ورواه أبو نعيم من طرق متعددة (١) ، ((هو حبل الله المتين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم)) وقال بعضهم هو الإسلام لقوله صلي الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على راس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن)) (٢) .
فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبّه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ الصراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلي الله عليه وسلم، وأمثال ذلك.
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم
стр. 37
بصفة من صفاتها.
الشرح
عرفنا أنه إذا فسر السلف الكلمة بمعني، وفسرها آخرون منهم بمعنى آخر، باعتبار أن هذه الصفة تشمل هذا وهذا، فهو من باب اختلاف التنوع، فقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، معنى الصراط الطريق الواسع، لكن المراد بالصراط المستقيم الإسلام، هذا قول، وقول ثان هو القرآن، والمؤلف جاء لكل من هذين القولين بدليل من السنة، ومع ذلك فهما لا يتنافيان أبداً، لأن الإسلام هو ما في القرآن، وحينئذ فلا تضاد بينهما سواء فسر بأنه القرآن، أو فسر بأنه الإسلام. وواضح أن هذا الاختلاف اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، بدليل أن كل واحد منهما لا ينافي الآخر.
* * *
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ ((الخبز)) فأري رغيفاً، وقيل له: هذا فالإشارة إلي نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده.
الشرح
لو سأل أعجمي: ما هو الخبز؟ فقيل له: الخبز هو قرص يصنع من البر بعد طحنه وبله بالماء وعجنه فلن يعرف ما الخبز، ولكن إذا كان معك خبزة فقلت له هذا فهو لن يفهم أنه ليس في الدنيا خبز إلا الذي بيدك، بل سيعرف أن هذا على سبيل التمثيل، ولهذا لو
стр. 38
ذهب إلي بقالة ووجد لفة خبز، فسيقول بكم لفة الخبز، فهذا التعيين ليس معناه أنه يراد أن يفسر اللفظ بهذا المعنى على وجه المطابقة، لا يزيد ولا ينقص، لكن على سبيل التمثيل.
* * *
مثال ذلك ما نقل في قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات) [فاطر: من الآية٣٢] .
الشرح
يقول تعالي: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) الاسم الموصول ليس وصفاً للكتاب، بل الصحيح أن الكتاب مفعول أول، والذين مفعول ثاٍن.
قال تعالي: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) ، والمراد بالذين اصطفى الله من عباده هذه الأمة الإسلامية؛ لأن آخر كتاب نزل هو هذا القرآن.
* * *
فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد
стр. 39
الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
أو يقول: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع، والناس في الأموال إما محسن، وإما عادل وإما ظالم. فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا وأمثال هذه الأقاويل.
فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية إنما ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق.
الشرح
صحيح هذا هو الغالب أن التعريف بالمثال أبين وأظهر من التعريف بالحد المطابق، فمثلاً لو قال لك قائل ما البعير؟ فقلت حيوان كبير الجسم، طويل العنق، ذو سنام، له ذيل قصير وما أشبه ذلك من صفاته، فلن يعرفه، حتى لو رآه ربما يشك فيه لعله يكون هناك شيء آخر يشابهه، لكن إذا قلت مثال البعير هذا اتضح، والإيضاح بالمثال أكثر وضوحاً.
ولهذا ذهب كثير من الفقهاء ﵏ إلي التعريف بالحكم، وإن كان عند المناطقة يرونه عيباً، فمثلاً يقولون: الواجب هو ما أثيب فاعله واستحق العقوبة تاركه مثلاً، لكن لو قال: الواجب هو ما أمر به الشرع على سبيل الإلزام، فقد يشكل على الإنسان أكثر.
والحاصل أن السلف فسروا (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ
стр. 40
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) ، بأن الظالم لنفسه هو الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن المقتصد هو الذي يصليها في الوقت، وأن السابق بالخيرات هو الذي يصليها في أول الوقت، أو بعبارة أصح على وقتها، وذلك من أجل أن يشمل الذي يصليها في أول الوقت فيما يسن تقديمه وفي آخره فيما يسن تأخيره، ولهذا جاء حديث ابن مسعود: ((الصلاة على وقتها)) (١) ؛ لأن هناك بعض الصلوات يسن تأخيرها كالعشاء.
وإذا قيل المقتصد هو الذي يؤدي الزكاة الواجبة، والسابق بالخيرات هو الذي يؤدي الزكاة مع الصدقات المستحبة، والظالم لنفسه هو الذي لا يزكي، فليس بين القولين تناقض؛ لأن كل واحد منهم ذكر نوعاً يدخل في الآية، مع أن الآية أعم من هذا حيث تشمل كل ما ينطبق عليه ظلم النفس والسبق والاقتصاد.
* * *
والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له هذا هو الخبز.
وقد يجئ كثيراً من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إذا كان المذكور شخصاً، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة ((أوس بن الصامت)) وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه)) (المائدة: ٤٩) نزلت في بني قريظة والنضير وإن قوله (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه) (لأنفال: ١٦) ، نزلت في بدر، وإن قوله:
стр. 41
(شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْت) (المائدة: من الآية١٠٦) نزلت في قضية تميم الداري، وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب إن قوله: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: من الآية١٩٥) ، نزلت فينا معشر الأنصار.. الحديث، ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب واليهود والنصاري، أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق.
والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا، فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.
