← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الدرس السابع عشر: التحذير من الشرك، وأنواع المعاصي، ومنها: السبع الموبقات " المهلكات " وهي الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. ومنها عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وشهادة الزور والأيمان الكاذبة وإيذاء الجار، وظلم الناس في الدماء والأموال والأعراض، وغير ذلك مما نهى الله عنه، أو رسوله ﷺ . الدرس الثامن عشر: تجهيز الميت والصلاة عليه، وإليك تفصيل ذلك: تجهيز الميت. ١ - إذا تيقن موته، أغمضت عيناه وشد لحياه. ٢ - يجب تغسيل الميت المسلم إلا أن يكون شهيدا مات في المعركة فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه بل يدفن في ثيابه لأن النبي ﷺ لم يغسل قتلى أحد ولم يصل عليهم. ٣ - وصفة غسل الميت أنه تستر عورته، ثم يرفع قليلا، ويعصر بطنه عصرا رفيقا ثم يلف الغاسل على يده خرقة أو نحوها فينجيه بها، ثم يوضئه وضوء الصلاة، ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر أو نحوه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يغسله كذلك مرة ثانية وثالثة، يمر في كل مرة يده على بطنه، فإن خرج منه شيء غسله، وسد المحل بقطن أو نحوه. فإن لم يستمسك فبطين حر أو بوسائل الطب الحديثة كاللزق ونحوه. ويعيد وضوءه، وإن لم ينق بثلاث زيد إلى خمس أو إلى سبع، ثم ينشفه بثوب، ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده، وإن طيبه كله كان حسنا، ويجمر أكفانه بالبخور، وإن كان شاربه أو أظفاره طويلة أخذ

стр. 1262

منها، ولا يسرح شعره، والمرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها. ٤ - تكفين الميت الأفضل أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، يدرج فيها إدراجا، وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس، والمرأة تكفن في خمسة أثواب: في درع، وخمار، وإزار ولفافتين. ويكفن الصبي في ثوب واحد إلى ثلاثة أثواب، وتكفن الصغيرة في قميص ولفافتين والواجب في حق الجميع ثوب واحد يستر جميع الميت. لكن إذا كان الميت محرما فإنه يغسل بماء وسدر ويكفن في إزاره وردائه أو في غيرهما ولا يغطى رأسه ولا وجهه ولا يطيب لأنه ييعث يوم القيامة ملبيا كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ . وإن كان المحرم امرأة كفنت كغيرها لكن لا تطيب ولا يغطى وجهها بنقاب ولا يداها بقفازين ولكن يغطى وجهها ويداها بالكفن الذي كفنت فيه كما تقدم بيان صفة تكفين المرأة. ٥ - أحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك ثم الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات. والأولى بغسل المرأة وصيتها ثم الأم ثم الجدة، ثم الأقرب فالأقرب من نسائها. وللزوجين أن يغسل أحدهما الآخر؛ لأن الصديق ﵁ غسلته زوجته. ولأن عليا ﵁ غسل زوجته فاطمة ﵂. ٦ - صفة الصلاة على الميت: يكبر أربعا، ويقرأ بعد الأولى الفاتحة، وإن قرأ معها سورة قصيرة أو آية أو آيتين فحسن للحديث الصحيح الوارد في ذلك عن ابن عباس ﵄ ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ كصلاته في التشهد، ثم يكبر الثالثة ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم اغفر له

стр. 1263

وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار، وافسح له في قبره، ونور له فيه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده. ثم يكبر الرابعة، ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه. ويستحب أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، وإذا كان الميت امرأة يقال: " اللهم اغفر لها. إلخ "، وإذا كانت الجنائز اثنتين يقال: " اللهم اغفر لهما " وبالجمع إن كانت أكثر. أما إذا كان فرطا فيقال بدل الدعاء له بالمغفرة: " اللهم اجعله فرطا وذخرا لوالديه، وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم ﵇، وقه برحمتك عذاب الجحيم ". - والسنة أن يقف الإمام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة، وأن يكون الرجل مما يلي الإمام إذ اجتمعت الجنائز، والمرأة مما يلي القبلة، وإن كان معهم أطفال قدم الصبي على المرأة، ثم المرأة ثم الطفلة، ويكون رأس الصبي حيال رأس الرجل، ووسط المرأة حيال رأس الرجل. وهكذا الطفلة يكون رأسها حيال رأس المرأة، ويكون وسطها حيال رأس الرجل، ويكون المصلون جميعا خلف الإمام إلا أن يكون واحدا لم يجد مكانا خلف الإمام فإنه يقف عن يمينه. والحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله وصحبه.

стр. 1264

إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي والرد على من أنكر ذلك (١) . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.. أما بعد.. فقد نشرت بعض الصحف المحلية وغيرها في شعبان من هذا العام أعني عام ١٤٠٧ هـ أحاديث مختصرة ومطولة عما حصل من إعلان بعض الجن - الذي تلبس ببعض المسلمات في الرياض - إسلامه عندي بعد أن أعلنه عند الأخ عبد الله بن مشرف العمري المقيم في الرياض، بعدما قرأ المذكور على المصابة وخاطب الجني وذكره بالله ووعظه وأخبره أن الظلم حرام وكبيرة عظيمة ودعاه إلى الإسلام لما أخبره الجني أنه كافر بوذي ودعاه إلى الخروج منها، فاقتنع الجني بالدعوة وأعلن إسلامه عند عبد الله المذكور، ثم رغب عبد الله المذكور وأولياء المرأة أن يحضروا عندي بالمرأة حتى أسمع إعلان إسلام الجني فحضروا عندي فسألته عن أسباب دخوله فيها فأخبرني بالأسباب ونطق بلسان المرأة لكنه كلام رجل وليس كلام امرأة، وهي في الكرسي الذي بجواري وأخوها وأختها وعبد الله بن مشرف المذكور وبعض المشايخ يشهدون ذلك ويسمعون كلام الجني، وقد أعلن إسلامه صريحا وأخبر أنه هندي بوذي الديانة، فنصحته وأوصيته بتقوى الله، وأن يخرج من هذه المرأة ويبتعد عن ظلمها، فأجابني إلى ذلك، وقال: أنا مقتنع بالإسلام، وأوصيته

