← Тараджим

Тараджим · id 21515

أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين - ط الحلبي

محمد رضا

Полный текст (184 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

جيش الروم: ٨٠. ٠٠٠ مقيد. ٤٠. ٠٠٠ مسلسل للموت. ٤٠. ٠٠٠ مربوطين بالعمائم لئلا يفروا. ٨٠. ٠٠٠ راجل. ٢٤٠. ٠٠٠ ولم يعرف عدد الفرسان في الجيشين. عبأ خالد جيشه وقسمه إلى أربعين كردوسا (١) وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان وجعله على ثلاث فرق، قلب وميمنة وميسرة: - ١ - أبو عبيدة على كراديس القلب. - ٢ - عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على كراديس الميمنة. - ٣ - يزيد بن أبي سفيان على كراديس الميسرة.

стр. 142

وجعل على الطلائع قباث بن أشيم (١) ، وعلى الأقباض (٢) عبد الله ببن مسعود. وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول: (الله. الله. إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام. وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك اللهم إن هذا يوم من أيامك. اللهم أنزل نصرك على عبادك) .

стр. 143

وقال رجل لخالد: (ما أكثر الروم وأقل المسلمين) . فقال خالد: (ما أقل الروم وأكثر المسلمين. إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال. والله لوددت أن الأشقر"فرسه" بَرَاءٌ من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد) وكان فرسه قد حفى في مسيره. ثم أمر خالد عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتي القلب فأنشبا القتال وارتجز القعقاع وقال: يا ليتني ألقاك في الطراد ... قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة: قد علمت بهكنة الجواري ... أني على مكرمة أحامي فنشب القتال، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، ثم أتى البريد كما ذكرنا. إسلام جرجة . - ثم خرج (جرجة) حتى كان بين الصفين، ونادى ليخرج إلي خالد فخرج إليه خالد، وأقام أبا عبيدة مكانه فواقفه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما، وقد أمن أحدهما صاحبه، فقال جرجة: (يا خالد أصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني

стр. 144

فإن الكريم لا يخادع، أنشدك بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه، فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟) . قال: (لا) . قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه ﷺ فدعانا فنفرنا عنه، ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن باعده وكذبه وقاتله، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا وفهدانا به فتبعناه، فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. - صدقتني. ثم أعاد عليه جرجة: - يا خالد. أخبرني إلام تدعوني؟ - إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله. - فمن لم يجبكم؟ - فالجزية ونمنعه. - فإن لم يعطها؟ - نؤذنه بحرب ثم نقاتله.

стр. 145

- فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ - منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا، ووضيعنا، وأولنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جرجة: - هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ - نعم وأفضل. - كيف يساويكم وقد سبقتموه؟ - إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا ﷺ وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا. - بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني؟ - بالله لقد صدقتك وما بي إليك، ولا إلى أحد منكم وحشة وإني لو لي ما سألت عنه. - صدقتني. ثم قلب جرجة الترس ومال مع خالد. وقال: علمني الإسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فشن عليه قربة من ماء ثم صلى جرجة ركعتين وحملت الروم مع انقلابه على خالد إذ كانوا يظنون أن جرجة يحمل على

стр. 146

المسلمين، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فركب خالد معه جرجة والروم خلال المسلمين فتنادى الناس فثابوا، وتراجعت الروم على مواقفهم. استمرار القتال . - زحف خالد حتى تصافح الجيشان بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجرجة من ارتفاع النهار إلى الغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما وصلى الناس الأولى والعصر إيماء وتضعضع الروم، ونهض خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، ففر الفرسان إلى الصحراء، وبقي المشاة، فاقتحم المسلمون خندقهم فهوى فيها المقترنون بالسلاسل والعمائم وغيرهم، وقتلوا وقتل الفيقار وأشراف الروم، وكان عدد من تهافت في الخندق ١٢٠. ٠٠٠ منهم ٨٠. ٠٠٠ مقرن ٤٠. ٠٠٠ مطلق سوى من قتل في المعركة من الفرسان والمشاة. ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص فنادى بالرحيل عنها قريبا وجعلها بينه وبين المسلمين، وأمر عليها أميرا كما أمر على دمشق. قتلى المسلمين . - أصيب من المسلمين ٣٠٠٠ منهم:

стр. 147

عكرمة وابنه عمرو. سلمة بن هشام. وعمرو بن سعيد. أبان بن سعيد وأثبت خالد بن سعيد فلا يدري أين مات بعد. جندب بن عمرو. الطفيل بن عمرو. طليب بن عمير. هشام بن العاص. عياش بن أبي ربيعة. سعيد بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي. نعيم بن عبد الله النحام العدوي. النصير بن الحارث بن علقمة. أبو الروم بن عمير بن هاشم العبدري. وأصيبت عين أبي سفيان بن حرب في الموقعة فأخرج السهم من عينه أبو حثمة. وقد قاتل النساء ومنهن جويرية بنت أبي سفيان. وقال خالد يومئذ: (الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إلي من عمر والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر ثم ألزمني حبه) . وكان عمر ساخطا على خالد في خلافة أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة وما كان يعمل في حربه، ولذا كان أول عمله عزل خالد. وقال لا يلي لي عملا أبدا. ثم إن عمر ﵁ لما رأى انتصارات خالد الباهرة وانقياد المسلمين له في جميع الوقائع واستماتتهم بين يديه خشي أن يفتتن الناس به وربما تحدثه نفسه فيشق عصا المسلمين. وروى أن عمر استدعاه بعد عزله إلى المدينة فعاتبه خالد. فقال له عمر: (ما عزلتك لريبة فيك ولكن افتتن بك الناس فخفت أن تفتتن بالناس) .

стр. 148

المثنى بالعراق بعد رحيل خالد بن الوليد. النصف الأول من سنة ١٣هـ (آذار مارس - آب أغسطس سنة ٦٣٤ م) - لم يكن خالد بن الوليد مطمئنا على حالة العراق بعد أن نقص عدد الجيش فأرسل المرضى والنساء والأطفال إلى بلادهم. وبذل المثنى ما في وسعه بعد رحيل خالد عنه لتقوية ما بينه وبين الفرس من جهة العاصمة وقد تولى أمر الفرس بعد مسير خالد بقليل شهر براز بن أردشير بن شهريار سابور ففكر في طرد المسلمين فجند جيشا قويا مؤلفا من ١٠. ٠٠٠ مقاتل تحت قيادة هرمز جاذويه وخرج المثنى من الحيرة نحوه وكان عدد جيشه أقل كثيرا من جيش الفرس وعلى مجنبتيه المعنى ومسعود أخواه فأقام ببابل وأقبل هرمز نحوه. ولما كان ملك الفرس واثقا من النصر، أرسل إلى المثنى كتابا قبيحا قال فيه: (إني بعثت إليكم جندا من وحش أهل فارس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم) .

стр. 149

فكتب إليه المثنى: (إنما أنت أحد رجلين، إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين فضيحة عند الله وعند الناس الملوك. وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير) .

стр. 150

موقعة بابل صيف سنة ١٣هـ - سنة ٦٣٤ م . - وبعد أن أرسل المثنى هذا الرد إلى شهر براز زحف للقاء هرمز ببابل تاركا بالحيرة قوة صغيرة فاقتتلوا قتالا شديدا وكان على جيش الفرس فيل كبير يفرق جموع المسلمين فأحاط به المثنى ومعه ناس وتمكنوا من قتله. فانهزم الفرس وتبعهم جيش المثنى إلى أبواب المدائن (عاصمة الفرس) يقتلونهم. وفي ذلك يقول عبدة بن الطبيب السعدي وكان عبدة قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد موقعة بابل، فلما آيسته رجع إلى البادية فقال من قصيدة له: هل حبل خولة بعد البين موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول للأحبة أيام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حي عهدتهم ... دون المدائن فيها الديك والفيل يقارعون رؤوس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل وقال الفرزدق يعدد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنى وقتله الفيل: وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة ... ببابل إذ في فارس ملك بابل

стр. 151

المثنى يطلب النجدة من أبي بكر . - لما انهزم هرمز جاذويه قتل الجند ملكهم شهر براز واختلف أهل فارس وبقي ما دون دجلة بيد المثنى فاضطر أن يحمي حدودا شاسعة لم تكن جنوده تكفي لحمايتها ثم اجتمعت الفرس على ابنة كسرى واسمها (دخت زنان) لكنها ما لبثت أن خلعت وتولى الملك سابور بن شهر براز إلا أنه قتل وملكت (آزرمي دخت) (١) ، وهذا الخلاف والغدر أديا إلى إضعاف السلطة الحاكمة في فارس ولم يكن هناك ما يخشاه المثنى كثيرا ولكنه على كل حال كان في حاجة إلى حماية الحدود كما قلنا. فكتب إلى أبي بكر يستمده ويستأذنه في الاستعانة بمن حسنت توبته من المرتدين لأنهم أنشط في القتال من غيرهم. فلما أبطأ خبر أبي بكر على المثنى استخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية وسار إلى المدينة إلى أبي بكر فلما قدم المدينة وجد أبا بكر مريضا فاستدعى أبو بكر عمر وقال له: (إني لأرجو أن أموت يومي هذا "وذلك يوم الاثنين" وإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى ولا يشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله ﷺ

стр. 152

وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله. وبالله لو أني أني عن أمر الله وأمر رسوله لخذلنا ولعقبنا فاضطرمت المدينة نارا، وإذا فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وحده وأهل الدراوة بهم والجراءة عليهم) . وقال عمر متأثرا برقة كلام أبي بكر وهو على فراش الموت: (قد علم أبو بكر أنه يسوءني أن أؤمر خالدا فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد وترك ذكره معهم) . ومات أبو بكر ليلا فدفنه عمر ودعا الناس مع المثنى.