الشرح
وهذا القول هو الصحيح: أنها تعم ذلك الشخص؛ لأنها تختص بنوع ذلك الشخص أو تعم نوع ذلك الشخص فقط. مثال ذلك قال النبي ﵊: ((ليس من البر الصيام في السفر)) (١) . فهذا اللفظ عام، لكن سببه خاص بالنوع وخاص بالشخص، فهل نخصصه بذلك الشخص؟
يقول شيخ الإسلام: ما أحد قاله من المسلمين، وهل نخصصه بذلك النوع؟ يمكن ذلك إذا علمنا أن العلة والسبب في ذلك النوع
стр. 42
لا يتعداه لغيره فإننا نخصصه بذلك النوع، وإذا أخذنا بالعموم في حديث: ((ليس من البر الصيام في السفر)) ، قلنا: إن الصيام في السفر ليس من البر؛ سواء شق على الإنسان أم لم يشق. وإذا خصصناه بالشخص قلنا ليس من البر باعتبار ذلك الرجل الذي رآه النبي ﵊ عليه زحام ظللاً عليه، كأنه قال ليس صومه من البر وهذا أيضاً خطأ لا أحد يقوله من المسلمين مثل ما قال الشيخ، وإذا قلنا: إنه خاص بالنوع، قلنا: ليس من البر الصيام في السفر فيمن حاله كحال ذلك الشخص يشق عليه، فإنه ليس من البر أن يصوم في السفر بخلاف من لا يشق، وهذا القول الوسط هو الصواب، وأنه يجب أن يعدى الحكم الوارد على سبب معين إلي نوع ذلك المعين فقط لا إلى العموم، ولا أن يختص بنفس ذلك الشخص.
وهنا نشير إلي أن ربطه بعلته أولى من التعميم؛ لأننا لو عممناه لاحتجنا إلي دليل على التخصيص، لكن كأنه من العام الذي أريد به الخصوص.
وفرق بين قوله: ((ليس من البر)) وبين قول: ((البر ألا يصوم)) ، لأنه قول قال: ((ليس من البر)) فهو من الإثم.
والرخصة لا نؤثم من لم يفعلها، اللهم إلا إذا اعتقد في نفسه الاستغناء عن رخصة الله له فهذا شئ آخر، فيكون آثماً من هذا
стр. 43
الوجه، وأما من قال: الحمد لله الذي رخص لي لكن أنا قوى ونشيط، فهذا غير.
والآية التي لها سبب معين إن كانت أمراً ونهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناوله لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته أيضاَ.
ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلي سبب يمينه وما هيجها وآثارها.
الشرح
وكذلك إذا لم يعرف ما نواه المطلق رجع إلي سبب الطلاق، فمثلاً لو أن رجلاً رأى مع امرأته شخصاً فظنه أجنبياً، فقال لها: أنت طالق. بناء على أن الرجل الذي معها أجنبي، ثم تبين أنه أخوها فإنها لا تطلق؛ لأنه كأنه قال: أنت طالق لأنك صاحبتي رجلاً أجنبياً، وكذلك أيضاً الحالف لو قال: والله لا أزور فلاناً، لأنه قيل له إن الرجل فاسق، ثم تبين له أنه ليس بفاسق، فإنه لا بأس أن يزوره؛ لأن السبب في حلفه هذا أنه رجل فاسق، ثم تبين له بعد ذلك أنه ليس بفاسق فإذا زاره، فإنه لا يحنث؛ لأن السبب كالمشروط فكأنه قال والله لا أزوره لأنه فاسق، فيكون هذا السبب كأنه مشروط، وبهذا لا يكفر لأنه زال حكم اليمين، فلو قال: والله لا أزوره بناء على أنه فاسق، فتبين أنه ليس بفاسق، فهذا يزوره ولا شيء عليه؛ لأن اليمين انحلت
стр. 44
فتبين أنها غير مرادة، وهذه قاعدة تنفعك في باب الأيمان وفي باب الطلاق، أن ما بني على سبب فتبين زوال السبب فلا حكم له، لكن لو قال الحالف أنا نويت والله لا أزور فلاناً مطلقاً، لا أزوره لشخصه، سواء كان فاسقاً أم عدلاً، فإذا زاره حنث لأننا هنا علمنا مراده.
والقاعدة في ذلك: أن كل لفظ بني على سبب فتبين انتفاء ذلك السبب فإنه لا حكم له.
والمسبب هو الآية النازلة أو الحديث الوارد، فمثلاً: سبب نزول آية اللعان قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن سحماء (١) فهذا هو السبب، والمسبب الذي حصل من أجل هذا السبب هو نزول الآية. فورود الحديث ونزول الآية هذا هو المسبب. فالآية أو الحديث قد يكون معناها خفياً إلا إذا عرفت سبب النزول.
* * *
وقولهم: ((نزلت هذه الآية في كذا)) يراد به تارة أنه سبب النزول.
الشرح
المؤلف ﵀ دائماً يستطرد في مؤلفاته، فهنا استطرد للتعبير عن سبب النزول، وهو ثلاثة أنواع:
стр. 45
فتارة يقول: ((حصل كذا وكذا، فأنزل الله كذا)) ، وتارة يقول: ((سبب نزول الآية الفلانية كذا وكذا)) وتارة يقول: ((نزلت هذه الآية في كذا وكذا)) فهذه ثلاث صيغ.
أما قوله: ((سبب نزول الآية كذا)) فهي صريحة في أن هذا سبب النزول.
وأما قوله: ((كان كذا وكذا فأنزل الله)) فهي ظاهرة أيضاً- وليست بصريحة، ظاهرة في أن هذا سبب النزول؛ لأن حمل الفاء في مثل هذا التعبير على السببية أولي من حمله على العطف المجرد والترتيب، فيكون ظاهرها أن هذه الحادثة سبب النزول.
