضحك خيراً» . وفي الصحيحين وغيرهما - في حديث التجلي الطويل المشهور الذي

стр. 532

روي عن النبي ﷺ من وجوه متعددة - فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وفي مسلم من حديث جابر، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود وغيره، قال في حديث أبي هريرة «قال: أو لست قد أعطيت العهود والمواثيق: أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك! فيضحك الله ﵎ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة» . وفي صحيح مسلم «عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: يا ابن آدم، أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزىء بي، وأنت رب العالمين؟ وضحك رسول الله ﷺ ، فقال: ألا تسألوني: مم ضحكت؟ فقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين،

стр. 533

حين قال: أتستهزىء بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء بك، ولكني على ما أشاء قادر» . وفي لصحيحين عن النبي ﷺ قال «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» . وفي الصحيح أيضاً عنه ﷺ قال «عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» . وفي حديث معروف: «لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته» . وفي الصحيح عنه ﷺ أيضاً أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون» - وفي لفظ:

стр. 534

«مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء» . وفي الصحيح أيضاً عنه ﷺ أنه قال «إن الله لا ينظر صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي «أن رسول الله ﷺ كان قاعداً في أصحابه إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس، وأما رجل فجلس، يعني خلفهم، وأما رجل فانطلق، فقال النبي ﷺ : ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل أوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه» . وعن سلمان الفارسي موقوفاً ومرفوعاً قال: «إن الله يستحي أن

стр. 535

يبسط العبد يديه إليه يسأله فيهما خيراً فيردهما صفراً خائبتين» . وفي الصحيح عنه، فيما يروي عن ربه ﵎ «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» . وفي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: إنا لنكره الموت؟ قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته، وإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره

стр. 536

الموت بشر بعذاب الله وسخطه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاء» . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» . وفي الصحيحين عن أبي سعيد «عن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال:

стр. 537

أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» . وفي الصحيحين عن أنس قال: أنزل علينا - ثم كان من النسوخ -: أبلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا. وفي حديث «عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ارض عني، قال: فأعرض عني، ثلاثاً، قال: قلت: يا رسول الله، إن الرب ليرضى فيرضى، فارض عني، فرضي عني» . وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان» .

стр. 538

وفي الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله وهو حينئذ يشير إلى رباعيته» . وقال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» . وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، فيقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم

стр. 539

يخرج الملك الصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» . وفي الصحيح «عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . وفي حديث آخر: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده» . وفي الصحيحين عن أنس في حديث الشفاعة «عن النبي ﷺ قال فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع» وذكر مثل هذا ثلاث مرات.

стр. 540

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» . وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة «عن النبي ﷺ قال إن لله ملائكة سيارة فضلاً عن كتاب الناس، سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيجيئون حتى يحفون بهم إلى السماء الدنيا، قال: فيقول الله : أي شيء تركتم عبادي

стр. 541

يصنعون؟ قال: فيقولون: تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، قال: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تمجيداً وأشد ذكراً، قال: فيقول: فأي شيء يطلبون؟ قالوا يطلبون الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً، قال: فيقول: من أي شيء يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها تعوذاً وأشد منها هرباً، قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء، لم يردهم، إنما جاء في حاجة، قال: فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «إن الله

стр. 542

إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وقال في البغض مثل ذلك. وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت له ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت

стр. 543

بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أن رجلاً أصاب ذنباً، فقال: رب، إني قد أصبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر، فقال: أي رب، إني قد أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما يشاء» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأرض ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» .

стр. 544

وفي الصحيحين عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الرؤية قال فيه: «فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل - فذكر مثل ما قال الأول - ويلقى الثالث فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: فههنا إذن، قال: ثم يقال: ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان ذلك، ليعذر من نفسه، وذلك المنافق» وذكر الحديث.

стр. 545

وفي صحيح مسلم «عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فضحك، قال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: فكفى بنفسك عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي بأعماله، فتنطق بأعماله قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» . وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول له: قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك» .

стр. 546

وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يارب، فيقرره، ثم يقول: قد سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ وأما الكفار والمنافقون فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» . وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب كيف أعدك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، ويقول: يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، فيقول: أي رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول ﵎: أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟ قال: ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب وكيف أطعمك، وأنت

стр. 547

رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قال: فيقولون: يارب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» وهذا فيه ذكر المخاطبة وذكر الرضوان جميعاً. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجاً من النار: رجل يخرج حبواً، فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: إن الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد: الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات» .