стр. 153

وفاة أبي بكر الصديق ﵁ ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ (٢٣ آب أغسطس سنة ٦٣٤ م) - توفي أبو بكر ﵁ لثمان بقين من جمادى الآخرة ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان قد سمه اليهود في أرز وقيل في حريرة وهي الحساء، فأكل هو والحارث بن كلدة وقال لأبي بكر أكلنا طعاما مسموما سم سنة فماتا بعده بسنة، وقيل إنه اغتسل وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة فأمر عمر أن يصلي بالناس (١) . ولما مرض قال له الناس ألا ندعو الطبيب؟ فقال: أتاني وقال لي أنا فاعل ما أريد، فعلموا مراده وسكتوا عنه ثم مات. وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن (٢) وأن يكفن في ثوبيه ويشتري معهما ثوب ثالث. وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت

стр. 154

إنما هو للمهلة والصديد. غسلت أبا بكر زوجته أسماء ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت إني صائمة وهذا يوم شديد البرد فهل علي غسل؟ قالوا لا (١) . وقد روي أنه اغتسل في يوم بارد فحم فمن ذلك يتبين أن الجو كان باردا في هذه الأيام فإنه حم بسبب استحمامه في يوم بارد. كذلك غسل في يوم بارد؛ لذلك نرجح سبب وفاته كان تأثره بالبرد لا بسبب السم الذي قيل إن اليهود دسوه له في الحساء؛ لأن حادثة السم المزعومة كانت قبل وفاته بسنة. ودفن ليلة وفاته وصلى عليه عمر بن الخطاب وكبر عليه أربعا في مسجد رسول الله ﷺ بين القبر والمنبر، ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة وجعل رأسه عند كتفي النبي ﷺ وألصقوا لحده بلحد النبي ﷺ وجعل قبره مثل قبره مسطحا وناحت عليه عائشة والنساء فنهاهن عن البكاء عمر فأبين فقال لهشام بن الوليد ادخل فأخرج علي ابنة أبي قحافة. فأخرج إليه أم فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر فعلاها بالدرة (السوط) ضربات فتفرق النوح حين سمعن ذلك. وكان آخر ما تكلم به (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) وكانت عائشة ﵂ تمرضه.

стр. 155

أبو بكر يستشير أصحابه في عمر . - عقد أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده، ولما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف. فقال: أخبرني عن عمر. فقال يا خليفة رسول الله: هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقا ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه. ويا أبا محمد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء، أراني الرضا عنه، وإذا لنت أراني الشدة عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا. قال: نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن عمر. قال: أنت أخبر به. فقال أبو بكر: علي ذلك يا أبا عبد الرحمن. قال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله. قال أبو بكر: يا أبا عبد الله لا تذكر مما ذكرت لك شيئا. قال: أفعل. فقال أبو بكر: لو تركته ما عدوتك وما أدري لعله تاركه، والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئا ولوددت أني كنت خلوا من أموركم، وأني كنت فيمن مضى من سلفكم. يا أبا عبد الله لا تذكر مما قلت لك من أمر عمر، ولا مما دعوتك له شيئا. ودخل على أبي بكر طلحة بن عبيد الله. فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف إذا خلا بهم، وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك؟ فقال أبو بكر:

стр. 156

وكان مضطجعا أجلسوني. فأجلسوه. فقال لطلحة: (أبالله تفرقني أو بالله تخوفني، إذا لقيت الله ربي فساءلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك) ؟ وأشرف أبو بكر على الناس من حظيرته وأسماء بنت عميس ممسكته موشومة اليدين وهو يقول: (أترضون بمن أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا: (سمعنا وأطعنا) . قال الواقدي: دعا أبو بكر عثمان خاليا. فقال له أكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين. أما بعد) ثم أغمي عليه فذهب عنه. فكتب عثمان: (أما بعد فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا) ثم أفاق أبو بكر فقال: (اقرأ علي) فقرأ عليه فكبر أبو بكر وقال: (أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي) . قال: نعم. قال: (جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله) وأقرها أبو بكر ﵁ من هذا الموضع. فأبو بكر كان يرى ويعتقد أن عمر بن الخطاب خير من يتولى الخلافة بعده مع شدته. والحقيقة أنه كان كذلك.

