← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21521

شرح مقدمة التفسير لابن تيمية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (155 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين، ولا في رأيهم ولا في تفسيرهم. وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحاً ويدس البدع، في كلامه ـ وأكثر الناس لا يعلمون ـ كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير، ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك. الشرح ذلك لأنهم كانوا أقوياء في الأساليب، فتجد ظاهر كلامهم أنه جيد وليس فيه شيء، لكنهم يدسون فيه السم، فهؤلاء الذين ينقلون من تفاسيرهم ما ينقلون وهم يعلمون فساد قولهم هؤلاء قد اغتروا بأساليبهم وألفاظهم ولم يهتدوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وقد سبق لنا أن بينا أن سبب ذلك أنهم كانوا يعتقدون رأياً ثم يستدلون لرأيهم، أو يستدلون بنصوص الكتاب والسنة على ما لا تدل عليه. ***

стр. 107

ثم إنه بسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي منها العالم عجبا، فتفسير الرافضة كقولهم: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد: ١) وهما أبو بكر وعمر. الشرح يعني يجعلون أبا بكر وعمر اليدين، يدان لأبي لهب - نسأل الله العافية - وهذا مما يدل على أن الرافضة في الحقيقة عندهم من الغل والحقد على الصحابة ﵃؛ بل وعلى دين الإسلام ما يتسترون بظاهر حالهم من أنهم مسلمون وأنهم أهل الإسلام، وهم والعياذ بالله في باطن أمرهم من أشد عداوة وبغضاً لأصحاب الرسول ﵊، فرجل يقول إنه مؤمن وإنه مسلم، ثم يقول إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر، وهما أشرف الأمة على الإطلاق، فإذا كانت مثل هذه الآيات تنزل فيهما فما بقي للمسلمين شأن بعد ذلك. *** و (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (الزمر: ٦٥) ، أي بين أبي بكر وعمر وعلى في الخلافة. الشرح والمراد لئن أشركت بالله في عبادته (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (الزمر: ٦٥) ، وهم يقولون: لئن

стр. 108

أشركت بين هؤلاء الثلاثة في الخلافة، يعني لئن جعلتهم خلفاء فإن عملك يبطل، وعلى هذا فقد حرفوا القرآن أعظم تحريف، والعياذ بالله. (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة) هي عائشة حسب زعمهم. الشرح قاتلهم الله، فالذي يقول هذا هو موسى لقومه، ومع ذلك قالوا: إن المراد عائشة أمرنا الله تعالى أن نذبحها، وعندي أن أي إنسان يرى مثل هذه التفاسير، لا يشك في كفرهم والعياذ بالله، ولا يشك أنهم حتى ما عندهم حياء من الله ولا يستحيون من عباد الله (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: ٦٧) ، أين عائشة من موسى حتى ينزل كلام رب العالمين على هذه المعاني؟ هذا قول الرافضة المتقدمين، وكذلك المتأخرين، فإنهم يأخذون عنهم ويجادلون عنهم. وليس بصحيح قول من يقول إن الرافضة المتقدمين يرون إمامة أبي بكر وعمر، فإني قد رأيت أمراً عجبا منهم، لكن ليس من كلهم حيث يقول: إن أبا بكر كافر، وعمر كافر وعثمان كافر، وعلي كافر، الثلاثة الأولون قالوا كفرة لأنهم ظلمة، والرابع علي، لأنه لم يدافع عن الحق واستسلم للباطل، فكفر برضاه بالباطل. و (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) (التوبة: ١٢) ، طلحة والزبير.

стр. 109

الشرح وهذا لا يستقيم، يقول تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) (التوبة: ١٢) هذا في المعاهدين الذين عاهدهم الرسول ﵊، والحكم ينسحب على غيرهم بالقياس، والآية ليست لما أراد هؤلاء المحرفون والعياذ بالله، لكنهم لا يبالون ولا يستحيون لا من الله ولا من عباد الله ولا من أحد. و (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) (الرحمن: ١٩) ، علي وفاطمة، و (اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (الرحمن: ٢٢) الحسن والحسين. الشرح (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (الرحمن) إذا كان بينهما برزخ لا يبغيان فهل علي مع فاطمة بينه وبينها برزخ؟ لكن هذه سخافة مثل ما قال الشيخ ﵀ يقضي العالم منها العجب من سوء الفهم وسوء القصد، فتفاسيرهم هذه جامعة بين أمرين: بين سوء الفهم وبين سوء القصد. والمراد بالبحرين كما قال العلماء معناه المالح والعذب، والبرزخ الذي بينهما قيل إنه ما يرى عند مصب النهر في البحر فإن النهر يأتي مندفعا بقوة ويكون أمامه كالحاجز فلا يمتزج بالبحر عند المصب، وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالبرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض، وأن هذا من قدرة الله لأن الأرض كروية وكيف أن

