← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

هؤلاء الذين دعوا إلى التأسي باليهود وأشباههم في الأغاني ارتفعت همتهم فدعوا إلى التأسي بهم في إيجاد المصانع النافعة والأعمال المثمرة، ولكن وياللأسف انحطت أخلاق هؤلاء ونزلت همتهم حتى دعوا إلى التأسي بأعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين عموما والعرب خصوصا في خصلة دنيئة من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال، بل من الأمراض المخدرة للشعوب والسالبة لحريتها وأفكارها، والصارفة لها عن معالي الأمور ومكارم الأخلاق وعن النشاط في ميادين الإصلاح إلى ضد ذلك ومن أراد أن يعرف مثالا لسقوط الهمم وضعف التفكير وانحطاط الأخلاق فهذا مثاله، دعوة من بلاد إسلامية إلى خلق من أحط الأخلاق يتأسى فيه بأمة من أحط الأمم وأشدها عداوة للإسلام والعرب وقد غضب الله عليها ولعنها، فالمتأسي بها له نصيب من ذلك، ولا شك أن هذا من آيات الله التي ميز بها بين عباده وجعلهم أصنافا متباينة، هذا همته فوق الثريا ينشد الإصلاح أينما كان، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويدعو إلى الأعمال المثمرة والمصانع النافعة للأمة في دينها ودنياها في عصر العلم المادي والجموح الفكري والتيارات الجارفة المتنوعة، وشخص آخر قد انحطت همته إلى الثرى يدعو إلى سفاسف الأمور وخبيث الأخلاق، يدعو إلى ما يضعف الأمة ويشغلها عن طرق الإصلاح وكسب القوة وعمارة البلاد بكل عمل جدي مثمر، يدعو إلى التأسي بالأمة العاملة في الخسيس لا في الحسن وفي الفساد لا في الإصلاح وفي الشر لا في الخير وفي ما يضر لا ما ينفع، هذه والله العبر التي لا يزال الله سبحانه يوجدها بين عباده؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة، فسبحان الله ما أعظم شأنه وسبحان الله ما أحكمه وأعلمه بأحوال عباده. أيها القارئ الكريم إن تزويد الإذاعة بالأغاني والطرب وآلات الملاهي فساد وحرام بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وإن لم يصحب الغناء آلة

стр. 1402

اللهو فهو حرام عند أكثر العلماء، وقد علم بالأدلة المتكاثرة أن سماع الأغاني والعكوف عليها ولا سيما بآلات اللهو كالعود والموسيقى ونحوهما من أعظم مكائد الشيطان ومصائده التي صاد بها قلوب الجاهلين وصدهم بها عن سماع القرآن الكريم، وحبب إليهم العكوف على الفسوق والعصيان، والغناء هو قرآن الشيطان ومزماره ورقية الزنا واللواط والجالب لأنواع الشر والفساد. وقد حكى أبو بكر الطرطوشي وغير واحد من أهل العلم عن أئمة الإسلام ذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك، وحكى الحافظ العلامة أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن جميع العلماء تحريم الغناء المشتمل على شيء من آلات الملاهي كالعود ونحوه وما ذاك إلا لما في الغناء وآلات الطرب من إمراض القلوب وإفساد الأخلاق والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا شك أن الغناء من اللهو الذي ذمه الله وعابه، وهو مما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، ولا سيما إذا كان من مطربين ومطربات قد اشتهروا بذلك فإن ضرره يكون أعظم وتأثيره في إفساد القلوب أشد، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) قال: الواحدي وغيره: (أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء انتهى) . وكان ابن مسعود ﵁ وهو أحد كبار الصحابة وعلمائهم - يحلف بالله الذي لا إله إلا هو على أن لهو الحديث هو الغناء. وقال ﵁: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع) وقد ورد عن السلف من الصحابة والتابعين أثار كثيرة بذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي

стр. 1403

أقواما يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» رواه البخاري والحر هو الفرج الحرام والمراد بذلك الزنا، وأما المعازف فهي آلات الملاهي كلها كالموسيقى والطبل والعود والرباب والأوتار وغير ذلك. قال: العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب: [الإغاثة] لا خلاف بين أهل اللغة في تفسير المعازف بآلات اللهو كلها) وخرج الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ فقال: رجل من المسلمين متى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور (١) » وخرج أحمد في مسنده بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر (٢) » والكوبة هي: الطبل، قاله سفيان أحد رواة الحديث. وقد روي في ذم الغناء والملاهي أحاديث وآثار كثيرة لا تحتمل هذه الكلمة ذكرها، وفيما ذكرنا كفاية ومقنع لطالب الحق ولا شك أن الداعين إلى تزويد الإذاعة بالأغاني وآلات الملاهي قد أصيبوا في تفكيرهم حتى استحسنوا القبيح واستقبحوا الحسن، ودعوا إلى ما يضرهم ويضر غيرهم، ولم ينتبهوا للأضرار والمفاسد والشرور الناتجة عن ذلك، وما أحسن قول الله تعالى حيث يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) وصدق الشاعر حيث يقول: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن من دعا إلى ضلالة فعليه إثمها ومثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى هدى