الثالث أن يقول ((نزلت هذه الآية في كذا)) فهذه فيها احتمال متساوي الطرفين، بين أن يكون المراد أن هذه الآية معناها كذا وكذا فيكون تفسيراً للمعنى، وبين أن يكون ذلك ذكرا لسبب النزول، فعلى الاحتمال الأول تكون ((في)) للظرفية، والظرف هنا معنوي، وعلى الاحتمال الثاني تكون ((في)) للسببية، أي بسبب كذا وكذا، و ((في)) معروف أنها تكون للسببية، ومثال ذلك: ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها)) (١) ، ((في)) بمعنى بسبب، وليس المعني أنها دخلت في جوفها.
والحاصل أن العبارات التي يعبر بها عن أسباب النزول تنقسم ثلاثة أقسام: صريحة، وظاهرة، ومحتملة، فالصيغة الصريحة أن يقول: ((سبب نزول الآية كذا وكذا)) والظاهرة ((كان كذا فنزلت)) والمحتملة: ((نزلت في كذا)) .
ولهذا يقول المؤلف ﵀: وقولهم نزلت هذه الآية في كذا
стр. 46
يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن هذا داخل في الآية وإن لم يكن السبب.
* * *
ويراد به تارة أن هذا داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا.
وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: ((نزلت هذه الآية في كذا)) هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجرى مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح، كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه فإنهم يدخلون مثل هذا في المسند.
الشرح
قول الصاحب: ((نزلت في كذا)) إذا أجريناه مجرى المسند صار معناه أن الأمر حدث في عهد الرسول ﵊، فنزلت الآية تفسيراً له، أو بياناً لحكمه، وأما إذا جعلناه ليس جارياً مجري المسند، صار ذلك تفسيراً منه للآية، وقد يكون صواباً وقد يخالفه غيره.
* * *
فإذا عرف هذا فقول أحدهم: ((نزلت في كذا)) لا ينافي قول الآخر: ((نزلت قي كذا)) إذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه في التفسير بالمثال. وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله، وذكر الآخر سبباً، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك
стр. 47
الأسباب، أو تكون نزلت مرتين مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب.
الشرح
ولكن الأول أقرب، إذا ذكر كل واحد منهما سبباً لنزول الآية بلفظ صريح أو بلفظ ظاهر على حسب ما شرحناه، فهل نقول: إن السبب متعدد والمسبب واحد؟ أو نقول: إن السبب متعدد والمسبب متعدد وأن الآية صار لنزولها سببان؟ والأقرب الأول؛ لأن تكرر نزول الآية خلاف الأصل، فالأصل أن الآية إذا نزلت، نزلت مرة واحدة، فتكون الأسباب سابقة على نزول الآية، يعني معناه وجد سبب وسبب وسبب، ثم أنزل الله الآية مبينة لحكم هذه الأمور. مع أنه نادر أن تنزل الآية مرتين وهذا إن صح.
وقد ذكر أن سورة الفاتحة نزلت مرة في مكة، ومرة في المدينة، والله أعلم. لكن الكلام على أنه إذا تعدد ذكر الأسباب الصريحة في نزول الآية فإنها تحمل عل أحد أمرين: إما أن الأسباب متعددة والنزول واحد، وإما أن الأسباب متعددة والنزول متعدد. هذا إذا كان كل من الصيغتين صريحا في النزول، أما لو قال أحدهم: ((نزلت في كذا)) وقال الآخر: ((كان كذا فنزلت الآية)) فمعلوم أننا نقدم الثاني؛ لأنه ظاهر، وكذلك لو قال أحدهم: ((سبب نزولها كذا)) والآخر قال: ((نزلت في كذا)) فإننا نقدم الذي قال: ((سبب نزول الآية)) لأنه صريح.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأول الذي ذكر صريحاً فهو قطعاً سبب النزول، وأما الثاني فنقول: هذا ذكر للمعنى يعني أن هذا الشيء داخل في معناه، مثل لو قيل إن قوله تعالي: (فَوَيْلٌ
стр. 48
لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون: ٤، ٥) ، نزلت هذه الآية في الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فليس معناها أنه كان تأخير الصلاة عن وقتها سبباً لنزولها؛ بل معناها الظاهر المتبادر أن هذا هو المراد من الآية، فيكون مثل هذا القول تفسيراً وليس ذكراً لسب النزول.
* * *
وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير- تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف.
الشرح
مثال لما ذكره المؤلف ﵀ من تنوع الأسماء والصفات مثل صارم، ومهند، ومسلول، وسيف وما أشبه ذلك، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، مثل تفسير: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) ، حيث فسر بعضهم هذا بالمصلين وهذا فسره بالمتصدقين..
* * *
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين، إما لكونه مشتركاً في اللغة كلفظ: (قَسْوَرَةٍ) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد، ولفظ (عَسْعَسَ) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
الشرح
اللفظ المشترك سبق أن عرفناه بأنه ما اتحد لفظه وتعدد معناه؛
стр. 49
لأن هذا اللفظ مشترك بين معنيين، ومثاله: ((القسورة)) ، فهو مشترك بين الرامي وبين الأسد. قال تعالي: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: ٥٠، ٥١) ، حمر الوحش إذا رأت الرامي فرت، والحمر الأهلية إذا رأت الأسد فرت، فهل المراد بالقسورة الرامي، أو المراد بذلك الأسد؟ بعضهم قال: المراد الأسد، وبعضهم قال: المراد الرامي، وما دام اللفظ صالحاً للمعنيين بدون تناقض؛ فإنه يحمل على المعنيين جميعاً.
