معناه: أنه لا يستقيم إلا على مذهب أبي حنيفة حيث صحّح الصلح عن الإنكار مع كونه بذل عوض (١) عن دعوى ما لم تثبت (٢) فكما جعل مجرّد الدعوى مقابلة بالعوض (٣) كذلك يجعلها قابلة للإبراء (٤)، وأما (٥) نحن فلم نجعلها كذلك، والدعوى تنقسم إلى حق وباطل، وليست حقا ثابتا، فكيف يستقيم الإبراء عنها (٦)، والله أعلم.
الصحيح القطع بصحة دعوى الاستيلاد والتدبير، وتعليق (العتق بصفة (٧)، لأنها حقوق ثابتة في الحال لا توصف بالتأجيل) (٨) بخلاف الدين المؤجل (٩)، والله أعلم.
قوله في جواب المدّعى عليه "لو قال لفلان: عليّ أكثر مما لك، ليس بإقرار؛ لأنه يحتمل الاستهزاء" (١٠).
هذا فيه نظر، وقد علّله الفوراني (١١) بأنه قد يريد لفلان من الحرمة أكثر مما لك (١٢)، والله أعلم.
стр. 1857
ذكر فيما إذا أقرّ لغيره فكذّبه، ثم رجع المقرّ له وجهين في قبول رجوعه، ولو رجع المقرّ (والمقرّ) (١) له مصرّ على التكذيب، ففيه وجهان مرتبان، وأولى بأن لا يقبل؛ لأنه نفى الملك عن نفسه (٢).
هذا مشترك بين المقرّ والمقرّ له إلا أن المقرّ في ذلك مخبر عن نفسه، فيبعد غلطه فيه، فلا يقبل (٣) دعواه الغلط بخلاف المقر له، فإنه ردّ خبر غيره (٤)، فلا يبعد خفاؤه عليه وغلطه فيه، فقبلت دعواه بالغلط.
وقوله: "هذا إذا لم تزل يده" (٥) يعني هذا على قول من قال: تقرّر (٦) العين في (٧) يد المقرّ، والله أعلم.
الفرع الثاني (٨): كأنه من اللُّغْز (٩)، ولم نجده مسطورا على الوجه الذي ذكره في كتاب آخر، وإنما (١٠) أورده بعبارة يتبين بها - إن شاء الله تعالى - فنقول:
إذا ثبت ملك الغائب ببينة أقامها بعد رجوعه، ودعواه الملك، ولكن بعد إقرار صاحب اليد للمدّعي الغائب المذكور على ما فرضنا في أصل المسألة،
стр. 1858
فليس للمدّعي الأول تحليف المقرّ صاحب اليد ليُغَرّمه (١)، فإن الحيلولة مضافة إلى البينة، وإن ترجحت بإقراره، وكذلك لو أقرّ صاحب اليد للغائب مع إقامة البينة، ولكن بعد إقراره للمدّعي الأول، فإن العين تسلّم إلى الغائب، ولا يغرم للمدّعي الذي أقرّ له أولا، ولا يقال: إذا أقرّ لشخصين، أحدهما بعد الآخر، فإنه يغرم على أحد القولين لمن لم يحصل له (٢) المقرّ به (٣)، فكذلك ههنا قد أقرّ لاثنين، فينبغي أن يغرم لمن لم يحصل له (٤) المقرّ به، ههنا هو الأول، وفي غيره هو الثاني؛ لأنا نقول: إنما ذلك إذا حصل لمن حصل له بإقراره، وههنا حصل لمن حصل له بالبينة، فاعلم ذلك! والله أعلم.
ذكر فيما إذا خرج المبيع مستحقا ببينة وكان المشتري قد قال عند الدعوى عليه: كذا ملكي اشتريته (٥) من فلان وكان ملكه ففي رجوعه بالثمن على البائع وجهان (٦).
فقوله (٧): "اشتريته من فلان وكان ملكه"، لا حاجة إليه في صورة المسألة، بل لو قال: هذا ملكي، واقتصر عليه ففي رجوعه الوجهان (٨)، فإن
стр. 1859
قوله "هذا ملكي" يتضمن إقراره للبائع بالملك، فإن الكلام مفروض فيما إذا لم يوجد من أسباب الملك غير ابتياعه منه، وهكذا صورها صاحب "النهاية" (١)، والله أعلم.
ثم إن قول المصنف في هذه المسألة الخامسة "أما إذا ادّعى جارية، وأقام بينة واستولدها ثم كذب نفسه ... إلى آخره" (٢) غير مرضي، فإن هذه (٣) مسألة أخرى لا تناسبها مناسبة يقتضي أن تذكر هكذا في جملتها، وأدخل بينهما في "البسيط" (٤) مسألة رجوع المشتري بثمن الجارية إذا ادّعت عليه أنها حرة الأصل، وأثبتت ذلك بيمينها (٥)، وذلك قريب، والله أعلم.
قوله: وقول غيره (٦) في تغليط اليمين: "والله الذي لا إله هو الطالب الغالب" (٧)،.
قد أنكره الإمام أبو سليمان الخطابي (٨) ﵀ من حيث إنه لم يرد به في صفات الله تعالى توقيف.
стр. 1860
وأجيب عنه بأن ذلك من قبيل اسم الفاعل الذي غلب فيه معنى الفعل دون (١) الصفة فالتحق بالأفعال (٢)، وإضافة الأفعال إليه سبحانه مستحقة (٣) لا تتوقف على توقيف، وكذلك توسع الناس في ذلك في تحميداتهم وتمجيداتهم (٤) وغيرها، والله أعلم.
وقوله في القاضي الحنفي إذا حلف الشافعي (على نفي) (٥) شفعة الجوار، فليس له أن يحلف بناء على مذهب نفسه، بل يأثم, وتنعقد (٦) اليمين كاذبة "لأنه قد لزمه في الظاهر لما (٧) ألزمه (٨) القاضي، وهل يلزمه في الباطن؟ فيه خلاف" (٩).
و (١٠) هذا متهافت (١١)؛ لأنه قطع بتأثمه بناء على اللزوم في الظاهر مع أن في اللزوم باطنا خلافا، ومن يقول: لا يلزمه (١٢) في الباطن (١٣) لا يؤثمه في يمينه على وفق الباطن قطعا.