стр. 157

وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب . - ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له: (إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله ﷺ وأوصاه بتقوى الله ثم قال: (يا عمر إن لله حقا بالليل ولا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار ولا يقبله بالليل وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة. ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق، وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق أن يكون ثقيلا. ألم تر يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. ألم تر يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء. ليكون المؤمن راغبا راهبا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه. ألم تر يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم. فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أمون منهم وإنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان من

стр. 158

سيئ فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم، فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت ولست بمعجزة) . خطبة علي في تأبين أبي بكر . - لما سمع علي ﵁ خبر وفاة أبي بكر جاء باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر كنت والله أول القوم إسلاما، وأخلقهم إيمانا وأشدهم يقينا، وأعظمهم غنى، وأحفظهم على رسول الله ﷺ وأحدبهم على الإسلام، وأحماهم عن أهله، وأنسبهم برسول الله خلقا، وفضلا، وهديا، وصمتا، فجزاك الله عن الإسلام، وعن رسول الله، وعن المسلمين خيرا، صدقت رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وسماك الله في كتابه صديقا. فقال: (والذي جاءك بالصدق وصدق به) يريد محمدا ويريدك. كنت والله للإسلام حصنا، وللكافرين ناكبا، لم تضلل حجتك ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفا في بدنك، قويا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي والقوي عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي وتعطيه للضعيف، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك.

стр. 159

خطبة ابنته عائشة في تأبينه . - نضر الله يا أبت وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان أعظم المصائب بعد رسول الله ﷺ رزؤك، وأكبر الأحداث بعده فقدك، إن كتاب الله ليعدنا بالصبر عنك حسن العوض، وأنا منتجزة من الله موعده فيك بالصبر عنك، ومستعينة كثرة الاستغفار لك، فسلم الله عليك، توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك. اعتراف أبي بكر . - قال أبو بكر: إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت لو أني تركتهن. وثلاث تركتهن وددت لو أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله ﷺ . فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمى (١) وأني كنت قتلته سريحا أو خليته

стр. 160

نجيحا. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قد قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين (يريد عمر وأبا عبيدة) فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. أما اللاتي تركتهن فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه. ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، أو وددت أني كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق فكنت بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله ومد يديه. ووددت أني كنت سألت رسول الله ﷺ لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب، ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة فإن في نفسي منهما شيئا.

стр. 161

عمل أبي بكر ومنزله مدة خلافته . - كان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرا وكان منزله بالسنح عند زوجته حبيبة (والسنح من ضواحي المدينة) ثم تحول إلى المدينة بعدما بويع له بستة أشهر وكان يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب على فرس وعليه إزار ورداء ممشق فيوافي المدينة، فيصلي الصلوات بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، فكان إذا حضر صلى بالناس وإذا لم يحضر صلى بهم عمر بن الخطاب، فكان يقيم يوم الجمعة صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقدر يوم الجمعة فيجمع الناس وكان رجلا تاجرا، فكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها وربما كفيها فرعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي (الآن لا تحلب لنا منائح دارنا) فسمعها أبو بكر فقال: (بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه من خلق كنت عليه) فكان يحلب لهم. ثم نظر أبو بكر في أمره فقال: (لا والله ما تصلح أمور الناس التجارة وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم ولا بد لعيالي مما يصلحهم) فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم ويحج ويعتمر؛ وكان الذي فرضوا له في كل سنة ٦٠٠٠ درهم فلما حضرته الوفاة؛ قال: (ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني

стр. 162

لا أصيب من هذا المال شيئا، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم) فدفع ذلك إلى عمر ودفع إليه بعيرا وعبدا وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم. فقال عمر: (لقد أتعب من بعده) . وحسبوا ما أنفقه على أهله من بيت المال فوجدوه ٨٠٠٠ درهم في ولايته وكان يوزع الصدقات على الفقراء وعلى تجهيز الجيوش. كذلك كان يوزع غنائم الحرب على الناس حال وصولها أو في صباح اليوم التالي ولم يكن له حرس يحرسونه وكان يستشير عمر بن الخطاب. بيت مال المسلمين . - كان لأبي بكر الصديق بيت مال بالسنح معروف ليس يحرسه أحد فقيل له: يا خليفة رسول الله ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لا يخاف عليه. فقيل له: لم؟ قال: عليه قفل. وكان يعطي ما فيه حتى لا يبقى فيه شيء. فلما تحول أبو بكر إلى المدينة حوله فجعل بيت ماله في الدار التي كان فيها وكان يسوي بين الناس في القسم: الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير فيه سواء. ولما توفي ودفن دعا عمر بن الخطاب الأمناء ودخل بهم بيت المال ومعه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه دينارا ولا درهما فترحموا على أبي بكر. وكان بالمدينة وزان

стр. 163

على عهد رسول الله وكان يزن ما كان عند أبي بكر من مال فسئل الوزان: كم بلغ ذلك المال الذي ورد على أبي بكر؟ فقال: مائتي ألف. حج أبي بكر . - استعمل أبو بكر على الحج سنة ١١هـ عمر بن الخطاب، ثم اعتمر أبو بكر في رجب سنة ١٢هـ، ثم رجع إلى المدينة. فلما كان وقت الحج سنة ١٢هـ حج أبو بكر بالناس تلك السنة وأفرد الحج واستخلف على المدينة عثمان بن عفان.

