وجل أن يبين لهم صدق الله فيما بينه في كتبه العظيمة من التوراة وغيرها، وأنه صادق فيما بينه لعباده في كتابه العظيم القرآن، ولكن ليس هذا دليلا على أنه مستحب أن يقول ذلك بعد قراءة القرآن، أو بعد قراءة آيات أو قراءة سورة؛ لأن ذلك ليس ثابتا ولا معروفا عن النبي ﷺ ولا عن صحابته رضوان الله عليهم.
«ولما قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ أول سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: قال له النبي ﷺ : حسبك. قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٣) » ﵊ أي: يبكي لما تذكر هذا المقام العظيم يوم القيامة المذكور في الآية وهي قوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ﴾ (٤) أي: يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٥) أي: على أمته ﵊، ولم ينقل أحد من أهل العلم فيما نعلم عن ابن مسعود ﵁ أنه
стр. 13162
قال: صدق الله العظيم، بعد ما قال له النبي ﷺ : حسبك، والمقصود أن ختم القراءة بقول القارئ: صدق الله العظيم، ليس له أصل في الشرع المطهر، أما إذا فعلها الإنسان بعض الأحيان لأسباب اقتضت ذلك فلا بأس به.
стр. 13163
١٧٢ - حكم قراءة القرآن في أوقات العمل
س: أنا موظف وفي العمل أقرأ القرآن الكريم في أوقات الفراغ، ولكن المسئول ينهاني عن ذلك بقوله: إن هذا الوقت للعمل وليس لقراءة القرآن، فما حكم ذلك. جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: إذا لم يكن لديك عمل فلا حرج في قراءة القرآن، وهكذا التسبيح والتهليل والذكر، وهو خير من السكوت، أما إذا كانت القراءة تشغلك عن شيء يتعلق بعملك فلا يجوز لك ذلك؛ لأن الوقت مخصص للعمل، فلا يجوز لك أن تشغله. مما يعوقك عن العمل.
стр. 13164
١٧٣ - حكم سماع سورة البقرة
من المسجل بدلا من قراءتها في المنزل
س: الأخ م. ع. م. من الباحة يقول في سؤاله: يقول الرسول ﷺ ، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة (١) » .
وسؤالي يا سماحة الوالد، هل يكفي أن يأتي الإنسان بالمسجل، ويضع فيه شريطا مسجلا عليه سورة البقرة، ويقوم بتشغيله حتى يقرأ كامل السورة؟ أو لا بد أن يقرأ الإنسان بنفسه أو من ينوب عنه السورة؟ وهل يشترط قراءتها كاملة في جلسة واحدة أو لا بأس بقراءتها على فترات؟ أرجو التكرم بالإفادة (٢) .
ج: الأظهر- والله أعلم- أنه يحصل بقراءة سورة البقرة كلها من المذياع أو من صاحب البيت ما ذكره النبي ﷺ من فرار الشيطان من ذلك البيت، ولكن لا يلزم من فراره أن
стр. 13165
لا يعود بعد انتهاء القراءة، كما أنه يفر من سماع الأذان والإقامة ثم يعود حتى يخطر بين المرء وقلبه، ويقول له: اذكر كذا، واذكر كذا. . كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، فالمشروع للمؤمن أن يتعوذ بالله من الشيطان دوما، وأن يحذر من مكائده ووساوسه وما يدعو إليه من الإثم. والله ولي التوفيق.
стр. 13166
١٧٤ - حكم قراءة القرآن في منزل فيه كلب
س: ما حكم قراءة القرآن في منزل فيه كلب؟ (١)
ج: لا حرج في ذلك، والواجب إخراج الكلب وعدم بقائه في المنزل، إلا إذا كان لأحد ثلاثة أمور وهي: الصيد، والحرث، والماشية؛ لقول النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية، أو زرع فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان (٢) » متفق عليه. والله ولي التوفيق.
стр. 13167
١٧٥ - الأولى ترك التكبير
من سورة الضحى إلى آخر القرآن
س: هل ثبت التكبير من سورة الضحى إلى آخر القرآن؟
ج: لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في أول تفسير سورة الضحى، ولكن ذلك عادة جرى عليها بعض القراء، لحديث ضعيف ورد في ذلك، فالأولى ترك ذلك، لأن العبادات لا تثبت بالأحاديث الضعيفة. والله الموفق.