стр. 1265

أن يدعو قومه للإسلام بعدما هداه الله له فوعد خيرا وغادر المرأة وكان آخر كلمة قالها: السلام عليكم، ثم تكلمت المرأة بلسانها المعتاد وشعرت بسلامتها وراحتها من تعبه. ثم عادت إلي بعد شهر أو أكثر مع أخويها وخالها وأختها وأخبرتني أنها في خير وعافية وأنه لم يعد إليها والحمد لله، وسألتها عما كانت تشعر به حين وجوده بها فأجابت بأنها كانت تشعر بأفكار رديئة مخالفة للشرع وتشعر بميول إلى الدين البوذي والاطلاع على الكتب المؤلفة فيه، ثم بعدما سلمها الله منه زالت عنها هذه الأفكار ورجعت إلى حالها الأولى البعيدة من هذه الأفكار المنحرفة. وقد بلغني عن فضيلة الشيخ علي الطنطاوي أنه أنكر مثل حدوث هذا الأمر وذكر أنه تدجيل وكذب، وأنه يمكن أن يكون كلاما مسجلا مع المرأة ولم تكن نطقت بذلك، وقد طلبت الشريط الذي سجل فيه كلامه وعلمت منه ما ذكر، وقد عجبت كثيرا من تجويزه أن يكون ذلك مسجلا مع أني سألت الجني عدة أسئلة وأجاب عنها، فكيف يظن عاقل أن المسجل يسأل ويجيب، هذا من أقبح الغلط ومن تجوبز الباطل، وزعم أيضا في كلمته أن إسلام الجني على يد الإنسي يخالف قول الله تعالى في قصة سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١) ولا شك أن هذا غلط منه أيضا هداه الله وفهم باطل فليس في إسلام الجني على يد الإنسي ما يخالف دعوة سليمان. فقد أسلم جم غفير من الجن على يد النبي ﷺ . وقد أوضح الله ذلك في سورة الأحقاف وسورة الجن وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد

стр. 1266

هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول أخي سليمان ﵇ فرده الله خاسئا (٢) » هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: «إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فذعته فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان فرده الله خاسئا (٤) » . وروى النسائي على شرط البخاري عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول الله ﷺ حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس» ورواه أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد وفيه: «فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الإبهام والتي تليها (٥) » وخرج البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به جـ ٤ ص ٤٨٧ من الفتح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام

стр. 1267

فأخذته فقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله ﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ ، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة " قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله " قال: " أما إنه قد كذبك وسيعود " فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود.. قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : " ما فعل أسيرك البارحة " قلت: يا رسول الله، زعم أن يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: " ما هي؟ " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : " أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة "؟ قال: لا قال " ذاك شيطان (٣) » . وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن صفية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (٤) » . وروى الإمام أحمد ﵀ في المسند جـ ٤ ص ٢١٦ بإسناد صحيح «أن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: يا رسول الله، حال الشيطان بيني وبين صلاتي وبين قراءتي، قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ففعلت ذاك فأذهبه الله عني (٥) » . كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن كل إنسان معه قرين من الملائكة وقرين من الشياطين حتى النبي ﷺ إلا أن الله أعانه عليه فأسلم فلا يأمره إلا بخير. وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه، فكيف يجوز لمن

стр. 1268

ينتسب إلى العلم أن ينكر ذلك بغير علم ولا هدى، بل تقليدا لبعض أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة؟ فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أذكر لك أيها القارئ ما تيسر من كلام أهل العلم في ذلك إن شاء الله. بيان كلام المفسرين ﵏ في قوله تعالى. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢) ما نصه: يعني بذلك يخبله الشيطان في الدنيا وهو الذي يخنقه فيصرعه " من المس " يعني: من الجنون. وقال البغوي ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٣) أي: الجنون. يقال مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا. أهـ. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٤) أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس ﵁ «آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» ، رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. انتهى المقصود من كلامه ﵀. وقال القرطبي ﵀ في تفسيره على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٥) في هذه الآية

стр. 1269

دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس. أ. هـ، وكلام المفسرين في هذا المعنى كثير من أراده وجده. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه [إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين] الموجود في مجموع الفتاوى جـ ١٩ ص ٩ إلى ص ٦٥ ما نصه بعد كلام سبق. (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ولم ينكروا وجود الجن، إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون أن الجني يدخل في بدن المصروع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي إن قوما يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي فقال يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه. وهذا مبسوط في موضعه) . وقال أيضا ﵀ في جـ ٢٤ من الفتاوى ص ٢٧٦ - ٢٧٧ ما نصه. (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢) وفي الصحيح عن النبي ﷺ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (٣) » . وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: (قلت: لأبي إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع، فقال: يا بني، يكذبون. هو ذا يتكلم على لسانه) ، وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر

стр. 1270

المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك) . اهـ. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه [زاد المعاد في هدي خير العباد] جـ ٤ ص ٦٦ إلى ٦٩ ما نصه: (الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية. وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح، فأئمتهم وعقلاءهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع أثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه. فذكر بعض علاج الصرع. وقال: (هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها.