стр. 1404

كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (١) » فيا له من خطر عظيم ووعيد شديد لمن حبذ الباطل. ودعا إليه وإن نصيحتي لهؤلاء الداعين إلى الغناء والملاهي أن يتوبوا إلى الله من معصيتهم وأن يراجعوا الحق ويسألوا الله الهداية فهو خير لهم من التمادي في الباطل والله سبحانه يتوب على من تاب ويحلم على من عصى ويملي ولا يغفل. نسأل الله لنا ولهم ولسائر المسلمين الهداية والعافية من نزغات الشيطان. ومما تقدم من الأدلة والآثار وكلام أهل العلم يعلم كل من له أدنى بصيرة أن تطهير الإذاعات مما يضر الأمم واجب متحتم لا يسوغ الإخلال به سواء كانت الإذاعة شرقية أو غربية إذا كانت تحت ولاية المسلمين، فكيف إذا كانت الإذاعة في مهبط الوحي ومنبع النور ومحل القبلة التي يوجه المسلمون إليها وجوههم أينما كانوا في اليوم والليلة خمس مرات، لا شك أنها أولى وأحق بالتطهير والصيانة من كل ما يضر المسلمين في دينهم أو دنياهم. ولا ريب أن تزويدها بالأغاني وآلات الملاهي مما يضر المسلمين ضررا ظاهرا في دينهم ودنياهم، فوجب أن تصان وسائل إعلامنا من ذلك، وأن تكون وسائل إعلام إسلامية محضة تنشر الحق وتدعو إليه وتحذر من الباطل وتنفر منه، تزود الناس ما ينفعهم ويرضي الله عنهم في الدنيا والآخرة وتكون نبراسا يهتدي به المسلمون أينما كانوا، فتارة تزودهم بالعلوم النافعة والتوجيهات السديدة وتلاوة القرآن الكريم وتفسيره بما جاء عن الرسول والسلف الصالح، ونشر محاسن الإسلام وبيانه لهم سليما من شوائب الشرك والبدع، وطورا تسمعهم أحاديث طبية وأحاديث زراعية وتوجيهات تجارية وتعليمات تربوية وإرشادات منزلية إلى غير ذلك من أوجه النفع وطرق الإصلاح الديني والدنيوي. هكذا يجب أن تكون وسائل إعلامنا، وهكذا يجب

стр. 1405

على المسئولين أن يوجهوها ويطهروها مما لا يليق بها، وأنهم والله مسئولون عن ذلك يوم القيامة أمام العزيز الجبار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ولقد أحسنت حكومتنا وفقها الله في إيجاد إذاعة خاصة بالقرآن الكريم والتفسير والأحاديث الدينية، وصارت بذلك قدوة لكثير من الدول الإسلامية، كما أحسنت في إيجاد البرنامج العظيم الفائدة، وهو برنامج نور على الدرب لما يشتمل عليه من استقبال أسئلة المسلمين في أنواع العلوم والإجابة عليها من جماعة من خواص أهل العلم والفقه في الدين، والسير على منهج السلف الصالح، فجزى الله حكومتنا عن ذلك أحسن الجزاء وأفضله وأدام توفيقها لكل خير وإني أتوجه بهذه الكلمة بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن جميع العلماء وعن جميع المسلمين الذين يغارون لله ويغضبون إذا انتهكت محارمه، أتوجه بذلك إلى جميع ولاة أمور المسلمين وأسألهم أن يصونوا وسائل الإعلام عن البرامج الهدامة ويطهروها من كل ما يضر المسلمين وأن لا يولوا على شئونها إلا من يخاف الله ويتقيه، وذلك مما أوجب الله عليهم وهم الرعاة للمسلمين، وكل راع مسئول عن رعيته. فأسأل الله أن يوفقهم لإصلاح هذه الوسائل الإعلامية وأن يعينهم على صيانتها من كل ما يضر العباد والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين لكل خير وأن ينصر بهم الحق وأن يصون بهم الشريعة ويحمي بهم حماها من جميع البدع والمنكرات، وأن يصلح لهم البطانة ويمنحهم التوفيق في كل ما يأتون ويذرون، بأن يوفق جميع المسئولين في حكوماتهم للتمسك بالشرع والتعظيم لحرماته والحذر مما يخالفه إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1406

الإجابة عن سؤال حول الغناء (١) . قرأت في صحيفة عكاظ في العدد ٦١٠١ السبت ٢٩ ربيع الثاني ١٤٠٣ هـ في خبر مفاده: أن هناك مطربا سعوديا اعتزل الغناء، وفي إحدى الرحلات الجوية بين القاهرة وباريس التقى هذا المطرب بأحد رجال الدين وتجاذب معه أطراف الحديث حول الغناء ومشروعيته، ولم ينزل المطرب من الطائرة إلا وقد أقنعه رجل الدين بمشروعية الغناء بالأدلة والبراهين وعاد وقام بعدة أغان تعتبر باكورة إنتاجه. س- هل الغناء مشروع في الإسلام وبالأدلة والبراهين أيضا خصوصا هذا النوع الخليع في الوقت الحاضر والمصحوب بالموسيقى؟ . جـ- الغناء محرم عند جمهور أهل العلم وإذا كان معه آلة لهو كالموسيقى والعود والرباب ونحو ذلك حرم بإجماع المسلمين. ومن أدلة ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) فسره جمهور المفسرين: بالغناء، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقسم على ذلك ويقول: (إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (٣) » الحديث رواه البخاري في صحيحه معلقا مجزوما به ورواه غيره بأسانيد صحيحة، والمعازف هي: الغناء وآلات اللهو وبهذا يعلم أن هذا الذي أفتى - إن صح النقل - بمشروعية الغناء قد قال على الله بغير علم وأفتى فتوى باطلة؛ سوف يسأل عنها يوم القيامة والله المستعان.