كذلك: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) (١٧) (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (التكوير: ١٧، ١٨) ، عسعس: بعضهم يقول: يعني أدبر، وبعضهم يقول: عسعس يعني أقبل، واللفظ محتمل. إن وجد ما يرجح أحد المعنيين أخذنا به، وإلا قلنا اللفظ صالح للأمرين، فهو شامل. فيكون الله أقسم بالليل عند إقباله وعند إدباره وإذا قلنا عسعس: بمعني اقبل ليقابل قوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (التكوير: ١٨) ، صار من هذه الناحية أرجح.
ومثال الألفاظ المشتركة أيضاً: (القرء) يراد به الحيض، ويراد به الطهر.
* **
وإما لكونه، متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (٧) (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (النجم: ٨، ٩)
الشرح
يقول تعالي: (ذو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (٦) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (٧) (ثُمَّ دَنَا
стр. 50
فَتَدَلَّى) (٨) (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (٩) (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (لنجم: ٦-١٠) ، الضمير في ((دنا)) يعود على جبريل، وفي قوله: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) الضمير يعود على الله. وهذا هو الصحيح من أقوال المفسرين، وبعضهم قال: إن الضمائر واحدة لله.
وعلى هذا القول يكون تعالي دنا دنوا يليق بجلالة ، مثل ما قال: ((يدنو ربنا إلي السماء الدنيا ... الحديث)) (١) .
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) متعلقة بدنا، ويصح أن نقول: دنو الله قاب قوسين مثل ما قال الرسول ﵊: ((إن الذي تدعون هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) (٢) .
(أَوْ أَدْنَى) ((أو)) هذه معناها عند المفسرين، بمعني بل، أو للتحقيق، كقوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات: ١٤٧) ، أي: بل يزيدون. وبعضهم قال: إن ((أو)) هذه لتحقيق ما سبق كأنه يقول: إن لم يزيدوا لم ينقصوا، كما تقول عندي ألف درهم أو أكثر، فإن الناس يفهمون من المعنى أن الذي عندك لا ينقص عن ألف درهم؛ بل إما أن يزيد أو يكن بقدره.
* * *
وكلفظ الفجر، والشفع، والوتر، وليال عشر، وما أشبه ذلك. فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد
стр. 51
جوز ذلك أكثر فقهاء المالكية والشافعية والحنبلية وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني.
الشرح
يقول المؤلف: ومن التنازع الموجود بينهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين: وذكر أن اللفظ يكون محتملاً للأمرين بإحدى واسطتين:
الأولي: أن يكون اللفظ مشتركاً؛ كلفظ العين وما أشبهها.
والثانية: أن يكون متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين، والمتواطئ هو الذي طابق لفظه معناه، مثل إنسان، حجر، شمس، قمر، وما أشبهها، فهذا نسميه متواطئاً، لأن اللفظ يطابق المعني، فهما متواطئان أي: متفقان، يقول المؤلف: إما متواطئ لكن المراد به أحد النوعين، وهذا عندما يكون في متواطئ له نوعان فيراد به أحدهما، ولكن هذا في الواقع قليل جداً، إلا أنه قد يوجد ويكون تعيين أحد النوعين بحسب السياق.
فمثلاً كلمة (مع) في اللغة العربية هي متواطئة في معناها، إذ معناها المقارنة والمصاحبة، لكنها أنواع بحسب ما تضاف إليه، فإذا قلت: الماء مع اللبن فهو مختلط، وإذا قلت الزوجة مع زوجها، فمعناه بقاء عقد الزواج بينهما، وإذا قلت الضابط مع الجند فمعناه أنه يراعيهم، وليس بلازم أن يصاحبهم بذاته، بل يراعيهم ويلاحظهم، فكلمة (مع) الآن تجد أنها كلمة مطابقة فيها مصاحبة، لكنها اختلفت هذه المصاحبة في أنواعها باعتبار ما تضاف إليه.
стр. 52
ومن ذلك، الضمائر التي أشار إليها المؤلف، فإذا اختلفوا فيها فإننا نقول: إذا كانت الضمائر صالحة للمعنيين، فهو اختلاف تنوع وكل واحد منهم ذكر نوعا، وإذا لم تكن صالحة، فهو اختلاف تضاد، ثم إنه تعرض المؤلف ﵀ -إلى أن المشترك هل يجوز أن يراد به معنياه؟ والصواب أنه يجوز أن يراد به معنياه إذا لم يتنافيا، مثل ما مضي في (قسورة) يجوز أن يراد بها المعنيان، ويكون كل معنى كالمثال، فيكون الله أراد بقوله: (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) . أي: من الرامي فهم كحمر الوحش إذا رأت الرامي، أو المراد به الأسد فهم كالحمير الأهلية إذا رأت الأسد فرت، لأنه ليس عندنا قرينة تؤيد أحد المعنيين واللفظ صالح لهما ولا مناقضة بينهما.
أما لو كان بينهما مناقضة فإنه لا يمكن أن يراد به المعنيان، مثل (القرء) بمعنى الطهر وبمعني الحيض، فلا يمكن أن نقول الآية صالحة للمعنيين جميعاً، لأنه يختلف الحكم ولا يمكن أن يجتمعا , ومثل ((من راح في الساعة الأولى)) (١) الرواح يطلق على المسير بعد زوال الشمس، ويطلق على مجرد المسير، فهو مشترك بين مطلق الذهاب وبين نوع معين من الذهاب وهو المسير بعد زوال الشمس، ولذلك لا يمكن الجمع بينهما؛ لأنك لو قلت: من راح في الساعة الأولى معناه أن الساعات بعد الزوال، فمعناه لا تبتدئ رواحك للجمعة إلا بعد زوال الشمس، وعلى هذا تكون الساعات دقائق، لأن الإمام إذا زالت الشمس حضر، وإذا قلنا بأن الرواح مطلق الذهاب صار الرواح يبتدئ من أول النهار، أي من طلوع الشمس.