стр. 110

الله أمسك هذا البحر فيها حتى لا يبغي. ولا يبغي بمعنى لا يطغى على اليابس وقال بعضهم: إن هذا البرزخ هو برزخ دقيق بين البحر المحيط والبحار الأخرى التي تعتبر كالخلجان بالنسبة له. فبينها برزخ، ويقولون إنه يحس به بالأسماك التي تعيش في هذا ولا تعيش في الثاني أو بالعكس، وهذا يدل على أنها متنوعة على الرغم من أنها متلاصقة، فبينهما برزخ. فهذه ثلاثة أقاويل في معنى هذا، ولم يقل احد من أهل العلم ـ لا السابقون ولا اللاحقون ـ إن المراد به فاطمة وعلي بن أبي طالب، لكن هذه من خرافات الرافضة والعياذ بالله. (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس ١٢:) في علي بن أبي طالب. الشرح أين هذا من اللفظ؟ (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي في كتاب يأتم به الإنسان ويأخذ به ويراه ويشاهد عمله، فأين هذا من علي بن أبي طالب؟ لكن هم يقولون علي إمام ومبين وفصيح ومظهر للحق، فكل شيء أحصاه الله في هذا الرجل، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين، وهذا واضح في أنهم يدعون أن علي بن أبي طالب يعلم الغيب؛ لأنهم يقولون كل شيء أحصيناه وأين مكانه؟ في هذا الإمام، أي كائن في هذا الإمام، فعلى هذا يعتقدون أن عند علي بن أبي طالب من علم الغيب والشهادة ما عند الله، فكل ما

стр. 111

أحصاه الله من الأمور فإنه كائن في هذا الإمام في علي بن أبي طالب. (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ) (النبأ: ١، ٢) ، علي بن أبي طالب. الشرح (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) يقولون: إن هذا علي ابن أبي طالب لأن الناس مختلفون فيه ما بين مادح وقادح ومحب ومبغض، ولكن هل علي نبأ أم منبأ به؟ ثم هذا الخلاف (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) كائن لأنه لم يقل الذي هم فيه يختلفون أو سيختلفون، وعلي بن أبي طالب حين نزلت الآية ما اختلف الناس فيه. (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة: ٥٥) ، هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة (١) . الشرح وليس ذلك بصحيح (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)

стр. 112

المقصود كل مؤمن فهو ولي لله ورسوله، قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة: ٢٥٧) ، والرسول ﵊ يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) (١) ، فهذه الولاية الحقيقية، ولا ريب أن علي بن أبي طالب له حظ من هذه الآية كغيره من المؤمنين، وأنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويركع ويسجد ﵁ ولكن لا يمكن أن نقول إن هذا خاص به لا يتناول غيره، فعلي ﵁ ييدخل في الآية، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وخالد بن الوليد، وغيرهم من الصحابة كلهم داخلون في هذه الآية. والزبير بن العوم قال فيه الرسول ﵊: ((إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير (٢) ، ومع ذلك فهم يقولون إن الزبير من أئمة الكفر، فإذا كان الزبير من أئمة الكفر وهو حواري الرسول ﷺ ، فكيف يكون أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم الخاصون به هم أئمة الكفر؟ وما ظنك برجل يكون أصحابه الخاصون به أئمة الكفر؟ يكون مثلهم إما بطريق اللزوم، وإما بطريق الاصطحاب، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٣) . * * *

стр. 113

وكذلك قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (البقرة: من الآية١٥٧) ، نزلت في على لما أصيب بحمزة. الشرح يا سبحان الله العظيم أيهما أعظم مصاباً الرسول ﷺ أم على بحمزة؟ الرسول صلي الله عليه وسلم. ولكنهم يقولون: إن عليا هو الذي أصيب بحمزة، وهو الذي له هذه الآية، فيكون من كذبهم وافترائهم على بن أبي طالب اشد حزناً على فقد حمزة من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وكذبوا والله في ذلك، فأعظم من أصيب به بلا شك هو الرسول ﵊. ومما يقارب هذا في بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (آل عمران: ١٧) ، إن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين على, الشرح وهذا جهل أيضاً؛ لأن هذه الأوصاف يصح أن تنطبق على موصوف واحد، أما توزيعها فهذا غير صحيح، وأيضاً: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ) الذي يظهر أن القانت أفضل منهم. فكيف يكون الرسول ﷺ في مرتبة الصبر، وهذا في مرتبة الصدق، وهذا في مرتبة القنوت؟! فالرسول ﵊ هو أفضل من اتصف بهذه الصفات، فهو أصبر