стр. 164

جمع القرآن . - كان أبو بكر الصديق أعلم الصحابة بالقرآن، لأن رسول الله قدمه إماما للصلاة بالصحابة مع قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وقال: (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره) . ولما رأى كثرة من قتل من كبارالصحابة باليمامة أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال، وجريد النخل والجلود، وترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر ﵂ زوجة رسول الله ﷺ (١) . جاء في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر. فقال: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري فرأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك شاب

стр. 165

عاقل ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل ما كان أثقل علي مما كلفني به من جمع القرآن. فقلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى آخرها. فكانت الصحف التي فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر ﵂ .

стр. 166

قضاته وكتابه وعماله . - لما ولي أبو بكر قال أبو عبيدة: أنا أكفيك بيت المال. وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان. وكان يكتب له علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، فإن غابوا كان يكتب له من حضر. وكان عامله على مكة (عتاب بن أسيد) : وقد أسلم عتاب يوم الفتح، واستعمله رسول الله على مكة حين انصرف عنه بعد الفتح وسنه يومئذ عشرون سنة. قيل إنه توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر. وكان رجلا صالحا فاضلا. وكان على الطائف (عثمان بن أبي العاص) : استعمله رسول الله على الطائف وأقره أبو بكر وعمر ﵄. روى له عن رسول الله تسعة أحاديث. روى مسلم ثلاثة منها، واستعمله عمر على عمان والبحرين ثم نزل البصرة. توفي في خلافة معاوية، وله عقب كثير أشراف. وكان على صنعاء (المهاجر بن أمية) وهو أخو أم سلمة أم المؤمنين. وله في قتال المرتدين باليمن آثار كثيرة مر ذكرها. وكان على حضرموت (زياد بن لبيد الأنصاري) أقام مع رسول الله

стр. 167

بمكة حتى هاجر فكان يقال له مهاجري أنصاري. شهد العقبة وبدرا وأحدا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، واستعمله رسول الله على حضرموت. وعلى خولان (١) (يعلى بن أمية) ويقال له يعلى بن منية وهي أمه، أسلم يوم فتح مكة وشهد حنينا والطائف وتبوك مع رسول الله، روى له عن رسول الله ٢٨ حديثا. اتفق البخاري ومسلم على ثلاث منها وقتل بصفين سنة ٣٧ هـ. وعلى زبيد ورمع (٢) (أبو موسى الأشعري) : قدم على رسول الله بمكة قبل هجرته إلى المدينة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى رسول الله مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم له منها ولم يسهم منها لأحد غاب عن فتحها غيره. وكان حسن الصوت، استعمله رسول الله على زبيد، وعدن، وساحل اليمن. روي له عن رسول الله ٣٦٠ حديثا. اتفق البخاري ومسلم منها على ٥٠ وانفرد البخاري بخمسة عشر. توفي بمكة، وقيل بالكوفة سنة ٥٠هـ وهو ابن ٦٣ سنة. وعلى الجند (معاذ بن جبل) : كان معاذا فقيها فاضلا صالحا. أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة مع السبعين من الأنصار ثم شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، روي له عن رسول الله

стр. 168

١٥٧ حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديثين منها، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث. توفي في عمواس بالشام سنة ١٨هـ وهو ابن ٣٣ سنة وهو من الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله، أرسله رسول الله إلى اليمن يدعوه إلى الإسلام وشرائعه. وهو أحد الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله. وعلى البحرين (العلاء بن الحضرمي) : ولاه النبي ﷺ البحرين وتوفي النبي ﷺ وهو عليها فأقره أبو بكر ثم عمر. توفي سنة ١٤ واليا عليها، وكان مجاب الدعوة وخاض البحر بكلمات قالهن. وكان له أثر عظيم في قتال أهل الردة في البحرين كما تقدم. وبعث (جرير بن عبد الله) إلى نجران. روي له عن رسول الله ١٠٠ حديث اتفق البخاري ومسلم منها على ثمانية وانفرد البخاري بحديث ومسلم بستة. قدم على النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه وأسلم. وكان عمر بن الخطاب يقول (جرير يوسف هذه الأمة) لحسنه وكان طويلا يصل إلى سنام البعير يخضب لحيته بزعفران بالليل ويغسلها إذا أصبح، واعتزل عليا ومعاوية وأقام بالجزيرة ونواحيها حتى توفي سنة ٥٤هـ. وبعث (عبد الله بن ثوب) إلى جرش (١) وهو عبد الله بن ثوب أبو مسلم الخولاني من كبار التابعين وكان فاضلا ناسكا له فضائل كثيرة