стр. 1407

حكم الاستماع إلى الأغاني (١) س١: ما حكم الاستماع إلى الأغاني؟ جـ- الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاص كثيرة وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق والوقوع في الزنا والفواحش واللواط ويجر إلى معاص أخرى كشرب المسكرات ولعب القمار وصحبة الأشرار، وربما أوقع في الشرك والكفر بالله على حسب أحوال الغناء واختلاف أنواعه، والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قرئ ليضل بضم الياء وقرئ ليضل بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما، واللام للتعليل والمعنى أنه بتعاطيه واستعاضته لهو الحديث وهو الغناء يجره ذلك إلى أن يضل في نفسه ويضل غيره، يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض فيضل عن الحق لتساهله بمعاصي، الله ومباشرته لها، وتركه بعض ما أوجب الله عليه مثل ترك الصلاة في الجماعة وترك بر الوالدين ومثل لعب القمار والميل إلى الزنا والفواحش واللواط إلى غير ذلك مما قد يقع

стр. 1408

بسبب الأغاني. قال أكثر المفسرين: (معنى لهو الحديث في الآية الغناء) وقال جماعة آخرون: (كل صوت منكر من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك كالمزمار والربابة والعود والكمان وأشباه ذلك وهذا كله يصد عن سبيل الله ويسبب الضلال والإضلال) . وثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة ﵃ أنه قال في تفسير الآية (إنه والله الغناء وقال إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) والآية تدل على هذا المعنى فإن الله قال: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) يعني: يعمي عليه الطريق كالسكران؛ لأن الغناء يسكر القلوب ويوقع في الهوى والباطل فيعمى عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء وامتلاء قلبه به وميله إلى الباطل وإلا عشق فلانة وفلان وإلى صحبة فلانة وفلان، وصداقة فلانة وفلان ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ (٢) معناه: هو اتخاذ سبيل الله هزوا، وسبيل الله هي دينه، والسبيل تذكر وتؤنث فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق الله لهوا ولعبا وعدم المبالاة في ذلك وإذا تلي عليه القرآن تولى واستكبر وثقل عليه سماعه لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي فيثقل عليه سماع القرآن ولا يستريح لسماعه وهذا من العقوبات العاجلة. فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب وأنها وسيلة إلى شر كثير وعواقب وخيمة وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه [إغاثة اللهفان] الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو فمن أراد المزيد من الفائدة فليراجعه فهو مفيد جدا والله المستعان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1409

حكم الاستماع إلى الموسيقى (١) الموسيقى وغيرها من آلات اللهو كلها شر وبلاء، ولكنها مما يزين الشيطان التلذذ به والدعوة إليه حتى يشغل النفوس عن الحق بالباطل، وحتى يلهيها عما أحب الله إلى ما كره الله وحرم فالموسيقى والعود وسائر أنواع الملاهي كلها منكر ولا يجوز الاستماع إلا وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (٢) » والحر هو: الفرج الحرام - يعني الزنا - والمعازف هي: الأغاني وآلات الطرب. وأوصيك وغيرك من النساء والرجال بالإكثار من قراءة القرآن الكريم والاستماع لبرنامج [نور على الدرب] ، ففيهما فوائد عظيمة وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب، وفق الله الجميع لكل ما يحب ويرضى إنه سميع مجيب.

стр. 1410

حكم استماع الأناشيد الإسلامية (١) . س١: ما حكم استماع أشرطة الأناشيد الإسلامية؟ جـ- الأناشيد تختلف فإذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء والاستعداد للأعداء، ونحو ذلك، فليس فيها شيء. أما إذا كان فيها غير ذلك من دعوة إلى المعاصي واختلاط النساء بالرجال أو تكشفهن عندهم أو أي فساد كان فلا يجوز استماعها.

стр. 1411

أسئلة وأجوبة عن الغزو الفكري (١) . س١: ما هو تعريف الغزو الفكري في رأيكم؟ جـ: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المآرب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه. وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمرا صعبا وإفهامها سبيل الرشد شيئا عسيرا. وهذا الغزو يقع بواسطة المناهج الدراسية والثقافية العامة ووسائل الإعلام والمؤلفات الصغيرة والكبيرة وغير ذلك من الشئون التي تتصل بالأمم، ويرجو العدو من ورائها صرفها عن عقيدتها والتعلق بما يلقيه إليها، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 1412

س٢: هل يتعرض العرب عامة والمملكة العربية السعودية خاصة لهذا النوع من الغزو؟ . جـ: نعم، يتعرض المسلمون عامة ومنهم العرب وغيرهم، والمملكة وغيرها لغزو فكري عظيم تداعت به عليهم أمم الكفر من الشرق والغرب ومن أشد ذلك وأخطره: ١ - الغزو النصراني الصليبي. ٢ - الغزو الصهيوني. ٣ - الغزو الشيوعي الإلحادي. أما الغزو النصراني الصليبي فهو اليوم قائم على أشده ومنذ أن انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين الغازين لبلاد المسلمين بالقوة والسلاح؛ أدرك النصارى أن حربهم هذه وإن حققت انتصارات فهي وقتية لا تدوم؛ ولذا فكروا في البديل الأنكى وتوصلوا بعد دراسات واجتماعات إلى ما هو أخطر من الحروب العسكرية وهو أن تقوم الأمم النصرانية فرادى وجماعات بالغزو الفكري لناشئة المسلمين؛ لأن الاستيلاء على الفكر والقلب أمكن من الاستيلاء على الأرض. فالمسلم الذي لم يلوث فكره لا يطيق أن يرى الكافر له الأمر والنهي في بلده، ولهذا يعمل بكل قوته على إخراجه وإبعاده ولو دفع في سبيل ذلك حياته وأغلى ثمن لديه، وهذا ما حصل بعد الانتصارات الكبيرة للجيوش الصليبية الغازية. أما المسلم الذي تعرض. لذلك الغزو الخبيث فصار مريض الفكر عديم الإحساس فإنه لا يرى خطرا في وجود النصارى أو غيرهم في أرضه، بل قد يرى أن ذلك من علامات الخير ومما يعين على الرقي والحضارة، وقد استغنى النصارى بالغزو الفكري عن الغزو المادي لأنه أقوى وأثبت، وأي حاجة لهم في بعث الجيوش وإنفاق الأموال