стр. 1861
ولو قال: يأثم في يمينه؛ لأنه لزمه في الظاهر والباطن موافقة عقيدة القاضي أو اليمين، وهل يلزمه في الباطن القيام بالشفعة؟ فيه خلاف يظهر (١) أثره في جواز الامتناع منها بتعزّز (٢) أو غيره، لا في جواز الحلف بناء على مذهب نفسه لكان متجها، وقد سبق منه في كتاب القضاء (٣) ذكر خلاف في أن حكم الحاكم هل يحيل (٤) الباطن في المجتهدات (٥)؟ وعلى هذا ينبغي حلّ شفعة الجوار للشافعي إذا قضى له بها حاكم حنفي، والله بغيبه أعلم.
قوله: "بل (٦) الاعتقاد كالاجتهاد" (٧)، أي اعتقاد (٨) المقلد في ذلك كاجتهاد المجتهد، والله أعلم.
إذا ادّعى المدّعى عليه أنه صبيّ دفعاً للدعوى (٩) عنه لم (١٠) يحلف في (١١) أنه
стр. 1862
صبيّ (١)؛ لأن يمينه إنما تصح إذا كان بالغا، وهو يقول: إنه غير بالغ.
وقوله: "لو قال: أنا بالغ صُدَّق ولم يحلف (٢) "، فيه تفصيل سبق منه ذكره في كتاب الإقرار (٣)، وهكذا إذا قال: بلغت بالاحتلام (٤)، والله أعلم.
قوله: "وقال مالك: إن كانت البينة حاضرة لم يجز" (٥)، في"النهاية" (٦) في المجلس، والله أعلم.
قوله: فمن ادّعى عليه الساعي الزكاة فأنكر وتوجهت عليه اليمين ونكل: "فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقضي عليه (بالنكول) (٧) [للضرورة] (٨). والثاني: أنه يحبس حتى يقرّ أو يؤدي" (٩).
стр. 1863
كذا وقع في "الوسيط"، ولا وجه له على (١) ما (٢) لا يخفى، و (٣) صوابه: حتى يقرّ أو يحلف، وهكذا هو في "البسيط" (٤) و"النهاية" (٥) وغيرهما (٦)، والله أعلم.
قوله: "ذميّ غاب ثم رجع مسلما وزعم أنه أسلم قبل انقضاء السنة فلا جزية عليه، ونكل عن اليمين" (٧).
يعني أن القول قوله مع يمينه (٨) , لأن (٩) الأصل براءة ذمته، فلو لم يغب وكان بيننا وادّعى ذلك لم يقبل قوله, لأنه على خلاف الظاهر, لأنه لو كان قد أسلم لأظهر إسلامه، ولم ينكتم (١٠)، ثم أنه ذكر فيها وجوها ثلاثة: وذكر في الوجه الثاني: "أنه يحبس حتى يقرّ أو يقيم البينة", وصوابه أيضاً: أو يحلف (١١)، وذكر وجهاً ثالثا: أنه لا شيء عليه (١٢)، وهذا الوجه يجري مثله في مسألة الزكاة (١٣)،
стр. 1864
وهو قول من قال فيها: إن اليمين مستحبة (١)، والله أعلم.
"الثالثة (٢): الصبي المشرك إذا أنبت وادّعى أنه استعجله بالمعالجة، وقلنا: إن الإنبات (٣) ليس عين البلوغ، بل أمارة عليه فالقول قوله مع يمينه (٤) فإن نكل قتل" (٥).
نصّ عليه الشافعي فيما نقله القاضي (٦).
وقوله في "الوسيط" (٧): "وليس ذلك حكماً بالنكول" خلاف المقطوع به في "النهاية" (٨) و"البسيط" (٩) من أن ذلك قضاء بالنكول، ولكن هذا المذكور في "الوسيط" أثبت ما هو منقول عن الأصحاب (١٠) خلافاً لابن القاص (١١) في مصيره (١٢) إلى أن ذلك قضاء بالنكول، وفي كتاب "البحر" (١٣) تأويل كلام ابن القاص على موافقتهم، وأنه أراد أنه يحكم عند النكول بالسبب الظاهر المتقدم (١٤)،
стр. 1865
لا بالنكول كما قال غيره، ثم هذا كله عندهم مطرد في المسائل الأخر التي فيها سبب ظاهر يحال عليه الحكم، وكلام صاحب الكتاب في مسألة الذمي (١) تحتمل أيضاً ذلك، والله أعلم.
قوله: "شاهدان مقدَّمان على رجل شاهد وامرأتين على طريقة (٢)، ومنهم من قطع بطرد القولين، وهو الأظهر" (٣).
فترك الطريقة المذكورة (٤)، القطع بالتسوية (٥)، ونقل طريقتين: الأولى منهما لا تعرف (٦)، والثانية غريبة (٧)، وهي طريقة الفوراني (٨)، وقد نقل شيخه (٩) ﵀ عن الأصحاب القطع بعدم الترجيح، وذكر ذلك في "البسيط" (١٠) عوضا عن طريقته (١١) الأولى المذكورة ههنا (١٢)، ووجدت في "تعليق" (١٣)
стр. 1866
القاضي حسين أنه لا خلاف في أنه لا ترجيح، وهذا مع نقله القولين في الترجيح بزيادة العدد، وزيادة العدالة، وذلك منه. وممن سلك مسلكه مشكل لم أجدهم تعرضوا لبيانه، ولعل وجهه: أن في الرجل، والمرأتين زيادة العدد، وفي [الرجلين] (١) زيادة العدالة فتقاومتا، والله أعلم.
قوله في إمكان تأويل البينتين المتعارضتين (٢) في الملك "لعل (٣) كل (٤) واحد سمع وصية له أو شراء" (٥).
ينبغي أن يجعل الوصية والشراء على مرتين (٦) كما فعله شيخه (٧) ﵀. والوصية يقرب فيها الجمع والتأويل بأن يكون إحدى (٨) البينتين سمعت وصية الملك (٩) أولا بجميع العين لأحد المدعِيَيْن، ثم سمعت الأخرى وصية (١٠) بجميعها للآخر (١١)، ولم تعلم كل واحدة (١٢) منهما بما سمعته صاحبتها (١٣)،
стр. 1867
والعين (١) في نفس الأمر مشتركة بينهما كما عرف.