قوله: (وَالْفَجْرِ) (١) (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر: ١، ٢) ، (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) ، فيها قولان:
стр. 53
فبعضهم قال: هي ليالي عشر رمضان، وبعضهم قال: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) هي عشر ذي الحجة، فصار فيها قولان لاشتراك اللفظ، كذلك (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر: ٣) بعضهم قال الوتر: الله، والشفع: المخلوق، لأنه قال: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن) (الذريات: ٤٩)
وقال النبي ﵊: ((إن الله وتر)) (١) وبعضهم قال: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) هو العدد، لأن كل الخلائق متعددة إما إلي شفع وإما إلي وتر، واللفظ صالح للمعنيين جميعاً.
والصلاة وتر، لأن صلاة الليل تختم بالوتر فتكون وترا، وصلاة النهار تختم بالوتر فتكون وتراً، ولا ينافي ذلك كون صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة العصر أربع ركعات، فإن صلاة المغرب وتر، وهذه أوترت تلك، يعني أن المغرب جعلت ما سبق وتراً، ولهذا قال الرسول ﷺ : ((إنها وتر النهار)) (٢) . وقال الرسول ﷺ : ((إذا خشي أحدكم الصبح صلي واحدة فأوترت له ما قد صلي)) (٣) والراجح أنها شاملة للمعنيين؛ لأنه كلما كانت الآية تتضمن معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما.
стр. 54
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافاً أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة الأقوال، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن.
الشرح
يقول المؤلف ﵀: الترادف في اللغة العربية قليل، لأن الترادف في الحقيقة عبارة عن تضخم اللفظ، وكلام المؤلف صحيح بالنسبة للمعاني، أما بالنسبة للأعيان فإن الترادف فيها كثير، فكم للهر من اسم؟ وكم للأسد من اسم؟ وهكذا، المعاني صحيح أن الترادف فيها قليل ولكن مع ذلك موجود ولا يمكن أن ينكر، فمثلاً بر، وقمح، وحب، وعندنا باللغة العامية عيش هذا مترادف وهو كثير. وفي القرآن يقول: إنه نادر بمعنى أنه لا يمكن أن تأتي كلمة بمعنى كلمة في القرآن، ولكن هناك كلمة ((الشك)) في قوله تعالي: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) (يونس: ٩٤) وهناك كلمة (رَيْبَ) ، ((لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)) (البقرة: ٢) يظن بعض الناس أن الشك والريب معناهما واحد وليس كذلك كما سيذكر المؤلف، فحينئذ الترادف من كل وجه يقول إنه نادر أو معدوم. قوله: (وقل أن يعبر عن لفظ واحد، بلفظ واحد يؤدي جميع معناه) قوله:
стр. 55
((بلفظ واحد)) يعني مغاير أي غير الأول ((عن لفظ واحد بلفظ آخر)) يعني آخر لو، وقال المؤلف: ((عن لفظ واحد بلفظ واحد)) لكان أبين وأوضح، وهذا هو مراده.
* * *
فإذا قال القائل: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً) (الطور: ٩) إن المور هو الحركة، كان تقريباً، إذ المور حركة خفيفة سريعة. وكذلك إذا قال: الوحي الإعلام، أو قيل: (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) أنزلنا إليك، أو قيل: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيل) (الاسراء: من الآية٤) أي أعلمنا. وأمثال ذلك فهذا كله تقريب لا تحقيق فإن الوحي هو إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالاً إليهم وإيحاء إليهم والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته.
الشرح
يعنى الذين قالوا: إن معنى قوله تعالي: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً) أي: تتحرك، يقول هذا تقريباً، لأن المور حرك خفيفة سريعة وليست مطلق حركة، كذلك إذا قال الوحي هو الإعلام. أوحى الله إلى نبيه يعني أعلمه بكذا، فهذا أيضاً تفسير تقريبي، أو قال: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيل) يقول: أي أعلمنا إليهم، هذا أيضاً تقريبي؛ لأن معني قضينا إليهم أخص من أعلمنا؛ لأن معناها قضينا إليهم، يعني قضاء قدرياً واصلاً إليهم فهو ليس بمعنى مجرد الإعلام.
وبين المؤلف ذلك فقال: ((فإن الوحي هو إعلام سريع خفي. والقضاء إليهم أخص من الإعلام فإن فيه إنزالاً إليهم وإيحاء
стр. 56
إليهم والعرب تضمن الفعل معني الفعل وتعديه تعديته)) وهذا معروف وهو التضمين، بأن يضمن فعل معني فعل فيكون متعدياً تعدي ذلك الفعل.
ومثال ذلك وهو من أوضح الأمثلة قوله تعالي: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه) (الانسان: ٦) ، فالفعل يشرب ضمن معني يروي بها؛ لأنه ليس معقولاً أنهم يشربون بالعين، بل إنهم يشربون بالكاس، فبعضهم قال: إن معني ((بها)) أي: منها، وبعضهم قال: معني يشرب أي يروى بها، فيكون الفعل هنا مضمناً للشرب إعدالاً عن الشرب بلفظه ودالاً على المعنى وهو الري بمتعلقه وهو قوله (بها) .
* * *
ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في قوله: (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) (صّ: ٢٤) أي مع نعاجه و ((مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه) (آل عمران: ٥٢) أي مع الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلي نعاجه.