стр. 548

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين على مال امرئ. مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر: أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي، وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء، يقول الله اليوم أمنعك من فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» . وفي صحيح مسلم «عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يارسول الله؟ قال: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» .

стр. 549

وهذا الحديثان فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس. كما نفى القرآن مثل ذلك، وأما نفي التكليم وحده ففي غير حديث. وهذا الباب في الأحاديث كثير جداً يتعذر استقصاؤه. ولكن نبهنا ببعضه على نوعه، والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في الحديث، كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله، مع تفسيرها لمجمله، ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن، فإن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، وامتن على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته وزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، و «قال النبي صلى الله عيه وسلم: ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» . وفي رواية: «ألا إنه مثل القرآن أو أكثر» . فالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن، وعلمها لأمته، تتناول ما تكلم به في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر والأمر، فخبره موافق

стр. 550

لخبر الله، وأمره موافق لأمر الله، فكما أنه يأمر بما في الكتاب أو بما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فهو أيضاً يخبر بما في الكتاب وبما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فجاءت أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب: كخلقه ورزقه وعدله وإحسانه وإثابته ومعاقبته، ويذكر فيها أنواع كلامه وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم من عباده، ويذكر فيها ما يذكره من رضاه وسخطه، وحبه وبغضه، وفرحه وضحكه، وغير ذلك من الأمور التي تدخل في هذا الباب. والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام: الناس في مسألة أفعال الله تعالى ثلاثة أقسام الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم، يجعلون هذا كله مخلوقاً منفصلاً عن الله تعالى. والكلابية ومن وافقهم، يثبتون ما يثبتون من ذلك: إما قديماً بعينه لازماً لذات الله، وإما مخلوقاً منفصلاً عنه. وجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام، يقولون: بل هنا قسم ثالث قائم بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته، كما دلت عليه النصوص الكثيرة.

стр. 551

ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثاً، كما تقوله الكرامية، وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثاً، بل قديماً، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد واحد من الأعيان الفانية، ومن الأعيان الحادثة ما لا يفنى بعد حدوثه، كأرواح الآدميين، فإنها مبدعة، كانت بعد أن لم تكن، ومع هذا فهي باقية دائمة. والفلاسفة تجوز مثل ذلك في دوام النوع دون أشخاصه، لكن الدهرية منهم ظنوا أن حركات الأفلاك من هذا الباب، وأنها قديمة النوع، فاعتقدوا قدمها، وليس لهم على ذلك دليل أصلاً، وعامة ما يحتجون به إبطال قول من لا يفرق بين حدوث النوع وحدوث الشخص، ويقولون: إنه يلزم من حدوث الأعيان حدوث نوعها، ويقولون: إن ذلك كله حدث من غير تجدد أمر حادث. وهذا القول إذا بطل كان بطلانه أقوى في الحجة على الدهرية في إفساد قولهم، وفي صحة ما جاء به الكتاب والسنة، كما تقدم بيانه، وإن لم يبطل بطل قولهم.

стр. 552

فالمعقول الصريح موافق للشرع متابع له كيف ما أدير الأمر، وليس في صريح المعقول ما يناقض صحيح المنقول، وهو المطلوب. ومن المعلوم: أن أصل الإيمان تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنه لا يجوز أن يكون ثم دليل لا عقلي ولا غير عقلي يناقض ذلك، وهذا هو المطلوب هنا. ولكن أقواماً ادعوا معارضة طائفة من أخباره للمعقول. أصل خطأ المبتدعة في هذه المسألة وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان: أن أقواماً من أهل النظر والكلام أرادوا نصرة ما اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه أنه حجة، ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها، وتلك اللوازم تنافض كثيراً من أخباره. وهؤلاء غلطوا في المنقول والمعقول جميعاً، كما اعتقدت المعتزلة وغيرهم من الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما سوى الذات القديمة المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعاً، وظنوا أن، هذا من التوحيد الذي جاء به، واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل، وجعلوا هذا هو الطريق إلا إثبات وجوده ووحدانيته وتصديق رسله، فقالوا: إن كلامه مخلوق، خلقه في غيره، لم يقم به كلام، وإنه لا يرى في الآخرة، ولا يكون مبايناً للخلق، ولا بقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما من الصفات، ولا