стр. 114

الصابرين، وأصدق الصادقين من الخلق، وكذلك أفضل القانتين، وهو أجود المنفقين، حتى إنه يعطي عطاء من لا يخشي الفاقة (١) ، ويبيت طاويا ﵊ (٢) ، وأما استغفاره فناهيك به؛ كان يستغفر الله ويتوب في اليوم مائة مرة (٣) ، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول: ((أفلا أكون عبداً شكورا)) (٤) . وفي مثل قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) أبو بكر (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار) عمر (ِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) عثمان (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) (الفتح: ٢٩) . الشرح وهذا التوزيع ليس بتفسير الرافضة لكنه تفسير قاصر بلا شك، يقول: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) لأن ابا بكر معه في الغار (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: ٤٠) وعمر، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ لأن اشد الناس في دين الله عمر، وعثمان مشهور بالرحمة واللين والعطف، (رُكَّعاً سُجَّداً) وعلى بن أبي طالب ﵁ من الراكعين الساجدين، لكن عثمان أيضاً شهر عنه أنه كان يقوم الليل، وأنه كثير القيام. والحاصل أن هذا خطأ وأن قوله: (وَالَّذِينَ مَعَه) يشمل كل الصحابة، وقوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) ينطبق على الجميع. * * *

стр. 115

وأعجب من ذلك قول بعضهم (وَالتِّينِ) أبو بكر، (وَالزَّيْتُونِ) عمر (وَطُورِ سِينِينَ) عثمان، (َوهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) على. الشرح هذا كتاب تفسير، والشيخ ﵀ ينقل عن تفسير، فالتين: أبو بكر، والزيتون: عمر، وطور سينين: عثمان، وهذا البلد الأمين: على بن أبي طالب. سماهم كلهم بمأكول ومسكون. نسأل الله العافية، ولعله لما قدم التين وكان أبو بكر ﵁ مقدما بدأ به، فقال ما دام أبو بكر أفضلهم والله بدأ بالتين، ثم بالزيتون على حسب ترتيبهم في الخلافة والأفضلية. وقال: إن هذه أربع كلمات، وهؤلاء أربعة وهم مرتبون هكذا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على. * * * وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالي: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرا بعد خبر، والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مراداً به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصراً، في شخص واحد كقولهم: إن قوله تعالي (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ

стр. 116

وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِين) (المائدة: من الآية٥٥) أريد بها على وحده، وقول بعضهم: إن قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) (الزمر: من الآية٣٣) أريد بها أبو بكر وحده. الشرح هذا قال به بعض المفسرين، قالوا: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) هذه نزلت في أبي يكر، ولكن سبق لنا أن قولهم نزلت في كذا يعني أنه داخل في معناها، فيكون تفسيراً، وعلى هذا فمن قال إنها نزلت في أبى بكر، فمعناه أن أبا بكر ﵁ يدخل في هذا الوصف (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) ولا شك أن أول من يدخل فيها الرسول ﵊، فإنه جاء بالصدق وصدق به، فشهد لنفسه ﵊ أنه رسول حقاً، وأنه ﵊ مرسل إلى جميع الناس، وأمر أن يقول ذلك (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) فجاء بالصدق وصدق به أيضاً. * * * وقوله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) (الحديد١٠) أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك. الشرح والذي قال أريد بها أبو بكر مثلاً نقول: إن أراد على سبيل الحصر فخطأ، وإن أراد على سبيل المثال فصحيح. ولنا أن نقول: نزلت في أبي بكر يعني وفي أمثاله، ولكن إن أريد الحصر فهذا لا يجوز، وهذه قاعدة في التفسير؛ أنه لا يجوز أن يخصص العام ويحصر معناه إلا بدليل، فإن جاء الدليل مثل قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ

стр. 117

قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أن الناس المراد بهم أبو سفيان (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) وهذا كما قيل، وإلا فإن الواجب إبقاء العم على عمومه لأن حصره في واحد من أفراده قصور في التفسير، وكما نعلم جميعاً أن المفسر يجب أن يكون مطابقاً للمفسر، أما أن يخصص فهذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يعم أيضاً، فإذا جاء نص في شيء خاص لم يجز أن نجعله عاما اللهم إلا عن طريق القياس، إن كان مما يمكن فيه القياس. * * * وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيراً ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير المأثورة وأعظمها قدراً، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلي السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب. الشرح هذا من كلام الشيخ ﵀، وهو يدل على أن الرجل منصف وعادل، وأن الحق ولو كان من أهل البدع، يجب أن يقبل، وأن أهل البدع إذا كان بعضهم أقرب إلي السنة من بعض يجب أن يثنى عليهم

стр. 118

بهذا القرب، وأما أن نرد ما قاله أهل البدع جملة وتفصيلاً، حتى ما قالوه من الصواب، ونقول هذا قاله صاحب بدعة، فهذا خطأ؛ لأن الواجب أن يقول الإنسان الحق أينما كان ولا ينظر إلي قائله، ولهذا قال يجب أن يعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، وأنت إذا عرفت الحق بالرجال فمعناه أنك مقلد محض، لكن إذا عرفت الرجال بالحق، وأنه إذا كان ما يقولونه حقا فهم رجال حقا فهذا هو العدل، فالشيخ ﵀ يقول: يجب أن يعطي كل ذي حق حقه حتى ولو كان من أهل البدع وكان قريبا من أهل السنة فإننا نعطيه حقه، ونقول إن هذا المبتدع أقرب إلى السنة من هذا المبتدع. * * فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه- وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان- صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا

стр. 119

في ذلك بل مبتدعا، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه. فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب. الشرح وهنا يجدر التنبيه إلي هذه المسألة المهمة فإن من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في هذا؛ بل يكون مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه، يعني نحن نصفه بأنه مخطئ وبأنه مبتدع، لأن كل قول في دين الله لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهو قول مبتدع؛ لأنه محدث، وقد قال الرسول ﵊: ((وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)) (١) . أو في الأمور العلمية العقدية، فكل شيء مخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان فإنه قول مبتدع، وصاحبه مخطئ، ولكن هل يأثم هذا القائل؟ ينظر إذا كان مجتهداً باذلاً وسعه في طلب الحق ولكن لم يصل إليه فهو مغفور له، ولهذا قال الشيخ ﵀: ((وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه)) قلنا الآن نظران: نظر إلى القول أو التفسير، ونظر إلي القائل أو المفسر، فالقول أو التفسير المخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان هذا قول مبتدع باطل، وأما بالنسبة للقائل فينظر فإن كان قد بذل الجهد وسعى بقدر ما يستطيع إلى الوصول إلى الحق ولكن لم يتبين له إلا ما قال، فإنه يغفر له خطؤه لأن الله يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦) ، فيعذر بهذا الخطأ، وهذه القاعدة تكاد تكون مجمعاً عليها، وإن كان الصحابة يختلفون في تفصيلها أحياناً لكن هي قاعدة أصيلة وأصل في هذا. ورب سائل يقول: كيف يقال لمن عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه. كما ذكر

стр. 120

ذلك المؤلف ﵀؟ والجواب على ذلك بأنه قال بقول ليس معروفاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعلى ذلك فهو مبتدع في قوله هذا، ولكن لا نعطيه الوصف المطلق وإن كان مبتدعاً في ذلك. ورب سائل يقول: بالنسبة إلي التفاسير العلمية التي تنظر للمكتشفات الحديثة، عندما يكون هناك تفسير لآية ليس هناك دليل شرعي عليه، بمعني حديث عن الرسول ﷺ ، ولكن هنا أقوال عن الصحابة أو أقوال عن السلف في تفسير هذه الآية، وقد يكون أيضاً هناك أكثر من قول، ويأتي مفسر يستند في التفسير إلي جانب اللغة العربية أو المكتشفات الحديثة. فما هو القول في هذا؟ وهل يدخل في القاعدة السابقة فيقال عنه إنه مبتدع؟ والجواب: أنه إذا صحت دلالة القرآن عليه فليس بمبتدع، إذا كان لا يخالف قول السلف في ذلك، أما إذا خالف قولهم فإننا نقول: إنه مبتدع ونرده، لكن غالب ما تكون من هذه المكتشفات مسكوت عنه بالنسبة لمن سبق، لأنهم لم يطلعوا عليها، لكن قد يكون القرآن دل عليها بعمومه أما أن يدل عليها بخصوصها فهذا بعيد ولو دل عليها بخصوصها لكان الصحابة يدرون عنه وفسروه بها. فهذه الاكتشافات العلمية إذا صح أنها داخلة في الآية أما إذا لم يصح فهذا يجب أن يرد على قائله. فمثلاً هناك من فسر الفتنة بالغزو الفكري، وهذا صحيح، كما أخبر بها الرسول صلي الله عليه وسلم: ((فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً

стр. 121

ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً)) (١) . * * * فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلي الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم؛ فقد اخطأ في الدليل والمدلول جميعاً. الشرح أخطأ في الدليل؛ لأنه فسره بغير المراد به، وأخطأ في المدلول حيث أتي بمعني مخالف لما كان عليه السلف. * * * ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها: إما عقلية، وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه. الشرح هذا صحيح وما قاله الشيخ ﵀ له أصل في القرآن، وأن المخالفين لذلك لهم شبه، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) (آل عمران: ٧) لأن المبطل لو أتي بشيء لا شبهة فيه لم يقبل منه، فهو يأتي بأمور فيها اشتباه لكنه والعياذ بالله- زائغ لا يحمل هذا المتشبه على المحكم حتى يكون بينا، وإنما يجعل الشيء كله

стр. 122

مشتبهاً، وكما قال الشيخ ﵀ كل من خالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان فله شبه يتعلل بها ويموه بها. * * * والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله ﷺ بغير ما أريد به وتأولوه على غير تأويله. فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق. وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق. وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره. وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير. وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة فإن ذلك يدخل في القسم الأول وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسداً.