стр. 1271

إلى أن قال: وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم) . وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع: يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر. هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان. فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعا، ويكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له. والثاني من جهة المعالج: بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: (اخرج منه) أو يقول: (بسم الله) أو يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) والنبي ﷺ كان يقول: «أخرج عدو الله أنا رسول الله (١) » . وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول قال لك الشيخ: أخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا ... إلى أن قال: وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى

стр. 1272

الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا..) . انتهى المقصود من كلامه ﵀. وبما ذكرناه من الأدلة الشرعية وإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على جواز دخول الجني بالإنسي، يتبين للقراء بطلان قول من أنكر ذلك وخطأ فضيلة الشيخ علي الطنطاوي في إنكاره ذلك. وقد وعد في كلمته أنه يرجع إلى الحق متى أرشد إليه فلعله يرجع إلى الصواب بعد قراءته ما ذكرنا، نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق. ومما ذكرنا أيضا يعلم أن ما نقلته صحيفة الندوة في عددها الصادر في ١٤\١٠\ ١٤٠٧ هـ ص ٨ عن الدكتور محمد عرفان من أن كلمة جنون اختفت من القاموس الطبي، وزعمه أن دخول الجني في الإنسي ونطقه على لسانه أنه مفهوم علمي خاطئ مائة في المائة. كل ذلك باطل نشأ عن قلة العلم بالأمور الشرعية وبما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وإذا خفي هذا الأمر على كثير من الأطباء لم يكن ذلك حجة على عدم وجوده بل يدل ذلك على جهلهم العظيم بما علمه غيرهم من العلماء المعروفين بالصدق والأمانة والبصيرة بأمر الدين، بل هو إجماع من أهل السنة والجماعة، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن جميع أهل العلم، ونقل عن أبي الحسن الأشعري أنه نقل ذلك عن أهل السنة والجماعة ونقل ذلك أيضا عن أبي الحسن الأشعري، العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشبلي الحنفي المتوفي سنة ٧٩٩ هـ في كتابه [آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان] في الباب الحادي والخمسين من كتابه المذكور. وقد سبق في كلام ابن القيم ﵀ أن أئمة الأطباء وعقلاءهم يعترفون به ولا يدفعونه، وإنما أنكر ذلك جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم وزنادقتهم. فاعلم ذلك أيها القارئ وتمسك بما ذكرناه من الحق ولا تغتر بجهلة الأطباء

стр. 1273

وغيرهم ولا بمن يتكلم في هذا الأمر بغير علم ولا بصيرة، بل بالتقليد لجهلة الأطباء وبعض أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، والله المستعان.. تنبيه. قد دل ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ومن كلام أهل العلم على أن مخاطبة الجني ووعظه وتذكيره ودعوته للإسلام وإجابته إلى ذلك ليس مخالفا لما دل عليه قوله تعالى عن سليمان ﵊ في سورة ص أنه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١) وهكذا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وضربه إذا امتنع من الخروج كل ذلك لا يخالف الآية المذكورة بل ذلك واجب من باب دفع الصائل ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يفعل ذلك مع الإنسي.. وقد سبق في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ : ذعت الشيطان حتى سال لعابه على يده الشريفة ﵊ وقال: «لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس (٢) » وفي رواية لمسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة (٣) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهكذا كلام أهل العلم، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ومقنع لطالب الحق، واسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يمن علينا جميعا بإصابة الحق في الأقوال والأعمال، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من القول عليه بغير علم، ومن إنكار ما لم نحط به علما، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 1274

حكم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح (١) . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فلقد شاع بين كثير من الناس من الكتاب وغيرهم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك من الشئون التي يظن أن عند الموتى علما بها في حياتهم. ولقد تأملت هذا الموضوع كثيرا فاتضح لي أنه علم باطل وأنه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين والتوصل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة. ولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس، فأقول: لا ريب أن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه، وما نفياه أو أحدهما نفيناه، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢)

стр. 1275

ومسألة (الروح) من الأمور الغيبية التي اختص الله بعلمها ومعرفة كنهها فلا يصح الخوض فيها إلا بدليل شرعي، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (١) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٢) وقال سبحانه في سورة النمل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) الآية. وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بالروح في قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) فقال بعضهم: إنه الروح الذي في الأبدان وعلى هذا فالآية دليل على أن الروح أمر من أمر الله لا يعلم الناس عنه شيئا إلا ما علمهم الله إياه؛ لأن ذلك أمر من الأمور التي اختص الله سبحانه بعلمها وحجب ذلك عن الخلق، وقد دل القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن أرواح الموتى تبقى بعد موت الأبدان، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥) الآية. وثبت «أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نراه انطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان

стр. 1276

أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا (١) » ، وثبت عنه ﷺ «أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه (٢) » . قال العلامة ابن القيم ﵀ (والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به) ونقل ابن القيم أن ابن عباس ﵄ قال في تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣) (بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها) ثم قال ابن القيم ﵀: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر) . فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات ويكلمونها ويسألونها فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل، بل إن الله هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها وهو القادر على ردها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع، أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار

стр. 1277

الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة. وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها وتخدمه بما يطلب منها كذبا وزورا في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (١) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائجهم التي يطلبونها منهم، وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية، أو يسترقونها من السمع أو يكذبونه وهو الأكثر ولو فرضنا أن هؤلاء الإنس لا يتقربون إلى الأرواح التي يستحضرونها بشيء من العبادة فإن ذلك لا يوجب حل ذلك وإباحته لأن سؤال الشياطين والعرافين والكهنة والمنجمين ممنوع شرعا، وتصديقهم فما يخبرون به أعظم تحريما وأكبر إثما بل هو من شعب الكفر؛ لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٤) » وفي مسند أحمد والسنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٥) » . وقد جاء في

стр. 1278

هذا المعنى أحاديث وآثار كثيرة، ولا شك أن هذه الأرواح التي يستحضرونها بزعمهم داخلة فيما منع منه النبي ﷺ : لأنها من جنس الأرواح التي تقترن بالكهان والعرافين من أصناف الشياطين فيكون لها حكمها، فلا يجوز سؤالها ولا استحضارها ولا تصديقها، بل كل ذلك محرم ومنكر بل وباطل، لما سمعت من الأحاديث والآثار في ذلك، ولأن ما ينقلونه عن هذه الأرواح يعتبر من علم الغيب، وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وقد تكون هذه الأرواح هي الشياطين المقترنة بالأموات الذين طلبوا أرواحهم فتخبر بما تعلمه من حال الميت في حياته مدعية أنها روح الميت الذي كانت مقترنة به، فلا يجوز تصديقها ولا استحضارها ولا سؤالها كما تقدم الدليل على ذلك، وما يحضره ليس إلا الشياطين والجن يستخدمهم مقابل ما يتقرب به إليهم من العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله فيصل بذلك إلى حد الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة - نعوذ بالله من ذلك -. ولقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في دار الإفتاء السعودية فتوى عن التنويم المغناطيسي الذي هو أحد أنواع تحضير الأرواح هذا نصها: (التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني يسلطه المنوم على المنوم فيتكلم بلسانه ويكسبه قوة على بعض الأعمال بسيطرته عليه إن صدق مع المنوم وكان طوعا له مقابل ما يتقرب به المنوم إليه، ويجعل ذلك الجني المنوم طوع إرادة المنوم يقوم بما يطلبه منه من الأعمال بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوم، وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقا أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة

стр. 1279

أو علاج مريض، أو القيام بأي عمل آخر بواسطة المنوم غير جائز بل هو شرك لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها الله سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم) انتهى كلام اللجنة. وممن كشف حقيقة هذه الدعوى الباطلة الدكتور محمد محمد حسين في كتابه [الروحية الحديثة حقيقتها وأهدافها] ، وكان ممن خدع بهذه الشعوذة زمنا طويلا، ثم هداه الله إلى الحق وكشف زيف تلك الدعوى بعد أن توغل فيها ولم يجد فيها سوى الخرافات والدجل، وقد ذكر أن المشتغلين بتحضير الأرواح يسلكون طرقا مختلفة، منهم المبتدئون الذين يعتمدون على كوب صغير أو فنجان يتنقل بين حروف قد رسمت فوق منضدة، وتتكون إجابات الأرواح المستحضرة - حسب زعمهم - من مجموع الحروف بحسب ترتيب تنقله فيها، ومنهم من يعتمد على طريقة السلة يوضع في طرفها قلم يكتب الإجابات على أسئلة السائلين، ومنهم من يعتمد على وسيط كوسيط التنويم المغناطيسي. وذكر أنه يشك في مدعي تحضير الأرواح وأن وراءهم من يدفعهم بدليل الدعاية التي عملت لهم، فتسابقت إلى تتبع أخبارهم ونشر ادعاءاتهم صحف ومجلات لم تكن من قبل تنشط لشيء يمس الروح أو الحياة الآخرة، ولم تكن في يوم من الأيام داعية إلى الدين أو الإيمان بالله. وذكر أنهم يهتمون بإحياء الدعوة الفرعونية وغيرها من الدعوات الجاهلية، كما ذكر أن الذين روجوا لأصل هذه الفكرة هم أناس فقدوا عزيزا عليهم فيعزون أنفسهم بالأوهام، وأن أشهر من روج لهذه البدعة السيد أوليفر لودج الذي فقد ابنه في الحرب العالمية الأولى، ومثله مؤسس الروحية في مصر أحمد فهمي

стр. 1280

أبو الخير الذي مات ابنه عام ١٩٣٧ م، وكان رزق به بعد طول انتظار. وذكر الدكتور محمد محمد حسين أنه مارس هذه البدعة فبدأ بطريقة الفنجان والمنضدة فلم يجد فيها ما يبعث على الاقتناع، وانتهى إلى مرحلة الوسيط، وحاول مشاهدة ما يدعونه من تجسيد الروح أو الصوت المباشر ويرونه دليل دعواهم فلم ينجح هو ولا غيره؛ لأنه لا وجود لذلك في حقيقة الأمر، وإنما هي ألاعيب محكمة تقوم على حيل خفية بارعة ترمي إلى هدم الأديان. وأصبحت الصهيونية العالمية الهدامة ليست بعيدة عنها، ولما لم يقتنع بتلك الأفكار الفاسدة وكشف حقيقتها انسحب منها وعزم على توضيح الحقيقة للناس ويقول: (إن هؤلاء المنحرفين لا يزالون بالناس حتى يستلوا من صدورهم الإيمان وما استقر في نفوسهم من عقيدة ويسلمونهم إلى خليط مضطرب من الظنون والأوهام. ومدعو تحضير الأرواح لا يثبتون للرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلا صفة الوساطة الروحية كما قال زعيمهم أرثر فندلاي في كتابه [على حافة العالم الأثري] عن الأنبياء هم: وسطاء في درجة عالية من درجات الوساطة والمعجزات التي جرت على أيديهم ليست إلا ظواهر روحية كالظواهر التي تحدث في حجرة تحضير الأرواح) . ويقول الدكتور حسين: (إنهم إذا فشلوا في تحضير الأرواح قالوا: الوسيط غير ناجح أو مجهد أو إن شهود الجلسة غير متوافقين، أو إن بينهم من حضر إلى الاجتماع شاكا أو متحديا) . ومن بين مزاعمهم الباطلة أنهم زعموا أن جبريل ﵇ يحضر جلساتهم ويباركها - قبحهم الله - انتهى المقصود من كلام الدكتور محمد محمد حسين. ومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من

стр. 1281

كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي ﷺ من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم، والواجب على المسئولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم، وإذا كان لا بد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعهم وتلبيسهم على الناس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو المسئول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1282

حكم التوسل بالموتى (١) وزيارة القبور الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد: فقد سئلت عن حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور ؟ فأجبت بما يلي: إذا كانت الزيارة لسؤال الموتى والتقرب إليهم بالذبائح والنذر لهم والاستغاثة بهم ودعوتهم من دون الله فهذا شرك أكبر، وهكذا ما يفعلونه مع من يسمونهم بالأولياء سواء كانوا أحياء أو أمواتا، حيث يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم أو يجيبون دعوتهم أو يشفون مرضاهم، كل هذا شرك أكبر والعياذ بالله. وهذا كعمل المشركين مع اللات والعزى ومناة ومع أصنامهم وآلهتهم الأخرى. والواجب على ولاة الأمر والعلماء في بلاد المسلمين أن ينكروا هذا العمل، وأن يعلموا الناس ما يحب عليهم من شرع الله، وأن يمنعوا هذا الشرك وأن يحولوا بين العامة وبينه، وأن يهدموا القباب التي على القبور ويزيلوها؛ لأنها فتنة ولأنها من أسباب الشرك ولأنها محرمة، فالرسول ﷺ نهى أن يبنى على القبور، وأن تجصص، وأن يقعد عليها، وأن يصلى إليها، ولعن من اتخذ عليها المساجد فلا يجوز البناء عليها لا مساجد ولا غيرها، بل يجب أن تكون بارزة ليس عليها بناء كما كانت قبور المسلمين في المدينة المنورة، وفي كل بلد إسلامي لم يتأثر بالبدع والأهواء.