стр. 1413

مع وجود من يقوم بما يريدون من أبناء الإسلام عن قصد أو عن غير قصد وبثمن أو بلا ثمن، ولذلك لا يلجأون إلى محاربة المسلمين علانية بالسلاح والقوة إلا في الحالات النادرة الضرورية التي تستدعي العجل كما حصل في غزوة أوغندة أو الباكستان، أو عندما تدعو الحاجة إليها لتثبيت المنطلقات وإقامة الركائز وإيجاد المؤسسات التي تقوم بالحرب الفكرية الضروس كما حصل في مصر وسوريا والعراق وغيرها قبل الجلاء. أما الغزو الصهيوني فهو كذلك لأن اليهود لا يألون جهدا في إفساد المسلمين في أخلاقهم وعقائدهم، ولليهود مطامع في بلاد المسلمين وغيرها، ولهم مخططات أدركوا بعضها، ولا زالوا يعملون جاهدين لتحقيق ما تبقى، وهم وإن حاربوا المسلمين بالقوة والسلاح واستولوا على بعض أرضهم فإنهم كذلك يحاربونهم في أفكارهم ومعتقداتهم، ولذلك ينشرون فيهم مبادئ ومذاهب ونحلا باطلة. كالماسونية والقاديانية والبهائية والتيجانية وغيرها، ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم. أما الغزو الشيوعي الإلحادي فهو اليوم يسري في بلاد الإسلام سريان النار في الهشيم نتيجة للفراغ وضعف الإيمان في الأكثرية، وغلبة الجهل وقلة التربية الصحيحة والسليمة. فقد استطاعت الأحزاب الشيوعية في روسيا والصين وغيرهما أن تتلقف كل حاقد وموتور من ضعفاء الإيمان أو معدومي الإيمان وتجعلهم ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد والفكر الشيوعي الخبيث وتعدهم وتمنيهم بأعلى المناصب والمراتب، فإذا ما وقعوا تحت سيطرتها أحكمت أمرها فيهم وأدبت بعضهم ببعض وسفكت دماء من عارض أو توقف حتى أوجدت قطعانا من بني الإنسان حربا على أممهم وأهليهم وعذابا على إخوانهم وبني قومهم، فمزقوا بهم أمة الإسلام وجعلوهم جنودا للشيطان يعاونهم في ذلك النصارى واليهود بالتهيئة والتوطئة أحيانا، وبالمدد والعون

стр. 1414

أحيانا أخرى، ذلك أنهم وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم جميعا يد واحدة على المسلمين يرون أن الإسلام هو عدوهم اللدود ولذا نراهم متعاونين متكاتفين بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين فالله سبحانه المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1415

س٣: ما هي الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره؟ . جـ: الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره كثيرة منها: ١ - محاولة الاستيلاء على عقول أبناء المسلمين وترسيخ المفاهيم الغربية فيها لتعتقد أن الطريقة الفضلى هي طريقة الغرب في كل شيء، سواء فيما يعتقده من الأديان والنحل أو ما يتكلم به من اللغات أو ما يتحلى به من الأخلاق، أو ما هو عليه من عادات وطرائق. ٢ - رعايته لطائفة كبيرة من أبناء المسلمين في كل بلد وعنايته بهم وتربيتهم حتى إذا ما تشربوا الأفكار الغربية وعادوا إلى بلادهم أحاطهم بهالة عظيمة من المدح والثناء حتى يتسلموا المناصب والقيادات في بلدانهم، وبذلك يروجون الأفكار الغربية وينشئون المؤسسات التعليمية المسايرة للمنهج الغربي أو الخاضعة له. ٣ - تنشيطه لتعليم اللغات الغربية في البلدان الإسلامية وجعلها تزاحم لغة المسلمين وخاصة اللغة العربية لغة القرآن الكريم التي أنزل الله بها كتابه، والتي يتعبد بها المسلمون ربهم في الصلاة والحج والأذكار وغيرها، ومن ذلك تشجيع الدعوات الهدامة التي تحارب اللغة العربية، وتحاول إضعاف التمسك بها في ديار الإسلام في الدعوة إلى العامية، وقيام الدراسات الكثيرة التي يراد بها تطوير النحو وإفساده وتمجيد ما يسمونه بالأدب الشعبي والتراث القومي.

стр. 1416

٤ - إنشاء الجامعات الغربية والمدارس التبشيرية في بلاد المسلمين ودور الحضانة ورياض الأطفال والمستشفيات والمستوصفات وجعلها أوكارا لأغراضه السيئة وتشجيع الدراسة فيها عند الطبقة العالية من أبناء المجتمع ومساعدتهم بعد ذلك على تسلم المراكز القيادية والوظائف الكبيرة حتى يكونوا عونا لأساتذتهم في تحقيق مآربهم في بلاد المسلمين. ٥ - محاولة السيطرة على مناهج التعليم في بلاد المسلمين ورسم سياستها، إما: بطريق مباشر كما حصل في بعض بلاد الإسلام حينما تولى [دنلوب] القسيس تلك المهمة فيها، أو بطريق غير مباشر عندما يؤدي المهمة نفسها تلاميذ ناجحون درسوا في مدارس دنلوب وتخرجوا فيها فأصبح معظمهم معول هدم في بلاده وسلاحا فتاكا من أسلحة العدو، يعمل جاهدا على توجيه التعليم توجيها علمانيا لا يرتكز على الإيمان بالله والتصديق برسوله وإنما يسير نحو الإلحاد ويدعو إلى الفساد. ٦ - قيام طوائف كبيرة من النصارى واليهود بدراسة الإسلام واللغة العربية وتأليف الكتب وتولي كراسي التدريس في الجامعات؛ حتى أحدث هؤلاء فتنة فكرية كبيرة بين المثقفين من أبناء الإسلام بالشبه التي يلقونها لطلبتهم أو التي تمتلئ بها كتبهم وتروج في بلاد المسلمين، حتى أصبح بعض تلك الكتب مراجع يرجع إليها بعض الكاتبين والباحثين في الأمور الفكرية أو التاريخية، ولقد تخرج على يد هؤلاء المستشرقين من أبناء المسلمين رجال قاموا بنصيب كبير في إحداث الفتنة الكبرى، وساعدهم في ذلك ما يحاطون به من الثناء والإعجاب، وما يتولونه من مناصب هامة في التعليم والتوجيه والقيادة، فأكملوا ما بدأه أساتذتهم وحققوا ما عجزوا عنه لكونهم من أبناء المسلمين ومن جلدتهم ينتسبون إليهم ويتكلمون بلسانهم، فالله المستعان.