стр. 123

فصل في تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة وأقوال الصحابة فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن اصح الطرق في ذلك ان يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلي الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً) (النساء: ١٠٥) وقال تعالي: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: ٤٤) وقال تعالي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: ٦٤) ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (١) يعني السنة والسنة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن لا أنها تتلي كما يتلى.

стр. 124

وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلي اليمن: ((بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي)) . قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)) (١) وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد. الشرح تكلم بعض العلماء على هذا الحديث وضعفه، ولكن المؤلف يرى أن إسناده جيد وهو الظاهر، لأنه وافق القاعدة العامة في الشريعة في أن الإنسان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ ؛ لأن في السنة أشياء لم يفسرها القرآن، ولا تجدها ظاهرة في القرآن، فلابد من الرجوع إلى السنة. أما إذا كانت لا في هذا ولا في هذا فالإنسان ((يجتهد رأيه)) وليس المعنى أنه يحكم برأيه، لكن المعنى أن يجتهد في تطبيق الواقعة والحادثة على نصوص الكتاب والسنة، وبهذا يكون هذا الحديث مطابقاً للقواعد العامة في الشريعة، والذين ضعفوه ظنوا أن قوله: ((فإن لم تجد فبسنة رسول الله)) ، أن

стр. 125

تكون السنة في مرتبة متأخرة عنه، وظنوا أيضاً أن قوله: ((أجتهد رأيي)) يعنى: أحكم بالرأي وليس كذلك. وإذا سأل سائل: هل السنة تنسخ القرآن؟ فالجواب: أننا نقول إذا صحت نسخت القرآن، لكن ليس لهذا مثال سليم. وأما قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((لا وصية لوارث)) (١) فهذا المثال خطا؛ لأن الرسول ﵊ قال: ((إن الله أعطى كل ذي حق حقه)) (٢) ، فبين في هذا الحديث الناسخ فقط، يعني كأنه يقول الآن الفرائض كفتكم الوصية. ثم لو تنزلنا تنزيلاً كاملاً فهذا الحديث لم ينسخ الآية، ولو فرضنا أن الرسول قال لا وصية لوارث فقط فما نسخ الآية، لأن الآية في ذلك تقول: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (البقرة: ١٨٠) ، وهذا تخصيص وليس نسخاً؛ لأن الأقربين غير الوارثين الوصية باقية فيهم. فهو تخصيص، يعني لو تنزلنا تنزلاً كاملاً مع هؤلاء فليس هذا بنسخ ولكنه تخصيص، والمهم أن هذا المثال لا يصح علي أي تقدير. * * * وحينئذ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدري بذلك لما شاهدوه من

стр. 126

القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، مثل عبد الله بن مسعود. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: ((أنبانا جابر بن نوح، قال: أنبانا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، قال عبد الله- يعني ابن مسعود- والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. الشرح هذا فيه السفر في طلب العلم، وليس مراد ابن مسعود ﵁ بهذا أن يمدح نفسه وأن يفخر بها، لكن مراده أن يحث الناس على تعلم كتاب الله وعلى طلب تفسيره من أهله، ولعله أيضاً يريد أن يتعلم الناس منه، تفسير كلام الله . * * وقال الأعمش أيضاً: عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ . الشرح البحر لكثرة علمه، والحبر معناه أيضاً سعة العلم، لأن الحبر والبحر الشيء الواسع ويقال: الحبر، والحبر بالكسر أيضاً.

стр. 127

وترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله صلي الله عليه وسلم له، حيث قال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) (١) . وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار قال: أبنانا وكيع قال: ابنانا سفيان عن الأعمش عن مسلم قال: عبد الله يعني ابن مسعود قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ثم رواه عن يحيي بن داود عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحي عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس، ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة. فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليً عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة٠ وفي رواية سورة النور- ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا. ولهذا فإن غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل

стр. 128

الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (١) ، رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو. الشرح المعروف أن ابن مسعود لا يأخذ عن الإسرائيليات، وإنما الذي يأخذ ابن عباس، فلا أدري هل كلام المؤلف ﵀ كلام يراد به الجميع أو يراد به البعض؟ *** ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منها بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح، والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه. لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا

стр. 129

أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله تعالى لإبراهيم، وتعيين ((البعض)) الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلي غير ذلك مما أبهمه الله تعالي في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا في دينهم. ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز. الشرح يقول: ((نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز)) لا على الاعتبار به ولكن لبيان اختلافهم في هذا الأمر، وقد يكون في نقل اختلاف أهل الكتاب في مثل هذه الأمور، قد يكون فيه فائدة لنا، وهو أننا إذا كان هناك اختلاف، فإن هذا يقلل من الثقة مما في أيديهم، ويعلم أن عندهم تصرفاً وكذباً فيما ينقلونه، أما أن نذكره على سبيل الاعتبار وأنها أقاويل صحيحة مقبولة، فهذا لا يجوز فيما لا نعلم صدقه، وكما قال الشيخ ﵀ أنها ثلاثة أقسام، ومر علينا فيما سبق أن ما نحتاج إليه من النقل لا بد أن يقوم عليه دليل؛ وما لا حاجة إليه فإنه لا يقوم عليه دليل لأنه لا حاجة إليه، فكل ما يحتاج العباد إلى بيانه فلابد أن يقوم عليه دليل صحيح، ولا يمكن أن يدعه الله بدون دليل تطمئن له النفوس. * * *

стр. 130

كما قال تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (الكهف: ٢٢) ، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا فإنه تعالى أخبر عنهم في ثلاثة أقوال، وضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث فدل على صحته، إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما، ثم ارشد إلي أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) ، فإنه لا يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً) ، أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم. فأما من حكي خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي

стр. 131

الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضاً، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ. الشرح أي أنه إذا حكى الأقوال ولم يبين الصحيح فتارة يلام عليه وتارة لا يلام، فإن كان يعلم الصحيح ولم يبينه فهذا قصور، وإن كان لا يعلم كما لو كان القولان عنده على حد سواء فإنه لا يلزم أن يبين، وهذا يقع حتى في كلام المؤلف أحياناً في الفتاوى وغيرها، يقول فيه قولان لأهل العلم، ثم يقول هذا قول الجمهور، وهذا قول فلان، وهذا قول مالك، وهذا قول الشافعي وما أشبه ذلك. فالإنسان الذي يسوق الخلاف فإن من الأمانة أن ينقل جميع الأقاويل، لأنه كما قال الشيخ ربما يحذف من الأقاويل ما هو أصح، ثم إذا نقل الأقاويل فإن كان لديه حجة ترجح أحد الأقوال وجب عليه أن يبين الراجح حتى لا يدع السامع في حيرة، وإن كان لا يعلم فليس عليه بأس في أن يذكر الخلاف ولا يبين الراجح؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. * * * كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.

стр. 132

الشرح والآية الكريمة التي ساقها المؤلف زعم بعض الناس أن أصحاب الكهف ليسوا سبعة وثامنهم كلبهم، وتشبثوا بقوله تعالي: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) ، وهذا لا شك أنه غلط في تفسير الاية، لأن الله تعالي قال: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) ، يعني وقد أبطل قولين وسكت عن الثالث، وعلى هذا فيكون الثالث هو الأصح، لأنه لو كان خلاف الأصح لبينه الله ؛ لأن الله سبحانه وتعالي لا يعلم الأمر على خلاف ما هو عليه، ثم إنه قال: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ، ولو كان المراد بقوله: (ْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) مع أنه لا يعلمه أحد من الناس لكان متناقضا لقوله (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيل) فالآية بلا شك تدل على أن أصحاب الكهف كانوا سبعة وكان ثامنهم كلبهم. وهنا نكتى في مسألة العدد، فالله قال: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُم) ، ولم يقل: ثمانية ثامنهم كلبهم، لأن الكلب من غير الجنس، وإذا كان من غير الجنس فإنه لا يدخل في العدد، ولكنه يجعل بعده، ولهذا قال الله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) ولم يقل من نجوي أربعة إلا هو رابعهم؛ لأنه خالق وهم مخلوقون. وقوله: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً) ، فسره المؤلف ﵀ بأن المعنى لا تجهد نفسك في التعمق والجدال في عدتهم، لأنه لا طائل تحته، وهكذا يمر أحياناً في الأحاديث إبهام الرجل صاحب القضية، فيقال: قال الرجل، أو أتى الرجل، أو دخل أعرابي، أو ما أشبه ذلك. فتجد بعض الناس يتعب نفسه في تعيين ذلك الرجل مع أنه لا طائل تحت ذلك، فيشتغل

стр. 133

بالمهم إن كان مهما عن الأهم، والأولى لطالب العلم ألا يضيع الوقت في مثل هذه الأمور التي فائدتها قليلة بالنسبة لغيرها، أو ربما أنها لا فائدة فيها إطلاقاً. والحاصل أن أصحاب الكهف عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، وقد مر علينا أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازداوا تسعاً. ومثال ذلك الاختلاف في عصا موسى من أي شجرة كانت، وكذلك الاختلاف في الجزء الذي ضربوا به الميت القتيل، كل هذا لا طائل تحته ولا فائدة لنا.