стр. 1283

أما زيارة القبور للذكرى والدعاء للميت والترحم عليه فذلك سنة في حق الرجال من دون شد رحل؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » خرجه مسلم في صحيحه. وكان ﵊ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٢) » وخرج الترمذي ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال «مر النبي ﷺ على قبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٣) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٤) » . والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1284

الإجابة على أسئلة تتعلق بحكم التقرب بذبح الخرفان في أضرحة الأولياء الصالحين والصلاة بجوارها (١) . سماحة الشيخ المحترم عبد العزيز بن باز. أخوكم في الله - من الجمهورية التونسية -. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: كل أملي في الله ثم فيكم يا فضيلة الشيخ بأن تجيبوا على أسئلتي عبر مجلتي المحبوبة [الدعوة] ولكم الشكر سلفا.. السؤال الأول: ذهبت إلى الريف مرة وصادف أن أتى يوم عيد الأضحى، فرأيت الناس نساء ورجالا قد سارعت إلى مقبرة لزيارة القبور.. وراعني في صباح يوم العيد أن أقام كل من حضر؛ الصلاة في المقبرة. وكان قد تقدمهم كهل فصلى بهم جميعا إلا أنا بقيت في حيرة وذهول مما رأيت ولم أصل معهم تلك الصلاة التي أسموها بصلاة العيد. سؤالي: ما حكم الإسلام في هذه الصلاة؟ علما بأن أهل الريف الذين أقصدهم ليس لديهم لا مسجد ولا جامع.. إذ يسكنون الخيام متفرقين عن بعضهم البعض..

стр. 1285

ملاحظة: (عندما أقول إنهم صلوا في المقبرة يعني بجوارها. بعيدين عن القبور كل البعد) .. السؤال الثاني: أزور كل حين وحين أهلي وعشيرتي بعد فراق يدوم أحيانا ستة شهور وأحيانا سنة كاملة. وعندما أصل البيت تستقبلني النسوة " صغارا وكبارا " فيقبلنني تقبيلا محتشما ومخجلا. والحق يقال أن هذه عادة متفشية جدا عندنا ولا تعني شيئا عند عشيرتي، إذ هي لا تمثل حسب رأيهم حراما يرتكب لكني أنا الذي أكسب ثقافة إسلامية لا بأس بها والحمد لله بقيت في حيرة وذهول من هذا الأمر.. سؤالي: كيف يمكنني أن أتلافى تقبيل النسوة علما بأني لو صافحتهن لغضبن مني شديد الغضب ولقلن هو لا يحترمنا ويكرهنا ولا يحبنا - الحب الذي يربط الأفراد لا الحب الذي يربط بين الفتى والفتاة.. وهل أكون ارتكبت معصية إذا قبلتهن؟ علما بأنني لا أملك نية خبيثة في ذلك. السؤال الثالث: التقرب بذبح الخرفان في أضرحة الأولياء الصالحين ما زال موجودا في عشيرتي. نهيت عنه لكنهم لم يزدادوا إلا عنادا. قلت لهم: إنه إشراك بالله. قالوا: نحن نعبد الله حق عبادته، لكن ما ذنبنا إن زرنا أولياءه وقلنا لله في تضرعاتنا: " بحق وليك الصالح فلان.. إشفنا أو أبعد عنا الكرب الفلاني. " قلت: ليس ديننا دين وساطة. قالوا: اتركنا وحالنا.

стр. 1286

سؤالي: ما الحل الذي تراه صالحا لعلاج هؤلاء.. ماذا أعمل تجاههم.. وكيف أحارب البدعة؟ وشكرا. ج١ - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. صلاة العيد إنما تقام في المدن والقرى ولا تشرع إقامتها في البوادي والسفر، هكذا جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ، ولم يحفظ عنه ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ أنهم صلوا صلاة العيد في السفر ولا في البادية. وقد حج حجة الوداع ﵊ فلم يصل الجمعة في عرفة وكان ذلك اليوم هو يوم عرفة ولم يصل صلاة العيد في منى وفي اتباعه ﷺ وأصحابه ﵃ عنهم كل الخير والسعادة، والله ولي التوفيق. ج٢ - لا يجوز للمسلم أن يصافح أو يقبل غير زوجته ومحارمه بل ذلك من المحرمات ومن أسباب الفتنة وظهور الفواحش، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني لا أصافح النساء (١) » . وقالت عائشة ﵂: «ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط حين البيعة إنما كان يبايعهن بالكلام (٢) » وأقبح من المصافحة للنساء غير المحارم تقبيلهن سواء كن من بنات العم أو بنات الخال أو من الجيران أو من سائر القبيلة كل ذلك محرم بإجماع المسلمين.. ومن أعظم الوسائل لوقوع الفواحش المحرمة. فالواجب على المسلم الحذر من ذلك وإقناع جميع النساء المعتادات لذلك من الأقارب وغيرهم بأن ذلك محرم ولو اعتاده الناس، ولا يجوز للمسلم ولا للمسلمة فعله وإن اعتاده قرابتهم أو أهل بلدهم، بل يجب إنكار ذلك وتحذير المجتمع منه، ويكتفي بالكلام في السلام من غير مصافحة ولا تقبيل.