стр. 1417

٧ - انطلاق الأعداد الكثيرة من المبشرين الداعين إلى النصرانية بين المسلمين وقيامهم بعملهم ذلك على أسس مدروسة وبوسائل كبيرة عظيمة يجند لها مئات الآلاف من الرجال والنساء وتعد لها أضخم الميزانيات، وتسهل لها السبل، وتذلل لها العقبات: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وإذا كان هذا الجهد منصبا على الطبقة العامية غالبا فإن جهود الاستشراق موجهة إلى المثقفين كما ذكرت آنفا وأنهم يتحملون مشاق جساما في ذلك العمل في بلاد إفريقيا وفي القرى النائية من أطراف البلدان الإسلامية في شرق آسيا وغيرها، ثم هم بعد كل حين يجتمعون في مؤتمرات يراجعون حسابهم وينظرون في خططهم، فيصححون ويعدلون ويبتكرون، فلقد اجتمعوا في القاهرة سنة ١٩٠٦م، وفي أدنمبرج سنة ١٩١٠م، وفي لكنو سنة ١٩١١م وفي القدس ١٩٣٥ م، وفي القدس كذلك في عام ١٩٣٥م ولا زالوا يوالون الاجتماعات والمؤتمرات، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله. ٨ - الدعوة إلى إفساد المجتمع المسلم وتزهيد المرأة في وظيفتها في الحياة وجعلها تتجاوز الحدود التي حد الله لها وجعل سعادتها في الوقوف عندها وذلك حينما يلقون بين المسلمين الدعوات بأساليب شتى وطرق متعددة إلى أن تختلط النساء بالرجال، وإلى أن تشتغل النساء بأعمال الرجال، يقصدون من ذلك إفساد المجتمع المسلم والقضاء على الطهر والعفاف الذي يوجد فيه، وإقامة قضايا وهمية ودعاوى باطلة في أن المرأة في المجتمع المسلم قد ظلمت، وأن لها الحق في كذا وكذا ويريدون إخراجها من بيتها وإيصالها إلى حيث يريدون، في حين أن حدود الله واضحة وأوامره صريحة وسنة رسول الله ﷺ

стр. 1418

جلية بينة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) الآية. ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٤) ويقول ﷺ : «" إياكم والدخول على النساء " قال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو ... ؟ قال: " الحمو الموت ". وقال: لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٥) » . ٩ - إنشاء الكنائس والمعابد وتكثيرها في بلاد المسلمين، وصرف الأموال الكثيرة عليها وتزيينها وجعلها بارزة واضحة في أحسن الأماكن، وفي أكبر الميادين. ١٠ - تخصيص إذاعات موجهة تدعو إلى النصرانية والشيوعية، وتشيد بأهدافهما، وتضلل بأفكارها أبناء المسلمين السذج الذين لم يفهموا الإسلام، ولم تكن لهم تربية كافية علمية، وخاصة في أفريقيا حيث يصاحب هذا الإكثار من طبع الأناجيل وتوزيعها، في الفنادق وغيرها، وإرسال النشرات التبشيرية والدعوات الباطلة إلى الكثير من أبناء المسلمين. هذه بعض الوسائل التي يسلكها أعداء الإسلام اليوم من الشرق والغرب، في سبيل غزو أفكار المسلمين. وتنحية الأفكار السليمة الصالحة،

стр. 1419

لتحل محلها أفكار أخرى غربية، شرقية أو غربية، وهي كما ترى أيها القارئ جهود جبارة، وأموال طائلة، وجنود كثيرة، كل ذلك لإخراج المسلمين من الإسلام، وإن لم يدخلوا في النصرانية أو اليهودية أو الماركسية، إذ يعتقد القوم أن المهمة الرئيسية في ذلك هي إخراجهم من الإسلام، وإذا تم التوصل إلى هذه المرحلة فما بعدها سهل وميسور. ولكننا مع هذا نقول: إن الله سيخيب آمالهم ويبطل كيدهم، إذا صدق المسلمون في محاربتهم والحذر من مكائدهم، واستقاموا على دينهم لقوله : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١) ؛ لأنهم مفسدون وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ (٣) ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (٤) ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٥) وقال: : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٦) وقال: سبحانه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولا شك أن الأمر يحتاج من المسلمين إلى وقفة عقل وتأمل، ودراسة في الطريق التي يجب أن يسلكوها، والموقف المناسب الذي يجب أن يقفوه

стр. 1420

وأن يكون لهم من الوعي والإدراك ما يجعلهم قادرين على فهم مخططات أعدائهم، وعاملين على إحباطها وإبطالها. ولن يتم لهم ذلك إلا بالاستعصام بالله والاستمساك بهديه والرجوع إليه والإنابة له والاستعانة به، وتذكر هديه في كل شيء وخاصة في علاقة المؤمنين بالكافرين، وتفهم معنى سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) وما ذكره سبحانه في قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٣) أسأل الله سبحانه أن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا وأن يعيذها من مكائد أعدائها ويرزقها الاستقامة في القول والعمل حتى تكون كما أراد الله لها من العزة والقوة والكرامة، إنه خير مسئول وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1421