وأما الشراء فذكر الإمام (٢) أن صورته: أن تشهد إحداهما (٣): لواحد بشراء عين، وتشهد الأخرى لآ [خر] (٤) بشراء تلك العين مع اتحاد التاريخين. قال: فتأويل الاجتماع على التصديق بعيد. ولم يذكر وجهه مع إشكاله.
فقلت: يمكن ذلك بأن (٥) تكون تلك العين مشتركة بين شخصين نصفين، وكل واحد منهما وكيل لشريكه في بيعها (٦)، فباعها كل واحد منهما من شخص في تاريخ واحد، وحضر شراء كل واحد من المشتريين بينة عارفة بوكالة البائع منه من شريكه، وكان قد انعزل بجنون طرأ (٧) أو غيره، فشهدت له بالشراء للعين (٨) بكمالها، لكونها لم (٩) يعلم بالانعزال فهما صادقان على نحو ما سبق في مسألة الوصية، والثابت في نفس الأمر لكل واحد من المشتريين نصف المبيع، هكذا يتصور مثله في غير الشراء، والله أعلم.
قوله في المرأة التي يدعيها زوجان: "قول الوقف لا يجري؛ لأن الصلح غير ممكن" (١٠).
стр. 1868
هكذا ذكره شيخه (١)، وحكاه عن الأئمة، وذكر صاحب "التهذيب" (٢) أنه يجري، وهذا هو الصحيح (٣)، لأن اصطلاحهما على أن يأخذ كل واحد منهما شيئا وإن لم يتمكن فرجوع المنكل منهما إلى تصديقه الحق، والله أعلم.
دار في يد ثالث ادّعى شخصين نصفها فصدّقه، وادّعى الآخر نصفها الآخر فكذبه مع أنه لا يدّعيه لنفسه، ولا يدّعي له سوى هذا المدَّعي فثلاثة أوجه: الوجه الثاني: أنه يترك في يد صاحب اليد (٤)، لأن يده ترجيح على يد غيره بالاستصحاب.
ووقع في النسخ في تعليل هذا الوجه "أنه مال ضائع لا مالك له"، وهذا إنما ذكره في تعليل الوجه الثالث، وهو أنه ينزع من يده، ويترك في يد القاضي كما في الأموال الضائعة، ويحتمل أن يفرق بينهما وبين هذا، فإن هذا كان ثم مقرًّا في يد معينة يستصحبها، ثم إنه أورده (٥) هذه المسألة في ترجيح تعارض البينتين، ولا بينة فيها، والله أعلم.
стр. 1869
ومن كتاب العتق
ذكر خلافاً في إعتاق البهيمة (١)، وإنما ذلك فيما ملك بالاصطياد. وأما البهيمة الإنسيّة فإعتاقها من قبيل سوائب الجاهلية (٢)، وذلك باطل قطعا، والله أعلم.
قوله: "أو قال: يا كَذْبَانُو للأمة" (٣).
هذه الكلمة فارسية، معناها: سيدة البيت القائمة بتدبير أمره، وهي بكاف مفتوحة، ثم ذال معجمة (٤) ساكنة، ثم باء موحدة، ثم ألف ونون مضمومة، ثم واو، والله أعلم.
شبّه ما إذا كان اسم الغلام "اَزَاذْرُوْيِ" (٥) بما إذا كان اسم الجارية "حُرَّة" (٦)، وليس يشبه ذلك هذا، فإن "أزاذروي" معناه: حرّ الوجه، فكان ينبغي أن يذكر في ذلك بما إذا كان اسمه "آزَاذْمَرْدْ" فإن معناه: رجل حرّ، و"آزاذ" معنا: حرّ،
стр. 1870
أوله همزة ممدودة، بعدها زاي منقوطة، ثم ألف ثم ذال معجمة ساكنة، ويتصل به في الكلمة الثانية "مرد"، وهو بميم مفتوحة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم دال مهملة ساكنة، ومعناه: رجل، والله أعلم.
قوله: "خواص العتق خمس" (١).
معناه: أنها خواصه إلى (٢) الإطلاق لا بالنسبة إلى سائر التصرفات (٣)، والله أعلم.
[قوله: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق شركا له في عبد وله مال قوّم عليه الباقي)] (٤)، حديث متفق عليه (٥)، رواه ابن عمر ﵄.
قوله: "وتظهر فائدته في الإضافة إلى العضو المقطوع" (٦).
стр. 1871
من المفهوم ظاهره (١) ما إذا قال: مثلا بعد قطع يده: يدك حرة، وقد سبق منه في كتاب الطلاق (٢) أن الصحيح أن هذا ليس محل الخلاف، بل لا يعتق قطعا، وإنما محل الخلاف ما إذا قال: إن دخلت الدار فيمينك حرّ، فقطعت ثم دخل الدار (٣)، والله أعلم.
ذكر أنه إذا أوصى بأن يعتق (٤) نصيبه من عبده فلا يسري ثم قال: "إلا أن يستثني بالوصية" ثم فسر ذلك بأن يوصي بشراء نصيب الشريك، وإعتاقه (٥).
وهذا ليس في الحقيقة استثناءً من ذلك، وإن (٦) إعتاق نصيب الشريك في هذا ليس بالسراية، بل بالمباشرة، فكأنه أراد أنه لا سبيل إلى أن يعتق عنه نصيب شريكه بعد موته إلا أن يوصى بالشراء والإعتاق، والله بغيبه أعلم.
ذكر من شروط السراية "أن لا يتعلق بمحلها حق لازم كما لو كان مرهونا، أو مدبّرا، أو مكاتبا، أو مستولدة" (٧).
стр. 1872
وقد عرف أن التدبير غير لازم، فكأنه أراد أنه لازم بالنسبة إلى الغير، فليس للغير إبطاله.
وصورة كون نصيب الشريك مكاتبا، أن يكاتبه الشريكان معا، ثم يعتق أحدهما نصيبه، أو يموت شخص عن ابنين، وله عبد فيدّعي أن الميت كاتبه فيصدّقه أحد الابنين دون الآخر، فإنه يصير نصيب المصدّق مكاتبا، فإن كاتبه أحدهما وحده لا يصح على المذهب (١).
وصورة الاستيلاد أن يكون المستولد معسراً، والله أعلم.
ذكر استيلاد أحد الشريكين الجارية، وقال: "وإن كان معسراً فلا يسري، فلو استولدها الثاني، وهو معسر ... إلى آخره" (٢).