الشرح
وذلك لأن علماء النحو اختلفوا فيما إذا تعدى الفعل بغير ما يتعدى به في الأصل. هل يكون التجوز في الحرف أو أنه في الفعل، والصحيح كما قال أنه بالفعل، فيضمن الفعل معنى يتعدى بمثله إلي ما هو متعد إليه الآن وهنا (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) أي: بضم السؤال هنا ضمن معني الضم، أي: ضم نعجتك إلي
стр. 57
نعاجه، وليس المعنى بسؤال نعجتك مع نعاجه. أي ليس المعنى أن نجعل إلي بمعنى مع، كذلك (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه) ، يقول: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه) أي مع الله، أي من أنصاري مع الله، وليس الأمر كذلك، بل المعني من ينيب معي إلى الله؛ لأن أنصاري إلي الله يعني منيبين إليه، كما قال تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) (الروم: ٣١) .
* * *
وكذلك قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك) (الاسراء: ٧٣) ضمن معني يزيغونك ويصدونك، وكذلك قوله (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا) (الانبياء: ٧٧) ضمن معني نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه) (الانسان: ٦) ، ضمن يروي بها، ونظائره كثيرة.
الشرح
لماذا هنا قلنا إن تضمين الفعل أولى من التجوز بمعنى الحرف؟ لأن تضمين الفعل يؤدي معنى زائداً على معنى الفعل، بخلاف ما إذا جعلنا الحرف متجوزاً فيه فإنه يبقي الفعل على دلالته لمعناه فقط، ونحول معنى الحرف إلي معنى يناسب لفظ الفعل، فالتضمين إذاً أوضح وأولى.
قوله تعالي: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) (المعارج: ١) ، على رأي من يرى التجوز بالحرف يقول: سأل سائل عن عذاب واقع، وعلى القول الثاني سأل سائل مهتما بعذاب واقع. فيكون ضمن
стр. 58
سأل بمعنى اهتم به وبحث، حتى سأله عنه، أو يقال: سأل سائل أخبر بعذاب واقع، فيكون السؤال هنا مضمناً معنى الإخبار، يعني: سأل عن العذاب فأخبر بالعذاب.
* * *
ومن قال: ((لا ريب)) لا شك) فهذا تقريب. وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة كما قال: ((دع ما يريبك إلي ما لا يريبك)) (١) وفي الحديث: أنه مر بظبي حاقف فقال: ((لا يريبه أحد)) (٢) ، فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة، فالريب ضده ((ضمن الاضطراب والحركة)) لفظ الشك وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا يدل عليه. وكذلك إذا قيل: (ذلك الْكِتَاب) (البقرة: ٢) هذا القرآن فهذا تقريب؛ لأن المشار إليه وإن كان واحداً، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة، ولفظ ((الكتاب)) يتضمن من كونه مكتوباً مضموماً ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءا مظهراً باديا. فهذه الفروق موجودة في القرآن.
الشرح
أفادنا المؤلف ﵀ في هذا الكلام أن العلماء قد يفسرون
стр. 59
اللفظ بما يقاربه لا بما يطابقه، تقريباً للأذهان فمثلاً، (ذَلِكَ الْكِتَاب) إذا قال أي: هذا القرآن فهذا التفسير تقريبي، لأن إبداله ذلك بهذا يختلف به المعنى، فالإشارة بالبعد تتضمن من المعنى ما لا تتضمنه الإشارة بالقرب، والكتاب يتضمن ما لا يتضمنه القرآن، من كون الكتاب مجموعاً، وهذا معني قول المؤلف مضموناً، فإن الكتاب من الكتب بمعنى الجمع، ومنه الكتيبة لجماعة الخيل؛ لأنها مجتمعة.
* * *
فإذا قال أحدهم: ((أن تبسل)) أي: تحبس، وقال الآخر، ترتهن ونحو ذلك لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنا وقد لا يكون، إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جداً؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين.
الشرح
وذلك لأن عباراتهم المختلفة في اللفظ توجب للإنسان أن يحيط بكل ما تحتمله الكلمة من معنى قاله السلف، ومن أجمع ما يكون في ذلك تفسير ابن جرير- ﵀ فإنه جمع من ألفاظهم ما لم يجتمع في غيره، وتفسير ابن كثير كالمختصر له؛ لأنه إذا قال معنى الآية كذا وكذا قال: هكذا قال فلان وفلان وفلان، وعدد المفسرين القائلين بذلك، الذين أتى بهم ابن جرير بالسند، فشيخ الإسلام رحمة الله يقول: ((جمع العبارات في هذا نافع)) لأن مجموع عباراتهم
стр. 60
أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين.
* * *
ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق بينهم كما يوجد مثل ذلك في الأحكام.
ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاتفاق (١) معلوم: بل متواتر عند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهر رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت وغير ذلك، ثم إن اختلاف الصحابة في الجد والإخوة وفي المشركة ونحو ذلك لا يوجب ريباً في جمهور مسائل الفرائض، بل ما يحتاج إليه عامة الناس هو عمود النسب من الآباء والأبناء، والكلالة من الإخوة والأخوات، ومن نسائهم كالأزواج، فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة. ذكر في الأولى الأصول والفروع، وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض؛ كالزوجين وولد الأم، وفي الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب وهم الإخوة لأبوين أو لأب، واجتماع الجد والإخوة نادر، ولهذا لم يقع في الإسلام إلا بعد موت النبي صلي الله عليه وسلم.
والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل أو لذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون لغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف بمجمل الأمر دون تفاصيله.