стр. 134

فصل في تفسير القرآن بأقوال التابعين إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأساله عنها، وبه إلى الترمذي قال حدثنا الحسين بن مهدي البصري قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال مجاهد: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً (١) وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت (٢) ، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن

стр. 135

تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس ((اكتب)) حتى سأله عن التفسير كله. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن انس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافاً فيحيكها أقوالاً، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد كثير في الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي. وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا اجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلي لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك. الشرح أشار شيخ الإسلام ﵀ هنا إلى أن العلماء اختلفوا في

стр. 136

كونه حجة في التفسير، لأنه قال: فإن كثيراً من أهل العلم، وهذا يدل على أنها ليست محل إجماع، وهو كذلك، ولا ريب أن التابعين يختلفون؛ فالذين تلقوا عن الصحابة التفسير هؤلاء لا يساويهم من لم يكن كذلك، ومع هذا فإنهم إذا لم يسندوه عن الصحابي فإن قولهم ليس بحجة على من بعدهم إذا خالفهم، لأنهم ليسوا بمنزلة الصحابة ولكن قولهم أقرب إلي الصواب، وكلما قرب الناس من عهد النبوة كانوا أقرب إلى الصواب ممن بعدهم، وهذا شئ واضح لغلبة الأهواء فيما بعد، ولكثرة الواسطات بينهم وبين عهد الرسول ﵊، فبعدهم هذا لا شك أنه يقلل من قيمة أقوالهم، ومن هنا نعرف أن الرجوع إلي قول من سلف أمر له أهميته، وأن غالب اجتهادات المتأخرين مما يحتاج إلي نظر فإنها قد تكون بعيدة من الصواب. فصارت الآن الطرق لتفسير القرآن أربعة: القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين، على خلاف في الأخير. فهو ﵀ يرى أنهم إذا اجتمعوا، فقولهم حجة، وإذا اختلفوا، فليس بحجة. تفسير القرآن بالرأي فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، حدثنا مؤمَل، قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار (١) .

стр. 137

حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) وبه إلى الترمذي قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثني حبان بن هلال قال: حدثنا سهيل أخو حزم القطعي قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن برأية فأصاب فقد أخطأ)) (١) ، قال الترمذي هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم, وهكذا روي عن بعض أهل العلم عن أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأية فقد تكلف ما لا علم به، وسلك غير ما أمر به فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس عن جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ، والله أعلم.

стр. 138

الشرح ولهذا كان من اجتهد فأخطأ فله أجر، كذلك من لم يجتهد ولو أصاب فقد أخطأ إذا كان ما تكلم فيه ليس محلا للاجتهاد. وتفسير القرآن بالرأي تارة يفسره الإنسان بحسب مذهبه كما يفعله أهل الأهواء. فيقول المراد بكذا وكذا. كذا: وكذا مما ينطبق على مذهبه، وكذلك هؤلاء المتاخرون الذين فسروا القرآن بما وصلوا إليه من الأمور العلمية الفلكية أو الأرضية والقرآن لا يدل عليها، فإنهم يكونون قد فسروا القرآن بآرائهم، إذا كان القرآن لا يدل عليها، لا بمقتضى النص ولا بمقتضى اللغة، فهذا هو رأيهم ولا يجوز أن يفسر القرآن بهذا. وكذلك أيضاً لو لم يكن عند الإنسان فهم للمعنى اللغوي ولا للمعنى الشرعي الذي تفسر به الآية فإنه إذا قال قولا بلا علم، فيكون آثما، كما لو أن أحداً من العامة فسر آية من القرآن الكريم على حسب فهمه من إلي مستند- لا لغوي ولا شرعي-فإنه يكون حراماً عليه ذلك؛ لأن مفسر القرآن يشهد على الله بأنه أراد كذا، وهذا أمر خطير، لأن الله حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: ٣٣) ، فأي إنسان يقول على الله ما لا يعلم في معني كلامه أو في شيء من أحكامه فقد أخطأ خطأ عظيماً. وهكذا سمي الله تعالى القذفة كاذبين فقال: (َ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا

стр. 139

بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور: ١٣) فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به وتكلف ما لا علم به، والله أعلم. ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق: ((أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم)) (١) وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن ابا بكر الصديق سئل عن قوله: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس: ٣١) ، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم، إسناده منقطع. الشرح فلو أن رجلاً قيل له ما معني قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) قال (َأَبّاً) يعني أب أي: الوالد، فيكون قد فسر القرآن برأيه وجهله؛ لأنه صار يسمع الناس يقولون الأب ويشددون الباء، وهي ليست مشددة فظن أن قوله تعالي: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) يعني فاكهة وأبَا يعني وأبا فيكون هذا قال في القرآن برأية. وكذلك من ينزل القرآن على غير ما أراد الله مثل قول بعضهم