١٧٦ - الأفضل ألا يختم القرآن في أقل من ثلاث
س: ما نصيحة الشيخ للذين يمضي عليهم الشهر والشهور الطويلة ولا يمسون كتاب الله الكريم بدون عذر وتجد أحدهم يتابع المجلات غير المفيدة؟ (١)
ج: يسن للمؤمن والمؤمنة الإكثار من قراءة كتاب الله مع التدبر والتعقل سواء كان ذلك من المصحف أو عن ظهر قلب؛
стр. 13168
لقول الله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢) ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣)
والتلاوة المذكورة تشمل القراءة والاتباع، والقراءة بالتدبر والتعقل والإخلاص لله وسيلة للاتباع وفيها أجر عظيم، كما قال النبي ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه (٤) » . رواه مسلم في صحيحه، وقال ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥) » . خرجه البخاري في صحيحه، وقال ﷺ : «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول [ألم] ، حرف. ولكن ألف
стр. 13169
حرف ولام حرف وميم حرف (١) » وثبت عنه ﷺ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في كل شهر، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك فقال: اقرأه في سبع (٢) » . وكان أصحاب النبي ﷺ يختمونه في كل سبع.
ووصيتي لجميع قراء القرآن الإكثار من قراءته بالتدبر والتعقل، والإخلاص لله مع قصد الفائدة والعلم، وأن يختمه في كل شهر فإن تيسر أقل من ذلك فذلك خير عظيم، وله أن يختمه في أقل من سبع، والأفضل ألا يختمه في أقل من ثلاث؛ لأن ذلك هو أقل ما أرشد إليه النبي ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص، ولأن قراءته في أقل من ثلاث قد تفضي إلى العجلة وعدم التدبر، ولا يجوز أن يقرأه من المصحف إلا على طهارة، أما إن كان يقرأه عن ظهر قلب فلا حرج عليه أن يقرأه وهو على غير وضوء، أما الجنب فليس له قراءته من المصحف ولا عن ظهر قلب حتى يغتسل؛ ما روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد حسن عن علي
стр. 13170
رضي الله عنه أنه قال: «كان النبي ﷺ لا يحجزه شيء عن القرآن سوى الجنابة (١) » ، وبالله التوفيق.
стр. 13171
١٧٧ - حكم إهداء تلاوة القرآن الكريم للآخرين
س: في هذا الشهر العظيم، شهر القرآن الكريم هل يجوز أن أختم القرآن الكريم لوالدي، علما بأنهما أميان لا يقرآن ولا يكتبان؟ وهل يجوز أن أختم القرآن لشخص يعرف القراءة والكتابة ولكن أريد إهداءه هذه الختمة؟ وهل يجوز لي أن أختم القرآن لأكثر من شخص؟ (١)
ج: لم يرد في الكتاب العزيز ولا في السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن صحابته الكرام ما يدل على شرعية إهداء تلاوة القرآن الكريم للوالدين ولا لغيرهما، وإنما شرع الله قراءة القرآن للانتفاع به، والاستفادة منه، وتدبر معانيه والعمل بذلك، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)
стр. 13172
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) وقال نبينا ﵊: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه (٣) » ، ويقول ﷺ : «إنه يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما (٤) » .
والمقصود: أنه أنزل للعمل به وتدبره والتعبد بتلاوته والإكثار من قراءته لا لإهدائه للأموات أو غيرهم، ولا أعلم في إهدائه للوالدين أو غيرهما أصلا يعتمد عليه، وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » .
стр. 13173
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك وقالوا: لا مانع من إهداء ثواب القرآن وغيره من الأعمال الصالحات، وقاسوا ذلك على الصدقة والدعاء للأموات وغيرهم، ولكن الصواب: هو القول الأول، للحديث المذكور، وما جاء في معناه، ولو كان إهداء التلاوة مشروعا لفعله السلف الصالح.
والعبادة لا يجوز فيها القياس؛ لأنها توقيفية لا تثبت إلا بنص من كلام الله أو من سنة رسوله ﷺ ؛ للحديث السابق وما جاء في معناه.
أما الصدقة عن الأموات وغيرهم، والدعاء لهم، والحج عن الآخرين ممن قد حج عن نفسه، وهكذا العمرة عن الآخرين ممن قد اعتمر عن نفسه، وهكذا قضاء الصوم عمن مات وعليه صيام، فكل هذه العبادات قد صحت بها الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، إذا كان المحجوج عنه والمعتمر عنه ميتا، أو عاجزا لهرم أو مرض لا يرجى برؤه. والله ولي التوفيق.