стр. 169

أسلم قبل وفاة النبي ﷺ . بعث الأسود بن قيس بن ذي الخمار الذي تنبأ باليمن إلى أبي مسلم فلما جاءه قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فرد ذلك عليه وفي كل مرة يقول مثل قوله الأول فأمر به فألقي في نار عظيمة فلم تضره، فقيل له أنفيه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك. قال فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد قبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد وبصر به عمر بن الخطاب فقام إليه. فقال: ممن الرجل؟ قال: من أهل اليمن. قال: ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال: أنشدك الله أنت هو؟ قال: اللهم نعم. فاعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله ﷺ "أسد الغابة". وبعث (عياض بن غنم) إلى دومة الجندل. أسلم عياض قبل الحديبية وشهدها، وكان صالحا فاضلا جوادا. وكان يسمى (زاد الركاب) يطعم الناس زاده فإذا نفد الزاد نحر لهم بعيره. توفي بالشام سنة ٢٠هـ وهو ابن ٦٠ سنة. وكان بالشام (أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة) قديما وأخواه لأمه جنادة وجابر. هاجروا إلى الحبشة ثم إلى

стр. 170

المدينة. توفي في طاعون عمواس سنة ١٨هـ وله ٦٧ سنة. أصيب هو وأبو عبيدة ﵄ في يوم أحد. وكان بالشام أيضا عمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان. وكان يقال ليزيد يزيد الخير. أسلم يوم الفتح وشهد حنينا وأعطاه رسول الله ﷺ ١٠٠ بعير وأربعين أوقية يومئذ. فلما استخلف عمر ولاه فلسطين وناحيتها. مات في طاعون عمواس سنة ١٨هـ. وكان على العراق المثنى بن حارثة الشيباني. خاتم أبي بكر . - كان نقش خاتمه: (نعم القادر الله) .

стр. 171

حكم أبي بكر وكلماته - ١ - احرص على الموت توهب لك الحياة. - ٢ - إذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تحزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك. - ٣ - إذا فاتك خير فأدركه وإن أدركك فاسبقه. - ٤ - أربع من كن فيه كان من خيار عباد الله: من فرح بالتائب، واستغفر للمذنب، ودعا المدبر، وأعان المحسن. - ٥ - أصلح نفسك يصلح لك الناس. - ٦ - أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة. - ٧ - إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. - ٨ - إن الله قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغبا راهبا. - ٩ - إن الله يرى من باطنك ما يرى من ظاهرك. - ١٠ - إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة. - ١١ - إن عليك من الله عيونا تراك.

стр. 172

- ١٢ - إن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا. - ١٣ - إن كل من لم يهده الله ضال. وكل من لم يعافه الله مبتلي. وكل من لم يعنه الله مخذول. فمن هدى الله كان مهتديا. ومن أضله الله كان ضالا. - ١٤ - ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر. - ١٥ - حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وحث لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا. - ١٦ - خير الخصلتين لك أبغضهما إليك. - ١٧ - ذل قوم أسندوا رأيهم إلى امرأة. - ١٨ - رحم الله أمرأ أعان أخاه بنفسه. - ١٩ - صنائع المعروف تقي مصارع السوء. - ٢٠ - لا خير في خير بعده نار، ولا شر في شر بعده الجنة. - ٢١ - لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن نية له. - ٢٢ - لا يكونن قولك لغوا في عفو ولا عقوبة. - ٢٣ - ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل. - ٢٤ - ليست مع العزاء مصيبة.

стр. 173

- ٢٥ - الموت أهون مما بعده وأشد مما قبله. وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول: - ٢٦ - (هذا الذي أوردني الموارد) . - ٢٧ - قال رجل لأبي بكر ﵁: (والله لأسبنك سبا يدخل القبر معك) ، فقال: (معك يدخل لا معي) . هذه بعض كلمات أبي بكر الصديق التي عثرنا عليها. ومع ذلك فإنه كان قليل الكلام، طويل الصمت، كثير العبادة. كذلك لم يرو عنه من الأحاديث إلا ٤٢ حديثا مع تقدم صحبته وملازمته لرسول الله ﷺ . وعندي أن ذلك لإيثاره الصمت وشدة الاحتياط، فإنه كان يمسك لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) فهل يعتبر بذلك الذين يؤثرون الكلام على الصمت والقول على العمل؟؟