فنقول: قد علم أن الثاني لا فرق فيه بين أن يكون معسراً، وأن يكون موسرا، فينبغي أن يجعل قوله "وهو معسر" عائد على الأول، أي الأول معسر كما سبق تصويره، مثل أن يقال: فلو استولدها الثاني والحالة هذه، والله أعلم.
قوله: وفي الفرق من جراحات الجارحين، وبين إعتاق الشركاء، وحيث قطعنا بأن الضمان هناك موزّع على رؤوس الجارحين، ههنا قولان "لأن الجراحة لا يتقدر أثرها بقدر غورها، وههنا السبب مقدر تحقيقا" (٣).
معناه: أن الجراحة لا ينفذ دارسها بقدر عمقها، ولا يقدر سعتها فلا يستوي أرش (٤) جراحتين متفاوتتين في ذلك، أو بعضه؛ لأن منزلتها تختلف ولا تتقدر
стр. 1873
على قدر الجراحتين ... (١) صورة، فعدلنا عن اعتبار مقادير الجراحات إلى اعتبار عدد الجارحين، وأما ههنا فالسبب هو الإعتاق، وهو مقدر بقدر الملك، والله أعلم.
إذا قال أحد الشريكين لشريكه: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حرّ، وكانا موسرين، فهذا دور، وعند ابن الحداد (٢) يشد (٣) على الشريك المقول له ذلك (٤).
الطريق إلى إعتاقه (٥) نصيبه كما صدر إليه في المسألة السريجية (٦) من انسداد باب الطلاق، ولم يذكر في الكتاب ههنا غيره أن ذلك ههنا أبعد، فإن فيه الحجر على الإنسان في إعتاق ملكه يقول غيره، والصحيح إبطال الدور، وأنه يعتق نصيب كل واحد منهما عليه من غير سراية (٧)، والله أعلم.
стр. 1874
قوله: "كل من دخل في ملكه أحد أبعاضه عتق عليه"، ثم قوله "الأبعاض تناولنا به جميع الأصول والفروع" (١).
هذا في غاية الإشكال؛ لأنه بعض من الأب مثلا، وليس الأب بعضا منه، فطلب لكلامه وجها؛ لا يكون فيه الالتزام كون الأب بعضا منه، فلما وجدته يقول في كتابه المسمى "تحصين المآخذ في الخلاف" إن الجدّ بعض الأب انسدّ علينا هذا الباب، فعدلنا إلى تكلف وجه التقرير كون الأب بعضا منه، فوجهناه بأن الأبوين هما السبب في وجوده، فالأب إذاً بعض السبب، والأم بعض السبب، وكل واحد منهما بعض منه بهذا الاعتبار، والله أعلم.
"ورثه أخوه فقبل بنيابته" (٢).
كان ينبغي أن يسمى ذلك خلافة لا نيابة، فإن فيها نَبْوَة (٣) عن حقيقة الوراثة وحكمها، والله أعلم.
حديث (أعتق رجل ستة أعبد لا مال له غيرهم، فجزّأهم (٤) رسول الله ﷺ
стр. 1875
ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم)، يرويه عمران بن حصين (١)، رواه مسلم وغيره (٢)، وفيه أنه (أعتقهم عند موته)، والله أعلم.
قوله: (وقد أقرع رسول الله ﷺ في الغنائم مرة بالنوى ومرة بالبعر) (٣).
لا أعرف له صحة (٤)، والله أعلم.
قوله: "النظر الثالث: في فروع متفرفة" (٥).
ليست فروع لما تلته أمر القرعة، وإن كان قد قال قبله: "النظر الثاني: في كيفية القرعة" فليس هذا ثالثا بالنسبة إلى هذا الثاني، وأنه صرّح في أولها وأن فيها نظرين، وأيضاً ففي هذه الفروع ما يأبى كونها فروعا للقرعة، وإنما هذا
стр. 1876
فروع الأصل (١) "كتاب العتق"، وقد قال في أوله: "والنظر في أركانه وخواصه وفروعه" فهذه فروعه تلك، والله أعلم.
قوله في إعتاق الوارث عبدا من التركة قبل قضاء الدين: "لعل الأصح أنه كان معسرا، لم ينفد تصرفه، وإن كان موسرا فيكون تصرفه كتصرف الراهن" (٢).
معناه: أنه إن كان معسرا لم ينفذ إعتاقه قولا واحدا (٣) بخلاف الراهن، فإن فيه إذا كان معسرا قولا (٤)، والفرق أن ملك الوارث ثلثاه من الميت فيقدم فيه حق الميت، ويقتضي ذلك امتناع تصرف الوارث إذا كان على وجه يفوت حق الميت من قضاء دينه، والله أعلم.
стр. 1877
كتاب الكتابة
قوله: "الكتابة عبارة عن (الجمع)، ولذلك سمّي اجتماع الحروف كتابة، واجتماع العسكر كتيبة، واجتماع النجوم في هذا العقد كتابة" (١).
العبارة غير مرضية؛ إذ ليست الكتيبة عبارة عن اجتماع العسكر، وإنما هي عندهم عبارة عن قطعة من العسكر مجتمعة (٢).
والصواب أيضاً أن يقال: جمع الحروف، وجمع النجوم، لا اجتماع، والله أعلم.
قوله في استحباب الكتابة (٣): "ظاهر الكتاب لم يشترط إلا الأمانة، إذ قال الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٤) " (٥)
هذا خلاف الظاهر، وخلاف نص الشافعي ﵀، ومذهبه في هذا "الخير" فإنه قال فيه: وأظهر معاني "الخير" في العبد الاكتساب مع الأمانة (٦)،
стр. 1878
وحكى ذلك عن أبي حنيفة (١) ومالك (٢) وغيرهما، وحكي عن ابن عباس (٣) وابن عمر (٤) وغيرهما (٥) أن "الخير" فيها هو الاكتساب خاصة، وحكي عن الحسن البصري وسفيان الثوري (٦) أنهما قالا: هو الأمانة والدين خاصة، ومذهب الشافعي فيه هو الأقوى (٧)، والله أعلم.
قوله: "العتق يحصل بالإبراء والاعتياض" (٨).