стр. 13174
١٧٨ - دعاء ختم القرآن لابن تيمية
س: هناك كتيب " دعاء ختم القرآن " لابن تيمية مكتوب عليه تأليف شيخ الإسلام وقدوة الأنام أحمد بن عبد الحليم. . الخ [قدس الله روحه ونور ضريحه آمين] ما حكم هذا القول؟ (١)
ج: الدعاء المشار إليه مشهور عند العلماء أنه من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أما أنا فلم أقف عليه في شيء من كتبه. . والدعاء المذكور لا أعلم به بأسا، والله ولي التوفيق.
стр. 13175
١٧٩ - حكم دعاء ختم القرآن
س: هل ورد دليل على تعيين دعاء معين لختم القرآن الكريم فيما يعلم سماحتكم؟ (١)
ج: يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء ويتخير من الأدعية الدافعة كطلب مغفرة الذنوب والفوز بالجنة والنجاة من النار والاستعاذة من
стр. 13176
الفتن وطلب التوفيق لفهم القرآن الكريم على الوجه الذي يرضي الله والعمل به وحفظه ونحو ذلك.
وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو، أما النبي ﷺ فلم يرد عنه شيء في ذلك.
стр. 13177
١٨٠ - استحباب دعاء المسلم عند ختم القرآن
س: هل من ختم تلاوة القرآن يلزمه دعاء معين؟ (١)
ج: يدعو بما تيسر فليس فيه شيء معين، وإذا دعا بـ " اللهم إني عبدك وابن عبدك. . . " فهو طيب؛ لأنه ورد في الحديث.
انتهى الجزء الرابع والعشرون
ويليه بمشيئة الله تعالى الجزء
الخامس والعشرون وأوله كتاب الحديث
стр. 13178
صفحة فارغة
стр. 13179
صفحة فارغة
стр. 13180
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فبحمد الله وتوفيقه تم الانتهاء من الجزء (٢٥) من كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ وهو في كتاب الحديث.
ونظرا إلى توسع سماحة شيخنا ﵀ في كتاب الحديث فقد تقرر إصدار هذا الكتاب في جزأين مستقلين وهما (٢٥، ٢٦) .
أما الجزء (٢٥) فقد تم ترتيبه على ضوء ترتيب صحيح مسلم ﵀.
أما الجزء (٢٦) فقد احتوى على ثلاثة موضوعات وهي كما يلي:
стр. 13181
١ - كتاب الأذكار والأدعية.
٢ - كتاب الأحاديث الضعيفة.
٣ - كتاب الأحاديث الموضوعة.
فنسأل الله تعالى أن يغفر لشيخنا مغفرة واسعة وأن يسكنه فسيح جناته وأن يوفق الجميع لخدمة دينه وإعلاء كلمته، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المشرف على جمع وترتيب الكتاب
стр. 13182
كتاب الحديث وعلومه
стр. 13183
صفحة فارغة
стр. 13184
١ - السنة ومكانتها في
الإسلام وفي أصول التشريع
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا بحث مهم يتعلق بالسنة وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام يجب الأخذ بها والاعتماد عليها إذا صحت عن رسول الله ﷺ ، فأقول: من المعلوم عند جميع أهل العلم أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله ، هي الأصل المعتمد بعد كتاب الله بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط فقد ضل ضلالا بعيدا وكفر كفرا أكبر، وارتد عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذب الله ورسوله وأنكر ما أمر الله به ورسوله وجحد أصلا عظيما فرض الله الرجوع إليه والاعتماد
стр. 13185
عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم عليه، وكذب به، وجحده.
وقد أجمع علماء الإسلام على أن الأصول المجمع عليها ثلاثة: الأصل الأول: كتاب الله، والأصل الثاني: سنة رسول الله ﵊، والأصل الثالث: إجماع أهل العلم. وتنازع أهل العلم في أصول أخرى، أهمها: القياس، والجمهور على أنه أصل رابع إذا استوفى شروطه المعتبرة.
أما السنة: فلا نزاع ولا خلاف في أنها أصل مستقل وأنها هي الأصل الثاني من أصول الإسلام وأن الواجب على جميع المسلمين، بل على جميع الأمة الأخذ بها، والاعتماد عليها والاحتجاج بها إذا صح السند عن رسول الله ﵊.
وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات من كتاب الله، وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﵊، كما دل على هذا المعنى إجماع أهل العلم قاطبة على وجوب الأخذ بها، والإنكار على من أعرض عنها أو خالفها.
стр. 13186
وقد نبغت نابغة في صدر الإسلام أنكرت السنة بسبب تهمتها للصحابة ﵃ وأرضاهم، كالخوارج، فإن الخوارج كفروا كثيرا من الصحابة، وفسقوا كثيرا منهم، وصاروا لا يعتمدون بزعمهم إلا على كتاب الله، لسوء ظنهم بأصحاب رسول الله ﵊، وتابعتهم الرافضة فقالوا: لا حجة إلا فيما جاء من طريق أهل البيت فقط، وما سوى ذلك لا حجة فيه.
ونبغت نابغة بعد ذلك، ولا يزال هذا القول يذكر فيما بين وقت وآخر، وتسمى هذه النابغة الأخيرة القرآنية، ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط؛ ولأن الكتب قد يقع فيها غلط، إلى غير هذا مما قالوا من الترهات، والخرافات، والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط. وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا، وكفروا بذلك كفرا أكبر بواحا.
стр. 13187
فإن الله أمر بطاعة رسوله ﵊، واتباع ما جاء به، وسمى كلامه وحيا في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) ولو كان رسوله ﷺ لا يتبع ولا يطاع لم يكن لأوامره ونواهيه قيمة.
وقد أمر ﷺ أن تبلغ سنته، فكان إذا خطب أمر أن تبلغ السنة، فدل ذلك على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع، وعلى أن طاعته واجبة على جميع الأمة، كما تجب طاعة الله تجب طاعة رسوله ﵊، ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحا، قال تعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) فقرن طاعة الرسول بطاعته سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٧) فعلق الرحمة بطاعة الله ورسوله، وقال سبحانه أيضا في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٨) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٩)
стр. 13188
وقال سبحانه في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله أمرا مستقلا، وكرر الفعل في ذلك ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢) ثم قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) ولم يكرر الفعل؛ لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله وإنما تجب في المعروف حيث كان ما أمروا به من طاعة الله ورسوله ومما لا يخالف أمر الله ورسوله، ثم بين أن العمدة في طاعة الله ورسوله فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ولم يقل: إلى أولي الأمر منكم، بل قال: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) فدل ذلك على أن الرد في مسائل النزاع والخلاف إنما يكون لله ولرسوله، قال العلماء: معنى إلى الله: الرد إلى كتاب
стр. 13189
الله، ومعنى والرسول: الرد إلى الرسول في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﵊.
فعلم بذلك أن سنته مستقلة، وأنها أصل متبع، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) وقبلها قوله جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) فجعل الفلاح لمن اتبعه ﵊؛ لأن السياق فيه ﵊: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) فذكر أن الفلاح لهؤلاء المتبعين لنبي الله ﵊ دون غيرهم، فدل ذلك على أن من أنكر سنته ولم يتبعه فإنه ليس بمفلح وليس من المفلحين، ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٥) يعني: قل يا محمد: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٦)
стр. 13190
فعلق الهداية باتباعه ﵊، فدل ذلك على وجوب طاعته، واتباع ما جاء به من الكتاب والسنة ﵊، وقال في آيات أخرى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) وقال جل وعلا أيضا في هذه السورة سورة النور: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) فأفرد طاعته وحدها بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) وقال في آخر السورة سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) فذكر جل وعلا أن
стр. 13191
المخالف لأمر النبي ﷺ على خطر عظيم من أن تصيبه فتنة بالزيغ والشرك والضلال أو عذاب أليم نعوذ بالله من ذلك، وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) فهذه الآيات وما جاء في معناها كلها دالة على وجوب اتباعه وطاعته ﵊، وأن الهداية والرحمة والسعادة والعاقبة الحميدة كلها في اتباعه وطاعته ﵊، فمن أنكر ذلك فقد أنكر كتاب الله، ومن قال: إنه يتبع كتاب الله دون السنة فقد كذب وغلط وكفر فإن القرآن أمر باتباع الرسول ﷺ ، فمن لم يتبعه فإنه لم يعمل بكتاب الله، ولم يؤمن بكتاب الله، ولم ينقد لكتاب الله، إذ كتاب الله أمر بطاعة الرسول ﷺ ، وأمر باتباعه، وحذر من مخالفته ﵊، فمن زعم أنه يأخذ بالقرآن، ويتبع القرآن دون السنة فقد كذب؛ لأن السنة جزء من القرآن، فطاعة الرسول جزء من