стр. 140

إذا سئل عن شيء قال: (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: ١٠١) ، هذا أيضاً من تنزيل القرآن على غير ما أراد الله. ومنه نعرف خطأ ما نقل مدحاً لامرأة يسمونها المتكلمة بالقرآن. ذكرها في جواهر الأدب، امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وقيل إنها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن، وأظن فعلها هذا زلًة لأنها بهذا تنزل القرآن على غير ما أراد الله. *** وقال أبو عبيد أيضاً: حدثنا يزيد، عن حميد عن أنس: أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فقال: ما الأب؟ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر! وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن صرب، قال حدثنا بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس: ٣١) فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك ألا تدريه؟! الشرح في قوله: ((وفي ظهر قميصه أربع رقاع)) الفائدة فيه من حيث مصطلح الحديث أنه أدل على ضبط الرواي، يعني أن الراوي قد ضبط هذه القصة أو هذه القضية بحيث إنه أدل على ضيط الراوى يعنى أن الرلوى قد ضبط هذه القصة أو هذه القضية بحي إنه لم يخف عليه ما في ثوبه من الرقاع، أما الفائدة فيها من حيث السلوك فهو أن نعرف ما كان

стр. 141

عليه الخلفاء الراشدون ﵃ من عدم الأثرة، وأنهم يعدون أنفسهم كغيرهم من الناس، لا يمتازون على أحد، وأن حالهم كحال غيرهم، حتى إن عمر ﵁ في عام الرمادة حرم على نفسه أن يأكل من الطعام الطيب واقتصر على اقل ما يطعم. كل هذا من أجل ألا يستاثر بشيء على رعيته ﵁. ولكن كان ذلك حين كانت الرعية مستقيمة على أمر الله ورعة عما لا يحل لها، ولهذا قيل: قال رجل لعلي بن أبي طالب: ما بال الناس قد خرجوا عليك ولم يخرجوا على أبي بكر وعمر؟ فقال: كانت الرعية في وقت أبي بكر وعمر مثل على بن أبي طالب، وكانت الرعية في وقتي مثلك. وكذلك هشام بن عبد الملك أو عبد الملك لما رأى من الناس تذمراً جمع أعيانهم وشرفاءهم وخطب فيهم وقال لهم: أما بعد فإنكم تريدون أن نكون لكم كأبي بكر وعمر، فكونوا لنا كالرجال في عهد أبي بكر وعمر. نكن لكم كأبي بكر وعمر. وجاء في الأثر: كما تكونون يولي عليكم. * * * وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف ماهية الاب، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل لقوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) . الشرح (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) هي محل الشاهد فعلم من قوله (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) أنه

стр. 142

مما تنبت الأرض، ولا يخفى على أبي بكر وعمر أن الأب نبات من الأرض لكنهما أرادا- ﵄ تعيين هذا الأب ما هو؟ وأي شجر هو؟ فأشكل عليهم، وقد قيل في تفسيره أن الأب هو نبت يشبه القت عندنا، والظاهر والله أعلم أنه نبت صالح، يعنى بمعنى أنه شامل عام لكل ما يكون نبتاً. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي ملكية أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبي أن يقول فيها، إسناده صحيح. الشرح أي أن ابن عباس- ﵄ الذي دعا له الرسول ﵊ بأن يعلمه الله التأويل (١) ، يقول لو يسأل عن الآية التي لو سئل عنها بعضكم الآن لأجاب. وهذا يدل على أنه يجب التحري في تفسير كلام الله سبحانه وتعالي. * * * وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي ملكية قال: سأل رجل ابن عباس عن: (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) (السجدة: ٥) فقال ابن عباس فما (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج: ٤) فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: ((هما يومان

стр. 143

ذكرهما الله في كتابه والله أعلم بهما)) فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. الشرح قد سبق لنا أن يوم القيامة كان مقداره خمسين ألف سنة كما في سورة المعارج في قوله تعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) وبينه الرسول ﵊ في حديث أبي هريرة في مسلم (١) ، في مانع الزكاة أنه يعذب بها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وأما التي في سورة السجدة: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) فهذا - والله أعلم- في الدنيا؛ لأنه قال: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وأما قوله تعالي: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: ٤٧) فما دام عند الله، فنحن لا نعلمه، وهذا اليوم الله أعلم به. * * * وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن فقال: أحرج عليك إن كنت مسلما لما قمت عني، أو قال: أن تجالسني. الشرح وهذا محمول على الورع وعدم المضى في التكلم في معني كلام الله ، وإلا فليس المعني إذا جاء رجل فسأل عن معني

стр. 144

آية تقول له: لا تجلس عندنا، أو قم، أو ما أشبه ذلك. ولمن بناء على شدة تحريهم وتحرجهم كانوا يقولون مثل هذا. وقال مالك عن يحيي بن سعيد عن سعيد بن المسيب: إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئاً. وقال الليث عن يحيي بن سعيد عن سعيد بن المسيب: إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء يعني عكرمة. وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم ابن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط.

стр. 145

وقال: أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد. وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه، قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم قال: أنبأنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه. *** ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا يعلم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالي: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: من١٨٧) ، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام
следующие страницы →