هذا إخبار منه لجواز الاستبدال عن نجوم الكتابة، وهو اعتياض يجري بين السيد والعبد (٩) وفيه وجهان على القول الصحيح بأن بيع النجوم من الغير
стр. 1879
باطل (١)، والفرق أن الاستبدال طريق في الأداء، والله أعلم.
قوله في عوض الكتابة: "شرطه: أن يكون دينا مؤجلا" (٢).
إذا قيل: قوله: "مؤجلا" يغني عن قوله "دينا" فإن المؤجل لا يكون إلا دينا.
فجوابه: ما قدمناه فيما تقدم أن دلالة الالتزام لا يكتفى بها في المخاطبات، وهذان وصفان مقصودان.
وفي قولنا "دين" احتراز عن العتق.
فيما إذا جمع بين الكتابة والبيع في صفقة واحدة: "صيغته أن يقول: بعتك هذا الثوب وكاتبتك بألف إلى نجمين" (٣).
هذا غلط سبق به القلم، فإنه ليست هذه صورة الخلاف الذي ذكره، بل البيع فيها باطل قولا واحدا (٤)، وإنما صورة هذه المسألة فيما إذا قدم الكتابة على البيع فقال: كاتبتك وبعتك هذا بألف إلى نجمين كذا وكذا (٥)، وقد بين
стр. 1880
هو ﵀ الأمر في ذلك على ما ذكرته (١) في باب الرهن (٢)، والله أعلم.
ذكر في كتابة الحربي أنه إذا كان في النجوم خمر، وقبض بعض الخمر بعد الإِسلام عتق، ويرجع السيد على العبد بقيمته كلها، ولا توزع على ما قبضه قبل الإِسلام، وعلى ما قبضه بعده. قال: "وقد ذكرنا (٣) نظير ذلك في الخلع فلا نعيده" (٤).
لم يذكر ذلك في الخلع، وهو مشكل، فإن في مثله في الصداق يوزّع، والفرق أن المعوض في الكتابة هو العتق لا يحصل إلا بقبض جميع النجوم، وعند قبض آخرها لا يثبت لما تقدم منها حكم العوضية إلا بقبض آخرها، وأنه لو عجز كان ما مضى مقبوضا، قبض كسب العبد القن، فإذا لم يوجد ذلك إلا بعد الإِسلام فقد وجد في حالة مانعة من الاعتبار (٥) العوضية فيه، فلم يقع إذا ما قضى بعضا من العوض حتى يوزّع عليه وعلى ما بقي بخلاف النكاح، فإن العوض فيه، وهو البضع استحق بالعقد، وقبض من عوضه الذي هو خمر، قبض في حالة يعتبر فيها عوضا فاعتبر في التوزيع، والله أعلم.
قوله: "وأما [ما] (٦) يفترق فيه الكتابة الصحيحة والفاسدة فأمران" (٧).
стр. 1881
هما يفترقان في أمور أخر جعل هو بعضها من توابع عدم لزومها، وذلك بطلانها لموت السيد (١)، وجواز إعتاقه عن كفارته، ويكون ذلك فسخا عن الكتابة (٢)، وما ذكرناه من فسخها، فكذلك يجري في الإعتاق عن الكفارة فهو أيضاً أفسخ (٣) لها، وبعضها لم يذكره في ذكره لما يفترقان فيه، ومن ذلك عدم حصول العتق في الفاسدة بالإبراء (٤) وعند (٥) جواز استقلاله بالمسافرة (٦)، وعدم صرف جواز الزكاة إليه على أحد الوجهين (٧)، وقد ذكر ذلك من قبل لكن ذلك لا يسقط عند ذكره عند بيان ما يفترقان فيه، ومن ذلك ما لم يذكره أصلا، وذلك ما ذكره صاحب "التهذيب" (٨) من أنه لا يجب استبراء المكاتبة كتابة فاسدة إذا انفسخت كتابتها (٩)، وأنه إذا عجل النجوم قبل المَحِلّ لم يعتق على أحد
стр. 1882
الوجهين؛ لأنه تعليق ولم [يوجد] (١) الصفة على وجهها، وذكر أمورا أخر فيها شيء، ولم أذكرها، والله أعلم.
قوله: "ولم تخالف الكتابة الفاسدة قياس الشافعي ﵀ إلا في شيء واحد، وهو إثبات الاستقلال بالاكتساب (٢) وحصول العتق بالأدء" (٣).
كان ينبغي أن يقال: إلا في شيئين، وقد عبر قوله "وحصول العتق بالأداء" في ذلك إشكال الآخر، وهو إشعاره بأن حصول العتق حكم العبد غيره (٤)، والله أعلم.
قوله في تعليل جواز تأخير الإيتاء (٥) إلى ما بعد العتق؛ "لأن مقصوده أن يكون بلغة بعد العتق" (٦).
ينبغي أن يضاف إليه: أو معونة على العتق؛ لأنه لا خلاف في أنه يجوز قبل العتق (٧)، والله أعلم.
قوله في ذكر أحد الوجهين في أنه يجوز إيتاء أقل ما يتمول بخلاف المتعة؛ فإنها قدّرت بالمعروف (٨)، قد سبق منه في المتعة ذكر وجهين كهذين الوجهين، فيظهر إذاً الأثر ما ذكر في أن هذا أولى بجواز الاكتفاء بالأقل من المتعة، والله أعلم.
стр. 1883
إذا مات السيد قبل الإيتاء، قال: "النص أنه يضارب به الوصايا، وهو مشكل" (١).
هذا فيه تغيير للفظ النص بما يبعد فيه التأويل، ولا بد من تأويله عند الأصحاب سوى من شذ منهم، ولفظ النص هو في مختصر المزني (٢) "حاصّ المكاتب بالذي له أهل الدين والوصايا"، ومن تأويلاته أن المراد به يساوي أهل الدين والوصايا في أنه يقدَّم على الميراث، ثم بعد التقديم المذكور يحاصّ أهل الديون، ويقدّم على الوصايا (٣)؛ لأنه دين، وهذا لا يتأتى في اللفظ الذي عبرا (٤) له.
ومن الأصحاب من قال: غلط الكاتب، وإنما قال: "حاصّ أهل الدين دون الوصايا" (٥).
قوله فيما إذا كانت للمكاتب عروض: "لا تشتري إلا بعد زمان، فللسيد الفسخ، وقال الصيدلاني: لا يفسخ، وهذا بعيد" (٦).