стр. 174

خاتمة في حياة خالد بن الوليد (سيف الله) . - خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن مخزوم، أبو سليمان وقيل أبو الوليد. أمه لبابة الصغرى وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وهو ابن خالة أولاد العباس بن عبد المطلب الذين من لبابة. هو البطل المشهور والفارس المأثور. صاحب الفتوحات العظيمة والغزوات الكثيرة، وأشهر الفاتحين في الإسلام. كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية. أما القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش وأما الأعنة فإنه كان المقدم على خيل قريش في الحرب أي أنه كان قائد فرسانهم. حارب المسلمين في غزوة أحد قبل إسلامه. ولما خالف الرماة أمر رسول الله وبرحوا مكانهم طمعا في الغنيمة، ورأى خالد خلاء الجبل الذي كان فيه الرماة وقلة أهله أتى من خلف المسلمين وكر عليهم بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل، فوقع الاختلاط فيهم إلا أن كفار قريش

стр. 175

لم يجنوا ثمار انتصارهم فلم يحاولوا الهجوم على المدينة بل قفلوا راجعين إلى مكة. وكان خالد من الذين يناوشون المسلمين هو وعمرو بن العاص غي غزوة الخندق وكان قائدا لفرسان قريش في الحديبية. إسلامه - كان خبر إسلام خالد أن عمرو بن العاص لما عاد من الحبشة بعد مقابلة النجاشي لقي خالد بن الوليد وهو مقبل من مكة. قال عمرو بن العاص: (فقلت له أين يا أبا سليمان؟ قال والله لقد استقام الميسم "أي تبين الطريق وظهر الأمر" وأن الرجل لنبي. أذهب والله فأسلم فحتى متى؟ قلت: والله ما جئت إلا لأسلم فقدمنا المدينة على رسول الله فتقدم خالد بن الوليد) . قدم خالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة العبدري على رسول الله فلما رآهم ﷺ قال لأصحابه (رمتكم مكة بأفلاذ كبدها) وذلك لرفعة شأنهم في قريش. قال خالد بن الوليد (لما أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي الإسلام وحضر لي رشدي وقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا يظهر. فلما جاء لعمرة القضية تغيبت ولم أشهد

стр. 176

دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، أو مثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله ﷺ عنك. فقال أين خالد؟ فقلت يأتي الله به. فقال: ما مثله يجهل الإسلام ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي قد فاتك من مواطن صالحة". فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرتني مقالة رسول الله ﷺ ، ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة. فلما أجمعت على الخروج إلى المدينة لقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب أما ترى أن محمدا ظهر على العرب والعجم؟ فلو قدمنا عليه واتبعناه فإن شرفه شرف لنا؟ فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فقلت هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان فقال مثل الذي قال صفوان. قلت فاكتم ذكر ما قلت لك. قال لا أذكره. ثم لقيت عثمان بن طلحة الحجبي. قلت هذا لي صديق فأردت أن أذكر له. ثم ذكرت قتل أبيه طلحة وعمه عثمان وإخوته الأربعة: مسافع والجلاس والحارث وكلاب، فإنهم قتلوا كلهم يومئذ يوم أحد فكرهت أن

стр. 177

أذكر له. ثم قلت له: إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من الماء لخرج. ثم قلت له ما قلت لصفوان وعكرمة فأسرع الإجابة وواعدني إن سبقني أقام بمحل كذا وإن سبقته إليه انتظرته فلم يطلع الفجر حتى التقينا فعدونا حتى انتهينا إلى الهدة "اسم محل" فوجدنا عمرو بن العاص بها. فقال: مرحبا بالقوم فقلنا وبك، قال أين مسيركم؟ قلنا الدخول في الإسلام فقال: وذلك الذي أقدمني) . فوصلوا المدينة وقال خالد (فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيت أخي فقال أسرع فإن رسول الله ﷺ قد سر بقدومكم وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فأطلعت عليه فما زال رسول الله ﷺ يبتسم حتى وقفت عليه. فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال: "الحمد لله الذي هداك، وقد كنت أرى لك عقلا رجوت أل يسلمك إلا إلى خير"، قلت: يا رسول الله ادع الله يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك. فقال ﷺ : "الإسلام يجب ما كان قبله" وتقدم عثمان بن طلحة وعمرو فأسلما وقد شهد رسول الله لخالد بالعقل كما ترى) . إن خالدا كما قلنا كان من رجال قريش المعدودين فكان أشجعهم قلبا، عالما بفنون الحرب، فارسا مغوارا لا يرهب الموت، ولا تهوله كثرة الجيوش لكنه مع ذلك أخفق في محاربة رسول الله ولم تنفعه شجاعته ولم تفده فروسيته لذلك كان يرى أنه في غير شيء إزاء رسول الله