стр. 61
الشرح
المؤلف ﵀ يقول: هذا الاختلاف قد يكون لأحد الأسباب لكن هذه الأسباب ليست شاملة؛ لأن أسباب اختلاف العلماء ذكرها ﵀ في كتاب ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) أكثر من هذه الأسباب، فهنا يقول: ((قد يكن لخفاء الدليل)) ، ويخفي الدليل بمعنى أنه لا يظن أن هذا دليل على كذا، فهو سمعه لكن خفي عليه أنه دليل، وقد يذهل عنه، أي: يكون ذاكراً له ولكن نسيه، وقد يكون لعدم سماعه وهذا هو الجهل، وقد يكون الغلط في فهم النص، وهذا قصور الفهم، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، يعني أنه فاهم الدليل، وعالم به لكنه اعتقد أن هناك معارضاً راجحاً يمنع القول بهذا الدليل، إما تخصيص، أو نص، أو تقييد، أو ما أشبه ذلك، ومن أراد البسط في هذا فليرجع إلي كتاب المؤلف ﵀ وهو: ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) ، وكذلك كتاب لنا صغير كالملخص لكن فيه زيادة تمثيل واسمه: ((الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه)) .
فصل في نوعي الاختلاف في التفسير المستند إلى النقل وإلى طريق الاستدلال
الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بيان جنس المنقول سواء كان المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.
стр. 62
وهذا القسم الثاني من المنقول: وهو ما لا طريق لنا إلي الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه والكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلي معرفته فإن الله تعالى نصب على الحق فيه دليلاً، فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة.
الشرح
وهذا صحيح فاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ليس فيه فائدة، سواء كان أحمر أو أبيض أو أسود، فلا فائدة لنا من معرفته، وليس لنا طريق إلي العلم به، إلا عن طريق الإسرائليين، والإسرائيليون ليسوا موثوقين، ولا فائدة لنا في العلم بلونه إذ لا يهم كونه اسود أو أبيض أو أحمر.
وكذلك أيضاً في البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، في قوله تعالي: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) هل البعض هو اليد أم الرجل أم الرقبة أم الرأس؟ فلا ندري.
* * *
وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها.
الشرح
فليس هناك فائدة في معرفة من أين خشبها ومما كان، هل كان من الأثل، أم من السمر، أم من الساج؟ وما كان مقدارها وطولها في السماء وطولها في الأرض وعرضها؟ كل هذا لا يهمنا.
* * *
стр. 63
وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر- (١) ، فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب- كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق (٢)
وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب- فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة.
стр. 64
كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن أهل يحدثوكم بباطل فتصدقوه)) (١) .
وكذلك ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحاً، فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلي الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين.
ومع جزم الصحابي بما يقوله فكيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا تصديقهم، والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ذلك.
وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج إليه ولله الحمد، فكثيراً ما يوجد في التفسير
стр. 65
والحديث والمغازى أمور منقوله عن نبينا صلي الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، والنقل الصحيح يدفع ذلك؛ بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما يعرف بأمور أخرى غير النقل.
فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي، والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد: ((ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي)) ويروي: ((ليس لها أصل)) أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير (١) ، والشعبي (٢) ، والزهري (٣) ، وموسى بن عقبة (٤) ، وابن إسحاق (٥) ،
ومن بعدهم، كيحيي بن سعيد الأموي (٦) والوليد بن مسلم، والواقدي (٧) ونحوهم من كتاب المغازي.
стр. 66
فإن أعلم الناس بالمغازى أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق.
الشرح
هذه فائدة مهمة جداً لأن أهل كل بلد وطائفة قد يكونون أعلم من البلد الآخر والطائفة الأخرى في شيء من مسائل الدين، فإذا قيل لك: من أعلم الناس بالمغازى؟ فكما قال الشيخ رحمة الله أهل المدينة، ثم أهل الشام ثم أهل العراق، وعلل الشيخ ذلك فقال:
* * *
فأهل المدينة أعلم بها؛ لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم، ولهذا عظم الناس كتاب أبي إسحاق الغزاري الذي صنفه في ذلك، جعلواالأوزاعي (١) أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار.
الشرح
عنى المؤلف هنا خاصة بأبي إسحاق الفزازي
стр. 67
والأوزاعي.
***
وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد (١) وعطاء بن أبي رباح (٢) وعكرمه (٣)
مولي ابن
стр. 68
عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس (١) ، وأبي الشعثاء (٢) وسعيد بن جبير (٣) وأمثالهم وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود.
стр. 69
الشرح
يقول المؤلف ﵀: إن التفسير أعلم الناس به أهل مكة بخلاف المغازى فأعلم الناس بها أهل المدينة ويعلل ذلك فيقول: لأنهم أصحاب ابن عباس ﵁ وعن أبيه، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح.
* * *
ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن اسلم (١) الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وأخذه من عبد الرحمن عبد الله بن وهب.
والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو اتفاقاً بغير قصد، كانت صحيحة قطعاً، فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقاً للخبر، وإما أن يكون كذباً تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقاً بلا ريب.
الشرح
المراسيل هل تكون صدقاً أو هل تكون صحيحة أم لا؟ والمراسيل هي: التي رفعها إلي النبي ﷺ من لم
стр. 70
يسمع منه؛ من تابعي أو صحابي، فالمرسل: هو ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلي الله عليه وسلم، فلو روى محمد بن أبي بكر حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم سميناه مرسلاً، لأنه لم يسمع منه قطعاً، فمحمد ابن أبي بكر ولد في عام حجة الوداع. ومع ذلك قال أهل العلم: إن مراسيل الصحابة حجة، وأما مرسل التابعي فالتابعون يختلفون فمنهم من يقبل مرسله، ومنهم من لا يقبل، فالذين تتبعوا وعرف أنهم لا يرسلون إلا عن صحابي مثل سعيد بن المسيب، فإنه قد قيل إنه لا يرسل إلا عن أبي هريرة فيكون مرسله صحيحاً، والذين ليسوا على هذه الحال ينظر في المرسل نفسه، إذا تعددت طرقه وتلقته الأمة بالقبول فإنه يكون صحيحاً ومثال ذلك حديث عمرو بن حزم، أن النبي ﷺ كتب إلي أهل اليمن كتاباً فيه ذكر الديات والزكاة، ومنه ((وأن لا يمس القرآن إلا طاهر (١)) ) .