стр. 1287

ج٣ - من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة، أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) والنسك هو: الذبح، بين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله. وقال تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر. خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة والذبح من العبادة فيجب إخلاصه لله وحده، وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٧) » وأما قول القائل: (أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بجاه النبي) فهذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك؛ لأن الدعاء عبادة، وكيفيته من الأمور التوقيفية ولم يثبت عن نبينا ﷺ ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من خلقه فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه؛ لقول الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٨) وقول النبي

стр. 1288

صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » ومعنى قوله "فهو رد" أي مردود على صاحبه لا يقبل منه. فالواجب على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته وبتوحيده وبالأعمال الصالحات، والإيمان بالله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، ونحو ذلك من أعمال البر والخير، ويلحق بالتوسل المشروع التوسل بدعاء الحي وشفاعته كما ثبت في صحيح البخاري ﵀ عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: "اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" انتهى. والله ولي التوفيق.

стр. 1289

هل الرسول أوصى بالخلافة لعلي ﵁ (١) . يسأل أحد القراء فيقول: ما الحكم في قوم يزعمون أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁ ويقولون: إن الصحابة ﵃ تآمروا عليه؟ . الجواب: هذا القول لا يعرف عن أحد من طوائف المسلمين سوى طائفة الشيعة وهو قول باطل لا أصل له في الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ وإنما دلت الأدلة الكثيرة على أن الخليفة بعده هو أبو بكر الصديق ﵁ وعن سائر أصحاب النبي ﷺ ولكنه ﷺ لم ينص على ذلك نصا صريحا ولم يوص به وصية قاطعة ولكنه أمر بما يدل على ذلك حيث أمره بأن يؤم الناس في مرضه، ولما ذكر له أمر الخلافة بعده قال ﵊ «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٢) » ولهذا بايعه الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ ومن جملتهم علي ﵁ وأجمعوا على أن أبا بكر أفضلهم وثبت في حديث ابن عمر ﵄ أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (٣) » ويقرهم النبي ﷺ على ذلك وتواترت الأثار عن علي ﵁ أنه كان يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وكان يقول ﵁ لا أوتى بأحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري ولم يدع يوما لنفسه أنه أفضل الأمة ولا أن الرسول ﷺ أوصى له بالخلافة ولم يقل أن الصحابة ﵃ ظلموه وأخذوا حقه ولما توفيت فاطمة

стр. 1290

رضي الله عنها بايع الصديق بيعة ثانية تأكيدا للبيعة الأولى وإظهارا للناس أنه مع الجماعة وليس في نفسه شيء من بيعة أبي بكر ﵃ جميعا ولما طعن عمر وجعل الأمر شورى بين ستة من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن جملتهم علي ﵁، لم ينكر على عمر ذلك لا في حياته ولا بعد وفاته، ولم يقل أنه أولى منهم جميعا، فكيف يجوز لأحد من الناس أن يكذب على رسول الله ﷺ ويقول: إنه أوصى لعلي بالخلافة وعلي نفسه لم يدع ذلك ولا ادعاه أحد من الصحابة له، بل قد أجمعوا على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان واعترف بذلك علي ﵁ وتعاون معهم جميعا في الجهاد والشورى وغير ذلك، ثم أجمع المسلمون بعد الصحابة على ما أجمع عليه الصحابة فلا يجوز بعد هذا لأي أحد من الناس ولا لأي طائفة لا الشيعة ولا غيرهم أن يدعوا أن عليا هو الوصي وأن الخلافة التي قبله باطلة، كما لا يجوز لأي أحد من الناس أن يقول إن الصحابة ظلموا عليا وأخذوا حقه بل هذا من أبطل الباطل ومن سوء الظن بأصحاب رسول الله ﷺ ومن جملتهم علي ﵁ وعنهم أجمعين. وقد نزه الله هذه الأمة المحمدية وحفظها من أن تجتمع على ضلالة وصح عنه ﷺ في الأحاديث الكثيرة أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة (١) » فيستحيل أن تجتمع الأمة في أشرف قرونها على باطل وهو خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر كما لا يقوله من له أدنى بصيرة بحكم الإسلام والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وقد بسط الكلام في هذه المسألة الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه [منهاج السنة] فمن أراد ذلك فليراجعه وهو كتاب عظيم جدير بالعناية والمراجعة والاستفادة منه والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1291

القول بإباحة تحديد النسل مخالف للشريعة والفطرة ومصالح الأمة (١) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه أما بعد: فقد نشرت بعض الصحف المحلية منذ أمد قريب خبرا مفاده أن فضيلة المفتي العام في الأردن قد أفتى بإباحة تحديد النسل وأن الحكومة إذا قررته لزم العمل به، واشتهر هذا الخبر بين الناس وصار حديث المجالس لاستغرابه واستنكار المسلمين له، ومن أجل ذلك كثر السؤال عن حكم هذه المسألة وهل هذه الفتوى صواب أم خطأ فرأيت أن من الواجب على أمثالي بيان ما يدل عليه شرع الله في هذه المسألة فأقول: اعلم أيها القارئ وفقني الله وإياك لإصابة الحق أني اطلعت على الفتوى المذكورة وتأملت ما اعتمد عليه فضيلة المفتي العام في الأردن في إصداره هذه الفتوى المشتملة على القول بإباحة تحديد النسل، وأن الحكومة إذا قررته كان العمل به لازما، فألفيته قد ركز فتواه على قوله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) وعلى قول النبي ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٣) » وعلى الأحاديث الدالة على إباحة العزل، هذه أدلة المفتي التي اعتمد عليها في هذه الفتوى العظيمة. وهناك أمر آخر مهد به الفتوى وهو قوله بالحرف الواحد في أول الفتوى: (لقد عظمت مخاوف العالم