أسئلة وأجوبتها حول العقيدة (١) . طائفة الصوفية المتسولة: س١: سائل من سوريا يقول: يوجد ناس عندنا يقولون إننا أبناء الشيخ عيسى أو أبناء غيره من الشيوخ المعروفين عندنا، ويأتون يسألون الناس وقد لبسوا لباسا أخضر على رءوسهم من حرير، في أيديهم أسياخ من حديد، إذا أعطيتهم أرضيتهم، وإذا لم تعطهم غضبوا وضربوا أنفسهم بهذا الحديد في بطونهم وفي رءوسهم؟ . جـ١: هؤلاء من بعض الطوائف التي تسمى الصوفية. وهؤلاء يلعبون على الناس ويخدعونهم، بزعمهم أنهم أولاد فلان، أو فلان ويزعمون أنهم يستحقون على الناس المساعدة، وهؤلاء ينبغي منعهم من هذا العمل وتأديبهم عليه من جهة الدولة، لما في ذلك من كف شرهم عن الناس على السؤال بهذه الطريقة المنكرة. ولا يعطى مثل هؤلاء؛ لأن عطاءهم يشجعهم ... وإذا ضربوا أنفسهم فلا حرج عليك من ذلك، وإنما الحرج عليهم. والواجب نصيحتهم وتحذيرهم من هذا العمل المنكر. وهو من التشويش والتلبيس الذي يخدعون به الناس، وهم في الحقيقة يعملون هذه الأمور الشيطانية بتزيين من الشيطان، وتلبيس منه، وهو ما يسمى بالتقمير، وهو من أنواع السحر، يفعلون هذا الشيء في رأي الناظر، وهم لا يفعلونه في الحقيقة، ولو فعلوه حقيقة لضرهم؛ لأن السلاح والحديد وأشباه ذلك يضر الإنسان إذا ضرب به

стр. 1422

نفسه، ولكنهم يسحرون العيون بما يفعلون، كما ذكر الله عن سحرة فرعون، حيث قال في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقال تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٢) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٣) فلا ينبغي لأهل الإسلام أن يساعدوا مثل هؤلاء لأن مساعدتهم معناها مساعدة على المنكر وعلى التلبيس وعلى الشعوذة وعلى إيذاء المسلمين وخداعهم. فالواجب منع هؤلاء والقضاء على منكرهم هذا، وحسم مادتهم بالأدب البليغ، أو السجن من جهة الدولة، حتى يرتدعوا عن هذا العمل ... وفق الله قادة المسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده.

стр. 1423

بيوت الأفراح والمغالاة فيها س٢: نشكو من بيوت الأفراح والمغالاة فيها. لا سيما أن كثيرا من الناس اتخذها عادة. ويشترط لزواج ابنته أن يكون البيت الفلاني. وهذا يثقل كاهل العريس، نرجو التوجيه؟ . جـ٢: لا ريب أن السنة عدم التكلف في المهور والولائم من أجل تسهيل زواج الشباب والفتيات وأن يتواصى أهل الزوج وأهل الزوجة بترك التكلفة وبقلة المهور تشجيعا للشباب على الزواج. ولا شك أن قصور الأفراح مما يثقل كاهل الزوج والزوجة في بعض الأحيان، وكذلك الولائم. مما يشق عليهما أيضا. فالمشروع للجميع عدم التكلف في ذلك كله وقد قال رسول الله ﷺ : «خير الصداق أيسره، وخيرهن أقلهن مؤنة» . فالمشروع للجميع الحرص على اتباع السنة فالرسول ﵊ قال لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة (١) » والنبي ﷺ أولم

стр. 1424

على زينب بخبز ولحم، ودعا الناس إلى وليمته. والمقصود: أن جنس الولائم مشروع في النكاح، لكن ينبغي للمسلم عدم التكلف بجعل الطعام الكثير الذي يفضي إلى إلقائه في القمائم والمحلات المرغوب عنها، ويمنعها الفقراء والمحاويج، وإذا اكتفوا بقصورهم ولم يتوسعوا في دعوة الناس ... فالأمر في هذا أحسن؛ لأن المهم إعلان النكاح، والقيام بالوليمة ولو بشاة واحدة، أو شاتين ودعوة بعض الأقارب وعدم التوسع في ذلك أرفق بالجميع.

стр. 1425

حكم الذهاب إلى الكهنة والمنجمين: س٣: أرجو الإجابة عن صحة ديانة من يذهب إلى الكهنة والمنجمين، والإيمان بأقوالهم ذلك أنهم يأتون بما يشبه الصحيح. ومن ذلك أنهم يخبرون المرء باسم قريب من أقاربه ويصفون له منزله وربما وصفوا له ما عنده من المال والأولاد. إلخ؟ . جـ٣: هذا موجود في عهد رسول الله ﷺ وقبله وبعده، ولهذا نهى النبي ﷺ عن إتيان الكهان، وعن سؤالهم، قال ﵊: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (١) » ورواه مسلم في صحيحه. وقال ﷺ : «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) » وسأله بعض الناس عن إتيان الكهان فقال ﵊ لا تأتهم فليسوا بشيء وقالوا: يا رسول الله إنهم يصدقون في بعض الأحيان؟ قال تلك الكلمة يسمعها الشيطان الجني من السماء وهو يسترق السمع فيقرها في أذن وليه من الإنس وهو الكاهن والساحر فيصدق في تلك الكلمة ولكنهم يكذبون ويزيدون عليها مائة كذبة، وفي رواية «أكثر من مائة كذبة (٣) » فيقول الناس إنه صدق يوم كذا وكذا، فيكون ذلك وسيلة إلى تصديقه في كذبه كله. فالكهان لهم أصحاب من شياطين الجن. ويسمى الرئي، يعني: الصاحب من الجن الذي يخبره عن