стр. 13192
القرآن، وقد دل على الأخذ بها القرآن وأمر بالأخذ بها القرآن، فلا يمكن أن ينفك هذا عن هذا، ولا يمكن أن يكون الإنسان متبعا للقرآن بدون اتباع السنة، ولا يكون متبعا للسنة بدون اتباع القرآن فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
ومما جاء في السنة عن رسول الله ﵊ ما رواه الشيخان البخاري ومسلم - رحمة الله عليهما - في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني (١) » وفي صحيح البخاري - رحمة الله عليه - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله: ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٢) » وهذا واضح في أن من عصاه فقد
стр. 13193
عصى الله، ومن عصاه فقد أبى دخول الجنة والعياذ بالله، وفي المسند وأبي داود وصحيح الحاكم بإسناد جيد عن المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (١) » والكتاب هو القرآن، ومثله معه يعني: السنة، وهي الوحي الثاني «ألا يوشك رجل شبعان يتكئ على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينهم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه (٢) » ، وفي لفظ: «يوشك رجل شبعان على أريكته يحدث بالأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه يقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه اتبعناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (٣) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على جميع الأمة أن تعظم سنة الرسول ﵊، وأن تعرف قدرها، وأن تأخذ بها، وتسير عليها،
стр. 13194
فهي الشارحة والمفسرة لكتاب الله ، والدالة على ما قد يخفى من كتاب الله، والمقيدة لما قد يطلق من كتاب الله، والمخصصة بما قد يعم من كتاب الله، ومن تدبر كتاب الله وتدبر السنة عرف ذلك؛ لأن الله يقول جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)
فهو المبين للناس ما نزل إليهم ﵊، فإذا كانت سنته غير معتبرة ولا يحتج بها، فكيف يبين للناس دينهم وكتاب ربهم؟ هذا من أبطل الباطل، فعلم بذلك أنه المبين لما قاله الله، وأنه الشارح لما قد يخفى من كتاب الله، وقال في آية أخرى في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)
فبين جل وعلا أنه أنزل الكتاب عليه ليبين للناس ما اختلفوا فيه، فإذا كانت سنته لا تبين للناس ولا تعتمد بطل هذا المعنى، فهو بين أنه ﷺ الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وأنه ﵊ هو الذي يفصل النزاع
стр. 13195
بين الناس فيما اختلفوا فيه، فدل ذلك على أن سنته لازمة الاتباع، وواجبة الاتباع.
وليس هذا خاصا بأهل زمانه وصحابته ﵃؛ بل هو لهم ولمن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة، فإن الشريعة شريعة لأهل زمانه ولمن يأتي بعد زمانه ﵊ إلى يوم القيامة فهو رسول الله إلى الناس عامة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) فهو رسول الله إلى جميع العالم: الجن والإنس، العرب والعجم، الأغنياء والفقراء، الحكام والمحكومين، الرجال والنساء إلى يوم القيامة، ليس بعده نبي ولا رسول بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊. فوجب أن تكون سنته موضحة لكتاب الله وشارحة لكتاب الله، ودالة على ما قد يخفى من كتاب الله، وسنته أيضا جاءت بأحكام لم يأت بها كتاب الله، جاءت بأحكام مستقلة شرعها الله لم تذكر في كتاب الله ، من ذلك: تفصيل
стр. 13196
الصلوات وعدد الركعات، وتفصيل أحكام الزكاة، وتفصيل أحكام الرضاع، فليس في كتاب الله إلا الأمهات والأخوات من الرضاع وجاءت السنة ببقية محرمات بالرضاع، فقال ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١) » وجاءت السنة بحكم مستقل في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وجاءت بأحكام مستقلة لم تذكر في كتاب الله في أشياء كثيرة، في الجنايات والديات، والنفقات، وأحكام الزكوات، وأحكام الصوم والحج إلى غير ذلك.
ولما قال بعض الناس في مجلس عمران بن حصين ﵄: (دعنا من الحديث وحدثنا عن كتاب الله) غضب عمران ﵁ وأرضاه، واشتد إنكاره عليه وقال: (لولا السنة كيف تعرف أن الظهر أربع والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث. . .) إلى آخره.