ينبغي على قول الصيدلاني (٧) أن يتقدم بثلاثة أيام، وهذا هو الذي قطع به
стр. 1884
صاحب "المهذب" (١)، وليس ببعيد، بل هو الصحيح (٢)، والله أعلم.
ما حكاه عن العراقيين من أنه ليس للعبد المكاتب فسخ الكتابة مع أنه له (٣) الامتناع من الأداء (٤)، إنما هو أحد الوجهين عند العراقيين (٥)، والله أعلم.
قوله: "لو استسخر السيد المكاتب شهرا، وغرم له أجرة المثل، فإذا حلّ النجم وعجز فله الفسخ، وفيه وجه: أنه يلزمه أن ينظره مثل مدة (٦) الاستسخار" (٧).
يعني معنى وجوب أجرة المثل، وهذا الوجه قول في حكاية شيخه (٨)، وذكر أن الأجرة عوض ما فوته من المنافع، والإمهال ليس عوض عنها، فإنه ما دامت الكتابة تلاحق للسيد (٩) في منافعه حتى يقال: فوتاها عليه في مدة الإمهال في مقابلة ما فوته على المكاتب، وهذا على خلاف نقل غيره
стр. 1885
للقولين في المسألة، فإنه جعل نقل أحد القولين الاكتفاء بالإمهال من غير أجرة (١)، والله أعلم.
قوله فيما إذا اجتمع على المكاتب دين للسيد وحجر عليه القاضي حجر الفلس "فالنص أنه يوزَّع على الديون" (٢).
معناه عند صاحب "التقريب" وعلى النجوم أيضاً، صرح بهذا صاحب "التقريب" (٣)، وذكر أنه ظاهر النص، وأنه الأصح، وكلام المصنف يقتضي أن الأصح التسوية والتوزيع من الأرش ودين المعاملة الثابتين للأجنبي، لا ما
стр. 1886
حكاه عن المحققين من خلافه، فإنه ذكر بعد هذا فيما إذا عجز المكاتب نفسه أن الصحيح أن يقسم ما في يده على ما للأجانب عليه من دين معاملة وأرش بالتسوية، ولا فرق بين هذا وذاك، إذاً دين النجم للسيّد (١) فسيأتي (٢) منه القطع في الفرع الثاني في الصورة الثانية: بأنه لا يضارب بالنجم (٣)، وفي ذلك ما حكيناه عن ظاهر النص من أنه يضارب، والله بغيبه أعلم.
وقوله في فداء السيد المكاتب إذا جنى "إنما يتعلق (٤) حق المجني عليه بالرقبة بعد انفساخ الكتابة" (٥).
وجهه أنه متى دامت الكتابة فهو كالحر فيتعلق الأرش بذمته لا برقبته؛ لأن ذمته غير خراب بخلاف القن، والله أعلم.
قوله: "لو كان متفاوتي القيمة" (٦).
يعني، وكانت (٧) نجومهما متفاوتة على حسب تفاوتهما وقيمتهما، ولا حاجة إلى هذا، وينبغي أن يقول: لو كانا متفاوتتين (٨) في النجوم، حتى يشمل ما إذا تفاوتت نجومهما مع تساويهما في القيمة، وغير ذلك.
стр. 1887
وقوله: "فالقول قول من ينكره" (١)، يعني من ينكره من العبدين؛ لأن الاسترداد وإن كان من السيد فقول من ينكره منهما معتمدا أيضاً كأن الأصل عدمه.
ذكر فيما إذا كاتب عبدين ثم أقرّ بأنه قبض نجوم أحدهما، وأبهم ولم يعين، ومات وتعذر البيان، فهل يقرع بينهما بتعيين العتق قولان: "الثاني: لا يقرع؛ لأنه دين استبهم من عليه، ولأنه عتق عبد معين من عبدين، وإنما تجري القرعة عند إعتاق العبدين جميعا، لكن إذا قلنا: لا يقرع بينهما فللوارث أن يعجزهما ليحصل تعجيز الرقيق منهما، وبعد ذلك يستبهم عتق بين عبدين، فلا تبعد القرعة" (٢).
هذا كلامه، وفيه إشكال، فقوله "وإنما تجري القرعة عند إعتاق العبدين جميعا" حيث يعتبر ذلك من الثلث، ولا يخرج منه إلا أحدهما، كلام ناقص وتمامه أن يقول: وعند إبهام العتق من الابتداء بين عبدين، فالقرعة جارية في هاتين الصورتين بلا خلاف عندنا (٣).
والإشكال التام (٤): فيما ذكره من التوصل إلى جريان القرعة لتعجيز على قول المنع منهما، إنما يستقيم على تعليل المنع منها بأنه دين مستبهم؛ لأنه إذا
стр. 1888
عجز الرقيق منهما لامتناعه من الأداء لم يبق له دين عليه، لانفساخ كتابته، ولا على الآخر لأدائه.
أما إذا علّلنا المنع من القرعة بأنها لا تجري إذا كان العتق معينا في نفس الأمر، فهذا باقٍ بقيد التعجيز فيبقى قول المنع، ولكن معللا بعلة واحدة، وقيل: التعجيز كان معللا بعلتين (١) على القول الأول، ولكن الصحيح لا يشترط في القرعة عدم تعيين المعتق في نفس الأمر، والله أعلم.
قوله في تعليل القول ببطلان بيع المكاتب: "لأن العبد استحق عتقا عليه (٢) وفي بيعه نقل الولاء إلى غيره" (٣).
هذا فيه جواب عن دخل مقدر كأن قائلا قال: ليس يبطل بالبيع ما استحقه من العتق، فإنه يعتق على المشتري بأدائه إليه.
والجواب: أن الولاء حينئذ يكون للمشتري، وفي ذلك نقل الولاء عن الذي كاتب وكل من بالكتابة (٤) فولاؤه لمن كاتبه.
قوله: "لو جنى على السيد فأعتقه سقط الأرش، إن لم يكن في يده شيء؛ لأنه لا يطالب عبد نفسه بالجناية بعد العتق" (٥).