стр. 553

فعل من الأفعال، لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك، فإنه لو قام به فعل أو صفة لكان موصوفاً محلاً للأعراض، ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب الأفعال ودوام الحوادث، وإذا جوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما احتجوا على ما ظنوا أن الرسول ﷺ أخبر به. وهم مخطئون في المنقول والمعقول. أما المنقول: فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال، بل النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال. وهذا معلوم بالضرورة لمن سمع الكتاب والسنة، وهم يسلمون أن هذا هو الذي يظهر من النصوص، ولكن أخبر عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعال، وأنه: ﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ (الفرقان: ٥٩) . فمن قال: إن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول ﷺ بلا ريب، كما أن من قال (إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا فعل) فقوله مناقض لقول الرسول، وليس مع واحد منهما عقل صريح يدل على قوله، بل العقل الصريح مناقض لقوله، كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة، مثل ما يقال: إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع، كإثبات

стр. 554

علم بلا عالم وقدرة بلا قادر. وأعظم امتناعاً من ذلك أن يكون العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، فهذا قول نفاة الصفات. وأما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب نفسه، أو اللازم للواجب، لا يصدر عنه حادث - امتنع حدوث الحوادث، وهذا حقيقة قولهم، فإنهم يزعمون أن العالم له علة قديمة موجبة له، وهو لازم لعلته، وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول معلولها، فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود، إذ الحادث المعين يكون لازماً للقديم بالضرورة واتفاق العقلاء. وإذا قالوا: (يجوز أن يحدث عن الواجب بنفسه حادث بواسطة) قيل: الكلام في تلك الواسطة كالكلام في الأول، فإنها إن كانت قديمة لازمة له لزم قدم المعلولات كلها، وإن كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث. وإذا قالوا: (كل حادث مشروط بحادث قبله لا إلى أول) . قيل لهم: فليست أعيان الحوادث من لوازم الواجب بنفسه، وإذا كان النوع من لوازم الواجب امتنع وجود الواجب بنفسه بدون النوع، ونوع الحوادث ممكن بنفسه ليس فيه واجب بنفسه، فيكون نوع الحوادث صادراً عن الواجب بنفسه، فلا يجب قدم شيء معين من أجزاء العالم، لا الفلك ولا غيره، وهو نقيض قولهم.

стр. 555

وإذا قالوا: (نوع الحوادث لازم لجرم الفلك والنفس، وهذان لازمان للعقل، وهو لازم للواجب بنفسه) . قيل لهم: فذاته مستلزمة لنوع الحوادث، سواء كان بوسط أو بغير وسط، والذات القديمة المستلزمة لمعلولها لا يحدث عنها شيء، لا بوسط ولا بغير وسط، سواء كان الحادث نوعاً أو شخصاً، لأن النوع الحادث يمتنع مقارنته لها، كما تمتنع مقارنة الشخص الحادث لها، لأن النوع الحادث إنما يوجد شيئاً فشيئاً، والمقارن لها قديم معها لا يوجد شيئاً فشيئاً، فبطل أن تكون الحوادث صادرة عن علة تامة مستلزمة لنوعها المقترن بعضه ببعض أو شخص منها، فبطل أن يكون العالم صادراً عن علة موجبة له، كما بطل وجوبه بنفسه، وهو المطلوب. ومما يبين ذلك: أن القديم يستلزم قدم موجبه، أو وجوبه بنفسه، فإن القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره، إذ الممكن الذي لا موجب له لا يكون موجوداً، فضلاً عن أن يكون قديماً، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجباً بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديماً، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجباً بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديماً، ولا يكون موجباً له حتى تكون شروط الإيجاب قديمة أيضاً، فيمتنع أن يكوم موجب القديم أو شرط من شروط الإيجاب حادثاً، لأن الموجب المقتضي للفاعل المؤثر يمتنع أن يتأخر عن موجبه

стр. 556

الذي هو مقتضاه وأثره، وهذا معلوم بالضرورة، ومتفق عليه بين العقلاء. وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون جميع العالم واجباً بنفسه، إذ لو كان كذلك لم يكن في الموجودات ما هو حادث، لأن الحادث كان معدوماً، وهو مفتقر إلى محدث يحدث، فضلاً عن أن يكون واجباً بنفسه. فثبت أن في العالم ما ليس بواجب، والواجب بغيره لا بد له من موجب تام مستلزم لموجبه، والموجب التام لا يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه، فيمتنع صدور الحوادث عن موجب تام، كما يمتنع أن تكون هي واجبة بنفسها، وإذا لم تكن واجبة ولا صادرة عن علة موجبة فلا بد لها من فاعل ليس موجباً بذاته، وإذا كان غاية ما يقولون: إن العالم صادر عن علة موجبة بنفسها بغير واسطة أو بوسائط لازمة لتلك العلة، فعلى هذا التقدير: يمتنع حدوث الحوادث عنه، فإن لم يكن للحوادث فاعل غيره، وإلا لزم حدوثها بلا محدث، وهذا معلوم الفساد بالضرورة. فتبين أن للحوادث محدثاً ليس هو مستلزماً لموجبه ومقتضاه، فامتنع أن يكون محدث الحوادث علة مستلزمة لمعلولها، أو أن يكون شيئاً من