стр. 1426

بعض الغيبيات، وعن بعض ما يقع في البلدان وهذا معروف في الجاهلية وفي الإسلام فيقول لصاحبه من السحرة والكهنة، وقع كذا في بلد كذا وليلة كذا؛ لأن الجن يتناقلون الأخبار فيما بينهم، والشياطين منهم. كذلك بسرعة هائلة من سائر الدنيا، فلهذا قد يغتر بهم من يسمع صدقهم في بعض المسائل. وقد يسترقون السمع، فيسمعون بعض ما يقع في السماء بين الملائكة مما تكلم الله به من أمور أهل الأرض، وما يحدث فيها، فإذا سمعوا تلك الكلمة قروها في أذن أصحابهم من الكهنة والسحرة والمنجمين، فيقولون سوف يقع كذا وكذا. إلى آخره. ولا يكتفي بهذا بل يكذب معها الكذب الكثير حتى يروج بضاعته، ويأخذ أموال الناس بالباطل، بسبب هذه الحوادث، والناس بسبب هذا يصدقون الكهنة والمنجمين ويأتونهم، والمرضى يتعلقون بخيط العنكبوت، ويتشبثون بكل شيء بسبب ما قد سمعوا عنهم أنهم صدقوا في كذا كذا. فالواجب عدم إتيانهم، وعدم سؤالهم، وعدم تصديقهم، ولو قدر أنهم صدقوا في بعض الشيء، لأن الرسول ﷺ نهى عن إتيانهم وسؤالهم، ونهى عن تصديقهم. وهذا هو الواجب على الجميع، وأن يسلكوا في علاج المرضى ما شرع الله من القراءة والدواء المباح مما يعرفه الأطباء. هذه هي الأسباب والوسائل الشرعية، وفيها غنية إن شاء الله عما حرمه الله.

стр. 1427

وجوب النهي عن المنكر على الجميع: س٤: سائلة تقول: أنا أعمل ممرضة في وحدة مدرسية، وأنكرت منكرا رأيته في عملي كان ذلك سببا لطردي من العمل، وسببا لتعاستي ومتاعبي النفسية وأصبحت أنهى أولادي عن إنكار أي منكر. أرجو التوجيه أثابكم الله؟ . ج٤: لا شك أن الذي حصل عليك غلط كبير ممن فعله، إذا كنت

стр. 1428

قد أنكرت المنكر عن علم وبصيرة ... والواجب عليك إنكار المنكر، ولا يضرك كونك طردت من العمل واستغني عنك، فقد أرضيت ربك ، وفعلت ما يجب عليك فعله. والأمور جميعها بيد الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » . والله يقول في كتابه العزيز جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) ويقول عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣) فإذا فعلت ذلك طاعة لله، والتماسا لمرضاته، فإن العاقبة تكون لك حميدة، ولا يضرك ما حصل وسوف يغنيك الله عن ذلك، والله هو الرزاق جل وعلا. وبيده الخير كله. وهو القائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٦) فعلى المؤمنة تقوى الله ، سواء كانت مدرسة أو ممرضة أو غير ذلك، وهكذا الطبيبة والمديرة ونحوهما، وعلى الجميع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما يجب على الرجال لما تقدم من الآيات والحديث. وقد أخطأت في نهيك أولادك عن إنكار المنكر، فاتقي الله وتوبي إليه من ذلك، وأوصيهم بما أوجب الله عليهم.

стр. 1429

معنى الكفر في الطعن في الأنساب والنياحة على الميت: س٥: ما هو شرح حديث اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في

стр. 1430

الأنساب والنياحة على الميت، وما معنى الكفر في هذا الحديث؟ . جـ٥: هذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، والطعن في النسب هو التنقص لأنساب الناس وعيبها على قصد الاحتقار لهم والذم، أما إن كان من باب الخبر فلان من بني تميم، ومن أوصافهم كذا، أو من قحطان أو من قريش أو من بني هاشم. يخبر عن أوصافهم من غير طعن في أنسابهم. فذلك ليس من الطعن في الأنساب، وأما النياحة فمعناها رفع الصوت بالبكاء على الميت وهي محرمة. والمراد بالكفر هنا كفر دون كفر. وليس هو الكفر المطلق المعرف بأداة التعريف، كقوله ﵊: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (١) » خرجه مسلم في صحيحه، وهذا هو الكفر الأكبر في أصح قولي العلماء. وقد ذكر العلماء أن الكفر كفران، والظلم ظلمان والفسق فسقان، وهكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر. فالشرك الأكبر مثل دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم أو للأصنام والأشجار والأحجار والكواكب. والشرك الأصغر مثل لولا الله وفلان، وما شاء الله وشاء فلان، والواجب أن يقول: لولا الله ثم فلان، وما شاء الله ثم شاء فلان. وكذا الحلف بغير الله كالحلف بالنبي، أو حياة فلان، أو بالأمانة، فهذا من الشرك الأصغر. وهكذا الرياء اليسير مثل كونه يستغفر ليسمع الناس، أو يقرأ يرائي الناس، فهو شرك أصغر، والظلم ظلمان: ظلم أكبر وهو الشرك بالله كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وكقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) أما الظلم الأصغر فهو مثل ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وظلم

стр. 1431

العبد نفسه بالمعاصي كالزنا وشرب المسكر ونحوها، نعوذ بالله من ذلك.