стр. 178

صلى الله عليه وسلم كما اعترف بنفسه. فماذا يعمل خالد وغير خالد أمام النبوة ورسول الله يمده الله بالقوى الظاهرة والباطنة وتقع على يديه المعجزات الباهرة التي دونها بطولة الأبطال وشجاعة الشجعان وعلوم الخلق كافة ويبشره الله بالنصر والفتح المبين؟ وماذا يفعل وهو يرى انتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا. وقد ألفى نفسه وحيدا كعمرو بن العاص لا يقدر على عمل شيء. هذا وقد كان رسول الله يعرف الرجال ويقدرهم ولذلك كان يرجو أن يهدي الله خالدا إلى الإسلام ويجعل نكايته مع المسلمين على المشركين، فنصحه أخوه الوليد الذي سبقه إلى الإسلام أن يسلم فأثر فيه النصح بعد أن فكر في مواقفه الماضية، وفكر في كرامته فبادر إلى الدخول في الإسلام تكفيرا عن سيئاته وإراحة لضميره وصونا لكرامته، وقد صدقت فيه فراسة رسول الله كما صدقت فراسته في عمر بن الخطاب، فإن خالدا بعد أن أسلم دافع عن الإسلام دفاعا مجيدا قل أن يحدث مثله في تاريخ العالم. وقد شهد له بذلك الصحابة والأمم التي حاربها من فرس وروم واعترف له علماء التاريخ بالكفاية الحربية النادرة، وصدق فيه قول رسول الله (إنه سيف من سيوف الله) . وقد كتب الأستاذ أوجست مولر في كتابه (الإسلام) يصفه فقال: (لقد كان خالد من أولئك الذين كانت عبقريتهم الحربية هي مل حياتهم الفكرية، مثل نابليون فإنه لم يعن بشيء غير الحرب ولم يرد أن يتعلم شيئا غير ذلك) .

стр. 179

وهذا ما قاله خالد عن نفسه (شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن) . ومن ذا الذي يدري ماذا كان يصنعه خالد لو أنه تلقى الفنون الحربية واستعمال الأسلحة المختلفة وأساليب القيادة وخطط الهجوم والدفاع أو لو أنه عاش في زمن انتشرت فيه الطرق المنظمة وامتدت السكك الحديدية لنقل الجيوش وتموينها، في ومن اختراع التلغراف والتليفون واللاسلكي والأسلاك الشائكة، والغازات الخانقة، والمدافع الكبيرة والأساطيل العجيبة، والمفرقعات المخيفة، والطيارات التي تلقي القنابل؟! ألا ترى أنه بواهبه الحربية الفطرية وشجاعة قلبه وعقيدته الإسلامية قاد جيوش المسلمين على قلة عددهم وعددهم التي لم تتجاوز السيف والقوس والفرس، فهزم امبراطوريتين ملكتا العالم بكثرة جيوشهما ووفرة الذخائر والمال - ألا وهما الفرس والرومان، فكانت جيوشهما تقتل وتفر أمامه من الميدان مهزومة، وكبار القادة يصرعون أو يسلمون، والمدن الحصينة تفتح أبوابها وتسلم وتخضع أمام قوة العقيدة وصدق الإيمان والإخلاص وعدم الاكتراث بمواجهة الجيوش الجرارة طمعا في الشهادة! فهل تقاس هذه الشجاعة الخارقة وتلك المواهب النادرة التي اكتسحت الأمم بأي قائد من قواد الدنيا؟ اللهم لا. كان خالد بن الوليد موضع إعجاب أبي بكر الصديق ﵁ وحسن تقديره، فكان إذا هزم الفرس استدعاه لقتال الروم فيسير إلى الشام هو وجيشه الذي كان أطوع له من بنانه، من غير أن يذوق للراحة

стр. 180

طعما فلا يكاد يقود الجيش في الميدان الآخر حتى يفتح البلاد والحصون المنيعة ويوقع الرعب في قلوب الأعداء فيستولي المسلمون على بلادهم ويفر أمبراطور الروم من وجهه ويودع الشام الوداع الأخيرة كما فر وقتل قواد الفرس وعظماؤهم. أليس من المدهش أن خالدا لم يهزم في موقعة من المواقع بل كان رائده النصر على الدوام!؟ وكان العدو يخاف ويقع الرعب في قلبه بمجرد ذكر اسمه أو اقتراب جيشه. لذلك كانوا يبادرون إلى عقد الصلح معه لئلا يداهمهم بما لا قبل لهم به. وقد سأله عظيم من الروم هل أنزل الله عليه سيفا من السماء يحارب به الأعداء؟ كان إسلام خالد في شهر صفر بعد الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية (فبراير سنة ٦٢٨ م) . شهد خالد غزوة مؤتة، وقد كان الأمير في غزوة زيد بن حارثة واستشهد فيها زيد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فاستشهد أيضا. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقتل أيضا. ثم اتفق المسلمون على دفع الراية إلى خالد بن الوليد فأخذها وقاتل قتالا شديدا. وما زال يدافع القوم حتى انحازوا عنه. ثم ارتد بانتظام وعاد بجيش المسلمين سالما إلى المدينة، وفي هذه الغزوة سماه النبي ﷺ سيفا من سيوف الله، إذ لولا تدبره وإحكامه خطة التقهقر لقضي على الجيش لقلة عدده أمام ذلك الجيش العظيم.
следующие страницы →