هذا التعليل باطل بما إذا أعتق بالأداء في هذه الصورة، فإنه يبقى الأرش في ذمته يبيع (٦) به، نصّ عليه الشافعي ﵀ في مختصر المزني (٧)، وقطعوا
стр. 1889
به (١)، وإنما علل شيخه في "النهاية" (٢) هذا الحكم بعد أن نقله عن الأصحاب بأن السيد هو الذي أزال ملك الرقبة، وكان متعلقا للأرش إذ لا مال له غير الرقبة يعني في هذه الصورة المفروضة فيما إذا لم يكن في يده شيء، وتعليل صاحب "الشامل" (٣) هو نحو هذا قال: أتلف رقّه بإعتاقه يسقط ما كان متعلقا برقبته له، ويخالف العتق بالأداء؛ لأنه كان من جهة العبد وهو لا يرد عليه النقض الوارد على ما عدل إليه صاحب الكتاب، فإن قلت: فتعليلهم بأن الأرش كان متعلقا برقبته فسقط عنه بإعتاقه له، لا يستقيم أيضاً، بل هو متعلق بذمته بدلالة ما سبق ذكره فيما إذا أعتق بالأداء، وليس متعلقا برقبته، فإنه ليس للسيد بيعه فيه، وليس في ذلك كأرش جناية العبد على أجنبي، والله أعلم.
قال صاحب "التهذيب" (٤): "المكاتب إذا جنى على سيده لا يتعلق الأرش برقبته، بل يتعلق بذمته، بدليل أنه لا تباع رقبته".
قلت: لا يعني بتعلق الأرش برقبته التعلق الثابت في حق الأجنبي، وإنما يعني مجرد كون السيد يملك أن يعجزه بسبب عجزه عن الأرش حتى يعود فيه، ويمكن من التصرف في رقبته، ولا ينكر أن أرش السيد (٥) تعلق بذمته، وإنما سقط بإعتاقه، ولم يسقط بعتقه بالأداء؛ لأن إعتاقه إياه تضمن إبراءه من الأرش؛ لأنه لم يدع له مطعما فيه؛ لأنه أتلف رقّه، ولا شيء في يده، وذمته
стр. 1890
مع خرابها لسبب معلقا بحيث يفوت العامل الحاصل من أجلها حتى لو كان في يده شيء لم يكن إعتاقه مسقط للأرش على أظهر الوجهين (١)، ووجه الوجه الآخر أن الأرش عند ارتفاع الكتاب لا يتعلق إلا بالرقبة فكفى إتلافه إياها بالإعتاق متضمنا لإبرائه (٢). فاعلم ذلك! فإنه في غاية من الإشكال، وقد منّ الله الكريم علينا بكشفه، وإنما نقول: هذا في مسألة نبينها لمن لا يعرف قدره فليحتفل (٣) لئلا يحرم الانتفاع به، والله بغيبه أعلم، وأعز وأكرم. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤) اللهم لك الحمد الأتم على كل نعمة، ولك الحمد على كل حال.
إنا مسائلوك متوسلين بك وسيلة في كل مقام إجابة أن تصلي على محمَّد سيدنا، وسيد عبادك وسلّم، وعلى سائر النبيين والكل والصالحين.
منتهى المنى وأن ينفع بما اشتمل عليه هو أجمع جميع المسلمين، وأن تصونه من الخلل والخطأ والحرمان، ومن خطوات عدونا الشيطان، وأن يجعله لنا من موجبات الغفران والرضوان آمين يا رب العالمين وجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين (٥).
стр. 1891
فهرس ا لمراجع
[أ]
[١] آثار البلاد وأخبار العباد: للقزويني، بيروت، دار صادر عام ١٣٨٩ هـ.
[٢] الإبانة عن أحكام فروع الديانة: لأبي القاسم الفوراني ت (٤٦١) هـ. توجد منه نسخة مصورة بقسم المخطوطات بالجامعة الإِسلاميَّة برقم (٩٩٦)، وهي مصوَّرة من دار الكتب المصريَّة ورقمها فيه (٢٢٩٥٨ ب).
[٣] أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: للقنُّوجي - بعناية عبد الجبَّار زكار - منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق سنة ١٩٧٨ م.
[٤] إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين: لمرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ) - دار الفكر - بيروت.
[٥] إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة: للحافظ ابن حجر، تحقيق د. زهير ناصر الناصر وآخرون - من إصدارات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ومركز خدمة السنة والسيرة النبويَّة، المدينة المنوَّرة، ط/ ١ سنة ١٤١٥ هـ.
[٦] الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبَّان: لابن بلبان الفارسي - (ت ٧٣٩ هـ) تحقيق شعيب الأرنؤوط - مؤسسة الرسالة، بيروت - ط/ ١ سنة ١٤٠٨ هـ.
[٧] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: لابن دقيق العيد - تحقيق محمَّد حامد الفقي - مطبعة السنة المحمديَّة ١٣٧٢ هـ.
[٨] أحكام الأطعمة في الشريعة الإِسلامية: د. عبد الله بن محمَّد الطريقي الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ.
[٩] أحكام الجنائز وبدعها: لمحمد ناصر الدين الألباني - الناشر مكتبة المعارف - الرياض - ط/١ سنة ١٤١٢ هـ.
стр. 1892
[١٠] الأحكام السلطانية: لأبي الحسن علي بن محمَّد الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) الطبعة الثالثة: ١٣٩٣ هـ شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي - القاهرة.
[١١] إحكام الفصول في أحكام الأصول: لأبي الوليد الباجي تحقيق: عبد المجيد زكي الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ دار الغرب الإِسلامي بيروت.
[١٢] الإحكام في أصول الأحكام: لسيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هـ) - تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ط/ ١ سنة ١٣٨٧ هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.
[١٣] أحكام القرآن: لعماد الدين بن محمَّد الطبري المعروف بإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ) تحقيق: موسى محمَّد علي ود. عزت علي عيد، الناشر: دار الكتب الحديثية القاهرة.
[١٤] أحكام القرآن: لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (ت ٣٧٠ هـ) تحقيق: محمَّد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي بيروت.
[١٥] أحكام القرآن: للإمام الشافعي، الطبعة الأولى: ١٣٩٥ هـ دارالكتب العلمية بيروت.
[١٦] إحياء علوم الدين: لأبي حامد الغزالي - الناشر دار الكتب العلميَّة - بيروت - ط/٢ سنة ١٤١٢ هـ.
[١٧] اختصار علوم الحديث: للحافظ عماد الدين ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) مطبوع مع شرحه (الباعث الحثيث) لأحمد شاكر عنى به: د. بديع السيد اللحام الطبعة الأولى: (١٤١٤ هـ) مكتبة دار الفيحاء دمشق، ومكتبة دار السلام الرياض.