стр. 1432

كيفية العلاج من أمراض حسية ومعنوية: س٧: زوجتي أصيبت بمرض معين وأصبحت تخاف من كل شيء ولا تستطيع البقاء وحدها وآخر يقول: إنه يشكو نفس الحالة. وذلك أنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد للصلاة مع الجماعة، ويسأل عن العلاج حتى لا يلجأ إلى الكهان المشعوذين؟ . جـ٧: إن الله جل وعلا ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء علمه من علم وجهله من جهل، وأن الله جعل فيما أنزل على نبيه ﷺ من الكتاب والسنة - العلاج لجميع ما يشكو منه الناس من أمراض حسية ومعنوية، وقد نفع الله بذلك العباد وحصل به من الخير ما لا يحصيه إلا الله . والإنسان قد تعرض له أمور لها أسباب فيحصل له من الخوف والذعر مل لا يعرف له سببا بينا. والله جعل فيما شرعه على لسان نبيه ﷺ من الخير والأمن والشفاء ما لا يحصيه إلا الله . فنصيحتي لهذين السائلين وغيرهما أن يستعملوا ما شرعه الله تعالى من الأوراد الشرعية التي يحصل بها الأمن والطمأنينة وراحة النفوس والسلامة من مكائد الشيطان، ومن ذلك قراءة آية الكرسي، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) إلى آخر الآية، وهي أعظم آية في كتاب الله، وأفضل آية في كتاب الله ؛ لما اشتملت عليه من التوحيد والإخلاص لله وبيان عظمته جل وعلا، وأنه الحي القيوم المالك لكل شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه وبحمده.

стр. 1433

فإذا قرأ هذه الآية خلف كل صلاة، كانت له حرزا من كل شر، وهكذا قراءتها عند النوم فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، أن من قرأها عند النوم لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح. فليقرأها الخائف عند النوم وبعد كل صلاة، وليطمئن قلبه وسوف لا يرى ما يسوءه إن شاء الله، إذا صدق الرسول ﵊ فيما قال، واطمأن قلبه لذلك وأيقن أن ما قاله الرسول ﷺ هو الحق والصدق الذي لا ريب فيه. وقد شرع الله أن يقرأ المسلم والمسلمة بعد كل صلاة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) والمعوذتين، فهذا أيضا من أسباب العافية والأمن والشفاء من كل سوء و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) تعدل ثلث القرآن. والسنة أن يقرأ الإنسان هذه السور الثلاث بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة المغرب ثلاث مرات. وهكذا إذا أوى إلى فراشه يقرؤهن ثلاث مرات لصحة الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك، ومما يحصل به الأمن والعافية والطمأنينة والسلامة من كل شر، أن يستعيذ الإنسان بكلمات الله التامات، من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق (٣) » فقد جاءت الأحاديث دالة على أنها من أسباب العافية وهكذا: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات (٤) » صباحا ومساء، فقد أخبر النبي ﷺ أن «من قالها ثلاث مرات صباحا لم يضره شيء حتى يمسي ومن قالها مساء لم يضره شيء حتى يصبح (٥) » . فهذه الأذكار والتعوذات من القرآن والسنة كلها من أسباب الحفظ والسلامة والأمن من كل سوء. فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة الإتيان بها في أوقاتها، والمحافظة عليها،

стр. 1434

وهما مطمئنان وواثقان بربهما . القائم على كل شيء والعالم بكل شيء والقادر على كل شيء لا إله غيره ولا رب سواه، وبيده التصرف والمنع والضر والنفع، وهو المالك لكل شيء . والرسول ﷺ هو أصدق الناس، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى كما قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) عليه من ربه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.

стр. 1435

شروط قبول الدعاء: س٨: هذا الذكر وهذا الدعاء سلاح تصفونه لكل مؤمن فهل تشترطون شروطا أخرى لمن يحمل هذا السلاح؟ . جـ٨: نعم، من أعظم الشروط الثقة بالله والتصديق له ولرسوله ﷺ والإيمان بأن الله هو الحق ولا يقول إلا الحق والإخلاص لله سبحانه والمتابعة لرسوله ﷺ مع الإيمان بأن الرسول ﵊ بلغ الحق وهو الصادق فيما يقول، وأن يأتي بذلك عن إيمان وثقة بالله ورغبة فيما عنده وأنه سبحانه مدبر الأمور ومصرف الأشياء، وأنه القادر على كل شيء ، لا عن شك ولا عن سوء ظن بل عن حسن ظن بالله وثقة به. وأنه متى تخلف المطلوب فلعلة من العلل المذكورة أو غيرها فالعبد عليه أن يأتي بالأسباب والله مسبب الأسباب وهو الحكيم العليم وقد يحصل الدواء ولكن لا يزول الداء؛ لأسباب أخرى جهلها العبد والله فيها حكيم ، وهذا يشمل الدواء الحسي والمعنوي، الحسي الذي يقوم به الأطباء من أدوية وعمليات ونحو ذلك، والمعنوي الذي يحصل بالدعاء والقراءة ونحو ذلك من الأسباب الشرعية، ومع هذا كله قد يتخلف المطلوب لأسباب كثيرة منها الغفلة عن الله

стр. 1436

سبحانه ومنها المعاصي ولا سيما أكل الحرام وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر (١) » . وبذلك يعلم المؤمن والمؤمنة أن إجابته قد تؤجل إلى الآخرة لأسباب اقتضتها حكمة الله سبحانه، وقد يصرف عنه بأسباب الدعاء شر كثير بدلا من أن يعطى طلبه، والله هو الحكيم العليم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره كما قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) والله ولي التوفيق. تم ولله الحمد الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع في التوحيد وما يلحق به من كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز.

стр. 1437

صفحة فارغة

стр. 1438

صفحة فارغة

стр. 1439

صفحة فارغة

стр. 1440

صفحة فارغة
следующие страницы →