* * *
فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لهم يتواطؤوا على اختلافه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقاً بلا قصد، علم أنه صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل القوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كذب بها عمداً أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه،
стр. 71
فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتاً وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروى فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظاً ومعنى مع الطول المفرط، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدث حديثاً طويلاً فيه فنون وحدث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه أو يكون الحديث صدقاً، وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافياً إما لإرساله وإما لضعف ناقله.
الشرح
المؤلف ﵀ يقول: إن المراسيل إذا تعددت طرقها، وليس فيها اتفاق أو مواطأة عليها، فإنه يعلم بأنها صحيحة، ثم ضرب مثلاً: لو أن رجلاً أخبرك بخبر عن واقعة وفصل ما فيها تفصيلاً كاملاً عن كل ما جرى فيها من قول وفعل وإن زدت فقل ومن حضور، وهذا الرجل ضعيف عندك لا تثق بخبره، لكن جاءك رجل آخر وحدثك بنفس الحديث وأنت تعلم أنه ما حصل بينه وبين الأول مواطأة ولا اتفاق، ثم جاء ثالث ورابع وهكذا، وإن كان هؤلاء كلهم ضعافاً لكن كون كل واحد منهم يذكر القصة على وجه مطابق للآخر مع طولها هذا يبعد أن يكون الخبر مختلفاً، لكن لو كانت القضية واقعة صغيرة مثلاً، وجاء إنسان وحدث بها، ثم آخر وهكذا، وكلهم ضعاف فإنها قد لا تصل إلي العلم وإلي الجزم بأنها حق؛ لأن مثل الكذبة الواحدة قد تقع، فقد يقولها قائل، ثم يقولها الثاني، ثم يقولها الثالث
стр. 72
وهي لست لها أصل، مثل أن يكون أناس يريدون أن يروعوا الناس فقالوا: إنه سقطت مثلاً قذيفة في مكان، ولكن ما وصفوها، وقال آخرون مثل ذلك، وهكذا، فربما يكون هؤلاء قصدوا بذلك الترويع وكذبوا في هذا، لكن يأتون يكون لنا قصة بتفاصيلها القولية والفعلية هذا يبعد أن يكون ذلك على سبيل الكذب إلا إذا علمنا أن بينهم اتفاقاً أو مواطأة على ذلك.
وهذا هو حاصل ما ذكره المؤلف ﵀، وكل ذلك يريد به أن يؤيد أن المراسيل إذا تعددت طرقها وعلم أنه ليس هناك مواطأة ولا اتفاق فإنها تكون صحيحة؛ لأن كلا منهم يذكرها عن الرسول ﵊، وكونهم يتفقون على هذا من طرق متعددة يدل على أن لها أصلاً عن النبي ﷺ ، لأنه يبعد في العادة أن مثل هؤلاء كلهم ينسبونها إلي الرسول ﵊ بدون أن تصل إليهم من طريق مرفوع.
ثم اذكر أيضاً أن المؤلف ﵀ يقول العادة ويكررها، وذلك لأن مثل هذه المسائل الخبرية- كما قال ابن حجر- لا مدخل للعقل فيها، ولو أننا أخذنا بكل احتمال عقلي ما بقي علينا خبر يمكن تصديقه ولا حكم يمكن إثباته؛ لأنه في المجادلة كل إنسان يورد لك احتمالاً ويقول يحتمل كذا وكذا.
* **
لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق.
стр. 73
الشرح
والمعنى أن هذه الطريق التي ذكرها المؤلف ﵀ لا يمكن أن تثبت بها الألفاظ والدقائق التي لا تعلم إلا بطريق آخر أصح منها. فالمؤلف ﵀ هنا لا يتكلم عن المراسيل، بل يتكلم عن هذه الحادثة التي وقعت وحصل فيها التفصيل، فإن الألفاظ والدقائق التفصيلية من هذه الحادثة لا تثبت بهذه الطريق، بل يحتاج إلي نقل صحيح يعتمد عليه لإثباتها، أما هذه التفاصيل في ظل الحادثة- ونحن نتكلم عن الحادثة عموماً- تثبت بهذه الطريق التي توافقوا فيها، لكن الدقائق والتفاصيل لا تثبت إلا بطريق يثبت به مثل هذه الدقائق والتفاصيل.
* * *
ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر وأنها قبل أحد، بل يعلم قطعا أن حمزة وعلياً وابا عبيدة برزوا إلي عتبة وشيبة والوليد، وأن علياً قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه، ثم يشك في قرنه هل هو عتبة أم شيبة؟!.
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك، ولهذا إذا روى الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم من وجهين- مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر- جزم بأنه حق، لا سيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما يخاف على أحدهم النسيان
стр. 74
والغلط، فإن من عرف الصحابة كابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة وغيرهم علم يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله. ﷺ فضلاً عمن هو فوقهم، كما يعلم الرجل من حال من جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع الطريق ويشهد بالزور، ونحو ذلك.
وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عرف مثل أبي صالح السمان (١) والأعرج (٢) وسليمان بن يسار (٣) وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعاً أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث،
стр. 75
فضلاً عمن هو فوقهم مثل محمد بن سرين (١) والقاسم بن محمد (٢) أو سعيد بن المسيب (٣)
أو علقمه (٤) أو الأسود (٥) أو نحوهم.