[١٨] اختلاف الحديث: للإمام الشافعي - مطبوع في آخر الأم، بعناية محمود مطرجي - دار الكتب العلميَّة - بيروت - ط/ ١ سنة ١٤١٣ هـ.
[١٩] الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي، مع تعليقات لمحمود أبو دقيقة، الطبعة الثالثة: (١٣٩٥ هـ) تصحيح: محسن أبو دقيقة، الناشر: دار المعرفة بيروت.
стр. 1893
[٢٠] آداب البحث والمناظرة: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي من مطبوعات الجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية.
[٢١] آداب المفتي والمستفتي: لأبي عمر وابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ دار المعرفة بيروت.
[٢٢] أدب القضاء: لشهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن أب الدم الحموي (ت ٦٤٢ هـ) تحقيق: محمَّد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ) دار الكتب العلمية بيروت.
[٢٣] أدب الكاتب: لابن قتيبة الدينوري - شرح وضبط الأستاذ علي فاعور - بيروت دارالكتب العلميَّة، ط/١ سنة ١٤٠٨ هـ.
[٢٤] الأدب المفرد: للإمام محمَّد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) تحقيق: محمَّد عبد القادر عطا الطبعة الأولى: ١٤١٠ هـ دار الكتب العلمية بيروت.
[٢٥] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: لمحمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) تحقيق: د. شعبان محمَّد إسماعيل الطبعة الأولى: (١٤١٣ هـ) دار الكتبي مصر، الناشر: المكتبة التجارية مكة المكرمة.
[٢٦] إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه: للحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) تحقيق: بهجة يوسف حمد أبو الطيب، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ مؤسسة الرسالة بيروت.
[٢٧] إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: لمحمد ناصر الدين الألباني، بإشرف محمَّد زهير الشاوش الطبعة الثانية: (١٤٠٥ هـ) المكتب الإِسلامي بيروت.
[٢٨] الاستذكار: لابن عبد البر النمري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى: الناشر: دار قتيبة - دمشق، ودار الوعي، حلب - القاهرة.
стр. 1894
[٢٩] الاستغناء في الفرق والاستثناء: لمحمد بن أبا سليمان البكري (مات في القرن التاسع) تحقيق: د. سعود بن سعد الثبيتي، الطبعة الأولى: (١٤٠٨ هـ) جامعة أم القرى مكة المكرمة.
[٣٠] الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر النمري (ت ٤٦٣ هـ) - مطبوع بهامش الإصابة - تحقيق د. طه محمَّد الزيني - مصور عن الطبعة الأولى (١٣٢٨ هـ)، دار إحياء التراث العربي.
[٣١] أسد الغابة في معرفة الصحابة: لأبي الحسن علي بن محمَّد بن الأثير الجزري (ت ٦٣٠ هـ) تحقيق: محمَّد إبراهيم البنا وآخرون، مطبعة الشعب بالقاهرة، (١٩٧٠).
[٣٢] أسنى المطالب شرح روضة الطالب: لأبي يحيى زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ) المطبعة الميمنية بمصر - الناشر: المكتبة الإِسلامية عام ١٣١٣ هـ.
[٣٣] الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ) الطبعة الأولى (١٤١١ هـ) دار الكتب العلمية بيروت.
[٣٤] اشتقاق في أسماء الله: لأبي القاسم عبد الرحمن الزجاجي (ت ٣٤٠ هـ) تحقيق: د. عبد الحسين المبارك، الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ مؤسسة الرسالة نهاية المطلب بيروت.
[٣٥] الإشراف على مذاهب أهل العلم: (البيوع والجنايات والحدود) لمحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت ٣١٨ هـ) تحقيق: محمَّد نجيب سراج الدين، الطبعة الثانية: (١٤١٤ هـ) إصدار: وزارة الأوقاف بدولة قطر.
[٣٦] الإشراف على مذاهب أهل العلم: (النكاح والطلاق) لمحمد بن المنذر المتقدم ذكره. تحقيق: صغير أحمد حنيف، الطبعة الأولى: الناشر: دار طيبة بالرياض.
[٣٧] الإشراف على مسائل الخلاف: للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي (٤٣٣ هـ) الطبعة الأولى: مطبعة الإرادة.
стр. 1895
[٣٨] الإصابة في تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلاني - تحقيق د. طه محمَّد الزيني - مكتبة الكليَّات الأزهريَّة، القاهرة -.
[٣٩] الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) مطبوع بهامشه الاستيعاب لابن عبد البر، الطبعة الأولى: (١٣٢٨ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي.
[٤٠] إصلاح الأخطاء الحديثيَّة التي يرويها أكثر الناس محرَّفة أو ملحونة: لأبي سليمان الخطابي - مؤسسة الكتب الثقافيَّة، بيروت ط/ ١ سنة ١٤٠٩ هـ.
[٤١] إصلاح غلط المحدثين: لأبي سليمان حمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) تحقيق: صلاح محمَّد محمَّد عويضة الطبعة الأولى: ١٤١٣ هـ دار الكتب العلمية بيروت.
[٤٢] إصلاح المنطق: لابن السكيت شرح وتحقيق: أحمد محمَّد شاكر، وعبد السلام هارون، الطبعة الثانية: دار المعارف بمصر ١٣٧٥ هـ.
[٤٣] الأصل: لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) التصحيح والتعليق: أبو الوفاء الأفغاني. الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند.
[٤٤] أصول السرخسي: لأبي بكر محمَّد بن أحمد بن سهل السرخسي (ت ٤٩٠ هـ) تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني: طبع بمطابع دار الكتاب العربي عام ١٣٧٢ هـ.
[٤٥] أصول الفقه الإِسلامي: للدكتور وهبة الزحيلي - دار الفكر، دمشق - ط/١ سنة ١٤٠٦ هـ.
[٤٦] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: لمحمد الأمين الشنقيطي - الناشر دار ابن تيميَّة، القاهرة - ١٤١٣ هـ.
[٤٧] إعراب القرآن: لأبي جعفر النَّحاس - تحقيق د. زهير غازي زاهد - مطبعة العاني، بغداد ١٣٩٧ هـ.