стр. 557

معلولاتها، وهم يقولون: إن العالم صادر عن علة مستلزمة لمعلولها، وكل ما سواها معلول لها، وهذا مما تبين بطلانه بالضرورة. ومن قال: (إن مجموع أجزاء العالم واجبة أو قديمة) فقوله معلوم الفساد بالضرورة. ومن قال: (إن الحوادث صادرة عن جزء منه واجب) فقوله أيضاً معلوم الفساد، سواء جعل ذلك الجزء الأفلاك أو بعضها، لوجهين: أحدهما: أن ذلك الجزء الذي هو واجب بغيره إذا كان علة تامة لغيره لزم أيضاً قدم معلوله معه، فيلزم أن لا يحدث شيء، وإن كان ذلك الجزء الواجب ليس هو علة تامة، امتنع صدور شيء عن غير علة تامة، ولو قدر إمكان الحدوث عن غير علة تامة أمكن حدوث كل ماسوى الله، فعلى كل تقدير قولهم باطل. الوجه الثاني: أنه من المعلول أنه ليس شيء من أجزاء العالم مستقلاً بالأبداع لغيره من أجزائه، وإن قيل: (إن بعض أجزائه سبب لبعض) فتأثيره متوقف على سبب آخر، وعلى إنتفاء موانع، فلا يمكن أن يجعل شيء من أجزاء العالم رباً واجباً بنفسه، قديماً مبدعاً لغيره، والحوادث لا بد لها من رب واجب بنفسه قديم مبدع لغيره، وليس شيء من أجزاء العالم مما يمكن ذلك فيه، فعلم أن الرب تعالى خارج عن العالم وأجزائه وصفاته، وهذا كله مبسوط في موضع آخر.

стр. 558

والمقصود هنا بيان أنه ليس في المعقول ما يناقض ما جاء به الرسول ﷺ . وقد علم أن المدعين لمعقول يناقضه صنفان: صنف يجوزون عليه وعلى غيره من الرسل فيما أخبروا به عن الله تعالى وبلغوه إلى الأمم عن الله تعالى الكذب عمداً أو خطأ، أو أن يظهر نقيض ما يبطن، كما يقول ذلك من يقوله من الكفار بالرسل، ومن المظهرين لتصديقهم، كالمنافقين من المتفلسفة والقرامطة والباطنية ونحوهم ممن يقول بشيء من ذلك. وصنف لا يجوزون عليهم ذلك، وهذا هو الذي يقوله المتكلمون المنتسبون إلى الإسلام على اختلاف أصنافهم. والمبتدعة من هؤلاء مخطئون في السمع وفي العقل، ففي السمع حيث يقولون على الرسول ﷺ ما لم يقل عمداً أو خطأ، وفي العقل حيث يقررون ذلك بما يظنونه براهين، وإذا كانت الدعوى خطأ لم تكن حجتها إلا باطلة، فإن الدليل لازم لمدلوله، ولازم الحق لا يكون إلا حقاً، وأما الباطل فقد يلزمه الحق، فلهذا يحتج على الحق بالحق تارة وبالباطل تارة، وأما الباطل فلا يحتج عليه إلا بباطل، فإن حجته لو كانت حقاً لكان الباطل لازماً للحق، وهذا لا يجوز،

стр. 559

لأنه يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم، فلو كان الباطل مسلتزلماً للحق لكان الباطل حقاً، فإن الحجة الصحيحة لا تستلزم إلا حقاً، وأما الدعوى الصحيحة: فقد تكون حجتها صحيحية، وقد تكون باطلة. ومن أعظم ما بنى عليه المتكلمة النافية للأفعال وبعض الصفات أو جميعها أصولهم التي عارضوا بها الكتاب والسنة: هي هذه المسألة، وهي نفي قيام ما يشاؤه ويقدر عليه بذاته من أفعاله وغيرها. كلام الرازي والآمدي عن أدلة النفاة وقد ذكر أبو عبد الله الرازي - هو وأبو الحسن الآمدي ومن اتبعهما - أدلة نفاة ذلك، وأبطلوها كلها، ولم يستدلوا على نفي ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثها نقصاً، وإن كان نقصاً اتصافه بالنقص، والله تعالى منزه عن ذلك. وهذه الحجة ضعيفة، ولعلها أضعف مما ضعفوه، ونحن نذكر ما