стр. 13197
فالسنة بينت لنا تفاصيل الصلاة، وتفاصيل الأحكام، ولم يزل الصحابة ﵃ وأرضاهم يرجعون إلى السنة ويتحاكمون إليها ويحتجون بها، ولما ارتد من العرب من ارتد وقام الصديق ﵁ وأرضاه ودعا إلى جهادهم توقف عمر في ذلك، وقال: كيف نقاتلهم، وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (١) » قال الصديق ﵁: أليست الزكاة من حقها - من حق لا إله إلا الله - والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: (فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر لقتالهم فعرفت أنه الحق) ثم وافق المسلمون، ووافق الصحابة واجتمع رأيهم على قتال المرتدين فقاتلوهم بأمر الله ورسوله.
ولما جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله عن إرثها؟ قال: ما أعلم لك شيئا في كتاب الله، ولا في سنة
стр. 13198
رسول الله ﷺ ولكن سوف أسأل الناس، يعني عما جاء في السنة، فسأل الناس فأخبر أن رسول الله ﷺ قضى لها بالسدس، فقضى لها بالسدس ﵁ وأرضاه، وهكذا عمر ﵁ لما أشكل عليه حكم إملاص المرأة: وهو خروج الجنين ميتا بالجناية على أمه ما حكمه؟ توقف حتى سأل الناس، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة بأن النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقضى بذلك. ولما أشكل على عثمان حكم المعتدة من الوفاة، هل تكون في بيت زوجها أو تنتقل إلى أهلها؟ فشهدت عنده فريعة بنت مالك الخدرية أخت أبي سعيد أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيت زوجها، فقضى بذلك عثمان ﵁ وأرضاه، ولما سمع علي ﵁ عثمان في بعض حجاته ينهى عن المتعة ويأمر بإفراد الحج أحرم علي ﵁ بالحج والعمرة جميعا وقال: لا أدع سنة رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس، ولما سمع ابن عباس بعض الناس ينكر عليه الفتوى بالمتعة ويحتج عليه بقول أبي بكر وعمر أنهما يريان إفراد الحج قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال
стр. 13199
رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) ، ولما ذكر لأحمد ﵀ جماعة يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان الثوري ويسألونه عما لديه وعما يقول، تعجب! وقال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يعني عن رسول الله ﷺ يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ولما ذكر عند أيوب السختياني ﵀ رجل يدعو إلى القرآن ويثبط عن السنة قال: دعوه فإنه ضال.
والمقصود أن السلف الصالح قد عرفوا هذا الأمر، ونبغت عندهم نوابغ بسبب الخوارج في هذا الباب، فاشتد نكيرهم عليهم، وضللوهم، وحذروا منهم، مع أنه إنكار ليس مثل الإنكار الموجود الأخير؛ لأنه إنكار له شبهة بالنسبة إلى الخوارج وما اعتقدوه في الصحابة ﵃ وأرضاهم في بعضهم دون بعض، أما هؤلاء المتأخرون فجاءوا بداهية كبرى ومنكر عظيم وبلاء كبير، ومصيبة عظمى حيث قالوا: إن السنة برمتها لا يحتج بها بالكلية لا
стр. 13200
من هنا ولا من هنا، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها، وساروا على هذا النهج الوخيم وأعلنه كثيرا أحد زعماء العرب فضل وأضل، وهكذا جماعة في مصر، وغير مصر فإن من قال بهذه المقالة واحد أو جماعة، فقد ضلوا وأضلوا وسموا أنفسهم بالقرآنيين، وقد كذبوا وجهلوا ما قام به علماء السنة؛ لأنهم لو عملوا بالقرآن لعظموا السنة وأخذوا بها، ولكنهم جهلوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضلوا وأضلوا.
وقد احتاط أهل السنة كثيرا للسنة حيث تلقوها أولا عن الصحابة حفظا، ودرسوها، وحفظوها حفظا كاملا، وحفظا دقيقا حرفيا، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم ألف العلماء على رأس القرن الأول وفي أثناء القرن الثاني ثم كثر ذلك في القرن الثالث، ألفوا الكتب، وجمعوا فيها الأحاديث حرصا على بقائها وحفظها وصيانتها فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك، ثم نقبوا عن الرجال، وعرفوا ثقاتهم من كذابيهم وضعفائهم، ومن هو سيئ الحفظ منهم حتى حرروا