стр. 1292

من تزايد السكان في كل مكان وصار الخبراء يعدون ذلك منذرا له بالويل والثبور وعظائم الأمور) ثم قال في آخر الفتوى ما نصه (إذا قررت الحكومة هذا فإن العمل به يكون لازما؛ لأن من المتفق عليه أن ولي الأمر إذا أخذ بقول ضعيف يكون حتما) . انتهى المقصود من كلام المفتي. وكل من تأمل ما اعتمده المفتي في هذه الفتوى من ذوي العلم والبصيرة يعلم أنه أبعد النجعة وخالف الصواب ورمى في غير مرمى وتحقق بأن ما ذكره من الأدلة لا يدل على ما ذهب إليه بوجه من الوجوه بل هي في جانب والفتوى في جانب آخر كما قال الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب. أما الآية الكريمة فقد ذكرها الله سبحانه بعد قوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ثم قال تعالى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) فأمر الله تعالى بالنكاح ورغب فيه ووعد المتزوج بالغنى إن كان فقيرا ترغيبا له في النكاح وتشجيعا له على الإقدام عليه واثقا بالله معتمدا على فضله وسعة جوده وعلمه بأحوال عباده ولذا ختم الله الآية بقوله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) ثم أمر من لا حيلة له في النكاح أن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله، فأي حجة في هذه الآية على قطع النسل أو تحديده وقد زعم فضيلة المفتي أن أمر الله بالاستعفاف لمن لا يستطع النكاح يدل على جواز القطع والتحديد؛ لأن تأخير النكاح بسبب العجز يفضي إلى تأخير النسل أو قطعه إن مات قبل أن

стр. 1293

يتزوج، وهذا احتجاج غريب واستدلال نادر الوجود لا يمت إلى الآية بصلة بل هو من غرائب الاستدلالات ونوادر الاحتجاج فالله المستعان. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هاتين الآيتين ما نصه (هذا أمر بالتزويج وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر واحتجوا بظاهر قوله ﵊ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١) » أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال «تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة (٢) » وفي رواية حتى بالسقط والأيامى: جمع أيم ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة يقال: رجل أيم وامرأة أيم وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد يعني: ابن عبد العزيز قال بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٥) رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر نحوه، وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء

стр. 1294

والغازي في سبيل الله (١) » رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقد زوج النبي ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها علي أن يعلمها ما معه من القرآن والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله. وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث "تزوجوا فقراء يغنكم الله " فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها ولله الحمد والمنة وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباء فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٣) » انتهى المقصود وبما ذكرناه آنفا وما نقلناه عن الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآيتين يتضح للقراء حقيقة معناهما وأنهما يدلان على شرعية النكاح والحث عليه لما فيه من المصالح العظيمة التي منها قضاء الوطر وعفة الفرج وغض البصر وتكثير النسل أما الاستدلال بهما على جواز قطع الحمل وتحديد النسل ففي غاية من الغرابة والبعد عن الصواب. وأما حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٤) » فهو دال على ما دلت عليه الآيتان من الحث على النكاح والترغيب فيه وبيان بعض حكمه وأسراره، ودال أيضا على أن من عجز عن النكاح يشرع له الاشتغال بالصوم؛ لأنه يضعف الشهوة ويضيق مجاري الشيطان، فهو من أسباب العفة وغض البصر وليس فيه حجة بوجه ما على إباحة قطع الحمل أو تحديد النسل وإنما

стр. 1295

فيه تأخير عند العجز إلى زمن القدرة وشرعية تعاطي أسباب العفة حتى لا يقع في الحرام وأما الاحتجاج بأحاديث العزل على تحديد النسل فهو من جنس ما قبله بعيد عن الصواب مخالف لمقاصد الشرع؛ لأن العزل هو إراقة المني خارج الفرج لئلا تحمل المرأة وهذا إنما يفعله الإنسان عند الحاجة إليه مثل كون المرأة مريضة أو مرضعة فيخشى أن يضرها الحمل أو يضر طفلها فيعزل لهذا الغرض، أو نحوه من الأغراض المعقولة الشرعية إلى وقت ما، ثم يترك ذلك وليس في هذا قطع للحمل ولا تحديد للنسل وإنما فيه تعاطي بعض الأسباب المؤخرة للحمل لغرض شرعي، وهذا لا محذور فيه في أصح الأقوال عند العلماء كما دلت عليه أحاديث العزل ثم إن العزل لا يلزم منه عدم الحمل فقد يسبقه المني أو بعضه فتحمل المرأة بإذن الله، ولهذا قال النبي ﷺ في بعض الأحاديث الواردة في العزل: «ليس من نفس مخلوقة إلا الله خلقها (١) » ، وروي عنه ﷺ أنه قال: «ليس من كل الماء يكون الحمل (٢) » فأي حجة في أحاديث العزل على تحديد النسل لمن تأمل المقام وأعطاه حقه من النظر وتجرد عن العوامل الأخرى نسأل الله لنا ولفضيلة المفتي العام في الأردن ولسائر إخواننا التوفيق لإصابة الحق والعافية من خطأ الفهم إنه خير مسئول. ومن تأمل ما ذكرناه، وما نقلناه عن أهل العلم يعلم أن القول بإباحة تحديد النسل قول مخالف للشريعة الكاملة التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها ومخالف للفطرة السليمة فإن الله سبحانه فطر العباد علي محبة الأولاد وبذل الأسباب في تكثير النسل وقد امتن الله بذلك في كتابه وجعله من زينة الدنيا. فقال تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٣)

стр. 1296

وقال تعالى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) ومن تأمل المقام أيضا عرف أن القول بتحديد النسل مخالف لمصالح الأمة فإن كثرة النسل من أسباب قوة الأمة وعزتها ومنعتها وهيبتها وتحديد النسل بضد ذلك يفضي إلي قلتها وضعفها بل إلى فنائها وانقراضها، وهذا واضح لجميع العقلاء لا يحتاج إلى تدليل وأما تخوف المفتي من كثرة السكان وقول الخبراء إن ذلك ينذر بالويل والثبور فهذا شيء لا ينبغي للعاقل، فضلا عن العالم أن يلتفت إليه بأن يعلق به أحكاما تخالف الشريعة وعلم الغيب إلى الله سبحانه هو خالق العباد ورازقهم وهو القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤) وهو القائل : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٥) والقائل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦) والقائل: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧) وقد صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة «أن الله سبحانه إذا خلق الجنين أمر الملك أن يكتب رزقه وأجله وعمله (٨) » ، فكل مخلوق له رزقه المقدر على حسب ما يسر الله من الأسباب، فكيف يليق بالعاقل أن يستحسن أو يبيح تحديد النسل خوفا من ضيق العيش والله سبحانه المتكفل بالرزق والقادر على كل شيء؟ وإذا كان السكان