стр. 560

ذكره أبو عبد الله ابن الخطيب في ذلك في أجل كتبه الكلامية الذي سماه نهاية العقول في دراية الأصول وذكر أنه أورد فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من الموافقين والمخالفين، ووصفه بصفات تطول. قال: (وهذا كله لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لأكثر كلام العلماء، وتحقق وقوفه على مجامع بحث العقلاء، من المحقين والمبطلين، والموافقين والمخالفين) . قال: (فإنني قلما

стр. 561

تكلمت فيه في المبادىء والمقدمات، بل أكثر العناية كان مصروفاً إلى تلخيص النهايات والغايات) . وقال في هذا الكتاب: (الأصل الثاني عشر، وهو ما يستحيل على الله) قال: (المسألة الرابعة في أنه يستحيل عليه أن يكوم محلاً للحوادث، واتفقت الكرامية على تجويز ذلك، وأما تجدد الأحوال: فالمعتزلة اختلفوا في تجويزه، مثل المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية، وأما أبو الحسين البصري فإنه أثبت تجدد العالميات في ذاته) . قال: (وأما الفلاسفة فمع أنهم في المشهور أبعد الناس عن هذا المذهب، ولكنهم يقولون بذلك من حيث لا يعرفونه، فإنه يجوزون

стр. 562

تجدد الإضافات على ذاته، مع أن الإضافة عندهم عرض وجودي، وذلك يقتضي كون ذاته موصوفة بالحوادث، وأما أبو البركات البغدادي فقد صرح باتصاف ذاته بالصفات المحدثة) . قلت: أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة: ما يجده في كتب أبي الحسين البصري، وصاحبه محمود الخوارزمي، وشيخه عبد الجبار الهمداني ونحوهم، وفي كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما، وفي مذهب الأشعري: يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه كتب القاضي أبي بكر وأمثاله، وهو ينقل أيضاً من كلام الشهرستاني وأمثاله. وأما كتب القدماء كـ أبي الحسن الأشعري وأبي محمد بن كلاب وأمثالهما، وكتب قدماء المعتزلة والنجارية والضرارية ونحوهم، فكتبه تدل على أنه لم يكن يعرف ما فيها، وكذلك مذهب طوائف الفلاسفة المتقدمين، وإلا فهذا القول الذي حكاه عن أبي البركات هو قول أكثر قدماء الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، وقول كثير منهم، كما نقل ذلك أرباب المقالات عنهم، فنقل أرباب المقالات الناقلون لاختلاف الفلاسفة في الباري ما هو؟ قالوا: قال سقراط وأفلاطون وأرسطو: إن الباري لا يعبر

стр. 563

عنه إلا بهو فقط، وهو الهوية المحضة غير المتكثرة، وهي الحكمة المحضة والحق المحض، وليست لله صورة مثل الصورة التي تكترث في العنصر، وهو الأيس الذي لا يحيط به الذهن ولا العقل، ولا يجوز عليه التغير ولا الصفة ولا العدد ولا الإضافة ولا الوقت ولا المكان ولا الحدود، ولا يدرك بالحواس ولا بالعقول من جهة غاية الكنه، ولكن بأنه واحد أزلي ليس باثنين، لأنا إن أوقعنا عليه العدد لزمته التثنية، وإن أوقعنا عليه الإضافة لزمه الزمان والمكان والقبل والبعد، وإن أوقعنا عليه المكان لزمه الحدود، وجعلناه متنايهاً إلى غيره، وقال تاليس

стр. 564

وبلاطرخس ولوقيوس وكسيفايس وأنبذقليس جميعاً: إن الباري واحد ساكن، غير أن أنبذقليس قال: إنه متحرك بنوع سكون، كالعقل المتحرك بنوع سكون، فذلك جائز، لأن العقل إذا كان مبدعاً فهو متحرك بنوع سكون، فلا محالة أن المبدع متحرك

стр. 565

بسكون، لأنه علة، قالوا: وشايعه على هذا القول فيثاغورس ومن بعده إلى زمن أفلاطون. وقال زينون وديمقراط وساغوريون: إن الباري
следующие страницы →