стр. 1297

قد تزايدوا في كل مكان، فأسباب الإنتاج والرزق قد كثرت أيضا في كل مكان وقد تسهلت وتنوعت أكثر مما كانت قبل وأحسن مما كانت قبل وهذا من دلائل حكمة الله سبحانه وكمال قدرته وعظيم عنايته بمصالح عباده، ثم كيف يليق بمسلم أن يسيء ظنه بربه؛ حتى يبيح للأمة تحديد النسل وحتى يلزم بذلك إذا قررته الدولة خوفا من ضيق العيش وعدم حصول الرزق فأين الإيمان بالله وأين الثقة بخبره وأين التوكل عليه ثم في هذا الظن السيء مشابهة للكفرة الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر فأنكر الله عليهم ذلك وعابهم به في قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١) وقال سبحانه في آية الإسراء ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) وأما قول المفتي في آخر الفتوى (وإذا قررت الدولة ذلك يكون العمل به لازما؛ لأن من المتفق عليه أن ولي الأمر إذا أخذ بقول ضعيف يكون حتما) فهذا القول في غاية السقوط بل هو ظاهر البطلان لأن الحكومة إنما تطاع في المعروف لا فيما يضر الأمة ويخالف الشرع المطهر والقول لتحديد النسل مخالف للشرع ومصلحة الأمة فكيف تلزم طاعتها فيه قال الله في حق نبيه ﷺ : ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٣) وهو ﷺ لا يأمر إلا بالمعروف ولكن الله أراد إعلام الأمة وإرشادها إلى أن طاعة ولاة الأمور، إنما تكون في المعروف وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف (٤) » وقال:

стр. 1298

عليه الصلاة والسلام «لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق (١) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهذه كلمة موجزة أردنا بها إظهار الحق وكشف اللبس وإرشاد المسلمين إلى ما نعلم من شرع الله سبحانه في هذه المسألة ونسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين لما فيه رضاه وأن يمن على الجميع بالفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان إنه على كل شيء قدير وصلى وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1299

حكم الإسلام في إحياء الآثار . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وآله وصحبه وبعد: فقد نشرت بعض الصحف مقالات حول إحياء الآثار والاهتمام بها لبعض الكتاب ومنهم الأستاذ صالح محمد جمال، وقد رد عليه سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد فأجاد وأفاد وأحسن أجزل الله مثوبته، ولكن الأستاذ أنور أبا الجدايل هداه الله وألهمه رشده لم يقتنع بهذا الرد أو لم يطلع عليه فكتب مقالا في الموضوع نشرته جريدة المدينة بعددها الصادر برقم ٥٤٤٨ وتاريخ ٢٢ \٤ \١٤٠٢ هـ بعنوان (طريق الهجرتين) قال فيه (والكلمة المنشورة بجريدة المدينة بالعدد ٥٤٣٣ وتاريخ ٧ \٤ \١٤٠٢ هـ للأستاذ البحاثة عبد القدوس الأنصاري عطفا على ما قام به الأديب الباحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعي من تحقيق للمواقع التي نزل بها رسول الله ﷺ في الطريق الذي سلكه في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة، تدفعنا إلى استنهاض همة المسئولين إلى وضع شواخص تدل عليها كمثل خيمتين أدنى ما تكونان إلى خيمتي أم معبد مع ما يلائم بقية المواقع من ذلك بعد اتخاذ الحيطة اللازمة لمنع أي تجاوز يعطيها صفة التقديس أو التبرك أو الانحراف عن مقتضيات الشرع؛ لأن المقصود هو إيقاف الطلبة والدارسين ومن يشاء من السائحين على ما يريدونه من التعرف على هذا الطريق ومواقعه هذه لمعرفة ما عاناه الرسول ﷺ في رحلته السرية المتكتمة

стр. 1300

هذه من متاعب وذلك لمجرد أخذ العبرة وحمل النفوس على تحمل مشاق الدعوة إلى الله؛ تأسيا بما تحمله في ذلك ﵊. على أن تعمل لها طرق فرعية معبدة تخرج من الطريق العام وتقام بها نزل واستراحات للسائحين وأن يعنى أيضا بتسهيل الصعود إلى أماكن تواجده ﷺ بدءا بغار حراء ثم ثور، والكراع حيث تعقبه سراقة بن مالك حتى الوصول إلى قباء وما سبق ذلك من مواقع في مكة المكرمة كدار الأرقم بن أبي الأرقم والشعب الذي قوطع هو وأهله فيه وطريق دخوله في فتح مكة ثم نزوله بالأبطح، وكذا في الحديبية وحنين وبدر وكذلك مواقعه في المدينة المنورة ومواقع غزواته وتواجده في أريافها ثم طريقه ﷺ إلى خيبر وإلى تبوك، وتواجده فيهما لإعطاء المزيد من الإحاطة والإلمام بجهاده الفذ في نشر الدعوة الإسلامية والعمل على التأسي به في ذلك) اهـ. كما دعا الدكتور فاروق أخضر في مقاله المنشور في جريدة الجزيرة بعددها رقم ٣٣٥٤ وتاريخ ١٣\١\١٤٠٢ هـ إلى تطوير الأماكن الأثرية في المملكة لزيارتها من قبل المسلمين بصفة مستمرة، لضمان الدخل بزعمه بعد نفاذ البترول ومما استدل به: (أن السياحة الدينية في المسيحية في الفاتيكان تعتبر أحد الدخول الرئيسية للاقتصاد الإيطالي وأن إسرائيل قد قامت ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا على اعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس) كما أشار إلى أنها ستؤدي من الفوائد أيضا (في تثبيت العلم بالإسلام عند الأطفال المسلمين ... إلخ) . ونظرا لما يؤدي إليه إحياء الآثار المتعلقة بالدين من مخاطر تمس العقيدة أحببت إيضاح الحق وتأييد ماكتبه أهل العلم في ذلك والتعاون معهم على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وكشف الشبهة وإيضاح الحجة فأقول:
следующие страницы →